رغم مرور ثلاثة عشر عاماً على تحولات الثالث من يوليو 2013، لا يزال المشهد السياسي المصري محكوماً بظلال الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين. النظام الحالي، الذي جعل من القضاء على الجماعة ركيزة أساسية لشرعيته وترشحه للرئاسة لثلاث فترات متتالية، يجد نفسه اليوم أمام تساؤلات حول جدوى استمرار هذا الخطاب التحذيري.
تظهر المفارقة في الخطاب الرسمي الذي يتراوح بين إعلان النصر النهائي على الجماعة وتطهير مؤسسات الدولة منها، وبين استحضارها الدائم كـ 'غائب حاضر' في كل المناسبات الوطنية. السيسي لا يترك فرصة، سواء في ذكرى الثورة أو الانقلاب، إلا ويشير إلى 'أهل الشر'، وهو ما يعكس عدم قدرة النظام على تجاوز هذه الحقبة زمنياً أو سياسياً.
في تطور لافت، شهدت الآونة الأخيرة تصريحات رئاسية تضمنت الترحم على الرئيس الراحل محمد مرسي، مع الإشارة إلى أن التعايش كان ممكناً لو قُبلت فكرة الانتخابات المبكرة. ومع ذلك، تزامنت هذه التصريحات مع توجيهات للأذرع الإعلامية والفنية بتكثيف حملات التشويه ووصم الجماعة بالإرهاب عبر إنتاجات درامية جديدة.
يرى مراقبون أن النظام المصري يعتمد استراتيجية 'صناعة الأزمات' بدلاً من حلها، مستخدماً الدراما والسينما لتسويق رواية أحادية حول أحداث يناير وما تلاها. هذا التوجه يهدف إلى إغلاق الباب أمام أي مساعٍ حقيقية للمصالحة الوطنية أو الخروج من نفق الاستقطاب المظلم الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.
الثمن الذي يدفعه الوطن جراء هذا التأزيم المستمر يتجلى في تدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بشكل غير مسبوق. فالمصريون يواجهون موجات غلاء طاحنة، وزيادة في معدلات الفقر والبطالة، فضلاً عن تصاعد الديون الخارجية التي باتت تشكل ضغطاً هائلاً على القرار السيادي للدولة.
إن استدعاء أحداث 2013 بصورها الدرامية والسياسية يهدف، بحسب التحليل، إلى إعادة نشر الترويع بين المواطنين وتذكيرهم بـ 'نعمة الأمن'. هذه المقايضة تفرض على الشعب قبول الخطايا الاقتصادية والسياسية مقابل الاستقرار الأمني الهش، مما يعطل أي حراك نحو الإصلاح الحقيقي.
بالعودة إلى سياق 2013، فقد جرت الأحداث في بيئة سياسية مضطربة ناتجة عن انقسام مجتمعي حاد حول السلطة المدنية المنتخبة. ورغم خروج قطاعات شعبية ضد حكم مرسي، إلا أن نتائج الانتخابات التي منحته 52% من الأصوات كانت تعكس انقساماً ديمقراطياً طبيعياً تشهده أعرق الديمقراطيات العالمية.
إن استمرار هذا النظام لفترة أطول يعني استمرار الأزمات بل وتصاعدها في كل المجالات، ولن يستفيد من ذلك سوى القلة الحاكمة وأعداء الوطن.
التجارب الدولية في تركيا وفنزويلا وتشيلي تظهر أن الانقلابات العسكرية تقابل دائماً بردود فعل شعبية متباينة للدفاع عن الإرادة الانتخابية. وفي مصر، استمرت المظاهرات والاعتصامات السلمية لأكثر من عامين قبل أن تنجح السلطة الجديدة في قمعها باستخدام القوة المفرطة والاعتقالات الواسعة.
شهدت تلك الفترة بعض الانفلاتات التي وصلت إلى حد العنف السياسي، وهو أمر ترفضه المبادئ الإنسانية والقانونية بغض النظر عن هوية الضحية أو الجاني. القضاء النزيه والمستقل هو الوحيد المخول بمحاسبة الجميع، سواء كانوا من قوات الأمن أو من المحتجين الذين لجأوا للسلاح في لحظات الغضب.
القيادة التاريخية لجماعة الإخوان واجهت تحديات داخلية كبرى بسبب تمسكها بالنهج السلمي ورفضها للعمليات النوعية، مما أدى لانقسامات داخل صفوفها. ورغم قسوة التنكيل الأمني والموت داخل السجون وأحكام الإعدام، إلا أن الجماعة أصدرت رسائل عديدة لضبط المسار ومنع الانزلاق نحو العنف الشامل.
الحكمة السياسية تقتضي وضع النزاعات في سياقها الطبيعي والبحث عن تسويات شاملة تخرج الأوطان من أزماتها المستنزفة. فكل الصراعات الكبرى في التاريخ انتهت بطاولات المفاوضات، حيث كانت الأوطان هي المستفيد الأكبر من طي صفحات الماضي والبدء في مرحلة بناء جديدة.
السلطة الحالية في مصر تُتهم بالوقوف حائلاً أمام أي مخرج سياسي للأزمة، مفضلةً سياسة 'فرق تسد' الاستعمارية للإبقاء على حالة الخوف. هذا النهج يمنع المجتمع من التنفس بحرية ويقيد طاقات الشباب والمبدعين تحت ذريعة محاربة الإرهاب المستمرة منذ عقد من الزمان.
مع اقتراب نهاية الفترة الرئاسية الحالية في عام 2030، تبرز ضرورة تمسك القوى الحية في المجتمع بالدستور ورفض أي تعديلات تمدد الحكم. إن استمرار الوضع الراهن يعني مزيداً من التدهور في المجالات السياسية والاقتصادية، وهو ما لا يخدم سوى فئة قليلة مرتبطة بدوائر السلطة.
تحتاج مصر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تجاوز 'فوبيا الإخوان' والانطلاق نحو مرحلة تنموية حقيقية تقوم على أولويات وطنية واضحة. الحرية هي المفتاح الوحيد لتفجير طاقات الشعب المصري وتجاوز آثار 'العشرية السوداء' التي كبلت طموحات البلاد وأرهقت كاهل المواطن البسيط.





شارك برأيك
عقد من الاستقطاب: هل ينجح النظام المصري في تجاوز 'فوبيا الإخوان'؟