تكنولوجيا

الأحد 22 فبراير 2026 2:41 مساءً - بتوقيت القدس

ثورة التشريعات الرقمية: دول العالم تتسابق لتقييد وصول القاصرين لمنصات التواصل

يشهد العالم حالياً تحولاً جذرياً في كيفية تعامل الحكومات مع الفضاء الرقمي، حيث انتقل التركيز من مجرد التوعية بالتربية الرقمية إلى فرض قيود تشريعية صارمة. تتسارع الدول لإعادة رسم حدود ما يمكن تسميته بـ 'سن الرشد الرقمي'، وسط مخاوف متزايدة من تأثير الخوارزميات التي تستدرج انتباه القاصرين وتعرّضهم لمحتوى عنيف أو غير لائق.

لم يعد الهاتف الذكي مجرد أداة ترفيهية، بل أصبح بوابة لمخاطر تتجاوز قدرة الأطفال على الاستيعاب، خاصة مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي. هذا التطور التقني دفع دولاً عدة لتبني إجراءات تتراوح بين الحظر المباشر، أو اشتراط موافقة الأهل، أو إلزام الشركات بآليات صارمة للتحقق من العمر قبل إنشاء أي حساب.

تتصدر أستراليا هذا المشهد العالمي بعد إقرارها إطاراً قانونياً في نهاية عام 2025 يمنع من هم دون سن السادسة عشرة من استخدام منصات التواصل. وبموجب هذا القانون، أزالت شركات التكنولوجيا نحو 4.7 مليون حساب لقاصرين بحلول مطلع عام 2026، لتجنب غرامات باهظة قد تصل قيمتها إلى 33 مليون دولار أمريكي.

في القارة الأوروبية، سلكت فرنسا مساراً مشابهاً عبر إقرار قانون يحظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عاماً، مع منع الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية. ومن المتوقع أن تدخل هذه الإجراءات حيز التنفيذ الكامل بحلول سبتمبر 2026، مما يضع المنصات أمام تحدي تقني لتعطيل الحسابات غير المتوافقة مع السن القانوني.

البرتغال اعتمدت نموذجاً مختلفاً يركز على دور الأسرة، حيث يفرض القانون الجديد موافقة الوالدين الصريحة للأطفال بين 13 و16 عاماً عبر نظام 'المفتاح الرقمي المحمول'. هذا التوجه يهدف إلى إشراك الأهل كوسطاء رقميين، مع ضمان تطبيق الحظر القائم أصلاً لمن هم دون سن الثالثة عشرة.

تأتي هذه التحركات مدفوعة بتقارير مقلقة حول التنمّر الإلكتروني واضطرابات النوم وتراجع التركيز لدى المراهقين بسبب الاستخدام المفرط. كما كشفت تسريبات من داخل شركات التكنولوجيا الكبرى أن الأولوية كانت تُعطى دائماً للأرباح والنمو على حساب سلامة المستخدمين الصغار، مما أفقد الحكومات الثقة في الرقابة الذاتية للشركات.

أضاف الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً للمخاطر، خاصة مع قدرة بعض الأدوات على توليد صور مفبركة ذات طابع جنسي تستهدف الأطفال. وقد رصدت مصادر حقوقية مداهمات لمكاتب منصات كبرى في باريس، وتحقيقات رسمية في بريطانيا حول قدرة روبوتات المحادثة على إنتاج محتوى مسيء دون موافقة أصحاب الصور.

منظمة اليونيسف حذرت من أن أكثر من مليون طفل تعرضوا لتلاعب بصورهم وتحويلها إلى محتوى جنسي مزيف خلال عام واحد فقط. وطالبت المنظمة الدولية الحكومات بتوسيع تعريف مواد الاعتداء الجنسي لتشمل المحتوى المولد آلياً، وتجريم إنتاجه أو امتلاكه بأي شكل من الأشكال.

بريطانيا كانت من أوائل الدول التي استجابت لهذه التحذيرات عبر إعلان نيتها تجريم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مواد اعتداء على الأطفال. هذا التشريع يمثل نقلة نوعية في المساءلة القانونية، حيث يربط بين التطور التقني والمسؤولية الجنائية المباشرة للمطورين والمستخدمين على حد سواء.

رغم هذه القوانين، تبرز تحديات تقنية وحقوقية كبرى تتعلق بآليات التحقق من العمر دون المساس بخصوصية البيانات الحساسة. فاستخدام وثائق الهوية الرسمية أو بصمة الوجه يثير مخاوف المنظمات الحقوقية من تحويل المنصات الاجتماعية إلى امتداد لسجلات الدولة الرقابية.

يشير خبراء تقنيون إلى سهولة الالتفاف على هذه القيود عبر استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) أو تزييف تواريخ الميلاد. وفي أستراليا، كشفت تقارير أن بعض المنصات لا تزال تكتفي بإدخال العمر يدوياً دون تحقق فعلي، مما يجعل القوانين الجديدة مجرد نصوص نظرية في بعض الأحيان.

هناك وجهة نظر أخرى تحذر من أن الحظر الشامل قد يؤدي إلى 'هجرة' المراهقين نحو تطبيقات مراسلة مغلقة وأكثر خطورة. ويرى هؤلاء أن منع الطفل من دخول العالم الرقمي حتى سن معينة ثم إطلاقه فجأة يشبه رمي شخص في المحيط دون تعليمه السباحة، مما يستوجب تدريباً تدريجياً على السلامة.

تتجه بعض المنصات مثل 'إنستغرام' و'تيك توك' لتوفير 'حسابات مراهقين' تتضمن ميزات أمان افتراضية وتقليلاً للإشعارات الليلية. هذه المقاربة تسعى لمعالجة 'هندسة' المنتج الرقمي نفسه بدلاً من الحظر الكلي، وهو ما يراه البعض حلاً أكثر واقعية واستدامة في العصر الرقمي الحالي.

في نهاية المطاف، يبدو أن العالم يتجه نحو 'عقد اجتماعي رقمي' جديد يضع حماية الطفولة في صلب الأولويات التشريعية. نجاح هذه الموجة يعتمد على التوازن بين الحظر القانوني، وإصلاح تصميم المنصات، والاستثمار في التربية الرقمية للأجيال الناشئة لضمان بيئة آمنة ومسؤولة.

دلالات

شارك برأيك

ثورة التشريعات الرقمية: دول العالم تتسابق لتقييد وصول القاصرين لمنصات التواصل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.