أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 6:38 صباحًا - بتوقيت القدس

مفاوضات حافة الهاوية: لعبة القوة والشرعية في الصراع الأمريكي الإيراني

 د. إبراهيم نعيرات

في المشهد السياسي الدولي، لا تبدأ الحروب بطلقة مفاجئة، بل بسردية دقيقة تُبنى بعناية داخل القاعات المغلقة. هنا، يجلس الوفدان الأمريكي والإيراني على طرفي طاولة طويلة، تتوسطها ملفات سميكة وابتسامات دبلوماسية محسوبة، بينما تتشكل خلف الأبواب خيوط القوة والشرعية التي ستحدد مسار الأحداث لاحقًا. الولايات المتحدة، بحشدها الجوي والبحري وتوسيع قواعدها العسكرية، وفتحها في الوقت نفسه باب التفاوض، لا تتحرك في اتجاهين متناقضين، بل في مسارين متوازيين: الأول يعرض القوة، والثاني يبني الشرعية للرأي العام وللمؤسسات بأن الدبلوماسية أُعطيت فرصة ثم استُنفدت.

حين ينهض رئيس الوفد الأمريكي معلنًا أن المفاوضات فشلت، تتلى الكلمات بعناية: الطرف الآخر تعنّت، تجاوز الخطوط الحمراء، ورفض الشروط الضرورية. لكن هذه اللحظة ليست مجرد حدث عارض، بل هي جزء من سيناريو تم ترتيبه بعناية. الولايات المتحدة تدرك مسبقًا أن إيران لن تقبل بالشروط المفروضة عليها، فالمفاوضات ليست في الحقيقة بهدف الوصول إلى اتفاق بل لتسليط الضوء على رفض إيران للضغوط الدولية. الهدف الأمريكي الأعمق في هذه المرحلة ليس فرض شروط على إيران، بل تسريع عملية تغيير النظام، وفتح المجال أمام توسيع الضغط العسكري والسياسي.

هذه اللحظة ليست وليدة ساعة الصفر، بل تراكم سنوات من الشكوك والاتهامات، خصوصًا حول الملف النووي الإيراني، حيث كل تقدم تقني في التخصيب يُقرأ في واشنطن كاقتراب من عتبة خطيرة، وكل عقوبة إضافية تُقرأ في طهران كحلقة جديدة في حرب اقتصادية مفتوحة. بين هذه القراءات تتسع فجوة الثقة، لكن إيران ليست طرفًا ساذجًا؛ فهي تدرك أن التفاوض يمكن أن يكون أداة استراتيجية بحد ذاته، يمنحها الوقت، يخفف الضغوط الدولية، ويبرزها كطرف مستعد للحوار حتى لو كانت احتمالات النجاح محدودة.

لكن، لا بد أن الولايات المتحدة وإسرائيل سستفيدان من الزخم الذي خلقته هذه الضغوط حتى الآن. إذ من خلال قبول إيران بالتفاوض، رغم أنها لم تُجبِه بتحدي صارم أمام الحشود الأمريكية والضغوط الإسرائيلية، تظهر إيران في صورة الطرف الذي اضطر للقبول، مما يعزز من موقف واشنطن وتل أبيب في الساحة الدولية. في هذه اللحظة، تكتسب الولايات المتحدة وإسرائيل القوة في تبرير موقفهما بأنهما قدما كل الفرص للتوصل إلى تسوية سلمية، لكن رفض إيران للاستجابة بشكل جدي سيُظهرها كطرف متعنّت، غير مستعد للقبول بالشروط.

ومن جانب اخر، فأن السمات الشخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أضافت بُعدًا جديدًا لهذه الأزمة. فلو كان رئيس أمريكا شخصًا آخر مثل الرؤساء السابقين، الذين اتبعوا سياسات أكثر تقليدية ودبلوماسية، لكانت إيران قد قرأت الرسالة بشكل مغاير تمامًا. ولربما اعتبرت إيران الحشود العسكرية الأمريكية بمثابة إعلان حرب مباشر، كما كانت ستتوقع رد فعل أكثر تقليدية من واشنطن في هذا السياق. ترامب، الذي أصبح معروفًا بتدخلاته غير التقليدية، مثلما حدث في فنزويلا، يؤثر على القراءة الإيرانية للوضع. إيران كانت تراقب بعناية شخصية ترامب وتاريخه، فبدلاً من رؤية الحشود العسكرية الأمريكية كتهديد مباشر لحرب وشيكة، رأت في ذلك مجرد مناورة إعلامية أو لعبة ضغط مؤقتة قد لا تتبعها خطوة عسكرية شاملة.  هذا الازدواج في الرسائل جعل من الصعب على إيران اتخاذ قرار حاسم، فهي لا تعرف إن كان ترامب جادًا في تصعيد الموقف أم أنه يواصل اتباع نهج سياسات فوضوية وغير متوقعة.

في الخلفية الإقليمية يظهر عنصر جديد في المعادلة: دور إسرائيل. بحسب التحليلات، قد يكون الدور الذي ستلعبه إسرائيل هو إشعال الشرارة الأولى — تنفيذ عمل محدود أو استفزاز محسوب ضد أهداف مرتبطة بإيران، ما يؤدي إلى رد مباشر من طهران. هذا الرد يصبح الذريعة المثالية للولايات المتحدة للتدخل لاحقًا، سواء عبر تعزيز الضغط العسكري أو القيام بعمليات محدودة، ويتيح لها أن تظهر بمظهر القوة المتدخلة دفاعيًا وليس معتدية. في هذه الحسابات، يبدو أن توزيع الأدوار بين واشنطن وتل أبيب ليس مجرد تنسيق عابر، بل تكتيك دقيق: إسرائيل تتحرك أولًا لتوليد الحدث، والولايات المتحدة تنتظر الفرصة لتقديم التدخل كخيار مبرر قانونيًا وسياسيًا أمام العالم.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة كبيرة؛ فالخطوة الأولى لإسرائيل قد تتطور بسرعة خارج السيطرة، ورد إيران يمكن أن يتسع جغرافيًا، ويشمل أدوات الرد المباشر وغير المباشر عبر حلفائها الإقليميين. الولايات المتحدة، حتى لو كانت على اطلاع أو مشاركة جزئيًا في التخطيط، تتحمل الجزء الأكبر من العبء السياسي والدبلوماسي لاحقًا، خصوصًا إذا توسع الصراع أو طال أمده.

وبينما يبدو للمتابع الخارجي أن هناك توترًا واضحًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يظهر هذا في الحقيقة كتوزيع للأدوار. أحدهما يظهر أكثر صرامة وعنفًا محتملًا، والآخر يحافظ على خيار التفاوض، لتنشأ معادلة ضغط مزدوجة: "اتفاق بشروطنا، أو سيناريو أسوأ." داخليًا، يسمح هذا لكل زعيم بمخاطبة قواعده الانتخابية، وخارجيًا يخلق حالة من عدم اليقين لدى إيران، فتصبح الرسائل متعددة الطبقات: لا يمكن الجزم إن كان الخلاف حقيقيًا أم مجرد مسرح سياسي محسوب.

بهذا الأسلوب، تتحول القاعة التي خرج منها الوفد الأمريكي على أنها لحظة فشل دبلوماسي إلى جزء من مسرحية أكبر: كل طرف يؤدي دوره في مسرحية الصراع، حيث تظهر إسرائيل كفاعل أول مستفز، وتظهر الولايات المتحدة كقوة متدخلة لحماية مصالحها وحلفائها، مع الحفاظ على مشروعية قرارها أمام المجتمع الدولي. وفي المقابل، إيران تحاول قراءة هذه الإشارات، تمارس ضبط النفس أحيانًا، وتحسب كل خطوة وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية.

السياسة الدولية ليست مسرحًا بنص ثابت، بل لعبة شطرنج طويلة، تتحرك فيها الأطراف بحذر بين الحشد العسكري، الاستفزازات، والفرص الدبلوماسية. بين لحظة الانسحاب من القاعة، والرد الإيراني المتوقع، وبين الحشد في الخليج وخطط الضربات، تتحدد مجريات الصراع، وتصبح مسألة متى وأين ستُشعل الشرارة الكبرى مسألة احتمالات دقيقة أكثر من كونها قرارًا مسبقًا وحتميًا.

في النهاية، هذه اللحظة لا تُختصر في فشل مفاوضات أو انقسام في المواقف، بل في تفاعل متشابك بين استراتيجية القوة، حسابات الشرعية، توزيع الأدوار بين الحلفاء، وقراءة الخصم لكل خطوة. المشهد الرمادي بين التصعيد والتهدئة هو ما يحدد في النهاية مسار الصراع، وليس مجرد كلمات تُتلى على طاولة المفاوضات.

دلالات

شارك برأيك

مفاوضات حافة الهاوية: لعبة القوة والشرعية في الصراع الأمريكي الإيراني

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.