تحليل

الثّلاثاء 10 فبراير 2026 7:00 صباحًا - بتوقيت القدس

المساومة المستحيلة: نذر المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران في ظل التحريض الإسرائيلي

تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من الاستنفار العسكري غير المسبوق مع توارد الأنباء عن حشود ضخمة من السفن الحربية الأمريكية التي تتجه نحو المنطقة. وتأتي هذه التحركات تنفيذاً لتأكيدات الرئيس دونالد ترامب المتكررة بضرورة تكثيف الضغط العسكري لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات والامتثال للشروط الأمريكية الصارمة.

تتزامن هذه التهديدات مع محاولات أمريكية وإسرائيلية سابقة للرهان على الاحتجاجات الداخلية في إيران لإضعاف النظام أو إسقاطه. ومع ذلك، فإن صمود الأجهزة الأمنية الإيرانية وتجاوز موجة الاضطرابات أفشل هذه الرهانات، مما دفع الإدارة الأمريكية للعودة إلى لغة التهديد العسكري المباشر كأداة ضغط أساسية.

في المقابل، لم تظهر طهران أي علامات للضعف أمام الحشود العسكرية، بل ردت بتهديدات مقابلة تؤكد جاهزيتها لخوض حرب شاملة. وحذرت القيادة الإيرانية من أن أي استهداف لأراضيها سيقابل برد مزلزل يطال القواعد الأمريكية في المنطقة ويؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة الدولية.

الخطاب الإيراني الأخير اتسم بنوع من العقلانية تجاه دول الجوار في الخليج العربي، حيث بعثت طهران برسائل طمأنة مفادها تحييد هذه الدول عن الصراع في حال التزمت الحياد. واشترطت إيران عدم تقديم أي تسهيلات عسكرية للجانب الأمريكي أو السماح باستخدام الأجواء لضرب الأهداف الإيرانية لضمان سلامة أراضي تلك الدول.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران تمكنت من تعزيز قدراتها الدفاعية من خلال مساعدات عسكرية وتقنية حصلت عليها من الصين وروسيا. هذا التطور الاستراتيجي، الذي أعقب مواجهات العام المنصرم، شكل عائقاً أمام اتخاذ واشنطن قراراً سريعاً بشن ضربة عسكرية، نظراً لتغير موازين القوى النسبية في المنطقة.

تتمثل المعضلة الكبرى في رفع الرئيس ترامب لسقف المطالب الأمريكية إلى مستويات يصفها مراقبون بالتعجيزية وغير القابلة للتحقيق عبر الدبلوماسية. فالتنازل عن هذه الشروط سيضر بمصداقية الإدارة الأمريكية، بينما السعي لفرضها بالقوة العسكرية يهدد بإشعال حريق إقليمي لا يمكن التنبؤ بنهايته أو السيطرة على تداعياته.

تتضمن الشروط الأمريكية المسربة مطالب راديكالية تشمل التصفير الكامل للبرنامج النووي الإيراني وإنهاء عمليات التخصيب بشكل قطعي. كما تشمل تسليم المخزون النووي لرقابة دولية صارمة، وتفكيك أجهزة الطرد المركزي في مفاعلي نطنز وفوردو، وفتح المنشآت أمام كاميرات التفتيش على مدار الساعة.

ولا تتوقف المطالب عند الملف النووي، بل تمتد لتشمل تفكيك منظومة الصواريخ الباليستية التي يتجاوز مداها ألفي كيلومتر، ووقف الدعم المالي والعسكري للفصائل الحليفة في المنطقة. كما تطالب واشنطن بإجراء إصلاحات سياسية داخلية شاملة تسمح للمعارضة بالعمل وتضمن إطلاق سراح السجناء السياسيين.

من جانبه، يرى بنيامين نتنياهو أن أي اتفاق دبلوماسي مع طهران يمثل انتصاراً للمشروع الإيراني وتهديداً وجودياً لدولة الاحتلال. ويسعى نتنياهو، الذي يواجه ملاحقات قانونية دولية، إلى دفع واشنطن نحو الخيار العسكري المباشر لإنهاء التهديد الإيراني بشكل نهائي، بغض النظر عن التكاليف التي قد تتحملها دول المنطقة.

دولة الاحتلال تبدي تجاهلاً واضحاً لمصالح حلفاء أمريكا الإقليميين وتأثيرات الحرب المحتملة على أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة. هذا الموقف المتصلب يضع واشنطن في موقف حرج، خاصة مع اهتزاز الثقة بينها وبين بعض الحلفاء الخليجيين نتيجة السياسات الإسرائيلية العدوانية في المنطقة.

بدأت دول المنطقة تستشعر بشكل متزايد أن الخطر الإسرائيلي على الأمن القومي العربي بات يوازي أو يفوق المخاطر الأخرى، خاصة مع اتباع إيران سياسة أكثر مرونة تجاه جيرانها. هذا التحول في الإدراك الاستراتيجي دفع بعض الدول لإعلان رفضها القاطع للمشاركة في أي عمل عسكري يستهدف الأراضي الإيرانية.

نتنياهو استشعر خطورة المسار الدبلوماسي بعد الجولة الأولى من المفاوضات التي عقدت في مسقط مؤخراً، والتي أظهرت تقارباً أولياً في وجهات النظر. وبناءً على ذلك، قام بزيارة عاجلة ومفاجئة للبيت الأبيض للقاء ترامب، في محاولة أخيرة لقطع الطريق على أي تفاهمات محتملة قد تنهي الأزمة سلمياً.

هناك مخاوف جدية من قيام دولة الاحتلال بعمل عسكري منفرد ومفاجئ ضد إيران بهدف توريط الولايات المتحدة في حرب لا ترغب بها حالياً. هذا السيناريو يهدف إلى فرض واقع ميداني جديد يغلق أبواب الدبلوماسية ويجبر الإدارة الأمريكية على التدخل العسكري المباشر لحماية حليفتها في المنطقة.

في ظل هذه التعقيدات، يبدو أن احتمال المواجهة العسكرية يرجح كفة الحلول السلمية، نظراً لتمسك الطرفين بمواقف مبدئية يصعب التنازل عنها. فإيران تعتبر الشروط الأمريكية صك استسلام وتفريط بالسيادة، بينما يجد ترامب نفسه محاصراً بين وعوده الانتخابية وضغوط اللوبي الإسرائيلي المتواصلة.

دلالات

شارك برأيك

المساومة المستحيلة: نذر المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران في ظل التحريض الإسرائيلي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.