لا يُعامَل الفلسطيني في مطارات العالم كمسافر عادي بل كملف أمني متنقّل، وكأن الجغرافيا لم تكن كافية لعقابه فامتد العقاب إلى الجواز والتأشيرة والبوابة الإلكترونية ونظرة موظف الحدود قبل ختم الدخول أو الرفض، الفلسطيني اليوم غير مرحّب به في معظم دول العالم لا لأنه ارتكب جرمًا بل لأنه يحمل هوية قررت المنظومة الدولية أن تبقيها معلّقة بين الشبهة والإنكار، موافقات أمنية ورسوم باهظة وتأشيرات معلّقة ومنع صريح أو مبطّن حتى بات العبور ذاته معركة صغيرة يخوضها الفلسطيني وحده في صمت مهين.
المفارقة أن هذا التعامل لا يقتصر على الدول الغربية أو تلك التي اعتادت النظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية أمنية باردة بل يمتد إلى دول عربية يفترض بها أن تكون الظهر لا الحاجز والملاذ لا المتراس، هنا لا يعود المشهد مجرد نفاق دولي بل يتحول إلى سقوط أخلاقي، حيث يُستنسخ خطاب الاحتلال بأدوات بيروقراطية عربية وبمصطلحات تكاد تكون مطابقة لتلك التي تُستخدم في مطارات تل أبيب، موافقة أمنية وعدم ممانعة وكفيل ورسوم تحت الطاولة كلها إجراءات تُقدَّم بلبوس السيادة بينما هي في جوهرها شكل من أشكال العقاب السياسي على الهوية.
يُعامل الفلسطيني كمشكلة لا كإنسان لأن وجوده يربك السردية السائدة، هو شاهد حي على نكبة لم تنته بعد وعلى احتلال لم يتحول إلى نزاع عابر كما أرادوا، الفلسطيني حين يعبر يحمل معه ذاكرة تدين وتاريخًا يفضح وسؤالًا أخلاقيًا بسيطًا يعجز العالم عن الإجابة عنه دون أن تنكشف ازدواجيته: كيف تدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان وأنتم تعاقبون الضحية وتكافئون الجلاد.
في السياق العربي تحديدًا يصبح الفلسطيني عبئًا سياسيًا لا لأن حضوره خطر أمني حقيقي بل لأنه خطر رمزي. هو تذكير دائم بأن القضايا الكبرى لا تموت بالتقادم وبأن التطبيع لا يمحو الدم وبأن الشعوب لا تنسى بسهولة. لذلك تخشاه بعض الأنظمة لا لأنه مسلح بل لأنه يحمل رواية مختلفة قد توقظ وعيًا أو تفتح أسئلة مؤجلة عن الحرية والعدالة والشرعية.
الذنب الحقيقي الذي يُعاقَب عليه الفلسطيني هو أنه لم يختفِ، لم يتحول إلى لاجئ صامت أو رقم في تقرير إغاثي أو ذكرى في كتب التاريخ، أصرّ على البقاء وعلى التمسك بحقه وعلى أن يكون إنسانًا كامل الحقوق لا حالة استثنائية، في عالم يفتح حدوده لرؤوس الأموال الفاسدة ومجرمي الحروب ويغلقها في وجه الضحايا يصبح الفلسطيني عبئًا أخلاقيًا قبل أن يكون أمنيًا.
ما يجري ليس سوء فهم إداريًا ولا تشددًا عابرًا بل سياسة غير معلنة لضبط الفلسطيني وحصره وتجريده من أبسط حقوقه الإنسانية وهو الحق في الحركة، إنها رسالة واضحة تقول للفلسطيني أنت مراقَب حتى وأنت ضحية ومشتبه بك لأنك تنتمي لقضية لم تُحسم بالطريقة التي أرادوها.
ومع ذلك ورغم هذا الحصار العالمي والعربي يواصل الفلسطيني الحياة، يسافر حين يستطيع ويُمنع حين يشاؤون لكنه لا يتنازل عن روايته ولا يخلع هويته عند بوابة المطار، وهذا تحديدًا ما لا يُغتفر له في منطق هذا العالم، أن يبقى رغم كل شيء وأن يصرّ على أن يكون إنسانًا لا ملفًا أمنيًا وأن يحمل وطنه في جواز سفر هش وذاكرة لا يمكن ختمها بالمنع.





شارك برأيك
الفلسطيني غير المرغوب… جواز سفر بلا وطن وعالم بلا عدالة