أقلام وأراء

الإثنين 19 يناير 2026 8:14 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة: لماذا يقلق التدخل الدولي إسرائيل… ولماذا لا يطمئن الفلسطينيين؟

لا تتعامل الحكومة الإسرائيلية الحالية مع فكرة التدخل الدولي في غزة بوصفها استجابة إنسانية لأزمة غير مسبوقة، بل تنظر إليها باعتبارها تحوّلاً سياسياً بالغ الخطورة قد يُخرج القطاع من دائرة “الإدارة الأمنية” إلى مسار دولي مفتوح، يعيد طرح أسئلة السيادة والمسؤولية والمستقبل. ولا يقتصر هذا القلق على غزة وحدها، بل يمتد، في الحسابات الإسرائيلية، إلى الضفة الغربية، حيث تخشى تل أبيب أن يتحول أي حضور دولي في القطاع إلى سابقة يصعب احتواؤها لاحقاً.

منذ بدء تداول أفكار تتعلق بإطار دولي منظم—سواء على شكل مجلس سلام، أو هيئة رقابة سياسية، أو آلية إدارة انتقالية—أظهرت إسرائيل رفضاً حاداً، حتى عندما يكون الطرح صادراً عن حلفاء تقليديين لها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. فالإشكالية، من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، لا تكمن في هوية الجهة الدولية أو نواياها المعلنة، بل في المبدأ ذاته: وجود دولي دائم داخل الأراضي الفلسطينية يتعامل مع غزة باعتبارها كياناً سياسياً يحتاج إلى إدارة خارجية.

وهنا يكمن جوهر القلق الإسرائيلي. فمجرد القبول بإطار دولي كهذا يعني اعترافاً ضمنياً بأن غزة ليست مجرد ساحة أمنية أو ملف عسكري عابر، بل مساحة سياسية ذات وضع خاص، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف موقعها القانوني، وربما مستقبلها السياسي. وهذا ما تسعى إسرائيل إلى تجنّبه، ليس في غزة فحسب، بل في الضفة الغربية أيضاً.

تعتمد السياسة الإسرائيلية منذ سنوات على معادلة دقيقة: سيطرة فعلية دون إعلان سيادة، ونفوذ مباشر دون تحمّل مسؤولية قانونية كاملة. فهي لا تضم غزة رسمياً، ولا تعترف بها ككيان مستقل، لكنها في الوقت ذاته ترفض أي تدخل خارجي يعامل القطاع باعتباره خارج نطاق نفوذها. هذا التناقض ليس خللاً عارضاً، بل أداة حكم تسمح بالتحكم بالمجال الفلسطيني دون الارتباط بتبعات الاحتلال الكاملة.

ولا يمكن فصل هذا الموقف من التدخل الدولي عن السياق الأوسع لمقاربة بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيلي، التي قامت، منذ توليه الحكم، على تفكيك فكرة الدولة الفلسطينية، والقضاء المنهجي على مسارات السلام، واستبدالها بمنطق “إدارة الصراع” لا حله. وفي هذا الإطار، لم تكن حرب غزة حدثاً منفصلاً أو ردّ فعل ظرفياً، بل جاءت تتويجاً لمسعى طويل هدفه إغلاق الأفق السياسي نهائياً، وترسيخ واقع فلسطيني مُجزّأ: غزة معزولة، وضفة مُدجّنة، وسلطة ضعيفة بلا سيادة.

لكن القلق الإسرائيلي من التدخل الدولي لا يقتصر على مصالح الدولة فقط، بل يمتد إلى الحسابات الشخصية لبنيامين نتنياهو نفسه. فنتنياهو، كما يتفق مجمل المجتمع الإسرائيلي، يخشى أن يؤدي انتهاء الأزمة وفتح مسار دولي في غزة إلى مساءلته السياسية والقانونية، وربما تعريضه للمحاكمة، وهو ما قد يقوّض قواعد دعمه ويؤدي إلى فقدان الأحزاب الموالية له للهيمنة السياسية. هذا الخوف من التراجع السياسي والفقدان الشخصي يعمّق رفض إسرائيل لأي إطار دولي، حتى لو كان مخصصاً للتدخل الإنساني أو مؤقتاً، لأنه يفتح الطريق لاحقاً لمساءلة نتنياهو مباشرة على إدارة الأزمة والسياسات السابقة.

في المقابل، تحاول الحكومة الإسرائيلية التمييز بين التدخل الإنساني والتدخل السياسي. فهي تقبل بالأول طالما بقي محصوراً في الإغاثة وتخفيف المعاناة، ومنفصلاً عن أي إطار سيادي أو رقابي، لكنها ترفض الثاني لأنه يعيد السياسة إلى قلب المشهد، وهو ما عمل نتنياهو واليمين الإسرائيلي طويلاً على إقصائه.

أما السلطة الفلسطينية، فتقف في موقع أكثر هشاشة وتعقيداً. فهي، بخلاف إسرائيل، لا تملك ترف رفض المقاربة الأميركية أو أي مسار دولي محتمل، مهما كانت تحفظاتها عليه. فالسلطة في أمسّ الحاجة إلى وقف الكارثة الإنسانية، وإنهاء معاناة أهل غزة، وإخراج القطاع من براثن الاحتلال الإسرائيلي من جهة، ومن تهوّر سياسات حركة حماس من جهة أخرى.

ومع ذلك، لا تخفي السلطة الفلسطينية مخاوفها من أن يقود هذا المسار إلى مقاربات جديدة تعيد إنتاج نماذج الحكم الذاتي غير السيادي، أو إدارة الفلسطينيين عبر أطر دولية وإقليمية، مع بقاء جوهر السيطرة الإسرائيلية قائماً. وهو سيناريو يلتقي، بشكل مقلق، مع الرؤية الإسرائيلية نفسها التي تسعى إلى تقليص كلفة الاحتلال دون إنهائه، ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

في هذا المعنى، يقف الفلسطينيون أمام مفارقة قاسية: الحاجة الملحّة إلى تدخل دولي يوقف النزيف الإنساني، تقابلها خشية حقيقية من أن يتحول هذا التدخل إلى مسار بديل عن الحل السياسي، لا جسراً نحوه. وبين رفض إسرائيلي بنيوي لأي تدويل، وقبول فلسطيني اضطراري لمسارات ناقصة، تبقى غزة—والضفة معها—معلّقة بين إدارة الأزمة وتأجيل الحل.

الخلاصة أن ما يجري في غزة اليوم لا يمكن قراءته بوصفه شأناً منفصلاً، بل هو حلقة مركزية في صراع على تعريف القضية الفلسطينية نفسها. فالسؤال لم يعد فقط: من يدير غزة بعد الحرب؟ بل: هل ستنجح إسرائيل في احتواء ارتدادات حرب أرادت بها إنهاء السياسة، فإذا بها تعيدها إلى الواجهة من جديد؟ وهل ستتمكن المصالح الشخصية والسياسية لنتنياهو من مواصلة السيطرة على المشهد، أم أن التدخل الدولي سيضعه—وإسرائيل—في موقع حساب وقياس غير مسبوق؟


دلالات

شارك برأيك

غزة: لماذا يقلق التدخل الدولي إسرائيل… ولماذا لا يطمئن الفلسطينيين؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.