أعاد التراجع القسري في الموارد المالية للسلطة الوطنية الفلسطينية فتح نقاش مشروع حول كيفية ترتيب الأولويات في ظل محدودية الإمكانات وعدم كفاية الإيرادات. فهناك من يرى، بحق، أن الصحة يجب أن تتصدر الأولويات، بينما يؤكد آخرون أن الاستثمار في تعليم الأجيال الجديدة هو الأهم، في حين يجادل فريق ثالث بأن العدالة والحفاظ على الأمن والنظام وسيادة القانون هو الضمان لاستمرار بقية الخدمات. وجميع هذه الآراء وجيهة لا يمكن التقليل من أهميتها.
ولكني أود أن ألفت الانتباه إلى أولوية لا تنافس هذه القطاعات وغيرها، بل تسبقها في الظرف الراهن لأنها تمثل شرطاً لحماية القضية الوطنية نفسها. إنها أولوية عابرة للقطاعات، تستحق أن تتضافر من أجلها جهود المؤسسات الحكومية، والأهلية، والدولية، والمجتمع الفلسطيني بأسره، وهي دعم القرى والأرياف والتجمعات البدوية الفلسطينية المحيطة أو المحاطة بالمستوطنات في أنحاء الضفة الغربية المحتلة حتى لا يأتي يوم نقول فيه أكلت يوم اكل الثور الابيض.
تكمن أهمية هذه الأولوية في أن الاحتلال يبدو وكأنه يعتقد أن اللحظة الحالية مواتية لحسم الصراع التاريخي على الأرض، مستفيداً من الظروف الإقليمية والدولية، ومن حالة الإنهاك الفلسطيني. ويترجم هذا الاعتقاد إلى سياسة تستهدف تجريد الفلسطينيين من أراضيهم الواقعة خارج النطاق العمراني للقرى، بما يعيد إلى الأذهان، ما جرى في أجزاء واسعة من فلسطين عقب نكبة عام 1948، عندما فُصل السكان تدريجياً عن أراضيهم ومصادر رزقهم.
ولا يقتصر الأمر على الاستيلاء على الأرض، بل يمتد إلى محاصرة هذه التجمعات وعزلها عن محيطها. فالحواجز العسكرية والبوابات والإغلاقات والقيود المفروضة على الحركة تجعل الوصول إلى المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز الصحية أكثر صعوبة وكلفة، الأمر الذي يحول الخدمات الأساسية إلى عبء يومي يهدد استقرار السكان وقدرتهم على البقاء في أماكن سكنهم.
ويزداد الضغط من خلال الاستهداف الاقتصادي المباشر، إذ يُمنع المزارعون في كثير من الأحيان من الوصول إلى أراضيهم أو فلاحتها أو رعاية مواشيهم أو جني محاصيلهم، كما ترتفع كلفة الوصول إلى أماكن العمل خارج القرى، سواء من حيث الوقت أو النفقات أو المخاطر. والنتيجة هي إنهاك اقتصادي متواصل لا يهدف فقط إلى إفقار السكان، وإنما إلى دفعهم تدريجياً إلى مغادرة أراضيهم، بحيث يتحقق التهجير الداخلي او الخارجي.
ويضاف إلى ذلك الاعتداءات اليومية التي تنفذها مجموعات المستوطنين وجيش الاحتلال بحق القرى والتجمعات البدوية، والتي تشمل الاعتداء على المواطنين، وإتلاف المحاصيل، واقتلاع الأشجار، وإحراق المركبات والمنازل والمساجد، وسرقة المواشي، وغيرها من أعمال العنف والترهيب التي أصبحت واقعاً يومياً في عشرات المواقع. ولا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على الخسائر المادية، بل تستهدف كسر إرادة السكان وإقناعهم بأن كلفة البقاء أصبحت أعلى من قدرتهم على الاحتمال.
ومن خلال تجربة شخصية، ومن خلال التواصل مع عدد كبير من أبناء هذه القرى والتجمعات، يتضح أن هذه المناطق وسكانها لا يحظون بالاهتمام الذي تتطلبه خطورة الظروف التي يعيشونها، سواء من الجهات الحكومية أو من المؤسسات الأهلية والدولية. وبينما تتوزع الجهود على ملفات متعددة، تبقى هذه الجبهة، التي تمثل خط الدفاع الأول عن الأرض الفلسطينية، بحاجة إلى اهتمام استثنائي يتناسب مع أهميتها.
إن المطلوب ليس الانتقاص من أهمية التعليم أو الصحة أو غيرهما من الخدمات العامة، فهذه كلها ركائز لا غنى عنها لبناء المجتمع الفلسطيني. لكن الحفاظ على هذه القطاعات يفقد جانباً كبيراً من قيمته إذا خسرنا في الوقت نفسه الأرض التي يفترض أن تخدمها، أو سمحنا بإفراغها من سكانها. فالمعركة التي تدور اليوم في كثير من مناطق الضفة الغربية ليست معركة خدمات، بل معركة وجود، والهدف المباشر فيها هو إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية لمصلحة المشروع الاستيطاني الصهيوني.
ولذلك، فإن إعادة بناء سُلَّم الأولويات في ظل شح الموارد ينبغي ألا تقتصر على توزيع الإنفاق بين القطاعات على اهمية ذلك، وإنما يجب أن تنطلق من سؤال أكثر جوهرية: أين يمكن لكل شيكل، ولكل مشروع، ولكل جهد حكومي أو أهلي أو دولي، أن يحقق أكبر أثر في حماية الوجود الفلسطيني؟ وفي تقديري، لا توجد اليوم إجابة أكثر إلحاحاً من دعم صمود القرى والأرياف والتجمعات البدوية المهددة بالمصادرة والتهجير، لأنها ليست مجرد مواقع سكانية تحتاج إلى خدمات، بل هي خطوط الدفاع الأولى عن الأرض الفلسطينية ومستقبلها السياسي. وإذا نجح الاحتلال في كسر صمودها، فإننا سنخسر جزءاً من الجغرافيا التي تقوم عليها فكرة الدولة الفلسطينية نفسها.
أقلام وأراء
الأحد 05 يوليو 2026 10:26 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
موقف... أولوية الأولويات في زمن تراجع الإمكانيات