في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الصين في تحديث ترسانتها العسكرية، والتراجع الملحوظ في القدرات التصنيعية للولايات المتحدة، يلقي مقال تحليلي الضوء على أزمة عميقة الجذور تعصف بقطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية.
تتجلى هذه الأزمة في عدة مظاهر، أبرزها تراكم المشاريع الفاشلة، والاختلالات المتزايدة في سلاسل التوريد، فضلاً عن ضعف القدرة على الابتكار، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل قوة الردع الأمريكية عاماً بعد عام.
ويشير المقال إلى الإخفاقات المتكررة في برنامج بناء السفن الأمريكي، والتي تجسدت مؤخراً في إلغاء مشروع فرقاطات "كونستليشن" التابع للبحرية الأمريكية، وذلك بعد خمس سنوات من التعديلات المستمرة التي أرهقت بدورها سلسلة التوريد وفريق التصنيع، لتنتهي القصة بتكلفة باهظة بلغت 3.5 مليارات دولار دون أن يتم إنتاج سفينة واحدة.
ويرى التحليل أن هذا الإخفاق يمثل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإخفاقات التي طالت مشاريع بناء السفن على مدى العقود الثلاثة الماضية، حيث تجاوزت معظم المشاريع الميزانيات والجداول الزمنية المحددة، وفشلت في تحقيق الأداء المطلوب.
ويوضح المقال أن هذه الإخفاقات لا تقتصر على قطاع بناء السفن، بل تمتد لتشمل برامج تصنيع المقاتلات والقاذفات، حيث تعاني من التأخيرات نفسها. وقد وصل الأمر إلى أن إنتاج طائرة أو سفينة أو دبابة جاهزة للقتال يستغرق في المتوسط 12 عاماً، في حين أن القوات الجوية الأمريكية تخسر طائرات قديمة بوتيرة أسرع من قدرتها على إنتاج طائرات جديدة.
يضع هذا العجز الولايات المتحدة في موقف استراتيجي محفوف بالمخاطر، خاصة مع التسارع الكبير في وتيرة الإنتاج العسكري الصيني، الذي مكن بكين من امتلاك أكبر قوة بحرية في العالم، والتفوق بفارق كبير في إنتاج السفن التجارية والعسكرية.
ويؤكد التحليل أن إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية باتت ضرورة ملحة لتعزيز الردع ومنع نشوب الحروب. ويرى أن ضعف التصنيع يرتبط بشكل وثيق بالتركيبة الحالية للصناعة الدفاعية الأمريكية.
فمنذ تسعينيات القرن الماضي، تقلص عدد شركات الدفاع الكبرى من 51 شركة إلى 5 شركات فقط، تعرف بـ "رؤوس الصناعة" أو النخبة، وهي لوكهيد مارتن، وشركة "آر تي إكس" (رايثون تكنولوجيز سابقاً)، وجنرال دايناميكس، ونورثروب غرومان، وبوينغ. وقد أدى هذا التركز إلى إضعاف سلسلة التوريد الوطنية، واختفاء الورش الصغيرة التي كانت توفر أجزاء حيوية للمعدات العسكرية.
إما أن تنجحوا أو نفشل. إنها مسألة حياة أو موت حرفيا
ويشير المقال إلى أن الشركات الكبرى تعمل ببطء وتستفيد من غياب المنافسة، فهي ماهرة في التعامل مع البيروقراطية، ولكنها غير مهيأة للإنتاج السريع الذي يتطلبه عصر الصراعات الحديثة. وقد أثبتت التجربة الأوكرانية أن أنظمة قتالية رخيصة مثل الطائرات المسيرة والزوارق الانتحارية يمكن أن تتفوق في بعض المواقف على ترسانة تقليدية باهظة التكلفة.
ويرى كُتّاب المقال أن شركات الدفاع الأمريكية الكبيرة تحتاج إلى إعادة هيكلة تسمح لها بمجاراة سرعة التصنيع، مع فتح الباب للشركات الناشئة والمبتكرة التي يمكن أن تقدم حلولاً سريعة ورخيصة. لكنهم يستدركون بأن تحقيق ذلك يواجه عوائق كبيرة، أبرزها الضوابط التنظيمية التي تفضل شركات النخبة الكبرى، والفجوة الموجودة بين تمويل البحوث ومرحلة الإنتاج، مما أدى إلى انسحاب 80% من الشركات الجديدة خلال 10 سنوات.
ويستعرض المقال الخلفية التاريخية لانهيار قطاع بناء السفن الأمريكي، الذي كان يضم أكثر من 300 حوض لبناء السفن التجارية في ثمانينيات القرن الماضي. ويشير إلى أن سياسات إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان أدت إلى إلغاء الدعم الحكومي، مما أدى إلى انكماش القطاع وتراجع الإنتاج بشكل كبير. وما تجربة "كونستليشن" إلا نتيجة مباشرة لهذا الضعف البنيوي، والنقص الهائل في العمالة الماهرة، والاضطراب في سلسلة التوريد.
ويؤكد المقال أن الصناعة في أمريكا تحتاج إلى 140 ألف عامل جديد خلال العقد القادم لتلبية الطلب المتزايد على الغواصات، وهو رقم يصعب تحقيقه في ظل تدني الأجور مقارنة بقطاعات أخرى. وقد بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إعادة تقديم إعانات لبناء السفن، وأنفق البنتاغون نحو 6 مليارات دولار لإحياء القطاع، إضافة إلى شراكات بين الشركات والكليات التقنية وإنشاء أكاديميات تدريب.
ويدعو المقال الكونغرس إلى توسيع هذه الجهود وإقرار قانون "شيب"، الذي يستهدف زيادة عدد السفن التجارية التي ترفع العلم الأمريكي. لكنه يؤكد أن الدعم الحكومي وحده لا يكفي، إذ تراجع حجم الأسطول الأمريكي بنسبة 45% رغم إنفاق 700 مليار دولار على بناء السفن خلال أربعة عقود.
ويشير المقال إلى أن مبادرات البنتاغون لتنويع موردي الأسلحة، ومنها برنامج "ريبليكاتور" لشراء آلاف الطائرات المسيرة الرخيصة، قد فشلت. كما تعاني وحدات الابتكار التابعة للبنتاغون من نقص الموارد وضعف الصلاحيات، مما يعرقل دمج التكنولوجيا التجارية السريعة في الصناعة العسكرية.
ويرى المقال أن إدارة ترامب تستحق الإشادة ببعض التحركات التي قامت بها لمعالجة العجز الصناعي، من خلال ضخ استثمارات ضخمة في عمليات بناء السفن وتصنيع الطائرات المسيرة وإصلاح سياسات المشتريات. وكان وزير الحرب بيت هيغسيث قد خاطب شركات تصنيع الأسلحة في مناسبة نظمت في الكلية الحربية الوطنية بواشنطن في 7 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قائلاً: "إما أن تنجحوا أو نفشل. إنها مسألة حياة أو موت".
ويختتم المقال بالتأكيد على أن نجاح مبادرات الإدارة الأمريكية يتوقف على قدرتها على تجاوز البيروقراطية ونيل موافقة الكونغرس. وحتى في حال تحقيق تقدم، فإن الولايات المتحدة ستحتاج إلى تعاون دولي واسع لمجاراة وتيرة الإنتاج العسكري الصيني. ويدعو المقال إلى تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي لإجبار الشركات على تصنيع كميات أكبر من الذخائر والصواريخ الحيوية، مؤكداً أن الاستثمار في الصناعة الدفاعية يعزز الاقتصاد، إذ ساهم عبر التاريخ في إنشاء صناعات كبرى، مثل الطيران والروبوتات والتقنيات المتقدمة.





شارك برأيك
تحديات تواجه الصناعات الدفاعية الأمريكية في مواجهة التحديث العسكري الصيني