ياسر عرفات استثنائيٌّ لدرجةٍ أنه يرفض أن تتحكم فيه مفردات اللغة، كما أنه لا يمكن أن ينصاع لقواعد الكتابة، فما يشكله ياسر عرفات من عظمةٍ وكبرياءَ هو أكبر من كل المفردات والكلمات، ومع كامل الاعتراف مني في البداية والنهاية بأني لن أستطع ولن أستطيع الانتصار في محاولاتي المتكررة للكتابة عنه، لكني سأبقي أكرر المحاولة حتى أصوغ ولو مفردةً واحدة عن القائد التاريخي وأبي الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات، وإن حدث وفعلتها سأقول إنني استطعت، وإن فشلت سأعاود الكتابة كما فعلت في الماضي مراتٍ ومرات.
لم يكن ياسر عرفات قائدَ ثورةٍ فحسب، بل صانعَ الثورة ومفجِّرَ رصاصتها الأولى، ولم يكن كالذين يمتلكون مُلكًا أو ورثوا عرشًا، ولم يعتلِ كرسيًّا من ذهب، وهو القادم من رحم المعاناة، حاملًا قضيته الوطنية التي استطاع بحنكته أن يخرجها من حالة الضعف والهزيمة إلى التمرد والثورة والنضال، فحملها وحلّق طويلًا بها في البر والبحر حتى استطاع أن يأتي بالاعتراف الأممي بحقوق شعبه، وانتصر ببندقية الثائر وغصن الزيتون.
ياسر عرفات، إنه نصر الكرامة، وصلابة بيروت، وحنكة تل الزعتر، وقوة أيلول، وصمود الحصارات المتتالية التي ملأت سنوات عمره. متواضعٌ إلى حدّ البساطة في العيش، رجلُ الانضباط والإبداع الوطني، الزاهدُ الذي يلوذ عن كل مغريات السلطة والحكم، المفكرُ الثائر، والمثقفُ المناضل. وليس من استباق الأحداث القفزُ المتعمد عنها، ولكن لأن ياسر عرفات، ومع اتفاقنا الكامل منذ البداية بأنه إحدى ظواهر الكون الاستثنائية في عصرنا الحديث، فمن الطبيعي جدًّا أن يجري هذا الاستثناء بشكلٍ مفاجئ، بعيدًا كل البعد عن القصد، ومهما كنتُ حذرًا في تخطيك لها، إلا أنك تقع فيها دون أن تدري، وكلما حاولت الانتظام في نسقٍ واحد، أخذني ياسر عرفات إلى استثنائيته التي تصرّ أن تكون شعاعًا من نور، معلنًا انتصاره على انتظام السرد، كحالةِ انتصارٍ دائمةٍ رافقته في كل مراحل حياته، وهو الأمل الجميل وبشارة الحق والانتصار.
ياسر عرفات، الحاضر فينا حضورَ الشمس والقمر، نكتبك بآهاتِ وجعنا الدائم واشتياقنا الكبير، وقد طال بك الغياب، علّنا نقترب أكثر من روحك الطاهرة، وأنت تحلّق في فضائنا، تحرس أحلامنا من عليائك البعيد، وترسل إلينا بشائر الانتصار القادم في بساتين الأمل التي زرعتها، وبذرتَ فيها روح التحدي، فكانت الثورة تصنع أمجاد شعبٍ تقهقر من خيبات اللجوء والنكسات المتتالية، فمن شتات اللجوء والهجرة إلى نور الثورة والانطلاقة، ومن بشاعة الهزيمة والانكسار إلى وهج الانتصار والمقاومة، ومن الضياع والتشتّت إلى الوجود والحضور الدائم، ومن قضيةٍ إنسانيةٍ عابرةٍ إلى قضيةِ تحريرٍ وطنيٍّ كامل، ومن الهامشية السياسية في أطراف وأذيال القضايا العربية والدولية إلى القضية الرئيسية التي تتصدر كل الاجتماعات الرسمية واللقاءات والقمم، حتى عادت فلسطين إلى مكانتها، تأبى الهزيمة وترفض الإذعان والانحناء أمام الأحداث الكبيرة كما فعل الآخرون، الذين اعتقدوا أنها نعشٌ مسجّى أمام عروشهم، وقد نعوها للسماء، وظلموها وتواروا خجلًا من الهزيمة والانكسار التي أتت بها جيوشهم وأركانهم ونياشينهم.
سنواتٌ عجافٌ مرت على المنطقة العربية بأسرها، حتى أنجبت فلسطين القائد الفذ ياسر عرفات، ليطلق رصاصة الثورة الفلسطينية التي أعادت الكرامة للعربي والفلسطيني على حدٍّ سواء، وأسقطت الجبن الذي خيَّم على الجميع من سطوة الجندي الذي وُصف بأنه لا يُقهَر طيلة سنوات، حتى أتى ياسر عرفات بثورةٍ أسقطت كل المنهزمين والجبناء، وعرّت حقيقة الضعف الرسمي والحزبي آنذاك، وأحدثت نهضةً فكريةً وثوريةً وعنفوانًا حقق الانتصار والصمود، وأكدت أن الثورة هي الطريق الوحيد للتحرير والخلاص من الاستعمار والاحتلال، عبر مشوارٍ طويلٍ وأحداثٍ كبرى ملأها ياسر عرفات بالفخر والعزة، وكان هو رمزها وعنوانها الوحيد.
إن واقع الحال اليوم، الذي نشعر فيه بأننا في أمسّ الحاجة إلى وجود ياسر عرفات بيننا، ففلسطين اليوم تمرّ بانعطافةٍ تستدعي بطلًا عرفاتيًا بحنكته وسياسته وقيادته الفذّة، لتجاوز واقع الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، ومحاولات الشطب والقضم وعمليات التهويد في سائر الأرض الفلسطينية. ومن حضرة الذكرى، فإننا نستلهم من روح الشهيد الخالد الشجاعة والحنكة، سرَّ الصمود والبقاء، ومن أدبياته الصبرَ والكبرياءَ والشجاعة، ومن عظمة حضوره الشموخَ الذي لا ينحني، فهو القائد الذي كان يؤمن بأن الإنسان الفلسطيني أغلى ما نملك، وأن واجب الثورة أن تحافظ على شعبها ومقدراته ومكتسباته، وأن فلسطين وطنٌ وشعبٌ لا يقبل القسمة، وهذه هي المدرسة العرفاتية التي في ظلال كوفيتها توحّد الشعب، واتسمت الصورة بكامل ضيائها، بيد أنها انتكست بشرذماتٍ هنا وهناك بعد ذلك الرحيل الصعب، يومَ استُشهد القائد في 11/11/2004.
ياسر عرفات، لك المجد والخلود.





شارك برأيك
ياسر عرفات حكاية وطن