ماتت أم نضال، أيقونة المخيم، متراسه العالي، وسارية عزِّه وفخره وعنفوانه، ونشيده في الماضي والحاضر المتوهج كرامةً وبسالةً وشجاعةً، ونسيم أيامه المتوضئة طهرًا في عروق الصابرين المنتظرين العودةَ إلى البلاد.
ماتت أم نضال، مدرسة في الصمود والإباء، ونهجًا في الكبرياء والمودة، وصورة ساطعة النقاء، وقلبًا تقيًا نقيًا أحب الجميع بود الأمهات المؤمنات الصابرات وصدق عاطفتهن. أم نضال التي لها من اسمها كل الحضور، ولها من سنوات عمرها ما يجعلنا نبكي غيابها، ستبكيها حارات المخيم أيضًا، وأحياء بيت لحم وكل من عرفها عن قُرب.
ماتت أم نضال، المرأة الفلسطينية الصلبة بقلبٍ رحيم، وروحٍ متجددةِ الفداء والعطاء كالعنقاء، باعثة الأمل مهما اشتدت فصول العتمة، وهي التي وهبت البلاد عمرها، ووهبت الأرض فلذات كبدها، بين شهيدٍ وجريحٍ وأسيرٍ يطارده الغزاة عامًا وراء عامٍ في دهاليز الاعتقال، وكان لقلبها الصابر نبض لا يتعب، مهما أرهقته فصول المعاناة.
ماتت أم نضال، صوت المخيم النديّ، صلواته وابتهالاته، وصورته الزكية التي جاوزت حدود الخيمة وحارات المخيم، وارتسمت على وجه المدينة شارةً وبشارة من شارات الفداء، ونورًا يضيء عتمة الوقت، وصوتًا في لهاثه سرّ الدعاء والرجاء.
أمٌّ امتحنت السماءُ صبرَها حتى محطتها الأخيرة، وأيقونةُ الفداء والتضحية بقلبها الرؤوم الرحيم، وصوتها العالي بالدعاء كما في نشيد الانتفاضة والمواجهة، تهليلةٌ من العزِّ والصلابة، وتعويذةٌ صادقة بدهشة قلب الأمهات، وهي التي عاشت بروحها المزركشة بالحناء ووضعتها قلادةً على صدرها، مرسومةً بتطاريز البلاد في متتالية الأمكنة، ومتوازيةِ المقاومة نقشًا فلسطينيَّ الهوى والهوية، بصورها المخملية النقية، قلادةً كنعانيةً كنحتٍ أصيلٍ لا يواريه الزمان، مهما عصفت بها الأيام، ومهما قست الحياة في محطات اللجوء والتضحية. فكانت وكان المخيمَ، نجمةً ساطعةً ورمزًا من رموزه الباقية التي لا تزول بالموت، ولا تغيب لمجرد غياب الجسد.
أمٌّ تجاوزت زمانَها بصبرِها وعظمةِ صمودِها، وكانت شعلةَ عطاءٍ مستمرٍّ، ونهرًا متدفِّقًا بالعنفوان والصلابة، تمنح كل من عرفها القوة والضحكة والابتسامة التي ما غابت عن وجهها رغم المحن، ورغم الألم، ورغم أقدار الزمن الصعب.
أمٌّ امتحنت الأقدارُ طيبة قلبها، وقوتها وقدرتها على الاحتمال حتى محطتها الأخيرة، فاتخذت لنفسها باقتدارٍ هذا الصعودَ، واختارت هذا الموتَ الهادئ، ورحلت على وجه السرعة لأنها لا تريد مجابهة القدر، وقد أحبت هذه العودة إلى أرض روحها راضيةً مرضيةً مطمئنةً، لأن مجدًا في الأعلى ينتظرها.
هكذا رحلت أم نضال بعد رحلةٍ طويلةٍ جاهدت وجادت حتى الرمق الأخير، وعطاءٍ لم يتوقف طيلة عمرها، وقد قضته في ميدان النضال ومعمعة الصبر والتفاني، وبقيت ابتسامتها باعثة للأمل، صادقة ووادعة ودافئة، وهي تعلمنا كيف تكون القوة عظيمةً بصبر الأمهات.





شارك برأيك
ماتت أيقونة المخيم وصوته النديّ