تشهد مدينة نيويورك واحدة من أكثر الحملات الانتخابية سخونة وإثارة للجدل في تاريخها الحديث، حيث يتعرض المرشح التقدمي زوهران ممداني، عضو مجلس ولاية نيويورك والمرشح لمنصب عمدة المدينة، لهجوم واسع النطاق من قبل تحالف متنوع يضمّ أصواتاً يمينية ومحافظين وجماعات مؤيدة لإسرائيل، إضافة إلى ناشطين معروفين بخطابهم العنصري والمعادي للمسلمين.
ويأتي تصاعد هذه الحملة في الأيام الأخيرة قبيل الانتخابات المقررة في الرابع من تشرين الثاني المقبل، في وقت تُظهر فيه استطلاعات الرأي تقدماً واضحاً لممداني على منافسيه من الجناح الديمقراطي التقليدي.
خلفية المرشح ومواقفه المثيرة للجدل
ممداني، المولود في أوغندا لأبوين من أصل هندي، ونشأ في نيويورك، يُعدّ أحد أبرز رموز التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي. ويتبنى برنامجاً انتخابياً يقوم على تجميد الإيجارات، وتخفيض أسعار النقل العام، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، إضافة إلى موقفه المعلن المؤيد لحقوق الفلسطينيين، بما في ذلك دعمه لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) على إسرائيل.
هذا الموقف الأخير جعله هدفاً مباشراً لهجوم من جماعات الضغط الموالية لإسرائيل وبعض وسائل الإعلام اليمينية التي تصفه بأنه "معادٍ للسامية"، رغم تأكيده المتكرر أن مواقفه تنطلق من مبادئ العدالة والمساواة في الحقوق.
انفجار موجة من الخطاب العنصري والإسلاموفوبي
منذ فوزه في الانتخابات التمهيدية الصيف الماضي، رصدت منظمات حقوقية ارتفاعاً حاداً في الخطاب العدائي تجاه ممداني على الإنترنت وفي وسائل الإعلام المحافظة.
ووفقاً لتقرير صادر عن "مركز دراسة الكراهية المنظمة" في واشنطن، فقد ارتفعت منشورات الكراهية الموجهة إلى المرشح المسلم بنسبة 400% خلال شهر واحد فقط، وتكررت فيها عبارات تربط بين ديانته والإرهاب أو "عدم الولاء لأمريكا".
ومن أبرز الأمثلة على هذا الخطاب: قال النائب الجمهوري آندي أوغلز من ولاية تينيسي في الجنوب الأميركي في منشور على منصة "إكس" (تويتر سابقاً): "زوهران "محمد الصغير" ممداني اشتراكي شيوعي معادٍ للسامية، ويجب ترحيله فوراً. ولهذا أدعو إلى بدء إجراءات سحب الجنسية منه".
هذا التصريح، الذي وُصف بأنه "إسلاموفوبي فاضح"، أثار موجة إدانات من نواب ديمقراطيين ومنظمات مدنية اعتبرت أن مطالبة نائب أمريكي بترحيل مواطن منتخب لمجرد كونه مسلماً "سابقة خطيرة وغير دستورية".
وفي حادثة أخرى، أثار حاكم ولاية نيويورك السابق أندرو كومو، الذي خسر أمام ممداني في الانتخابات التمهيدية (حزيران الماضي)، والذي ينافس ممداني كمستقل، أثار جدلاً واسعاً بعدما ضحك خلال مقابلة إذاعية عندما قال المذيع: "تخيلوا ممداني في المنصب… هل يمكن أن يتكرر 11 أيلول"؟ ، فردّ كومو ضاحكاً: "الله يستر!"، ما دفع قيادات ديمقراطية لوصف الحوار بأنه "مهين وعنصري".
أما المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، اليهودية الأميركية اليمينية المتطرفة، لورا لومر، فقد غردت بعبارات مثل "استعدوا لواحد آخر من 11 أيلول" موجهة إلى ممداني، في محاولة لربط ترشحه بالعنف أو الإرهاب، وهي تهديد خطير ومثير للجدل يستخدم — حسب النقاد — أسلوب التخويف ضد مرشحين من خلفيات مسلمة. كم ادعت أن "ممداني مدعوم حرفياً من الإرهابيين"، ولقبته بالجهادي. وقالت إنه "نسي سكان نيويورك ضحايا أحداث الحادي عشر من أيلول الذين قُتلوا على يد المسلمين. الآن، سيصبح شيوعي مسلم عمدة مدينة نيويورك".
كما تعرّض ممداني لتهديدات مباشرة، قائلاً في تصريح صحفي: "أتلقى رسائل تقول: المسلم الصالح هو المسلم الميت. إنهم يهددون حياتي وحياة أحبائي، فقط لأنني مسلم أجرؤ على الترشح".
توظيف السياسة الخارجية في معركة داخلية
تُظهر مجريات الحملة أن مواقف ممداني من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أصبحت أداة تعبئة مركزية ضدّه. فقد أطلقت جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل حملات إعلانية رقمية تحذر من أن فوزه "سيُضعف العلاقات مع إسرائيل" و"يُشجع التطرف المعادي لليهود".
ويرى مراقبون أن هذه الحملات تسعى إلى حرف الأنظار عن القضايا المحلية التي يركز عليها ممداني، مثل أزمة السكن وتدهور الخدمات العامة، لصالح خطاب عاطفي يستثمر في الخوف والهوية الدينية.
تحالف غير متجانس ضد المرشح التقدمي
ويتشكل ما يسميه بعض المحللين "التحالف المناهض لممداني من طيف واسع يشمل: جماعات محافظة تعتبر سياساته الاشتراكية تهديداً لمصالح رأس المال؛ لوبيات مؤيدة لإسرائيل تخشى صعود الأصوات الداعمة لفلسطين داخل الحزب الديمقراطي؛ وإعلام يميني يوظف صوراً نمطية عن الإسلام والمهاجرين لتعبئة الناخبين البيض.
ويلاحظ أن هذا التحالف يجمع بين دوافع أيديولوجية واقتصادية ودينية، ما يجعله أكثر قدرة على التأثير في الرأي العام.
قراءة في الدلالات السياسية والاجتماعية
وتكشف الحملة ضد زوهران ممداني عن عمق التوترات داخل الحزب الديمقراطي الأميركي بين جناحه التقدمي والجناح الوسطي، كما تُظهر حدود التسامح مع الأصوات المسلمة والعربية حين تتجاوز الخطوط المرسومة في القضايا الحساسة كإسرائيل وفلسطين.
ويرى محللون أن ما يتعرض له ممداني ليس مجرد "خلاف سياسي"، بل انعكاس لبنية أعمق من العنصرية البنيوية والإسلاموفوبيا في المجال العام الأميركي، حيث يُختزل المرشح المسلم في هويته الدينية لا في برنامجه السياسي.
ويؤكد باحثون في قضايا الحريات المدنية أن هذه الهجمات تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع الأميركي على قبول التنوع الديني والسياسي في أعلى المناصب العامة.
ففي بلد يرفع شعار الحرية والمساواة، يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن لمسلم تقدمي، أسود البشرة، مهاجر من أصل آسيوي، أن يصبح عمدة أكبر مدينة في الولايات المتحدة دون أن يُحاكم على إيمانه وهويته؟
الحملة ضد ممداني تُعدّ نموذجاً مصغراً لصدام أوسع بين الليبرالية المتراجعة واليمين الشعبوي المتصاعد في أمريكا، وبين سياسة الهوية وسياسة المصالح.
ورغم ما يواجهه من تشويه وتهديدات، فإن صموده واستمراره في السباق يجعلان منه رمزاً جديداً لجيل سياسي يسعى إلى إعادة تعريف المواطنة والعدالة في بلد لم يتخلص بعد من ظلال العنصرية والخوف من الآخر.
وقد أنفق ثلاثة من رموز اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، رون لاودر، وملياردير وول ستريت، بيل إيكمان وعمدة نيويورك السابق، الملياردير، مايك بلومبيرغ، أكثر من 20 مليون دولار في الأسبوعين الأخيرين قبل الانتخابات لهزيمة ممداني، ولكنه يتقدم بشكل كاسح نحو الفوز بالانتخابات الثلاثاء المقبل.
يشار إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين يهودي أميركي يعيشون في مدينة نييورك، صوت معظمهم لصالح زهران ممداني في الانتخابات التمهيدية، فيما تشير كل الاستطلاعات أن سيصوتون الثلاثاء المقبل لصالحه.





شارك برأيك
حملة عنصرية معادية للإسلام تستهدف ممداني في الأيام الأخيرة قبيل الانتخابات