ها هي غزة،
تخرج من تحت الركام كما يخرج المعنى من فم الجرح،
تمشي على رمادها، تبحث عن وجهها القديم في المرايا المحطمة،
وتسأل الغبار: هل كنتُ مدينةً أم صرخة؟
البيوت لم تعد بيوتًا،
بل أطلال ذاكرةٍ تكتبها الأمهات بالدموع على الحجارة.
والأطفالُ الذين نجوا من الابادة،
يلعبون بالرماد كما يلعب غيرُهم بالثلج،
يبنون بيوتًا صغيرةً من الغياب،
ويزرعون بذور الامل في الحفر، دون أن يسألوه إن كان سيكبر.
غزة الآن ليست مدينةً،
إنها نصٌّ مفتوح على كلّ اللغات،
قصيدة تبحث عن شاعرها في الغيوم،
تكتبها السماء بالنجوم،
ويصحّحها البحر كلّما عاد من موجةٍ جديدة.
الريح تمرّ من بين العظام
وتحمل رائحةَ الخبز المفقود والدم الذي لم يبرد،
والشمسُ، رغم التعب،
تطلّ كأمٍّ تبحث عن أولادها في الشوارع،
تسأل عنهم الحجر، وتسقي القبور بآيات المطر.
في غزة تبخر العقل في وهج القنابل،
عادت الأرض إلى العصور الوسطى،
وبسرعة الضوء سقطت كل الاقنعة.
في غزة تقدمت القباحة بثياب أنيقة،
تضع على وجهها مساحيق الحضارة،
تقدمت الطائرات الذكية،
في عصر الجوائز والشاشات اللامعة.
في غزة اندثرت الإنسانية،
صار الإنسان رقماً في تقرير إحصائي،
أو جثة مؤقتة في نشرة عاجلة.
غزة ذاكرة النار،
ليست مدينة من حجر وركام،
من أراد أن يفهم معنى الإنسان،
فليدخل إلى غزة بقلب يبحث عن ذاته بين الحطام.
الناس في غزة لا ترحل،
يعود الأسير والشهيد،
ويسقط القيد والمؤبد،
لا أحد ينتظر الإذن بالحياة،
لأن الحياة هناك هي الحرية.
والحرية لا تؤجل.
غزة تمسك صوت المئذنة،
صوتاً نازفاً من الحناجر المحطمة،
تقرع الأجراس بيد من نار ويد من صلاة،
وتنادي:
أيها الموتى انهضوا،
في أرواحكم بذرة خضراء،
أنا القيامة التي لا تنتظر السماء.
في غزة جلس المسيح على بلاط الكنيسة المحروقة وقال:
كل طفل يولد من فم القنبلة معجزة،
من أراد أن يختبر القيامة،
فليأت إلى هذه المدينة،
هنا لم يمت الاطفال بل تحولوا إلى نور وملائكة.
في غزة وقف نيلسون مانديلا في خان يونس وقال:
يا غزة ستخرجين من سجنك كما خرجت من صدا القضبان،
أنت لا تحاربين لتنتصري،
بل لتذكري العالم أن الإنسان وجد ليقاوم النسيان.
رأيت الإمام الشافعي في غزة،
يحمل خيمة وحطبا، ويكتب أحاديث غزة بأشلاء الراحلين،
وسمعته يقول:
ما أقسى الحرب، لولا أن الله يسكن قلوب الصابرين.
جاءها محمود درويش من جهة الريح، قال لها:
يا غزة ما زال البحر يشبهك،
عنيداً، جميلاً، لا يتعلم الخضوع،
كنت أكتب عن الوطن،
والآن أنت تكتبين بالدم،
ما لم أستطع قوله بالحبر،
قولي لهم: تحررت القصيدة وبلغت سن الغضب،
فلا تبحثوا عني في الكتب.
في مكتبة حيدر عبد الشافي المدمرة عثرت غزة على وثيقة كأنها وصية:
النصر ليس علماً يُرفع
بل قلبٌ لا ينهار،
النصر أن تبقى إنساناً حين ينهار العالم،
أن تحرس شرفك من التنازل،
وذاكرتك من التسوية،
الطريق إلى الحرية أطول من الأمل،
وأقصر من الخيانة.
الألم له نبض في غزة، عبارة كتبت على جدار في مستشفى الشفاء،
إلى الشهيد الطبيب عدنان البرش الذي أعدم في سجون الاحتلال:
لن نشيعك بالدموع،
بل بالأسماء التي انقذتها يداك،
سنزرع سيرتك في مدارس الأحياء،
الطب في غزة مقاومة،
والشهادة ليست موتاَ، بل شفاء.
وصل أبولو إله الشمس والموسيقى في الأسطورة الإغريقية إلى غزة وأنشد:
لقد علمت البشر الغناء،
لكن غزة علمتني الصمت الشريف،
الصمت الذي يصرخ بالمعنى،
حين تعجز الكلمات،
من رمادها خرجت الأصوات:
نساء يخبزن بالطحين والدم،
أولاد يسرقون من الخوف بسمات.
في حي الشجاعية هناك صدى لصوت مروان البرغوثي:
غزة أسمع أنينك في وحدتي،
كل قيد في معصمي ينبض باسمك،
أنا مثلك ياغزة، أسير في مساحة ضيقة،
لكني أحلم بلا سقف،
السجن عندي جدار،
والسجن عندك كوكب،
كلاهما يعبد نفس الصبر،
الوطن يا غزة ليس ما يسكننا،
الوطن هو الفكرة التي لا تؤسر،
التاريخ لا ينام،
دمعة واحدة توقظ الفجر.
وصل الشاعر المتوكل طه إلى بيت صديقه الكاتب الشهيد سليم النفار وصرخ يا سليم:
عد إلى بيت القصيدة وفجر القافية،
غزة جنازة الحمامة، ونعش العروس،
غزة حررت العالم وحررتني،
الدنيا دون غزة ناقصة،
كل الرايات في غزة إلا البيضاء.
غزة لم توقع على هدنة،
الحرب تحولت إلى ذاكرة حية،
تسكن الأشياء،
صارت وجعاً يسكن المفردات،
وفقداناً يحرس الحكايات،
في الصور المبعثرة،
في فراغ الجسد والمكان،
في الجوع والبؤس وكأس الماء،
في غيمة شاردة، ومدافن بلا أسماء.
تقول غزة للتاريخ:
لقد تركتمونا نموت أكثر من مرة،
لكننا في كلّ مرةٍ عدنا نحيا من كلمة،
من ضحكة طفل في العراء،
من أغنيةٍ صغيرةٍ على شفاه أرملة.
غزة عروسة تتفقد هداياها القديمة،
طفلة ما زالت تحتفظ بخاتم من طين،
وشهيد خبا لها وعداً في صدره،
ورعد يكتب في السماء اسمها كل مساء.
غزة تحمل على كتفها كل المدن المصلوبة،
وأغنية الشمس التي لا تقهر،
لا تحتاج إلى شفقة أو وثيقة،
ولا أوراق تضامن باردة،
هذه المدينة لا ترثى،
لأنها الحقيقة.
وتقول للمستقبل:
لا تنتظرونا بأزهارٍ بيضاء،
نحن لا نعرف لون السلام،
لأن السلام الذي ينسى هو حرب مؤجلة،
لكننا نعرف شكلَ القلب حين ينبض رغم الرصاصة،
ونعرف أن الحياة تُبنى
من جدارٍ مهدومٍ وإرادةٍ لم تُهزم،
من نشيدة تُكتب على جدار مدرسة،
من كرامة لا ترمم،
ومن يدٍ تزرع زهرةً في حضن مقبرة.
غزة،
مدينة تعلّمت أن تتنفس تحت الأنقاض،
أن تضحك في جنازتها،
وأن تكتب قصيدتها بدمها، لا بحبرها،
فالحرية فعل ولادة متكررة من رحم الالم.
غزة لم توقع على هدنة.
لا سلام دون حرية،
ما تهدّمَ هو العدالة لا البيوت،
غزة لا تحتاج إلى الإسمنت،
بل إلى ضميرٍ يعترف بجرحٍ في الذاكرة.
الحرب توقفت، لكنها غيّرت شكلها،
صارت ناعمة، توقع اتفاقيات،
وتبتسم للكاميرا،
لبست ثوباً مدنياً،
دخلت البيوت بلا إذن،
وشربت معنا القهوة المرة.
إسرائيل تبحث عن جثث جنودها،
بينما الجثث الفلسطينية بلا هوية،
آلاف الجثث أُعدمت وقُيدت وهُرست،
تُطوى في ثلاجات باردة،
تُخفى تحت التراب،
في المعسكرات السرية،
أو في أكياسٍ سوداء،
لكن من يعيد جثة غزة المتفحمة،
ويعيد تعريف الحياة عندما تقاوم الفناء؟
غزة تعلن أن الحرب ليست من يقرر الموت،
بل الإنسان الذي يرفض أن يُمحى،
الأرواح هي التي تبحث عن الاجساد في غزة،
في وجه أم فقدت أبناءها،
في الظلال،
في الهواء،
في بقايا الدفاتر الممزقة،
الأحباء الغائبون ينامون على صدرها،
اليوم وغداً، وإلى آخر الآخرة،
فالأمم تزول حين تنسى.
الحربُ مرّت،
لكنها لم تنتصر.
وغزة، رغم الدمار، لم توقع على هدنة،
ما زالت تقول للعالم: أنا الحياة التي لا تموت،
يدٌ تبحث عن يدٍ أُخرى،
كمن يبحث عن نجمة في العتمة،
ما هذا الحب في المسافة القريبة بين القذيفة والقبلة؟
بين الجحيم والوردة.
إني رأيتُ غزة تُمشط شعرها على الرمل،
يا إلهي!
كيف يجتمع الموت والخراب والجمال والغزل؟
في غزة الحب أقوى من القنبلة.





شارك برأيك
غزة.. المدينة التي لم تُوقّع على هدنة