أقلام وأراء

الأحد 14 سبتمبر 2025 9:19 صباحًا - بتوقيت القدس

عالمٌ موازٍ كثُر فيه الفتّاحون السياسيون وغيرهم!

المحامي صلاح علي موسى

ما إن تقلب صفحات التواصل الاجتماعي والفضائيات إلا ويخرج لك عدد لا محدود من عتاولة المحللين والمختصين وأشباهم، ليفتي الشخص ذاته في الشأن الإسرائيلي والسوري واللباني والعراقي والأمريكي، تارة تراه مختصاً، وأخرى تراه خبيراً، وأحياناً تجده باحثاً، ومرات أُخرى لا عجب إن كان فتّاحاً يروي أضغاث أحلام، وفي مقامات أُخَر يصبح مثل ميشيل حايك وليلى عبد اللطيف.
فترى عدداً من الفلسطينيين الذين يحبون أن يوصفوا بالمختصين في الشأن الإسرائيلي ليسوّقوا أن التهجير محقق، وأن ما يخطط له الاحتلال ويتحدث عنه جهاراً نهاراً كأنه قدر محتوم، ويغيب عن العديد منهم أنّ ما بين التحليل والتنجيم ضرب من جنون الوهم، وما بين الفهم والاستفهام عن مصير مخططات الاسرائيلي هو المفصل، والأهم من كل ذلك هل دور المحللين أن يُسوّقوا رواية الإسرائيلي؟ أم دورهم نقل المخاوف إلى الوعي الفردي والجماعي وكيفية التصدي له وإفشاله؟
قد يكون شعبنا في غزة والضفة والقدس أكثر قلقاً على مستقبلهم، بل على حياتهم، إلا أن كل ذلك لا يعني أن نعمل كأن ما يخطط له أمر لا مفر منه، وما علينا إلا أن نرتب أوراقنا لتلك اللحظة.
قد نكون في أسوأ مراحل قضيتنا وفي الدرك الأسفل من الفرقة والتمزق، قد نكون في أسوأ كوابيسنا لم نكن نتوقع أن نصل إلى هذا المستوى من الضعف والهوان، قد نكون وصلنا إلى نقطة الانكسار الوطني والرعب من كل ما يجري حولنا، قد نكون قد فقدنا القدرة على أن نصنع تغييراً أو نبني مساراً جديداً، قد نكون قد رحل عنا كل ما هو جمعي، والكل يبحث عن خلاصٍ واهم، لذا ازداد الجشع وتعززت سلوكيات التوحش، كل ذلك أيها السادة طبيعي، في زمن الحرب والقتل تنقلب أخلاق الناس، وتضعف منظومة المناعة الجماعية، وبالتالي الفردية، يصبح الالتزام الأخلاقي استثناء، والصعود إلى الكبرياء الوطني ضرباً من الجنون والخنوع هو المهرب للبعض منا، في الأضداد تجتمع التناقضات وفي الأضداد تزهو المعطيات، وفي الأضداد ننطلق إلى فضائيات جديدة.
الحمل الكبير على النخب، والنخب ممزقة وباحثة عن رغد وهمي، كل يبحث عن فرص أو مال يُجنى، فالنخب مشغولة بتصفية الحسابات أحياناً، وتتهيأ إلى ما بعد المرحلة وهم يعلمون أن الذل هو نصيبهم إن حقق الآخر مشروعه وتجاوز فيه شروط الموجود.
كي لا يبدو ما أكتبه طلاسم أو بلا روح، أقول إن من يدعي التخصص في مجال الملف الإسرائيلي عليه أن يرأف بالناس البسطاء، وأن يقول الحقيقة بالشكل المجرد، ويعيدها إلى الحق الوطني، ومن يدعي أن الله قد فتح عليه من معارف عليه أن يتذكر أن فوق كل ذي علام عليماً، وأن من ينشئ منصة رقمية حتى ينتقد قرارات رسمية أو فصائلية أو مؤسسية عليه أن يتذكر ذاته، ويسأل كيف ستكون ردة فعله إن تم تخوينه، كما هو يخون الآخر، وأن يسال نفسه ماذا سيكون موقفه إن اتهم هذا المسؤول أو ذاك أو هذا الفصيل أو ذاك بأنه مرتبط وفاسد، وبأنه يخدم أجندات وورش عمل غير وطنية، طالما أن الروح الجمعية قد ضعفت إلى حد الانفكاك، فلا بد أن نحث الجميع أفراداً ومختصين إلى الوقوف أمام الله، ومن ثم أمام أنفسهم ليسألوا ذواتهم، هل أنا معول بناء أم إصلاح أو هدم؟ اسأل نفسك أيها الخبير والمختص والمحلل، هل ما أقوله سيضيف صموداً للنا، أم سيدفع الناس إلى الخوف والرعب للبحث عن هجرة آمنة ودون ضجيج؟ هل تعلمون أن نحو 42 ألف مواطن فلسطيني حصلوا على الجنسية التركية خلال الأعوام الماضية بسبب بث الدعاية بقرب التهجير؟ هل تعلمون أنهم أُخرجوا من البلد عملة صعبة تقدر بمليارَي دولار مقابل حصولهم على الجنسية التركية؟ هل تعلمون أن عشرات بل الآلاف الفلسطينيين نقلوا أعمالهم إلى أماكن أُخرى في الوطن العربي والعالم، ويتنقلون ما بين الأردن وتركيا والصين وسلطنة عمان؟ هل تعلمون كم من أسر أرسلت أبناءها للدراسة في الخارج حتى يتبعهم الآباء والأمهات؟ هل تعلمون كم من أصحاب النفوذ ممن يبحث لأبنائهم عن فرص في السفارات والملحقات؟ هل تعلمون كم من الفلسطينيين اشتروا جنسيات في جزر منتشرة حول العالم؟ هل تعلمون  كم من الفلسطينيين ممن يتمنون ويعملون بكل جهد لمغادرة البلد بأي ثمن وما جنين عنا ببعيدة، حيث  الآلاف الشباب انتقلوا إلى آيسلندا وأوروبا لاجئين في شروط قاسية أو حسنة.
لذا، ارحمونا أيها المختصون أو أشباه ذلك، وخففوا عن شعبنا ما نحن به، خاصة أولئك الذين يعتبرون ما يقولونه وكأنه أمر محقق ومرسل، واخرجوا من عالمكم الموازي، وابحثوا عن أسباب الثبات فوق هذه الأرض.

دلالات

شارك برأيك

عالمٌ موازٍ كثُر فيه الفتّاحون السياسيون وغيرهم!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.