تخوض إسرائيل منذ شهور حرباً ضارية على قطاع غزة، تحت مبررات أمنية وسياسية متكررة، من بينها السعي لنزع الشرعية عن الفلسطينيين وإظهارهم كعبء أمني دائم أو كيان غير قادر على الحياة المستقلة. غير أن الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مختلف، إذ كشفت الحرب، بما رافقها من دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة، عن حقيقة مغايرة تماماً: فلسطين اليوم أكثر حضوراً في المشهد العالمي مما كانت عليه منذ عقود.
فالمأساة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في غزة لم تبقَ محصورة في الأطر الرسمية أو التقارير الدبلوماسية، بل انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي. صور الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات المزدحمة بالجرحى، والعائلات النازحة التي تبحث عن مأوى، جعلت القضية الفلسطينية تتسلل إلى كل بيت تقريباً حول العالم. لم تعد فلسطين قضية نخب سياسية أو مؤسسات أممية فحسب، بل باتت جزءاً من الحياة اليومية للملايين من الأفراد الذين يتابعونها عن كثب ويعبرون عن تضامنهم بصور ومواقف علنية.
غير أن تكريس حضور فلسطين على الساحة العالمية لا يعني بالضرورة إضفاء شرعية على الخيارات التي اتخذتها حركة حماس. فالهجوم الذي شنّته الحركة وأشعل فتيل الحرب، جاء في سياق لم يأخذ بالحسبان الكلفة الإنسانية الباهظة على سكان غزة، الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى في قلب مواجهة غير متكافئة. ملايين المدنيين، من أطفال ونساء وكبار سن، دفعوا ثمناً قاسياً نتيجة هذه الحسابات السياسية والعسكرية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول جدوى مثل هذه المخاطرات، وقدرة الفصائل الفلسطينية على حماية مجتمعها قبل أي شيء آخر.
هذا الانكشاف الإعلامي الهائل أسفر عن تحول ملحوظ في اتجاهات الرأي العام الدولي. ففي أوروبا والولايات المتحدة، حيث لطالما ارتبطت المواقف الرسمية بدعم إسرائيل، خرجت تظاهرات غير مسبوقة الحجم، وبرزت حملات تضامن ومقاطعة أخذت منحى منظماً ومستمراً. وبحسب استطلاعات عدة، فإن غالبية متزايدة من الرأي العام باتت تنظر إلى الفلسطينيين بوصفهم ضحايا ظلم تاريخي وصراع غير متكافئ، ما عزز التعاطف الشعبي وفتح نقاشات جديدة داخل المجتمعات الغربية حول طبيعة السياسات الحكومية تجاه الشرق الأوسط.
هذا التحول الشعبي لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المستقبل السياسي في الدول الديمقراطية. فالأحزاب، بحكم طبيعة النظام الانتخابي، لا تستطيع تجاهل المزاج العام لفترة طويلة. ومع اتساع قاعدة المتعاطفين مع فلسطين، ستضطر القوى السياسية إلى أخذ هذه المواقف بالحسبان، ما قد ينعكس تدريجياً على برامجها الانتخابية وسياساتها الخارجية. الانتخابات المقبلة في عدد من الدول الأوروبية، وكذلك في الولايات المتحدة، قد تشهد نقاشات أكثر عمقاً حول العلاقة مع إسرائيل وضرورة تبني مواقف أكثر توازناً تجاه الصراع.
على الجانب الآخر، يمكن القول إن الحرب الحالية أضعفت السردية الإسرائيلية أمام الرأي العام الدولي. فبينما سعت تل أبيب إلى إقناع العالم بأن أمنها يبرر كل الإجراءات العسكرية، كشفت الصور والوقائع اليومية أن الكلفة الإنسانية باهظة وغير مبررة. وهذا التناقض بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والواقع الملموس على الأرض جعل من الصعب إقناع الجمهور العالمي بالرواية الإسرائيلية التقليدية.
من هنا، فإن ما أرادت إسرائيل أن يكون خطوة لتقويض شرعية الفلسطينيين تحوّل عملياً إلى عامل يعيد شرعنة قضيتهم ويعزز حضورها. فلسطين، اليوم، لم تعد ملفاً معلقاً على طاولة المفاوضات، بل أصبحت قضية إنسانية وسياسية عالمية متجذرة في الضمير الجمعي، لها جمهور واسع ومؤثر يصعب تجاهله في المرحلة المقبلة.
في المحصلة، يبدو أن الحرب على غزة، رغم آثارها الكارثية ومسؤوليات الفصائل الفلسطينية عن المخاطر التي وضعوا المدنيين فيها، كرّست فلسطين كقضية عالمية مفتوحة على المستقبل. فالتعاطف الشعبي الدولي، وما يمكن أن يترتب عليه من تحولات سياسية، يجعل من الصعب عزل الفلسطينيين أو تهميش قضيتهم، بل على العكس، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون فيها حضور فلسطين أقوى وأكثر رسوخاً في المشهد الدولي.





شارك برأيك
الحرب على غزة وتكريس حضور فلسطين عالمياً