أقلام وأراء

الخميس 31 يوليو 2025 8:57 صباحًا - بتوقيت القدس

في معنى مبدأ حل الدولتين دون إنهاء الاحتلال وتفكيك منظومته الاستيطانية

في ظل التحركات الدولية المتجددة نحو الاعتراف بدولة فلسطين، وعلى رأسها الإعلان الفرنسي المرتقب في أيلول القادم، يعود إلى الواجهة مجددا مبدأ "حل الدولتين" من خلال انعقاد مؤتمر نيويورك كصيغة يُراد منها تقديم أمل بأفق سياسي في ظل رفض أمريكي وإسرائيلي، أو قد تكون في واقع هذه المعطيات محاولة لكسب المزيد من الوقت لإدارة الصراع دون حله بالنسبة لبعض القوى الدولية. إلا أن الحقيقة الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها، والتي يجب أن تكون في صلب أي نقاش فلسطيني– دولي جاد، هي أن لا معنى لاستمرار الحديث عن هذا المبدأ، ولا فائدة من ترويجه، في ظل بقاء الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي وتكريسه كأمر واقع، واستمرار ارتكاب الجرائم ضد شعبنا، في سياق تنفيذ رؤية "إسرائيل الكبرى"، بصمت دولي يصل حدّ التواطؤ في بعض الحالات حتى من بعض الذين كانوا قد أعترفوا سابقا بدولة فلسطين .


إن الإعتراف بدولة فلسطين يحمل وزنا سياسيا ودبلوماسيا حقيقيا وهاما، لكن طالما أن الاحتلال بكل ما فيه من محارق الابادة والتطهير العرقي والإحلال الإقصائي وجرائم استيطان وضم وتفتيت جغرافي وتجويع وتهجبر لتغير الواقع الديمغرافي، مستمر دون رادع فقد تتحول هذه الاعترافات إلى أدوات رمزية تُستخدم لتهدئة الرأي العام الدولي دون أن تغيّر شيئاً على الأرض من واقع الأحتلال نفسه. وفي بعض الأحيان، قد تُستغل هذه الاعترافات كغطاء لتأجيل أي تحرك دولي جدي وفاعل تجاه فرض العقوبات على إسرائيل أو مساءلتها قانونياً، وهو ما يجعل منها سيفاً ذا حدّين في حال عدم تحقيق الجدوى السياسية المطلوبة منها في إنهاء الاحتلال وتجسيد استقلال الدولة الفلسطينية المحتلة كشرط في معادلة حل الدولتين في وقت تحظى اسرائيل بالاعترافات الدولية حتى وبما يخالف القرار الأممي ١٨١ الذي نص على إقامة دولتين عام ١٩٤٧ .

عملت إسرائيل، منذ اتفاق أوسلو وحتى اليوم على إفراغ "حل الدولتين" من مضمونه بالكامل. ففي ظل توسّع استيطاني غير مسبوق، فرض لنظام أبارتهايد حقيقي، تمسك بسيادة أمنية كاملة على الأرض والجو وما في باطن الأرض ومياه البحر واستغلال استعماري وسرقة لمقدراتنا واموالنا. فكيف وفق هذا الواقع يمكن التحدث عن "حل الدولتين" بينما غزة تحت الحصار والمحرقة، والضفة تُجتزأ، والقدس تُبتلع؟ وكيف يمكن تطبيق هذا الحل في وقت يتبنى فيه الكنيست الإسرائيلي قوانين الفوقية اليهودية ورفض إقامة الدولة الفلسطينية والتوصية بضم الأراضي، بدعم أمريكي مطلق؟

ما يُطرح اليوم عن "حل الدولتين" من بعض العواصم الغربية التي تتحمل مسؤولية الظلم التاريخي الواقع على شعبنا منذ ما قبل جريمة النكبة، على أهميته السياسية، الا انه قد يمكن اعتباره غطاء لفظيا يُخفي فشل النظام الدولي في فرض إرادته في رفع ذلك الظلم الإستعماري، وتحديداً فشل الدول وحتى التي اعترفت بدولة فلسطين سابقا، وانجرار البعض الاخر الى اتفاقيات التطبيع في إلزام إسرائيل بتطبيق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. بل إن هذا الطرح قد يمنح الاحتلال وقتا إضافيا لمواصلة استراتيجيته الاستعمارية الهادئة والمتوحشة في آن واحد، على حساب الأرض والحق الفلسطيني، اذا لم يتم استثماره من طرفنا وفق ما هو مطلوب لخدمة قضيتنا التحررية .

 قد يُنظر إلى الاعتراف الفرنسي المرتقب بدولة فلسطين وما تبعها امس من تصريحات بريطانية في نفس السياق ، كمكسب دبلوماسي سياسي، خصوصا إذا ترافق مع موجة دعم أوروبي متزايدة وإجراءات واضحة بحق اسرائيل. الا انه من المهم فهم السياق السياسي الذي جاء فيه، فقد جاء إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون في ظل تصاعد ملحوظ في موجات التضامن الشعبي داخل فرنسا مع شعبنا، واحتجاجات مستمرة قادتها قوى اليسار والنقابات والجامعات، رفضا لمجازر غزة والجرائم بحق المخيمات بالضفة. كما جاء التوجه البريطاني ايضا نتيجة لنفس الأمر، ولاحقا لتطورات حزبية داخلية قادها المعارض جيمي كوبرين في تأسيس حزب جديد بدأ يتسع بشكل متسارع ما يهدد استمرار سلطة الحزب الحاكم وتحديدا "العمال" و"المحافظين" في بريطانيا ، كما وفي ظل خلافات سياسية مستجدة بين باريس ولندن وواشنطن في محاولة لفرض موقف أوروبي مستقل عن الإدارة الامريكية.

هذه الإعترافات، رغم أهميتها السياسية والرمزية، يمكن ان تُستخدم أيضا كوسيلة لامتصاص النقمة الداخلية الفرنسية والبريطانية الشعبية المتزايدة من اجل محاولة الحفاظ على بقاء الاحزاب الحاكمة فيها بالسلطة، ومحاولة لإرضاء الشارع المنتفض بعد أن شاهد العالم كله جرائم إسرائيل في بث حي ومباشر . وبالتالي، علينا كفلسطينيين ان نفهمها في اطار واقعها السياسي وألا نبني قصور أوهام على مثل هذه الخطوات ، ولا نُراكم على الاعترافات أكثر مما تحتمل الا بشكل سياسي واقعي، في ظل غياب الإرادة الدولية الفعلية لإنهاء الاحتلال وتفكيك منظومتة الاستعمارية حتى اليوم .

لقد مر ما يقارب من الأربع عقود على إعلان الاستقلال الفلسطيني عام ١٩٨٨، الذي تلاه أكثر من ١٤٠ اعترافاً بدولة فلسطين حتى اليوم، وتحقيق مكانة دولة غير عضو مراقب في الأمم المتحدة عام ٢٠١٢، دون أن يتحول هذا التراكم إلى نتائج ملموسة على الأرض في وجه سياسات اسرائيل وإنهاء الاحتلال في ظل نظام دولي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

إن الاعتراف بدولة فلسطين لا يجب أن يُستخدم كأداة تهدئة في العواصم الغربية بل كرافعة سياسية وقانونية للضغط من أجل إنهاء الأحتلال وتفكيك منظومته الإستعمارية. وهذا يتطلب منا أن نُعيد صياغة علاقتنا الرسمية مع هذه الأعترافات، بحيث تتحول من مجرد قبول تلقائي لها إلى فعل سياسي مرتبط باتفاقيات ثنائية تتعلق بالموقف من إسرائيل .

وفي هذا السياق ، يصبح من الضروري توجيه رسائل فلسطينية دبلوماسية واضحة للدول الراغبة بالاعتراف بدولة فلسطين او حتى التي اعترفت سابقا، يتم التأكيد فيها على المواقف الدولية والمعاهدات التي وقعت عليها حتى تلك الدول والتي تفيد بأن الاعتراف لا يُعتبر دعما حقيقيا ما لم يُقترن بـ :

١.  مواقف ملموسة في المحافل الدولية تدعم المساءلة القانونية لإسرائيل .

٢. دعم فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على دولة الأحتلال ومنظومتها الأستيطانية .

٣ . اتخاذ إجراءات فعلية ضد الشركات المتورطة في دعم الاستيطان وجرائم الحرب .

٤. توقيع مذكرات تفاهم سياسية تؤطر الإعتراف كجزء من التزام شامل بإنهاء الاحتلال، لا بديلاً عن ذلك.


الاعتراف يجب أن يتحول من مجرد إعلان سياسي رمزي هام إلى مدخل عملي لوقف جريمة المحرقة والإبادة المستمرة والتجوع في غزة فوراً، ولمسار تفكيك الاحتلال الاستيطاني وتنفيذ حق تقرير المصير والعدالة لشعبنا .

إن فشل المجتمع الدولي في وقف الاستيطان وفرض تطبيق حل الدولتين، يدفعنا كفلسطينيين إلى إعادة صياغة استراتيجيتنا الوطنية التحررية. فلم يعد ممكناً المراهنة على المسار التفاوضي الغائب أصلاً والذي ترفضه إسرائيل، ولا على دور "الضامن الدولي"، ولا على وعود أمريكية أثبتت انحيازها المطلق، ليصبح المطلوب اليوم منا :

١.  اعتماد استراتيجية تحرر وطني واقعية، تستند إلى برنامج نضالي شامل من خلال موقف وطني عريض تمثله منظمة التحرير بصفتها جبهة وطنية عريضة، وبصفة مكانتها المكتسبة التمثيلية والقانونية والدولية وممثل وحيد لشعبنا وفق ترابها الكفاحي في قيادة مرحلة التحرر الوطني، من خلال الشروع الفوري باستنهاض وإعادة بناء مؤسساتها وتوسيع تمثيلها من خلال انتخابات ديمقراطية شاملة يسبقها حوار وطني واسع يُعقد بشكل سريع وفق قرارات المجلس المركزي للمنظمة في دوراته السابقة، يتبعه تشكيل حكومة انقاذ وتحرر وطني تساهم فعليا في رفع الأعباء عن شعبنا وفي اعتماد سياسات تعزز الصمود المقاوم ضمن رؤية استراتيجية واضحة المعالم لا تعتمد فقط ردود الافعال والوعود دون تخطيط والتقرب من القاعدة الشعبية .

٢.  إعادة تعريف الدولة الفلسطينية كدولة مقاومة لها المكانة القانونية دوليا وواقعة تحت الاحتلال، لا كيانا وظيفيا محكوما باتفاقات لم ولن تلتزم بها إسرائيل في اطار رؤيتها لتقويض اي افكار حول مسار تفاوضي لسلام شامل او حتى استقرار من خلال سياساتها على الأرض لتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى في اطار المحاولات الأمريكية الجارية بتسارع لتقويض مكانة الدولة الوطنية وتدجين الانظمة لبناء الشرق أوسط الجديد في غياب استراتيجية عربية موحدة تعبر عن مصالح شعوبنا، وعدم وجود معارضة اسرائيلية تدعو الى إنهاء الاحتلال والعدوان على الاقل كمصلحة اسرائيلية رغم أزمات المجتمع اليهودي بإسرائيل وتنامي الفاشية بحق المواطنين الفلسطينين.

٣.  تفعيل أدوات النضال : تصعيد المقاومة الشعبية فعلاُ لا قولاً ، وتوسيع الفعل المبادر الدبلوماسي والقانوني المقاوم بعيداً عن الاستجداء كضعفاء على أبواب العواصم، وتكثيف العمل مع حركات التضامن الدولي التي باتت تشكّل فعالياتها ضغطا فعليا في شوارع مدن العالم وعلى حكوماتها، من خلال التظاهر اليومي وبالمرافعات القانونية، وفي حملات المقاطعة والتصدي للوفود الاسرائيلية، وهي الوحيدة التي باتت تعبر عن الموقف المطلوب تجاه اسرائيل اليوم، في وقت تدفع هي الثمن بمقابل ما تتعرض له من قمع سلطات بلادها والاتهامات الموجهة لها من الحركة الصهيونية العالمية بمعاداة السامية.

 الاعتراف بدولة فلسطين لا يجب أن يكون "نهاية الحديث"، بل بداية اشتباك سياسي وقانوني مع الاحتلال. يجب أن نمنح الاعترافات الدولية معناها الحقيقي، لا تجميل الاستعمار، بل إعلان مقاومة ضده.

ولذلك فإن أي اعتراف جديد بدولة فلسطين يجب أن يكون بداية لذلك المسار لا نهاية له. ولا يجوز أن يُختزل في تغريدة رسمية أو بيان رمزي. ومن هنا، فإن إعلان دولة فلسطين تحت الاحتلال وتشكيل مجلسها التأسيسي بات ضرورة استراتيجية ملحة، تُعيد الاعترافات الدولية إلى معناها الحقيقي والمتمثل في إعلان مقاومة سياسية وقانونية مشتركة في وجه الاحتلال.

بهذا المعنى، نستعيد زمام المبادرة، لا لنرفض الاعترافات، بل لنمنحها معناها الحقيقي، كرافعة هامة نحو الحرية والاستقلال الوطني لدولة فلسطين الواقعة تحت الاحتلال، لا كغطاء لتجميل الاستعمار أو لفرض اشتراطات علينا لا تتفق مع حقوق شعبنا الوطنية السياسية أو إملاءات كما جاء يوم أمس في بيان عدد من الدول الأوروبية


Powered by Froala Editor

دلالات

شارك برأيك

في معنى مبدأ حل الدولتين دون إنهاء الاحتلال وتفكيك منظومته الاستيطانية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.