فلسطين

الأربعاء 23 يوليو 2025 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

موظفون يروون معاناتهم لـ"القدس": رواتب ناقصة وغير منتظمة وديون متراكمة وظروف لا تُحتمل

رام الله - خاص بالـ "القدس" دوت كوم

أزمة الرواتب تعضّ الموظفين.. التزامات مُؤجّلة واستحقاقات معجّلة

د. شاكر خليل: الموظفون لم يعد لديهم هامش مرونة إضافي للتعامل مع الوضع القائم ما يفرض على الحكومة التدخل بحلول واقعية ومنخفضة التكلفة
أمجد التميمي: الأزمة دفعت كثيراً من الموظفين للبحث عن بدائل كالاقتراض أو طلب مساعدة الأقارب أو الالتحاق بأعمال إضافية ولو كان مردودها متواضعاً
فراس الطويل: الموظف في دوامة معيشية غير مسبوقة مع رواتب غير منتظمة ومجزوءة.. لذلك عليه إعادة ترتيب الأولويات وتجنّب الاقتراض
حسناء الرنتيسي: أزمة الرواتب أعادت تشكيل حياة الموظفين بالكامل وأجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم وفق مبدأ "الأساسيات أولاً"
جعفر صدقة: الحلول الحالية مُسكنات مؤقتة لا تعالج جوهر الأزمة.. وتعزيز الاقتصاد المحلي مهم لكنه لا يبني اقتصاد دولة قادراً على الصمود


في ظل أزمة اقتصادية خانقة، يعيش موظفو القطاع العام في الضفة الغربية واحدة من أصعب المراحل، مع استمرار تأخر الرواتب وصرفها مجتزأة بنسب كبيرة بسبب استمرار إسرائيل قرصنة أموال المقاصة، ما زاد من الديون وأثقل كاهل الأسر.
شهادات موظفين من محافظات عدة تكشف، في أحاديث مع "ے"، تفاصيل حياة يومية قاسية؛ بين أقساط مؤجلة، ونفقات ضرورية مؤجلة، وخيارات محدودة للبقاء، وسط موجة غلاء مستمرة ومطالبات مالية لا ترحم، بينما تغيب الحلول الجذرية وتضيق مساحة الأمل.
ويؤكد مختصون اقتصاديون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن استمرار أزمة الرواتب دون حلول جذرية تضع الموظفين أمام ضغوط كبيرة، وكذلك تعمق أزمة الاقتصاد الفلسطيني الذي يعتمد بشكل كبير على الموظفين، مشددين على ضرورة وضع خطة طوارئ عاجلة وتدخل حكومي فعّال لتخفيف الأعباء عن الموظفين.

 رواتب ناقصة وديون متراكمة

وسط ظروف اقتصادية خانقة، يكشف موظفون في القطاع العام من مختلف المدن عن ملامح أزمة لم تعد تُحتمل، حيث بات تأخر الرواتب ونقصها سيفاً مسلطاً على رقاب آلاف الأسر التي تعيش على فتات الإنفاق العام.
قصي محمود، موظف حكومي من رام الله، يختصر حال كثيرين بقوله: "حتى الآن لم نتلقَّ راتب شهر أيار الماضي، وهذا يثقل كاهلنا بشكل هائل، لديّ ابنة تدرس في الجامعة وأدفع كل فصل ما بين خمسة إلى ستة آلاف شيكل، ناهيك عن مصاريف المدرسة لباقي أبنائي والفواتير الشهرية من كهرباء وماء وإنترنت، الشركات تريد مستحقاتها ولا أحد يقدّر أنك موظف بلا راتب منذ شهرين، والأسوأ أننا منذ أربع سنوات لا نتلقى راتباً كاملاً بينما أسعار السلع تواصل ارتفاعها".
ووفق محمود، فإن غالبية الموظفين في رام الله مرتبطون بإيجارات شقق شهرية مرتفعة، ما يضاعف الضغوط أمام أسرهم.
ويقول محمود: "هناك مشاكل عائلية كثيرة تحدث لأن الموظف لم يعد قادراً على الإيفاء بالتزاماته التي بالكاد يستطيع تغطية جزء منها".
عبد الفتاح أبو مريم، موظف من نابلس، يروي جانباً آخر من المعاناة بالقول: "بسبب الأزمة اضطررت مؤخراً أن أذهب إلى عملي مشياً وأعود مشياً، لأنني لا أملك أحياناً ثمن المواصلات، كنت أملك سيارة وبعتها لتغطية التزاماتي، بينما زملائي من القرى يعانون أكثر، بعضهم يستدين من السائقين ليتمكن من الوصول إلى دوامه".
في سلفيت، تعيش المعلمة رغدة حسن وزوجها – وكلاهما موظف حكومي – تحت ضغط الديون أيضاً، حيث تقول: "نبني منزلاً جديداً ونستأجر في الوقت نفسه، ومع الرواتب المنقوصةنضطر لترحيل التزاماتنا من شهر إلى آخر، هذا أمر صعب جداً على المدى الطويل".

الأزمة تطاول المتقاعدين

أما غسان حج محمد، المعلم المتقاعد من رام الله، فيوضح كيف امتدت الأزمة إلى المتقاعدين أيضاً قائلاً: "كنت أتقاضى خمسة آلاف شيقل قبل التقاعد، الآن معاشي ثلاثة آلاف فقط، ومع أزمة المقاصة صار منقوصاً أكثر، لدي التزامات شهرية وأقساط، وما يخفف عني قليلاً أن أبنائي وزوجتي يعملون ويساعدونني، لكني أضطر أحياناً للاستدانة وترحيل الديون من شهر لآخر".
في حين، فإن أسامة ربيع، وهو موظف حكومي متقاعد، يلخص الحال قائلاً: "الراتب لا يكفي أصلاً، فما بالك إذا تأخر أو نقص؟ الموظف يرتب حياته على راتبه وأي خلل يقلب موازينه، هناك من يبحث عن عمل إضافي لتغطية التزاماته، لكن التأخير يراكم عليه الديون ويدخله في حلقة استدانة مستمرة، أما الأسوأ أن الموظف إذا مرض قد لا يجد علاجاً مناسباً في المستشفيات الحكومية، علاوة على الالتزامات والمناسبات الاجتماعية".

وضع بالغ الصعوبة واستنفاد وسائل التأقلم الممكنة

يؤكد الخبير الاقتصادي والأكاديمي د.شاكر خليل من أن الموظفين العموميين في فلسطين يواجهون وضعاً بالغ الصعوبة، مع استمرار أزمة الرواتب التي دخلت عامها الرابع على التوالي، موضحاً أن شريحة الموظفين "استنفدت كل وسائل التأقلم الممكنة" وسط غياب الأفق الواضح للحل بسبب استمرار تعنت إسرائيل في تحويل أموال المقاصة.
وبحسب خليل، فإن الموظفين عانوا خلال السنوات الأخيرة من اقتطاعات متكررة في رواتبهم، فتارة تُصرف الرواتب بنسبة 60%، وتارة أخرى بنسبة 70%، وصولاً إلى نسبة 35% مؤخراً، ما دفعهم للجوء إلى تأجيل التزاماتهم وتقليص نفقاتهم، حتى بات كثيرون يعيشون في "شظف العيش" مع تراجع تحويل الأموال شهراً بعد آخر، بينما تغيب أي بوادر انفراج في الأفق القريب.
ويؤكد خليل أن استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة، واستخدامها كورقة ابتزاز سياسي، فاقم من حدة الأزمة، إذ كانت سلطات الاحتلال تقتطع سابقاً أكثر من 60% من أموال المقاصة وتترك 40%، لكنها اليوم لم تحول شيئاً منذ أكثر من شهرين.
ويوضح خليل أن الموظفين لم يعد لديهم هامش مرونة إضافي للتعامل مع الوضع القائم، ما يفرض على الحكومة الفلسطينية التدخل الفوري عبر حلول واقعية ومنخفضة التكلفة، لتخفيف العبء وضمان قدر من الاستقرار المالي والاجتماعي.

مقترحات عملية يمكن تطبيقها على المدى العاجل

وفي هذا السياق، يقدم خليل جملة من المقترحات العملية التي يمكن تطبيقها على المدى العاجل، ولكن ذلك لا يعالج جوهر القضية، ولا يعني ذلك بديلاً عن الرواتب، مما يتطلب من الحكومة التدخل بشكل فاعل والعمل على حل الأزمة.
وبحسب خليل، تبدأ تلك المقترحات بتشكيل خطة طوارئ حكومية اقتصادية بمشاركة مختلف الأطراف وان تعلن على الملأ للتعامل مع الأزمة الاقتصادية الراهنة.
ويؤكد أهمية تحويل أموال للموظفين بانتظام صرف دفعات نقدية جزئية بشكل دوري، حتى وإن كانت صغيرة، بدلاً من دفعات كبيرة وغير منتظمة، حتى يتمكن الموظف من التخطيط والوفاء بالحد الأدنى من التزاماته.
ويشدد خليل على أهمية إعادة جدولة القروض القائمة مع البنوك دون فرض فوائد إضافية أو غرامات تأخير، بهدف منع انهيار الوضع المالي للموظفين.
ويطالب خليل بتأجيل وتقسيط الرسوم الحكومية الأساسية مثل الكهرباء والمياه ورسوم البلديات والمدارس والجامعات الحكومية، مؤكداً أن مثل هذه الخطوة لا تتطلب تكلفة مالية مباشرة ويمكن تطبيقها بقرارات إدارية سريعة.
ويقترح خليل إصدار تعليمات واضحة تتيح للموظفين العمل الجزئي أو الحر خارج ساعات الدوام الرسمي، بما لا يتعارض مع الوظيفة العامة، من أجل تحسين الدخل وتخفيف الضغط المالي.
ويؤكد خليل ضرورة تعزيز الشفافية والإعلام الرسمي في شرح أبعاد الأزمة وخطط المعالجة، إلى جانب إعلان خطة طوارئ اقتصادية واضحة تتضمن أولويات الإنفاق، والتقشف، ومصادر الدعم، لإشاعة الثقة لدى الموظفين والمواطنين.
ويحث د. خليل الحكومة على توسيع قاعدة الإيرادات المحلية عبر مكافحة التهرب الضريبي وتحسين الجباية من المنشآت الكبرى غير الملتزمة، دون تحميل الطبقات الفقيرة أي أعباء إضافية، مشدداً على أن استمرار الضغط السياسي والدبلوماسي محلياً وإقليمياً ودولياً ضروري لإجبار إسرائيل على تحويل أموال المقاصة وفضح سياسة الابتزاز أمام المؤسسات الأممية.
ويؤكد خليل ضرورة أن يتوجه رئيس الوزراء بخطاب واضح ومباشر للمجتمع وللموظفين، لوضعهم في صورة الموقف والإجراءات، بهدف تخفيف الاحتقان وتعزيز الثقة.
ويشدد خليل على أن هذه الحلول تخفيفية عاجلة ومؤقتة، ريثما تنفرج الأزمة، مشدداً على أن استمرار المؤسسات وصمود المجتمع يتطلبان إرادة سياسية واضحة وشراكة حقيقية بين الحكومة وكافة الأطراف ذات العلاقة.

 البحث عن بدائل كالاقتراض أو مساعدة الأقارب

يؤكد الخبير في الشأن الاقتصادي أمجد التميمي أن أزمة الرواتب المتواصلة منذ نحو أربع سنوات وبلغت ذروتها خلال الأشهر الماضية، وضعت الموظفين في موقف غير مسبوق من العجز عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم المعيشية، محذراً من أن شريحة واسعة من الموظفين لم تعد قادرة حتى على الوصول إلى مستوى "الكفاف" الذي بالكاد كانوا يعيشون فيه عندما كانت الحكومة تصرف لهم 70% من الراتب.
وبحسب التميمي، فإن الأوضاع تفاقمت مع دخول الأزمة شهرها الثالث دون أي دفعات مالية للموظفين، في ظل موجة غلاء الأسعار المستمرة والالتزامات الحياتية التي لا يمكن التهرب منها، ما دفع كثيراً من الموظفين إلى البحث عن بدائل غير مستدامة، مثل الاقتراض من الأقارب أو الأصدقاء ممن تسمح أوضاعهم المالية بذلك، أو الاعتماد على تحويلات أقارب يعملون في الخارج، أو حتى البحث عن أعمال إضافية ولو كانت ذات مردود متواضع.
ويؤكد التميمي أن هذه الحلول المؤقتة لن تضمن حياة كريمة وآمنة للموظف، محذراً من تنامي أصوات الاحتجاج في الشارع، سواء من الموظفين أو من القطاع الخاص، في ظل حالة التململ العامة وغياب أي أفق ملموس لانفراج قريب، الأمر الذي يشكل تهديداً خطيراً للسلم الأهلي واستقرار المجتمع.
ويشدد على أن المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق الحكومة الفلسطينية، التي عليها أن تتجاوز "الأسطوانة المشروخة" المتمثلة في عبارات الشكر للموظفين على صمودهم، متسائلاً: "عن أي صمود نتحدث وقد فقد الموظف القدرة على تأمين أساسيات معيشته؟".
ويدعو التميمي الحكومة إلى اتخاذ خطوات عملية حقيقية تبدأ بترشيد النفقات بشكل ملموس، منتقداً استمرار بعض مظاهر الرفاهية لدى المسؤولين من مركبات حكومية وكوبونات وقود، في وقت يعاني فيه الموظف من فقدان مصدر دخله.
ويطالب التميمي الحكومة بالضغط على البنوك كي تمتنع عن خصم أي مبالغ من رواتب الموظفين المجتزأة أو فرض فوائد تأخير على القروض القائمة، مشيراً إلى أن تأخر السداد ليس مسؤولية الموظف بل بسبب تأخر الحكومة ذاتها.
ويؤكد التميمي ضرورة أن تتحرك الحكومة سريعاً للتفاهم مع شركات الخدمات ومؤسسات التعليم العالي لوقف أي إجراءات قطع أو ملاحقات قانونية بحق الموظفين إلى أن تنفرج الأزمة وتعود الرواتب بشكل طبيعي.

الغالبية تعيش وفق "اقتصاد النجاة"

يوضح رئيس تحرير موقع "الاقتصادي" الفلسطيني فراس الطويل أن الأزمة المالية الخانقة التي تعصف بالموظفين العموميين في الضفة الغربية دفعتهم إلى دوامة معيشية غير مسبوقة، محذراً من أن الحال بلغ حدّ العجز عن توفير أساسيات الحياة اليومية، حتى باتت الغالبية تعيش وفق ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد النجاة" القائم على تأجيل الضروريات وتدوير الديون.
ويؤكد الطويل، الذي تابع الواقع الاقتصادي عن قرب من خلال عمله الصحفي ومقابلاته اليومية مع موظفين عموميين، إلى جانب اطلاعه المباشر على أحوال أقاربه وأصدقائه العاملين في القطاع العام، أن الأوضاع لم تكن مريحة حتى في أفضل الأحوال حين كانت الرواتب تُصرف كاملة وفي موعدها، إذ كانت بالكاد تغطي الضروريات الأساسية في ظل موجات الغلاء المتواصلة، فما بالك الآن مع رواتب غير منتظمة ومجزوءة لم تعد تكفي لسد الرمق.
ويشير الطويل إلى أن كثيراً من الموظفين غارقون اليوم في دوامة الديون البنكية، إذ إن أغلبهم ملتزمون بقروض شهرية تثقل كاهلهم، فيما يذهب الجزء الأكبر من الراتب –بعد الخصومات– لتسديد هذه الالتزامات، ولا يتبقى لديهم ما يكفي لمصاريف المعيشة، أما من لم يقترض من البنوك، فقد لجأ إلى الاستدانة من محلات البقالة أو من الأقارب والجيران، حتى أصبحت فكرة الاقتراض والعيش على الدين واقعاً يومياً مريراً يعيشه الموظفون.
ويوضح الطويل أن الأزمة طالت تفاصيل الحياة اليومية للموظف، إذ إن بعضهم لم يعد قادراً على دفع أجرة المواصلات الجامعية لأبنائه، أو تجديد اشتراك الإنترنت الضروري لدراسة الأبناء، بينما اضطرت عائلات أخرى إلى تأجيل التزامات ضرورية أخرى.
ويعتبر الطويل أن هذه الأزمة لا تستنزف الجيوب فحسب، بل تهدد كرامة الموظف الشخصية وتستنزف أعصابه على حد سواء.

"إجراءات التخفيف" ما تزال حبراً على ورق

ورغم إعلان الحكومة عن بعض الإجراءات للتخفيف من الأعباء، ومنها مخاطبة شركات الكهرباء والمياه والاتصالات لتسهيل الدفع ومنع فرض غرامات تأخير، فإن الطويل يرى أن هذه الإجراءات ما تزال حبراً على ورق بالنسبة لمعظم الموظفين الذين لم يلمسوا نتائجها فعلياً. لذلك، يشدد الطويل على ضرورة أن تتحول هذه التسهيلات من بيانات إعلامية إلى واقع ملموس، تُلزم الشركات بتطبيقه بمرونة ومن دون شروط معقدة.
ويدعو الطويل الحكومة إلى التحرك بفاعلية أكبر، عبر التنسيق مع سلطة النقد لإعادة جدولة القروض البنكية وتأجيل استحقاقاتها دون تحميل الموظف أي أعباء إضافية.
 ويطالب الطويل بتفعيل صندوق طوارئ خاص لدعم الموظفين العموميين الأكثر تضرراً، حتى لو بمبالغ رمزية توجه لتغطية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والدواء والمواصلات.
وفي المقابل، يشير الطويل إلى الدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص خلال هذه الأزمة، سواء من خلال مبادرات تضامنية من شركات الاتصالات أو قطاع التجزئة أو البنوك، بحيث تشمل هذه المبادرات خصومات استثنائية للموظفين العموميين، أو إتاحة الدفع الآجل من دون فوائد، أو توفير سلع أساسية بأسعار تفضيلية.
أما بالنسبة للموظف نفسه، فينصحه الطويل بإعادة ترتيب الأولويات المعيشية، والتخلي مؤقتاً عن الكماليات قدر المستطاع، وتجنّب الاقتراض أو الالتزام بقروض جديدة قد تزيد الأعباء لاحقاً.
ويشدد الطويل على أهمية التفكير في إيجاد مصادر دخل إضافية مهما كانت محدودة، فضلاً عن تشجيع التعاون المجتمعي بين الأسر من خلال الشراء الجماعي وتقاسم الموارد وخدمات النقل المشترك لتقليل النفقات اليومية.
ويحذر الطويل من أن ما يعيشه الموظف اليوم ليس مجرد أزمة رواتب عابرة، بل أزمة مركبة تهدد بانهيار اقتصادي واجتماعي إذا لم يتحرك الجميع –حكومة وقطاعاً خاصاً ومجتمعاً مدنياً– بخطوات عملية وجادة للحد من آثارها قبل أن تصبح أعباؤها أكبر من قدرة الموظف والأسرة على الاحتمال.

 "الأساسيات أولاً".. تحديات ثقيلة

تؤكد الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي أن أزمة الرواتب المستمرة أعادت تشكيل حياة الموظف بالكامل، لتدفعه مجبراً إلى إعادة ترتيب أولوياته المعيشية وفق مبدأ "الأساسيات أولاً"، في وقت بات فيه تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية تحدياً ثقيلاً، خاصة في ظل ارتفاع نسبة الإعالة التي تبلغ نحو 29.2%، حيث يتحمل الموظف مسؤولية إعالة أسرته ووالديه معاً في كثير من الحالات.
وتوضح الرنتيسي أن مظاهر الترفيه باتت شبه معدومة من حياة الأُسر؛ فلا برامج سياحية، ولا وجبات عائلية في المطاعم، ولا حتى فرصة لتسجيل الأطفال في مخيمات صيفية أو أنشطة ترفيهية، وهو ما يجعل الأطفال يقضون إجازاتهم لصيقة بالشاشات والهواتف لساعات طويلة، ما يترك آثاراً نفسية وجسدية مقلقة على المدى البعيد.
وبحسب الرنتيسي، فإنه مع تراجع الموارد، تقلصت الحياة الاجتماعية إلى حدودها الدنيا، إذ تتجنب العائلات المناسبات الاجتماعية التي تستلزم إنفاقاً إضافياً، بينما تُمنح الأولوية القصوى لدفع فواتير الكهرباء والمياه والإنترنت لتجنّب الانقطاع، وتُشترى الأدوية بالدَّين، أو يُلجأ للعلاج المنزلي كبديل اقتصادي.
وتشير الرنتيسي إلى أن بعض الموظفين يعتمدون على تحويلات أقاربهم العاملين في الخارج، بينما يضطر آخرون للبحث عن فرص عمل إضافية في المقاهي أو محطات الوقود أو محلات البقالة لسد فجوات الدخل.

النساء لعبن دوراً مهماً في التخفيف من آثار الأزمة

وتوضح الرنتيسي أن النساء لعبن دوراً مهماً في التخفيف من آثار الأزمة عبر مشروعات منزلية صغيرة أو مشغولات يدوية، وبعضهن اضطررن إلى بيع مدخراتهن الشخصية –حتى الذهب– لتغطية مصاريف أساسية مثل رسوم المدارس. وتتطرق الرنتيسي إلى أن إحدى زميلاتها باعت خاتم زواجها لشراء مستلزمات مدرسية لأطفالها.
وتشير الرنتيسي إلى أن الطموحات الفردية مثل التعليم الجامعي، أو بناء منزل أو الزواج أُرجئت إلى أجل غير مسمى، بينما يتكيف الموظف نفسياً مع هذا الواقع بشكل قسري، فيغيب التذمر لتحل محله حالة عامة من الخدر وفقدان الشغف، في ظل غياب أي صدمة أو مفاجأة من تدهور الأوضاع، كأنه مجرد مراقب صامت لانهيار محيطه.
وتنتقد الرنتيسي غياب الحلول الحكومية الواقعية، مؤكدة أن عجز الحكومة عن دفع رواتب موظفيها وتأمين احتياجاتهم الأساسية لا يعطيها الحق في ملاحقتهم لمجرد محاولتهم البحث عن بدائل دخل من خلال أعمال إضافية أو مشاريع صغيرة.
وتشدد على أن تقليص ساعات الدوام ليس حلاً حقيقياً ولا يقدم طعاماً على الموائد ولا يسدد فاتورة كهرباء أو دواء.

أزمة حكومة وليست أزمة موظف

وترى الرنتيسي أن "جوهر الأزمة يكمن في أنها أزمة حكومة، وليست أزمة موظف"، معتبرة أنه لا يُتوقع من المواطن العادي أن يتحول إلى خبير اقتصادي يتابع أخبار أموال المقاصة أو ينتظر "رضى سموتريتش" بحثاً عن بصيص أمل، بينما الحكومة هي من تتحمل مسؤولية إيجاد الحلول وتأمين حياة كريمة للمواطن، لا أن تتركه وحيداً يتخبط تحت ضغط أزمات معيشية خانقة.
وتشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي طرف مباشر في خنق الاقتصاد الفلسطيني، إلا أن المواطن لم يكن طرفاً في توقيع اتفاق باريس الاقتصادي الذي حدد إطار العلاقات المالية، وبالتالي لا ينبغي أن يُترك بلا حماية ولا كرامة.
وتتساءلت الرنتيسي قائلة: "كيف يُطالب الموظف بالالتزام بدفع الضرائب والفواتير ورسوم الترخيص، بينما يُحرم من حقه في الراتب الكامل والخدمات الصحية والتعليمية؟".
وتوضح الرنتيسي أن الموظف اليوم يتساءل عن سبب عدم تأجيل الرسوم والفواتير إلى حين انتظام الرواتب، وعن اضطراره لتحمل كلفة العلاج على نفقته الخاصة وسط نقص الأدوية في المراكز الحكومية، فضلاً عن دفعه لتسجيل أبنائه في مدارس خاصة بسبب تكرار الإضرابات وتراجع جودة التعليم الحكومي.
وتنتقد الرنتيسي غياب التضامن المؤسساتي والقطاعي، إذ تواصل الشركات قطع الخدمات عن الموظف عند تأخر السداد، بينما تغيب أي مبادرات جدية لحمايته.
وتدعو الرنتيسي البنوك ومؤسسات الإقراض لتأجيل الأقساط دون فوائد، وتقديم قروض طارئة بفوائد صفرية لدعم مشاريع صغيرة، إلى جانب تفعيل برامج المسؤولية المجتمعية.
وتؤكد أن الموظف لا يطالب بمعجزات، بل بحقوقه الأساسية كما ينص القانون، مشددة على أن هذه المرحلة تتطلب تضامناً حقيقياً من الجميع، وأن ترك الموظف وحيداً في مواجهة أزمة مركبة هو تنصل من المسؤولية لا يليق بأي دولة تسعى لحماية مواطنيها.

 ما يجري لا يختلف كثيراً عما يحدث بغزة من تجويع

يؤكد الصحفي والخبير الاقتصادي جعفر صدقة أن الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية باتت واضحة للعيان، موضحاً أن ما يجري لا يختلف كثيراً عما يحدث في غزة من عملية تجويع، وإن كان ذلك بدرجة أقل قسوة، إلا أن التداعيات تطول كل مفاصل الاقتصاد الفلسطيني دون استثناء.
ويشير صدقة إلى أن الأزمة لم تقتصر آثارها على الموظفين العموميين فقط، بل امتدت لتشمل القطاع الخاص والأسواق والقطاع التجاري وكافة الأنشطة الاقتصادية.
ويوضح صدقة أن النمو الاقتصادي المحدود الذي تحقق خلال السنوات الماضية اعتمد في جوهره على الإنفاق الحكومي، الذي يتمثل بشكل أساسي في رواتب الموظفين التي كانت تضخ للأسواق بنحو مليار شيكل شهرياً، إلى جانب النفقات التشغيلية والمدفوعات الأخرى التي شكلت المحرك الرئيس لحركة السوق.
ويبيّن صدقة أن تقليص دوام الموظفين ليس جديداً، حيث إن دوامهم غير مكتمل منذ أكثر من سنة، ويقتصر حضورهم لأيام محدودة لتقليل تكاليف المواصلات.
ويلفت صدقة إلى أن كثيراً من الموظفين لجأوا إلى تأجيل التزاماتهم المالية، مثل سداد القروض وإيجارات الشقق وفواتير الكهرباء والماء والإنترنت، إضافة إلى اللجوء إلى مساعدات الأقارب العاملين في الخارج.
ووفق صدقة، فإن ما يزيد الأزمة تعقيداً هو انضمام الموظفين المتضررين إلى نحو 200 ألف عامل كانوا يعملون في إسرائيل وفقدوا أعمالهم منذ عامين، ما فاقم من معدلات البطالة والضيق المعيشي.

البعد السياسي يزيد المشهد قتامة

ويصف صدقة الوضع القائم بالخطير جداً من الناحيتين الاقتصادية والمعيشية، معتبراً أن البعد السياسي يزيد المشهد قتامة.
ويؤكد صدقة أن احتجاز أموال المقاصة لم يعد مجرد وسيلة ابتزاز سياسي للضغط على السلطة الفلسطينية كما كان في مرات سابقة، بل بات جزءاً من استراتيجية أوسع يقودها وزراء في الحكومة الإسرائيلية مثل بتسلائيل سموترتش وايتمار بن غفير، وبدعم من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بهدف تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية ضمن خطة ضم تستبعد أي أفق لحل الدولتين.
ويوضح صدقة أن تجفيف الموارد وإفقار الناس يهدفان إلى دفعهم لليأس من البقاء على أرضهم، وصولاً إلى مرحلة اقتلاع جماعي وعنيف للمواطنين من الضفة الغربية، وإنهاء وجود السلطة الفلسطينية بالكامل.
ويبين صدقة أن الأوضاع لم تعد تحتمل استمراراً بهذه الصورة، في ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية وعجز السلطة الفلسطينية عن إيجاد حلول حقيقية.
ويشير إلى أن كل محاولات إدارة الأزمة استُنفدت، سواء من خلال الاقتراض الحكومي من البنوك أو من خلال قدرة المواطنين على تدبير أوضاعهم لفترة أطول.
ويؤكد صدقة أن التعويل على الضغوط الدولية لم يعد مجدياً أمام إصرار إسرائيل على سياساتها، معتبراً أن الحل الوحيد يتطلب مواجهة شاملة بأدوات اقتصادية وتجارية وشعبية، لأن من يتبع سياسة تجويع وقتل ممنهجة لن يتراجع بالضغوط وحدها.
ويرى صدقة أن الحلول الحالية لا تتجاوز كونها مسكنات مؤقتة لا تعالج جوهر الأزمة، مشيراً إلى أن تعزيز الاقتصاد المحلي على مستوى القرية أو المدينة مهم وقد يخفف من بعض الأعباء المعيشية ويبقي الناس على قيد الحياة، لكنه لا يبني اقتصاد دولة قادر على الصمود في مواجهة هذه السياسات.

دلالات

شارك برأيك

موظفون يروون معاناتهم لـ"القدس": رواتب ناقصة وغير منتظمة وديون متراكمة وظروف لا تُحتمل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.