أقلام وأراء

الخميس 10 يوليو 2025 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو ميثاق ثقافي مقدسي.. هل يمكن بناء سياسة ثقافية فلسطينية مستقلة في المدينة؟

يطرح سؤال "السياسة الثقافية" نفسه بقوة كلما اشتد الخناق على الرواية الفلسطينية في القدس، ولا يتعلق الأمر بإدارة فعاليات أو ملء الفراغات الزمنية بورش فنية فحسب، بل بصياغة منظور وجودي حول معنى أن تكون فاعلًا ثقافيًا في مدينة يحكمها احتلال، وتتناوب على تمثيلها رموز متضادة للسيادة، من اللافتة إلى الذاكرة، في سياق تتآكل فيه مفاتيح السيادة الثقافية لصالح قوى تحاول فرض تعريفها للهوية والمعنى.

يصطدم المثقفون المقدسيون يوميًا بجدارٍ غير مرئي من الهيمنة الإسرائيلية؛ لا تقتصر ملامحه على مشهد الشرطة أو جدار الفصل، بل تتسرّب آثاره إلى تفاصيل الفعل الثقافي نفسه: في نبرة الدعوة إلى فعالية، في اضطراب التمويل، في انكماش اللغة، وفي صمت البرامج عن تسمية الأشياء بمسمياتها. فالهيمنة على الرواية ليست مجرد تحكم بالمحتوى، بل هي إعادة ضبط للزمن. ومن ينتزع الزمن من أهله، يُفرغ المكان من معناه، ويُحوّل الثقافة إلى طقوس بلا ذاكرة.

في هذا المشهد المرتبك، يغدو تعريف "الفعل الثقافي" نفسه موضع خلاف: هل هو نشاط رمزي مشروط بواقع الممول؟ أم ممارسة يومية مرتبطة بالسيادة والمعنى والسرد؟ في ظل هذا الالتباس، تظهر الحاجة إلى أدوات تعيد ضبط البوصلة، وتعيد ربط الثقافة المقدسية بجذرها السياسي والاجتماعي.

تفرض اللحظة الثقافية الراهنة الانتقال من الارتجال إلى التخطيط، ومن الاستجابة إلى المبادرة، ومن التبعثر إلى الوضوح. لم يعد كافيًا أن نمارس الثقافة؛ المطلوب أن نعيد تعريفها في سياقها المقدسي، كأداة مواجهة، وكفعل سيادة رمزية، لا كمجرد نشاط أو ترف فكري. من هنا، تتقدّم الحاجة إلى ميثاق ثقافي مقدسي، لا بصفته حلاً تنظيميًا، بل كضرورة لحماية المعنى من الذوبان، ولضبط الإيقاع الجماعي قبل أن تبتلعه الفوضى، أو تُفرّغه المعونة المشروطة من روحه وموقعه.

أولاً: الحاجة إلى ميثاق ثقافي مقدسي

يتزايد تفكك المشهد الثقافي المقدسي كلما غاب الصوت الجماعي الناظم للعمل الثقافي في المدينة، لا مرجعية جامعة، ولا رؤية موحّدة، بل خارطة مبعثرة ومفككة تتوزع بين مبادرات فردية تنهكها العزلة، ومؤسسات تتأرجح تحت وطأة التمويل المشروط، وتجمعات فنية تقاوم بأساليب محدودة دون غطاء استراتيجي واضح، في ظل هذا المشهد، لا يبدو الحديث عن "ميثاق ثقافي مقدسي" ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة قصوى لإعادة تموضع الثقافة كجزء من معادلة المواجهة على السيادة والمعنى.

الميثاق هنا ليس بيان نوايا، ولا اتفاقية تنسيقية بين مؤسسات، بل رؤية فلسفية وسياسية تُعيد بناء مفهوم الفعل الثقافي في القدس على أسس تتجاوز البقاء الرمزي نحو التأثير الفعلي. ميثاق يُعيد ترتيب الأولويات الثقافية وفق حاجات المجتمع المقدسي، لا وفق أجندات الممول، ويمنح المؤسسات أداة دفاع جماعية تحصّنها من محاولات التطويع، وتحميها من الانجراف خلف شروط تنزع الطابع الوطني عن الثقافة، وتفرغها من محتواها التحرري.

في قلب هذا الميثاق، لا بد من تثبيت مفاهيم أساسية: السيادة الثقافية كحق جماعي، والسردية كأرض رمزية يجب الدفاع عنها، والذاكرة الجمعية كوثيقة نضال، والعدالة الثقافية كشرط للبقاء المجتمعي. لا حديث هنا عن تسويق الثقافة كمنتج أو تحويلها إلى وسيلة ترفيه مفرغة، بل عن استعادتها كأداة مقاومة، وكصوت جمعي يُعيد تعريف القدس من داخلها، لا من عين السائح أو من طاولة الممول.

ثانيًا: محددات بناء سياسة ثقافية مستقلة

يصعب طرح فكرة "السياسة الثقافية المستقلة" في مدينة خاضعة بالكامل لسيطرة استعمارية دون أن تصطدم بالسؤال الأساسي: هل يمكن فعلاً بناء سياسة ثقافية فلسطينية في ظل غياب السيادة السياسية والقانونية؟ يبدو الجواب في ظاهره متشائمًا، لكنه ليس كذلك بالضرورة. فالتجارب الحيّة لحركات التحرر حول العالم أثبتت أن الفعل الثقافي لا ينتظر الاعتراف السيادي ليكون فاعلًا، بل ينبع من الإرادة المجتمعية، والمرجعية القيمية، والاستعداد الجماعي لتنظيم المعنى، لا فقط النشاط.

في السياق المقدسي، لا يكفي أن نطالب باستقلال ثقافي، بل يجب أن نُحدّد الشروط التي تُمكّن هذا الاستقلال، وتؤطّره داخل مشروع متكامل، لا كتكتيك ظرفي أو حالة طوارئ رمزية. من هنا، يمكن الوقوف عند أربع محددات رئيسية تشكّل الأرضية الأولية لبناء سياسة ثقافية فلسطينية مستقلة، حتى تحت الاحتلال:

1. تحرير الفضاء الثقافي من الهيمنة الإسرائيلية غير المباشرة.

2. تعزيز شبكة المؤسسات الثقافية المحلية.

3. مأسسة العلاقة مع الفنانين والمثقفين بصفتهم شركاء لا منفذين.

4. إعادة الاعتبار للمضامين الثقافية ذات البُعد السيادي والوطني.

ثالثًا: ما بين التمويل المشروط والاستقلال الثقافي

مع كل محاولة لإعادة بناء السياسة الثقافية في القدس، يطلّ جرح التمويل المشروط كواحد من أكثر التحديات خطورة وتعقيدًا. المال، الذي يُفترض أن يكون أداة تمكين، تحوّل في حالات عديدة إلى وسيلة ضبط وإخضاع ناعم، تُملي عبره الجهات المانحة أجنداتها وشروطها، وتعيد تشكيل الخطاب الثقافي المقدسي على مقاس "الحياد"، ووفق رؤى منفصلة عن سياق الاستعمار والهيمنة.

نحن لا نرفض التمويل، بل نرفض أن يُستخدم كأداة لإفراغ الثقافة من سياقها السياسي وتحوير رسالتها الوطنية. من هنا، تبرز الحاجة إلى إطلاق صندوق ثقافي مقدسي مستقل، بإشراف فاعلين ثقافيين محليين، يُموّل المشاريع وفق الأولويات الوطنية، لا التوجيهات الخارجية.

رابعًا: الثقافة بين الهيمنة والمقاومة

الهيمنة الإسرائيلية لا تقتصر على الأمن والسياسة، بل تمتد إلى الرمز والسردية واللغة. من أسماء الشوارع إلى طمس المعالم، تسعى إسرائيل لإعادة إنتاج رواية مدينة بلا فلسطينيين، في المقابل، لا تكتفي المقاومة الثقافية بالرفض، بل تسعى إلى بناء بديل حيّ ينبع من الحارة والذاكرة، يعيد تشكيل الوعي، ويحفظ الحكاية من الضياع. الفعل الثقافي في القدس هو بحد ذاته مقاومة: في القصيدة، وفي الدبكة، وفي لوحة طفل يرسم سور المدينة، وفي أم تروي سيرة ابنها المبعد. هنا تبدأ السيادة الرمزية، وهنا تنكسر هيمنة الرواية النقيضة.

خامسًا: نحو عقد اجتماعي ثقافي جديد

السياسات الثقافية لا تُبنى بقرارات فوقية، بل بعقد اجتماعي جديد، تنخرط فيه جميع مكونات الفعل الثقافي: الفنان والمسرحي، المؤسسة والمجتمع، الجيل القديم والناشئ. عقد يتجاوز الفصائلية والانقسام والتمويل الموجَّه، ويعيد تموضع القدس في قلب المشروع الثقافي الوطني، وأولى خطوات هذا العقد تبدأ بـ مؤتمر تشاوري ثقافي مقدسي، يجمع الفاعلين في المدينة لتحديد الأولويات، وبناء مسودة أولى لميثاق ثقافي ينبع من الأرض ويعود إليها.

 

القدس تستحق أكثر

في ظل محاولات طمس الهوية، وغياب الإرادة الرسمية، وتراجع الدعم العربي، يبقى الفاعلون الثقافيون خط الدفاع الأول عن المعنى. ليسوا مجرد منتجين، بل شهود على الذاكرة، وحراس الرواية، نعم، يمكننا بناء سياسة ثقافية فلسطينية مستقلة في القدس، إذا امتلكنا الشجاعة: شجاعة المواجهة، والتفكير الجماعي، والانتماء لمدينة لا تُقاس بالسيطرة، بل بصدى صوتها في الوجدان.

آن الأوان لننتقل من الدفاع إلى البناء، ومن الاستجابة إلى المبادرة، ومن العروض الفردية إلى المشروع الجماعي، فالقدس لا تحتاج إلى مهرجانات، بل إلى حكاية تُروى بالدمع والصبر والذاكرة. حكاية تقول: "نحن هنا"، كما نقولها نحن، لا كما يُراد لنا أن نقولها.

دلالات

شارك برأيك

نحو ميثاق ثقافي مقدسي.. هل يمكن بناء سياسة ثقافية فلسطينية مستقلة في المدينة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.