السّبت 30 مايو 2026 5:17 صباحًا -
بتوقيت القدس
أطلقت مجموعات اقتصادية وهيئات تمثل قطاع الطيران والسفر في الولايات المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة من مغبة عرقلة الإجراءات الحدودية في المطارات الكبرى. وأكدت هذه الجهات أن فرض قيود على مطار نيوارك ليبرتي الدولي أو غيره من البوابات الجوية الرئيسية سيؤدي إلى حالة من الفوضى العارمة، مما قد يترك آلاف المسافرين عالقين ويعطل سلاسل توريد البضائع الحيوية. تأتي هذه المخاوف في ظل تصاعد التوتر بين الإدارة الاتحادية وسلطات الولايات التي تتبنى سياسات 'مدن الملاذ'.
وكان وزير الأمن الداخلي، ماركوين مولين، قد لوح بإمكانية تعليق إجراءات المسافرين والشحن الدولي في مطار نيوارك بولاية نيوجيرسي، مبرراً ذلك بعدم تعاون أجهزة إنفاذ القانون المحلية مع مسؤولي الهجرة الاتحاديين. ولم تقتصر التهديدات على نيوجيرسي فحسب، بل امتدت لتشمل أكثر من عشرة مطارات رئيسية في مدن كبرى مثل لوس أنجلوس، شيكاجو، بوسطن، وسياتل، وهو ما يضع حركة الملاحة الجوية الأمريكية أمام تحدٍ غير مسبوق.
وفي بيان مشترك، أعربت غرفة التجارة الأمريكية ورابطة (إيرلاينز فور أمريكا) والاتحاد الوطني لتجارة التجزئة عن قلقهم العميق من أن وقف العمليات الجمركية سيهدد استقرار نظام النقل الجوي الوطني. وأشار البيان إلى أن هذه الخطوات قد تسبب ارتباكاً لا مبرر له في وقت حساس للاقتصاد الأمريكي، خاصة مع الاعتماد الكبير على هذه المطارات كمراكز لوجستية عالمية تربط الولايات المتحدة بالعالم الخارجي.
وقف العمليات الجمركية في المطارات الأمريكية الرئيسية يهدد بإحداث فوضى لا داعي لها على مستوى نظام النقل الجوي في البلاد.
من جانبها، كشفت رابطة السفر الأمريكية عن أرقام صادمة تتعلق بالتداعيات الاقتصادية المحتملة، حيث توقعت خسارة تتجاوز 70 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي. وأوضحت الرابطة أن إغلاق الإجراءات الدولية في 18 مطاراً مستهدفاً سيؤثر بشكل مباشر على نحو 68 مليون مسافر سنوياً، مما يهدد قطاع السياحة والخدمات المرتبطة به بشكل مباشر، ويزيد من الضغوط على شركات الطيران التي بدأت لتوها في استعادة توازنها.
وتأتي هذه الأزمة في توقيت حرج للغاية، حيث تستعد الولايات المتحدة لاستقبال تدفقات هائلة من الزوار الأجانب لحضور نهائيات كأس العالم لكرة القدم المقررة الشهر المقبل. وبينما لم يصدر تعليق رسمي من البيت الأبيض، نقلت مصادر عن مسؤولين تنفيذيين في شركات طيران استبعادهم للتنفيذ الفوري لهذه القيود، معتبرين أن التهديدات قد تكون أداة للضغط السياسي على الولايات المتمردة على قرارات الهجرة الاتحادية.
السّبت 30 مايو 2026 4:46 صباحًا -
بتوقيت القدس
تتحرك البشرية في تفاصيل حياتها اليومية نحو غايات لم تتحقق بعد، حيث يسهر الطالب لمستقبل لم يبدأ، ويضحي الثائر لعدالة لم تولد. هذه الحركة ليست مجرد نزعة رومانسية، بل هي حقيقة متجذرة في بنية الوعي الإنساني، حيث يمارس المستقبل 'غير الموجود' قوة سببية مباشرة على الحاضر القائم.
في الذكرى الثالثة والسبعين بعد الخمسمئة لفتح القسطنطينية، يبرز سؤال فلسفي يتجاوز السرد العسكري التقليدي حول كيفية سقوط المدينة. السؤال الأهم هو كيف ظلت فكرة الفتح حية لقرون طويلة، صامدة أمام سلسلة من الإخفاقات المتتالية حتى تحولت في نهاية المطاف إلى واقع ملموس.
يرى مراقبون أن الرواية الشائعة التي تختزل التمسك بفتح المدينة في البشارة النبوية هي رواية منقوصة إذا ما حُصرت في الوظيفة العاطفية فقط. إن القيمة الحقيقية تكمن في تحويل تلك البشارة إلى إطار غائي أعاد تنظيم علاقة المخيلة الجماعية بالزمن والمستقبل.
لقد رسخ هذا النمط المعرفي طريقة فريدة في قراءة الفشل؛ فالمشكلة عند تعثر المحاولة السادسة أو السابعة لا تكمن في الهدف ذاته، بل في نقص الشروط الموضوعية لتحقيقه. بهذا المعنى، يصبح الفشل مجرد مسافة زمنية وإجرائية، وليس نهاية للمسار أو إعلاناً باستحالة الوصول.
ثمة تمايز جوهري بين العيش في زمن خطي تتراكم فيه الأحداث كأعباء، وبين العيش في زمن غائي يرى الحاضر كمرحلة نحو غاية تسبقه في الوجود الذهني. في الزمن الغائي، لا يؤدي الإخفاق إلى إلغاء الغاية، بل يدفع نحو إعادة ترتيب الأدوات والشروط اللازمة للنجاح.
يشير الفيلسوف إرنست بلوخ إلى أن المستقبل ليس اختراعاً خارجياً، بل هو نزوع كامن في صلب الواقع ينتظر من يمنحه اسماً. ومن هنا، فإن من يعلن عن ملامح المستقبل بدقة لا يخترعه من عدم، بل يرفع الممكنات المكبوتة في الحاضر إلى مستوى الوعي العام.
إن 'روح النبوءة' التي تجلت في قصة القسطنطينية هي القدرة على تسمية مستقبل محدد بدقة تجعل من العثرات محطات عابرة. هذه الروح هي بنية ذهنية ونمط في قراءة الزمن، تمنح المجتمعات القدرة على الاستمرار رغم قسوة الواقع الراهن.
المجتمعات لا تنهزم فقط حين تخسر المعارك، بل حين تفقد قدرتها على تسمية مستقبل مختلف.
تنتقل هذه الفلسفة من الإطار التاريخي إلى الواقع السياسي المعاصر، حيث تعمل أنظمة الاستبداد على إعادة تشكيل وعي الشعوب بالزمن. تسعى هذه الأنظمة لإقناع الجماهير بأن الحاضر ليس مجرد حالة تاريخية عابرة، بل هو معطى أبدي لا يمكن تجاوزه أو استبداله.
في هذا السياق، يُستخدم الفشل كدليل على استحالة التغيير، وتُوظف الهزائم لترسيخ قناعة بأن الواقع القائم هو الأفق الوحيد الممكن. هذا النهج يهدف إلى شل القدرة على الحلم، وجعل أي تصور لمستقبل مختلف يبدو كنوع من السذاجة أو الخيال غير الواقعي.
تتجلى هذه السياسة بوضوح في ممارسات الاحتلال الذي يسعى عبر فرض الوقائع على الأرض إلى إقناع أصحاب الحق بأن حاضرهم أبدي. إن أخطر ما يواجهه مجتمع ما ليس فقدان الأرض أو الحرية فحسب، بل فقدان القدرة على تخيل بديل، لأن ما لا يمكن تخيله لا يمكن بناؤه.
إن الهيمنة الثقافية والسياسية تعمل على جعل 'المنتصر' هو المعيار الوحيد لتحديد الممكن والمستحيل في وعي المهزومين. وعندما يقتنع المجتمع بأن واقعه الحالي هو قدره النهائي، فإنه يسقط في فخ 'تأبيد الحاضر' الذي يعد أشد فتكاً من القمع المادي المباشر.
بالعودة إلى القسطنطينية، نجد أنها لم تُفتح فعلياً يوم انهارت أسوارها في عام 1453، بل كانت قد فُتحت قبل ذلك بقرون في مخيلة الأجيال. لقد تحولت من مدينة مستعصية إلى مستقبل قابل للتصور، وهذا التحول الذهني هو الذي مهد الطريق للنصر العسكري اللاحق.
الدرس المستفاد يتجاوز حدود الزمان والمكان، مؤكداً أن المجتمعات لا تنهزم بخسارة المعارك الميدانية، بل عندما تفقد لغتها الخاصة في تسمية مستقبلها. إن القدرة على صياغة رؤية مغايرة هي السلاح الأول في مواجهة محاولات تدجين الوعي وفرض الاستسلام.
في الختام، قد لا تتوفر اليوم نبوءات نصية تخبرنا بما سيحدث، لكن البشرية لا تزال تملك القدرة على التخيل الخلاق. فالتاريخ في جوهره لا يصنعه القائم من الأمور فقط، بل يصنعه أولئك الذين يملكون الجرأة على اعتبار 'غير الموجود' ممكناً وقابلاً للتحقيق.
السّبت 30 مايو 2026 4:16 صباحًا -
بتوقيت القدس
أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الجاسوس الإسرائيلي الأمريكي السابق، جوناثان بولارد، موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والأمنية. حيث اعتبر بولارد أن المنطقة تتجه نحو 'عاصفة قادمة' تتطلب من تل أبيب رفع جاهزيتها العسكرية لمواجهة قوى إقليمية كبرى بعيداً عن التركيز التقليدي على الملف الإيراني وحده.
وخلال مشاركته في بودكاست تابع لشبكة إعلامية عبرية، أوضح بولارد أن التحديات الأمنية التي قد تفرضها أنقرة والقاهرة ستكون أكثر تعقيداً وصعوبة مقارنة بما واجهته إسرائيل مع طهران. وأشار إلى ضرورة البدء الفوري في وضع الخطط الدفاعية والهجومية للتعامل مع هذا السيناريو الذي يراه وشيكاً في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
وأعرب الجاسوس السابق عن شكوكه في قدرة الجيش الإسرائيلي على حسم أي مواجهة مع الأتراك بالسهولة ذاتها التي تمت بها إدارة الصراع مع إيران. وشدد على أن الحرب المقبلة قد لا تقتصر على جبهة واحدة، بل قد تمتد لتشمل مواجهة مباشرة مع تركيا ومصر، وهو ما يستدعي استراتيجية أمنية مغايرة تماماً.
وفي سياق تحليله للميدان السوري، حذر بولارد من مغبة السماح للحكومة السورية، المدعومة من أنقرة، باستعادة السيطرة على المناطق الجنوبية القريبة من خطوط التماس مع جيش الاحتلال. واعتبر أن أي تقدم سوري في تلك المناطق يعني فعلياً وجود القوات التركية على الحدود الإسرائيلية بشكل مباشر، مما يشكل تهديداً استراتيجياً غير مسبوق.
ورغم نبرته التحذيرية، قال بولارد إنه 'يأمل' ألا تضطر إسرائيل للدخول في نزاع مسلح مع القاهرة أو أنقرة، لكنه استدرك مستشهداً بأسطورة 'صندوق باندورا'. وأوضح أن الرهان على آمال التهدئة وحدها قد يكون خديعة استراتيجية، مؤكداً أن الاستعداد للأسوأ هو الضمان الوحيد لمنع الانهيار الأمني.
لست متأكداً من أننا سنواجه الأتراك بالسهولة نفسها التي واجهنا بها الإيرانيين، وعلينا الاستعداد للحرب المقبلة ضد تركيا ومصر.
تأتي هذه التصريحات الحادة في وقت تمر فيه العلاقات بين تل أبيب وأنقرة بمرحلة من القطيعة شبه التامة والتوتر المتصاعد. وقد انهارت كافة محاولات التقارب الدبلوماسي السابقة في أعقاب اندلاع حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي لاقت تنديداً تركياً واسعاً.
يُذكر أن جوناثان بولارد يمتلك تاريخاً مثيراً للجدل، حيث أُدين في الولايات المتحدة عام 1985 بتهمة التجسس لصالح إسرائيل وتسريب وثائق سرية للغاية. وقد أمضى بولارد ثلاثة عقود خلف القضبان في السجون الأمريكية قبل أن يتم الإفراج عنه في عام 2015 وينتقل للعيش داخل دولة الاحتلال.
ومنذ وصوله وحصوله على الجنسية الإسرائيلية، انخرط بولارد بشكل علني في النشاط السياسي والاجتماعي، حيث أعلن انحيازه الكامل لتيارات اليمين المتطرف. ويُعرف عنه دعمه الوثيق لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وتبنيه لمواقف متشددة تدعو لتوسيع الاستيطان وتشديد القبضة الأمنية ضد الفلسطينيين.
ويرى مراقبون أن تصريحات بولارد تعكس المزاج السائد داخل أروقة اليمين الإسرائيلي الحاكم، الذي يسعى لتوسيع دائرة الصراع في المنطقة. وتثير هذه الدعوات مخاوف من جر الإقليم إلى مواجهات شاملة تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة لتطال دولاً إقليمية وازنة مثل مصر وتركيا.
السّبت 30 مايو 2026 4:16 صباحًا -
بتوقيت القدس
شهدت قاعدة خليج غوانتانامو العسكرية، الواقعة في أقصى جنوب شرق كوبا، اجتماعاً استثنائياً ضم ضباطاً رفيعي المستوى من الجيشين الأميركي والكوبي يوم الجمعة الماضي. يأتي هذا اللقاء في توقيت حساس للغاية، حيث تمر العلاقات الثنائية بين واشنطن وهافانا بمرحلة من التدهور الحاد، مدفوعة بتهديدات علنية أطلقها الرئيس دونالد ترمب بشأن إمكانية السيطرة على الجزيرة.
وأفادت القيادة العسكرية الأميركية لأميركا اللاتينية والكاريبي (ساوثكوم) بأن الجنرال الأميركي فرنسيس دونوفان التقى بنظيره الكوبي الجنرال روبرتو ليغرا سوتولونغو. وتركزت المباحثات، وفقاً لبيان رسمي مرفق بصور اللقاء، على إجراء تبادل فني حول مسائل الأمن العملياتي وضمان سلامة المنشآت العسكرية في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات الميدانية بعد تقارير استخباراتية أشارت الأسبوع الماضي إلى أن السلطات في هافانا تدرس بجدية خيارات عسكرية دفاعية. وتضمنت هذه الخيارات احتمال شن ضربات بطائرات مسيرة تستهدف القاعدة الأميركية، وذلك في حال إقدام الولايات المتحدة على تنفيذ أي هجوم عسكري مباشر ضد الأراضي الكوبية.
وقد قاد الجنرال دونوفان تقييماً أمنياً شاملاً للمنشأة البحرية الأميركية، حيث ناقش مع الجانب الكوبي جهوزية القوات التشغيلية وسلامة الأفراد العاملين في الخدمة. وتعتبر واشنطن محطة غوانتانامو مركزاً لوجستياً وعملياتياً حيوياً يدعم استراتيجيتها في مواجهة ما تصفه بالتهديدات التي تقوض الاستقرار والديمقراطية في نصف الكرة الغربي.
من جانبها، أعربت الحكومة الكوبية عن شكوكها العميقة تجاه النوايا الأميركية، حيث انتقدت هافانا ما وصفته بافتقار واشنطن للجدية في المحادثات الرامية لتخفيف الاحتقان. وقالت نائبة وزير الخارجية الكوبي، جوزفينا فيدال إن الإجراءات العدوانية التي تتخذها إدارة ترمب تضعف فرص الحوار المسؤول بين الطرفين.
نأمل بأن يسود مسار الحوار في هذا الوقت الذي تثير فيه الإجراءات العدوانية الأميركية الشكوك حول الجدية والمسؤولية.
وفي سياق متصل، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الإدارة الأميركية لا تزال تفضل المسار الدبلوماسي كخيار أول لحل الأزمات العالقة. ومع ذلك، حذر روبيو من أن الرئيس دونالد ترمب يمتلك مجموعة واسعة من الخيارات الأخرى المتاحة، في إشارة ضمنية إلى إمكانية التصعيد العسكري أو الاقتصادي.
وتعيش الجزيرة الشيوعية تحت وطأة ضغوط اقتصادية متزايدة منذ يناير الماضي، حين فرضت الولايات المتحدة حصاراً شاملاً على إمدادات الوقود المتجهة إلى كوبا. وقد أدى هذا الإجراء إلى تفاقم الأزمات المعيشية، وزاد من حدة الخطاب العدائي بين العاصمتين في ظل اتهامات متبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية.
ولم تتوقف الضغوط عند الجانب الاقتصادي، بل امتدت لتشمل ملاحقات قضائية، حيث وجهت محكمة في فلوريدا لائحة اتهام جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو. وتتعلق هذه التهم بحادثة جوية تعود إلى عام 1996، وهو ما اعتبرته هافانا محاولة سياسية لتوفير غطاء قانوني لأي تحرك أميركي مستقبلي ضد النظام.
وتتخوف القيادة الكوبية من أن تكون هذه التحركات القانونية والتهديدات اللفظية من قبل ترمب مجرد ذريعة لإسقاط الحكومة القائمة في هافانا. ويرى مراقبون أن التلميحات المتكررة بشأن الاستيلاء على الجزيرة تعكس تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقة الكاريبي.
يُذكر أن قاعدة غوانتانامو، التي تبعد نحو 700 كيلومتر عن مدينة ميامي، ترتبط في الأذهان بملف انتهاكات حقوق الإنسان ضد المعتقلين المشتبه بهم في قضايا الإرهاب. كما برزت القاعدة مؤخراً في خطط الإدارة الأميركية الحالية كمركز محتمل لاحتجاز المهاجرين غير النظاميين، مما يضيف بعداً جديداً للصراع حول هوية ووظيفة هذه المنشأة المثيرة للجدل.
السّبت 30 مايو 2026 3:46 صباحًا -
بتوقيت القدس
كشف نواب ديمقراطيون في مجلس النواب الأمريكي عن رفض وزيرة العدل السابقة، بام بوندي، الإدلاء بشهادتها حول مدى معرفة الرئيس دونالد ترمب بالأنشطة الإجرامية للممول الراحل جيفري إبستين. وجاء هذا الامتناع خلال جلسة استماع مغلقة عقدتها لجنة الرقابة بمجلس النواب يوم الجمعة، للتحقيق في كيفية تعامل الإدارة السابقة مع ملفات إبستين المدان بجرائم جنسية.
وأفادت مصادر برلمانية بأن بوندي تجنبت الإجابة على تساؤلات جوهرية تتعلق بما إذا كان ترمب قد أصدر تعليمات مباشرة بحجب أجزاء معينة من ملفات وزارة العدل التي تم نشرها للعلن. كما رفضت توضيح طبيعة التنسيق بين البيت الأبيض والوزارة فيما يخص المعلومات الحساسة التي قد تمس الرئيس أو الدائرة المحيطة به في ذلك الوقت.
وفي بيان معد مسبقاً، ألقت بوندي بمسؤولية الإشراف على مراجعة ونشر الوثائق على عاتق تود بلانش، الذي يشغل حالياً منصب القائم بأعمال وزير العدل. وأكدت بوندي أنها لم تراجع الوثائق بنفسها بشكل كامل، بل فوضت هذه المهمة لنائبها، مشيرة إلى أن العملية كانت معقدة وتطلبت جهوداً إدارية واسعة.
من جانبه، صرح النائب الديمقراطي روبرت جارسيا بأن محامياً من وزارة العدل كان حاضراً بجانب بوندي وتدخل بشكل متكرر لمنعها من الإجابة على الأسئلة المرتبطة بترمب. واعتبر جارسيا أن هذا التدخل يعيق الوصول إلى الحقيقة بشأن تورط محتمل أو محاولات لحماية شخصيات سياسية رفيعة من التدقيق القضائي والبرلماني.
واتهمت النائبة الديمقراطية ميلاني ستانسبري الإدارة السابقة بممارسة عملية 'تستر' ممنهجة، بعد أن تبين أن الوزارة لم تنشر سوى نصف الوثائق المتعلقة بقضية إبستين. وأوضحت ستانسبري أن هناك نحو ثلاثة ملايين وثيقة لا تزال محجوبة عن البرلمان والجمهور، مما يثير شكوكاً حول المحتوى الذي تسعى السلطات لإخفائه.
لم أقد كل جوانب هذا الجهد أو أراجع الوثائق بنفسي، وفوضت الإشراف على هذه العملية إلى نائب وزير العدل تود بلانش.
ورغم دفاع بوندي عن إجراءات الإدارة وتأكيدها أن الوزارة قدمت كل ما هو مطلوب قانوناً، إلا أنها اعترفت بوقوع ما وصفتها بـ 'أخطاء في التنقيح'. ولم تقدم الوزيرة السابقة تفاصيل محددة حول طبيعة هذه الأخطاء أو ما إذا كانت قد أدت إلى إخفاء معلومات حيوية تتعلق بضحايا إبستين أو شركائه المفترضين.
وكان رئيس اللجنة، جيمس كومر، قد أكد قبيل الجلسة أن الهدف من الاستدعاء هو فهم الأسباب الكامنة وراء تأخير نشر الوثائق المتبقية. وشدد كومر على ضرورة معرفة المعايير التي استُخدمت لتحديد ما يتم كشفه وما يتم حجبه، خاصة في ظل الضغوط الشعبية والسياسية المتزايدة لإغلاق هذا الملف بوضوح.
وتعود جذور الأزمة إلى فترة ولاية بوندي، حيث تعرضت لانتقادات حادة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بسبب بطء وتيرة الكشف عن ملايين الوثائق المرتبطة بإبستين. ويرى منتقدون أن بوندي حاولت الموازنة بين المتطلبات القانونية وبين الرغبة في عدم إحراج الرئيس ترمب الذي كانت تجمعه علاقة قديمة بإبستين.
يذكر أن دونالد ترمب كان قد أقال بوندي من منصبها في الثاني من أبريل الماضي، في خطوة فسرها مراقبون بأنها مرتبطة جزئياً بطريقة إدارتها لملفات إبستين المثيرة للجدل. وكان ترمب قد أقر سابقاً بوجود علاقة اجتماعية مع إبستين في التسعينيات، لكنه شدد مراراً على انقطاع تلك العلاقة قبل سنوات طويلة من تفجر الفضائح الجنسية.
وتظل قضية جيفري إبستين، الذي توفي منتحراً في زنزانته عام 2019، واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في التاريخ القضائي الأمريكي الحديث. وتستمر التحيقات البرلمانية في محاولة لفك الارتباط بين شبكة إبستين للاتجار بالجنس وبين النخب السياسية والاقتصادية التي كانت تتردد على دوائره الخاصة في نيويورك وفلوريدا.
السّبت 30 مايو 2026 3:16 صباحًا -
بتوقيت القدس
اصطدمت مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية إلى توسيع نطاق 'اتفاقيات أبراهام' وربطها بمسار المفاوضات مع إيران بواقع سياسي معقد، مما كشف عن حدود المشروع الذي روجت له واشنطن لسنوات. وأفادت مصادر بأن هذه المحاولات كانت تهدف إلى جعل التطبيع مدخلاً أساسياً لإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط وتكريس دمج إسرائيل في المنطقة.
وتواجه المبادرة الأمريكية اليوم تحديات غير مسبوقة في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، والتي ولدت غضباً شعبياً عارماً في الشارع العربي. ويرى مراقبون أن الحديث عن موجات تطبيع جديدة بات بعيداً عن الواقع السياسي الراهن، خاصة مع تزايد الضغوط على الحكومات العربية والإسلامية تجاه القضية الفلسطينية.
وخلال اتصالات دبلوماسية أجراها ترامب مع قادة دول عربية وإسلامية، حاول الدفع باتجاه انضمام أعضاء جدد للاتفاقيات كجزء من صفقة إقليمية شاملة مرتبطة بالملف الإيراني. إلا أن هذه التحركات لم تلقَ الاستجابة المأمولة، بل قوبلت في معظمها بصمت دبلوماسي أو رفض صريح للمقايضة المقترحة.
وكان الموقف الباكستاني هو الأكثر حزماً ووضوحاً في هذا السياق، حيث قطع وزير الدفاع خواجة آصف الطريق أمام التكهنات بتأكيده أن التطبيع يتعارض مع ثوابت بلاده. وشدد آصف على أن إسلام آباد لن تنخرط في أي مسار يؤدي إلى الاعتراف بإسرائيل، نافياً وجود أي توجه رسمي بهذا الخصوص.
وتشير التحليلات إلى أن محاولة ترامب توظيف المفاوضات مع طهران لفرض أجندة تطبيعية تعكس حجم الضغوط التي يمارسها اللوبي الداعم لإسرائيل داخل الإدارة الأمريكية. ويسعى هؤلاء إلى انتزاع مكاسب استراتيجية تتجاوز تقييد البرنامج النووي الإيراني لتشمل بناء تحالف إقليمي تقوده تل أبيب.
ورغم محاولات تصوير توسيع الاتفاقيات كوسيلة لتشكيل جبهة موحدة ضد النفوذ الإيراني، فإن الواقع الميداني يثبت أن الدول العربية لا تضع التطبيع على رأس أولوياتها. ويظل غياب الأفق السياسي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة العائق الأكبر أمام أي تقدم في هذا المسار الذي تروج له واشنطن.
الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام يتعارض مع المبادئ الأساسية لسياسة بلادنا، ولا يوجد توجه رسمي نحو التطبيع.
وفي هذا الصدد، يبرز الموقف السعودي كحجر زاوية في إفشال الطموحات الأمريكية المتجاوزة للحقوق الفلسطينية، حيث يصر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على ربط أي علاقة مع إسرائيل بمسار موثوق للدولة الفلسطينية. وهذا الشرط يمثل معضلة حقيقية للحكومات الإسرائيلية التي ترفض تقديم أي تنازلات جوهرية في هذا الملف.
ويرى خبراء دوليون أن 'اتفاقيات أبراهام' لم تنجح في تحقيق أهدافها الكبرى المتمثلة في إنهاء الصراعات الإقليمية أو معالجة جوهر القضية الفلسطينية. فالاتفاقيات اقتصرت على علاقات رسمية مع عدد محدود من الدول، دون أن تلامس جذور التوتر في المنطقة أو تحقق استقراراً مستداماً.
وقد وجهت الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 ضربة قاصمة لمسار التطبيع، حيث أعادت المآسي الإنسانية والجرائم المرتكبة هناك القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي. وأدى هذا التحول إلى دفع العديد من الحكومات لتجميد اتصالاتها مع الجانب الإسرائيلي أو إبطاء وتيرة التعاون القائم.
ونتيجة لهذا الصمود الإقليمي، اضطر الرئيس الأمريكي لاحقاً إلى خفض سقف توقعاته العلنية، معترفاً بصعوبة انضمام بعض الدول المحورية إلى ركب التطبيع في الوقت الراهن. ويعكس هذا التراجع إدراكاً متأخراً بأن القوة الدبلوماسية لا يمكنها تجاوز الحقوق التاريخية للشعوب بسهولة.
وتؤكد مصادر مطلعة أن المسودة الحالية للتفاوض مع إيران تركز بشكل حصري على تمديد وقف إطلاق النار والعودة لطاولة الحوار النووي، بعيداً عن أي بنود تطبيعية. وهذا يؤكد أن مشروع 'الشرق الأوسط الجديد' الذي تقوده واشنطن يواجه اختباراً عسيراً أمام إصرار الشعوب والدول على عدالة القضية الفلسطينية.
السّبت 30 مايو 2026 3:16 صباحًا -
بتوقيت القدس
منذ نحو عامين، يعيش أهالي بلدة رابا الواقعة شرق مدينة جنين حالة من القلق الدائم، حيث تحولت حياتهم إلى كابوس جراء اعتداءات المستوطنين اليومية. وبدأت المعاناة بظهور بؤرة رعوية صغيرة على تلة مجاورة، سرعان ما تحولت إلى مستوطنة رسمية تُعرف باسم 'هار بيزك'، تطل مباشرة على أراضي المواطنين في جبل السالمة.
المزارع فضل نواجعة وعائلته يمثلون نموذجاً لهذا الصمود المر، إذ اضطروا لإحاطة منزلهم بسياج مرتفع لحماية أنفسهم من الهجمات المتكررة. ورغم هذه المحاولات، لم يمنع السياج المستوطنين من إطلاق أبقارهم لتخريب المحاصيل الزراعية، مما جعل نواجعة يصف حياته بأنها أصبحت داخل سجن كبير لا يقي من اعتداءات الغزاة.
الواقع المرير دفع نواجعة إلى بيع جزء كبير من قطيع أغنامه الذي كان يعتاش منه، بعد أن فرضت سلطات الاحتلال 'مناطق عازلة' منعت المزارعين من الوصول إلى مراعيهم. وأكد نواجعة أن رعي الأغنام في هذه المنطقة بات مهمة محفوفة بالموت، مفضلاً خسارة مصدر رزقه على خسارة أحد أبنائه برصاص المستوطنين أو جنود الاحتلال.
وفي مشهد يعكس حجم التحديات، يضطر المزارعون في رابا إلى حصد محاصيلهم ليلاً لتجنب الاحتكاك بالمستوطنين الذين يمنعونهم من التواجد في أراضيهم خلال النهار. وتتفاقم الأزمة لوقوع هذه الأراضي قرب الحدود الفاصلة بين المناطق المصنفة (أ) و(ج)، مما يجعل العمل الزراعي مغامرة غير مأمونة العواقب.
من جانبها، تصف فاطمة نواجعة، زوجة فضل، يوميات العائلة بأنها تفتقر لأدنى مقومات الاستقرار والحرية، حيث بات الأطفال لا يخرجون للمدرسة إلا تحت حراسة مشددة وبوابات مغلقة. وأوضحت أن المستوطنين يتعمدون إدخال جراراتهم الزراعية لدهس الأراضي المنخفضة وتخريب التربة، مما يزرع الخوف والرهبة في نفوس السكان بشكل مستمر.
رئيس مجلس قروي رابا، غسان بزور، أشار إلى أن البلدة تعرضت لقرار مصادرة رسمي في يونيو 2024، شمل مساحات واسعة من جبل السالمة. وأكد أن أعمال البنية التحتية الاستيطانية لم تتوقف منذ ذلك الحين، حيث تجري عمليات حفر وتعبيد للطرق لتثبيت وجود المستوطنين الذين يهاجمون المناطق السكنية بشكل يومي.
وكشف بزور عن تحول نوعي في أدوات الاعتداء، يتمثل في استخدام أكثر من 70 رأساً من الأبقار كأداة لتخريب أشجار الزيتون والمحاصيل البعلية. وتصل هذه القطعان إلى عتبات المنازل، فيما يتعرض كل من يحاول إبعادها للضرب والإهانة من قبل المستوطنين الذين يحظون بحماية كاملة من جيش الاحتلال.
أقمنا هذا السياج لنحمي أنفسنا، لكنه تحول في النهاية إلى سجن نعيش داخله، ومع ذلك يصل المستوطن إلى الأرض.
المشهد الأكثر خطورة، بحسب بزور، هو ممارسة الطقوس الدينية داخل الأراضي المصادرة، حيث يؤدي المستوطنون صلوات تلمودية بين أشجار الزيتون. ويرى أهالي البلدة أن هذه السلوكيات ليست عفوية، بل هي محاولة ممنهجة لخلق سردية دينية مزيفة تهدف لإثبات وجود صلة تاريخية لليهود بهذه المواقع الأثرية.
سامر بزور، مسؤول لجنة الحماية المجتمعية، أكد أنه شاهد مستوطنين يحملون كتباً دينية ويؤدون طقوسهم في الحقول، موجهين رسائل تهديد للأهالي بأن الأرض لم تعد ملكهم. ورغم امتلاك الفلسطينيين لأوراق ثبوتية و'كواشين' تؤكد ملكيتهم التاريخية، إلا أن المستوطنين يصرون على ادعاءاتهم تحت تهديد السلاح.
وأفادت مصادر ميدانية بأن المستوطنين يحملون أسلحة آلية تشبه تلك التي يستخدمها جيش الاحتلال، ويطلقون النار مباشرة على المزارعين لإرهابهم. وفي حالات عديدة، يتدخل الجيش ليس لحماية المدنيين، بل لتأمين انسحاب المستوطنين أو طرد الفلسطينيين من أراضيهم بذرائع أمنية واهية.
الحوادث العنيفة بلغت ذروتها في نوفمبر الماضي، عندما هاجم مستوطنون المنازل وأحرقوا أحدها بذريعة البحث عن حصان مفقود. وقد تصدى أهالي البلدة، الذين يبلغ عددهم نحو 5 آلاف نسمة، لهذه الهجمات بصفوف موحدة، مؤكدين تمسكهم بأرضهم رغم سياسة الترهيب المتبعة ضدهم.
وتشير التقارير الحقوقية إلى تصاعد ملحوظ في 'الرعي الاستيطاني' بالضفة الغربية منذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023. وتستخدم هذه السياسة كأداة فعالة للاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي دون الحاجة إلى بناء وحدات سكنية فورية، مما يضيق الخناق على التجمعات الفلسطينية.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد سجل شهر أبريل الماضي وحده أكثر من 540 اعتداءً نفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. كما تم رصد إقامة 21 بؤرة استيطانية جديدة خلال فترة وجيزة، معظمها بؤر زراعية ورعوية تهدف إلى السيطرة على الموارد الطبيعية والمراعي.
هذا التصعيد الاستيطاني أدى إلى ارتقاء 15 شهيداً فلسطينياً برصاص المستوطنين منذ بداية العام الجاري، مما يعكس الضوء الأخضر الممنوح لهؤلاء لارتكاب الجرائم. وتواصل المؤسسات الرسمية في رابا توثيق هذه الانتهاكات لرفعها إلى الجهات الدولية، رغم محدودية الأدوات المتاحة لمواجهة هذه المنظومة الاستيطانية المتكاملة.
السّبت 30 مايو 2026 3:16 صباحًا -
بتوقيت القدس
على امتداد ساحل قطاع غزة، لم تعد أمواج البحر هي الصوت الطاغي، بل حل مكانها أزيز الرصاص المباغت الذي تطلقه الزوارق الحربية الإسرائيلية تجاه كل من يحاول الاقتراب من الشاطئ. المراكب الراسية على الرمال لم تعد مهيأة لرحلات صيد جديدة، بل تحولت إلى شواهد صامتة على حجم الدمار والحصار الذي أكل نيران أجسادها الخشبية، تاركة الصيادين في مواجهة مباشرة مع الفقر والبطالة القسرية.
تتراكم القوارب المدمرة والشباك الممزقة على جنبات الشاطئ، حيث هجرها أصحابها مجبرين بعد أن استهدفها الاحتلال بشكل مباشر. الوجع الحقيقي لا يكمن فقط في الآلات المحطمة، بل في أصوات الصيادين التي بحّها الشوق للعودة إلى عمق البحر، وفي عيونهم التي يملؤها القهر وهم يشاهدون مصدر رزقهم الوحيد يتلاشى أمام أعينهم نتيجة سياسات الخنق الممنهجة.
يروي الصياد عبد جربوع، من مخيم الشاطئ، بمرارة كيف انقلبت أحواله من مدير لمركب يعج بالحركة والعمال إلى رجل يقف عاجزاً عن تأمين لقمة عيش عائلته. ويؤكد جربوع أن الصيد الذي كان يعتمد على المواسم لم يعد متاحاً، حيث بات الحصول على سمكة واحدة أمراً مستحيلاً في ظل الملاحقة المستمرة والواقع المرير الذي فرضه العدوان على سكان القطاع.
تتفاقم الأزمة مع النقص الحاد في المعدات الأساسية، حيث يضطر الصيادون لاستخدام أدوات بدائية وغير مخصصة للصيد لمحاولة رتق شباكهم الممزقة. ويشير الصيادون إلى أن أسعار المعدات إن وجدت، قد قفزت من شواكل معدودة إلى آلاف الدولارات، في ظل منع الاحتلال دخول أي مواد لازمة للإصلاح أو الصيانة إلى القطاع المحاصر.
من جانبه، يسرد الصياد عاطف أبو ريالة حكاية جرح نازف يمتد لسنوات، حيث فقد زملاءه ومراكبه الأربعة في اعتداءات الاحتلال المتكررة. ويقول أبو ريالة إن البحر الذي كان حضناً للرزق بات مكاناً تفوح منه رائحة الموت، حيث يمنع الاحتلال الصيادين من دخول حتى ميل بحري واحد، ويحرمهم من أبسط حقوقهم في العمل والعيش الكريم.
الصيد مواسم.. ولم يتبقَ لنا أي موسم، لقد أصبحنا نقف عاجزين وبالكاد نظفر بسمكة واحدة لا تسمن ولا تغني من جوع.
يؤكد رئيس نقابة الصيادين، نزار عياش أن ما يتعرض له هذا القطاع هو عملية تدمير شاملة تهدف إلى إنهاء المهنة كلياً وتحويل الصيادين إلى فئة منكوبة تعتمد على المساعدات. وتكشف الإحصائيات الرسمية عن حصيلة ثقيلة من الخسائر البشرية، حيث ارتقى 170 شهيداً من الصيادين وهم يبحثون عن رزقهم، بالإضافة إلى عشرات الجرحى والمعتقلين في عرض البحر.
خارطة التدمير المادي تبدو مرعبة، حيث بلغت نسبة تدمير المراكب في شمال قطاع غزة 100%، وفي مدينة غزة وصلت إلى 95%. هذه الأرقام تعكس رغبة واضحة في شل الحركة الاقتصادية لهذا القطاع الحيوي، وتدمير البنية التحتية التي يعتمد عليها آلاف الأسر الفلسطينية في تأمين قوت يومهم.
لم تقتصر آلة الهدم على المراكب فحسب، بل طالت الغرف والمباني التي تضم معدات الصيادين وشباكهم على طول الساحل. ففي محافظة رفح، مُسحت غرف الصيادين بالكامل بنسبة 100%، بينما تفاوتت نسب الدمار في المحافظات الأخرى، مما جعل الصيادين مجردين تماماً من أي أدوات تساعدهم على الاستمرار في مهنتهم التاريخية.
المعاناة امتدت لتطال المشاريع المجتمعية المساندة، حيث تعرض 'مطبخ زوجات الصيادين' في دير البلح لعمليات سطو وسرقة طالت كافة معداته. هذا المشروع كان يهدف إلى دعم أسر الصيادين وتحسين دخلهم عبر تسويق المأكولات البحرية، لكنه بات اليوم جزءاً من المشهد المنكوب الذي يلف قطاع الصيد في غزة بكل مقوماته البشرية والمادية.
يبقى صيادو غزة محاصرين بين مطرقة الرصاص الإسرائيلي وسندان الفقر المدقع، في ظل صمت دولي تجاه الجرائم المرتكبة بحقهم. إن غياب المواد الأساسية مثل المسامير والألياف الزجاجية يمنع أي محاولة لترميم ما دمره الاحتلال، مما يجعل عودة الحياة إلى شاطئ غزة رهينة بكسر الحصار ووقف العدوان الشامل على الإنسان والحجر.
السّبت 30 مايو 2026 3:16 صباحًا -
بتوقيت القدس
استشهد ثلاثة مواطنين فلسطينيين وأصيب آخرون، فجر اليوم، جراء غارة جوية نفذتها طائرات الاحتلال المسيرة استهدفت حاجزاً أمنياً يتبع للشرطة الفلسطينية في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة. وأفادت مصادر ميدانية بأن طائرة مسيرة أطلقت صاروخين بشكل مباشر صوب نقطة شرطية تقع في منطقة المسلخ غربي المدينة، مما أدى إلى ارتقاء الشهيدين محمد الددا وحسام شراب وشهيد ثالث، جرى نقلهم جميعاً إلى المجمع الطبي في المدينة.
وفي سياق متصل، طال قصف الاحتلال مستودعاً للمواد الغذائية في المنطقة الشمالية الغربية من خانيونس، ما أسفر عن وقوع إصابات واندلاع حريق ضخم امتدت نيرانه إلى خيام النازحين المجاورة، مخلفاً حالة من الذعر والدمار في صفوف العائلات التي هُجرت قسراً إلى تلك المنطقة.
أطلقت طائرة مسيرة تابعة للاحتلال صاروخين على الأقل بشكل مباشر صوب النقطة الشرطية في منطقة المسلخ.
وشهدت مناطق أخرى من القطاع تصعيداً مماثلاً، حيث دمرت الطائرات الحربية ثلاثة منازل في مخيم الشاطئ بمدينة غزة، عقب وقت قصير من إرسال جيش الاحتلال أوامر إخلاء قسرية لمربع سكني في منطقة المنتزه. كما طال الدمار منزلاً في مدينة دير البلح يقع على مقربة من مستشفى شهداء الأقصى، ما تسبب في أضرار جسيمة بمسجد مجاور وبالممتلكات العامة والخاصة في المنطقة.
السّبت 30 مايو 2026 2:57 صباحًا -
بتوقيت القدس
عادت الحالة الصحية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتتصدر المشهد السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة، وذلك عقب رصد مجموعة من الملاحظات الجسدية والسلوكية التي أثارت تساؤلات جدية. وشملت هذه الملاحظات ظهور بقع داكنة وكدمات على يديه، بالإضافة إلى تورم ملحوظ في الأطراف السفلية، وهو ما يراه البعض مؤشرات مقلقة رغم تقدمه في السن.
لم تتوقف التساؤلات عند المظهر الجسدي فحسب، بل امتدت لتشمل سلوكيات الرئيس في المناسبات العامة، حيث لوحظت حالات متكررة من النعاس أو إغلاق العينين. كما أشار مراقبون إلى ظهور طفح جلدي وبقع حمراء على منطقة الرقبة، مما دفع المحللين للتساؤل عن الدلالات الطبية العميقة لهذه العلامات وتأثيرها على أداء مهامه.
تأتي هذه الموجة من التكهنات بعد أيام قليلة من زيارة ترمب لمركز 'والتر ريد' الطبي العسكري الوطني، حيث خضع لفحصه الطبي الدوري الرابع خلال ولايته الرئاسية الثانية. ورغم محاولات البيت الأبيض طمأنة الجمهور، إلا أن الشكوك لا تزال تحوم حول مدى دقة التقارير الصادرة عن الفريق الطبي الرئاسي.
من جانبه، أكد الرئيس ترمب في تصريحات أعقبت الفحص الطبي أن حالته الصحية في أفضل مستوياتها على الإطلاق، مشدداً على قدرته الكاملة على قيادة البلاد. ومع ذلك، فإن هذا النفي لم يفلح في تهدئة الجدل المتصاعد داخل الأوساط السياسية والإعلامية التي تطالب بمزيد من الشفافية حول وضعه الصحي.
رصدت وسائل إعلام أمريكية تحولات في خطابات ترمب الأخيرة، واصفة إياها بأنها تتسم أحياناً بعدم الترابط والقفز المفاجئ بين المواضيع السياسية. ويرى منتقدو الرئيس أن هذه السلوكيات قد تكون مؤشراً على تراجع القدرات الإدراكية والمعرفية المرتبطة بالشيخوخة، بينما يدافع أنصاره عنها باعتبارها جزءاً من أسلوبه الخطابي الفريد.
زاد النشاط المكثف لترمب على منصة 'تروث سوشيال' من حدة النقاش، حيث ينشر عشرات التدوينات في ساعات متأخرة من الليل تتضمن هجمات حادة على خصومه. ويرى مختصون أن هذا النمط من السلوك قد يعكس حالة من عدم الاستقرار أو التوتر الدائم، مما يستوجب تقييماً طبياً ونفسياً شاملاً ومستقلاً.
في خطوة لافتة، وقع ثلاثون طبيباً وأستاذاً جامعياً من مؤسسات أكاديمية مرموقة بياناً يحذر من تدهور سريع في الحالة المعرفية للرئيس. وأكد الموقعون، وبينهم خبراء في طب الأعصاب أن المؤشرات الظاهرة في خطاباته تستدعي فحصاً طبياً شفافاً، محذرين من التداعيات الدولية لأي خلل في قدرات رئيس القوة العظمى.
أعرب ثلاثون طبيباً ومختصاً في طب الأعصاب عن مخاوفهم بشأن ما وصفوه بتراجع معرفي سريع لدى ترمب يستدعي تقييماً طبياً مستقلاً.
أثار هذا الجدل تساؤلات قانونية حول سبب عدم نشر السجلات الطبية للرؤساء الأمريكيين بشكل علني وإلزامي. وأوضحت تقارير صحفية أن الدستور الأمريكي لا يتضمن أي نص يلزم الرئيس بالكشف عن تفاصيل حالته الصحية، مما يجعل قرار الإفصاح خاضعاً لتقدير الرئيس الشخصي وفريقه الإداري فقط.
تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية المواطنين الأمريكيين يؤيدون فرض تشريعات تلزم الرؤساء بنشر سجلاتهم الصحية الكاملة لضمان أهليتهم للمنصب. ويعتقد قطاع واسع من الجمهور أن السياسيين يميلون عادة إلى إخفاء الحقائق الطبية أو تقديم صورة مجملة لا تعكس الواقع الفعلي لأوضاعهم الصحية.
التاريخ الأمريكي حافل بنماذج لإخفاء الأمراض الرئاسية عن الرأي العام، لعل أبرزها حالة الرئيس وودرو ويلسون الذي أصيب بجلطة دماغية شديدة دون إعلان رسمي. وتكشف هذه السوابق التاريخية عن ميل الإدارات المتعاقبة للحفاظ على صورة 'الرئيس القوي' حتى في أحلك الظروف الصحية، تجنباً للأزمات السياسية.
من الناحية الدستورية، يبرز التعديل الخامس والعشرون كآلية وحيدة للتعامل مع عجز الرئيس، حيث يمنح نائب الرئيس والحكومة سلطة إعلان عدم قدرة الرئيس على ممارسة مهامه. ومع ذلك، فإن تفعيل هذا التعديل يعد أمراً معقداً للغاية ويتطلب توافقاً سياسياً واسعاً داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس.
يرى مراقبون أن احتمالية اللجوء إلى التعديل الدستوري لعزل ترمب تظل ضئيلة في الوقت الراهن نظراً لتماسك فريقه السياسي وغياب تقارير طبية رسمية تدعم فرضية العجز. وتظل الحسابات السياسية هي المحرك الأساسي لأي تحرك في هذا الاتجاه، بعيداً عن التقارير الإعلامية أو التحليلات الطبية الخارجية.
تفاعل الجمهور بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي مع هذه الأنباء، حيث انقسمت الآراء بين القلق من الحالة الصحية للرئيس والاتهامات بتسييس الملف الطبي. واعتبر البعض أن التركيز على صحة ترمب هو محاولة من خصومه لتقويض شرعيته السياسية وتشويه صورته أمام الناخبين قبل الاستحقاقات القادمة.
في الختام، تبقى قضية صحة الرؤساء في الولايات المتحدة منطقة رمادية تجمع بين الحق في الخصوصية والمصلحة الوطنية العليا. وبينما يستمر ترمب في ممارسة مهامه بنشاط، تظل التساؤلات حول شفافية السجلات الطبية قائمة كجزء من نقاش أوسع حول معايير الأهلية للمناصب العليا في الدولة.
السّبت 30 مايو 2026 2:13 صباحًا -
بتوقيت القدس
أفادت مصادر من داخل البيت الأبيض بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتبنى موقفاً حازماً تجاه المفاوضات الجارية مع طهران، مشددة على أنه لن يوقع على أي اتفاق لا يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة بشكل مباشر. وأوضحت المصادر أن أي وثيقة نهائية يجب أن تستوفي 'الخطوط الحمراء' التي وضعها ترمب لضمان استقرار المنطقة وأمن الحلفاء.
وشهدت 'غرفة العمليات' في البيت الأبيض اجتماعاً رفيع المستوى استمر لنحو ساعتين، ضم الرئيس وفريق الأمن القومي لبحث المسودة النهائية للاتفاق المحتمل. ورغم التوقعات بصدور قرار حاسم، إلا أن المداولات انتهت دون إعلان موقف نهائي، مما يشير إلى وجود تفاصيل فنية أو سياسية لا تزال تتطلب مزيداً من التدقيق قبل الاعتماد الرسمي.
وفي تصريحات سبقت الاجتماع، وضع ترمب محددات واضحة للجانب الإيراني، مؤكداً أن التخلي الكامل والدائم عن الطموحات النووية هو شرط لا يقبل التفاوض. وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن واشنطن لن تسمح لطهران بامتلاك قنبلة ذرية تحت أي ظرف من الظروف، معتبراً ذلك ركيزة أساسية لأي تفاهم مستقبلي.
ولم تقتصر المطالب الأمريكية على الملف النووي فحسب، بل شملت حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي يعد شريان الطاقة العالمي. وطالب ترمب بفتح المضيق فوراً أمام السفن في كلا الاتجاهين، مع إلغاء كافة رسوم العبور التي حاولت إيران فرضها خلال الفترة الماضية، وضمان انسيابية الحركة التجارية دون عوائق.
وعبر منصته 'تروث سوشال'، شدد ترمب على ضرورة البدء الفوري في عمليات إزالة الألغام البحرية التي زرعت في المضيق خلال أشهر التوتر الماضية. واعتبر أن تأمين الممرات المائية هو جزء لا يتجزأ من التزامات إيران لإثبات حسن نواياها، محذراً من أن بقاء التهديدات الملاحية سيعيق أي تقدم في المسار الدبلوماسي.
وتشير مسودة الاتفاق المسربة إلى مقايضة كبرى تشمل رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية مقابل تنازلات نووية ملموسة. ومن أبرز هذه البنود، تسليم طهران لما وصفه ترمب بـ 'الغبار النووي' والمواد الحساسة إلى الولايات المتحدة، لضمان عدم استخدامها في برامج تسليح مستقبلية.
يجب على إيران أن تقبل بأنها لن تمتلك أبدًا سلاحًا نوويًا أو قنبلة نووية، كما ينبغي فتح مضيق هرمز فورًا أمام حركة الملاحة العالمية.
وعلى الرغم من الأجواء المكثفة في واشنطن، نقلت مصادر صحفية عن مسؤولين رفيعي المستوى أن الرئيس لا يزال يدرس الخيارات المتاحة بعناية فائقة. ويبدو أن ترمب يفضل التريث لضمان الحصول على أفضل شروط ممكنة، خاصة في ظل التعقيدات الميدانية التي خلفتها المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من التصعيد العسكري الذي بدأ في أواخر فبراير الماضي، حين انخرطت الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة مباشرة مع إيران. وقد ردت طهران حينها باستهداف مصالح أمريكية في عدة دول عربية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الأمنية في الشرق الأوسط قبل الوصول إلى هدنة مؤقتة في أبريل.
وكانت إيران قد اتخذت خطوة تصعيدية في مارس المنصرم بإغلاق مضيق هرمز واشتراط التنسيق المسبق لمرور السفن، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديداً مباشراً للأمن القومي. ورداً على ذلك، فرضت الإدارة الأمريكية حصاراً شاملاً على الموانئ الإيرانية منذ منتصف أبريل الماضي، مما أدى إلى خنق الصادرات النفطية الإيرانية بشكل شبه كامل.
وفي سياق متصل، أشار ترمب إلى أن المفاوضين نجحوا بالفعل في التوصل إلى تفاهمات مشتركة حول أغلب الملفات العالقة بين الطرفين. ومع ذلك، لا تزال هناك ترتيبات نهائية تتطلب تنسيقاً مع دول إقليمية في الشرق الأوسط لضمان شمولية الاتفاق وديمومته، خاصة فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية الحدودية.
ويبقى الترقب سيد الموقف في الأوساط الدولية، حيث يمثل قرار ترمب المرتقب نقطة تحول محورية في مسار الصراع مع إيران. فإما أن تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل الانفجار عبر اتفاق 'الخطوط الحمراء'، أو تعود المنطقة إلى مربع التصعيد العسكري والحصار البحري المشدد في حال فشل المفاوضات.
السّبت 30 مايو 2026 1:12 صباحًا -
بتوقيت القدس
تتصاعد في الآونة الأخيرة التحذيرات من تداعيات أي محاولة لتغيير ترتيبات الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة. ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث يستند الدور الأردني إلى إرث تاريخي وديني طويل كرّسته اتفاقيات سياسية وقانونية دولية.
تؤكد الأوساط السياسية أن الوصاية الهاشمية تمثل عامل استقرار أساسي يحظى بقبول فلسطيني وعربي وإسلامي واسع، وهي الضمانة لمنع انزلاق المنطقة نحو صراعات دينية أوسع. ويرى مراقبون أن أي مساس بهذه المكانة سيفتح الباب أمام توترات غير مسبوقة تؤثر على مستقبل المدينة المقدسة ومكانتها في ظل الظروف الإقليمية المتقلبة.
تشير تقارير إلى أن واشنطن، رغم اعترافها التقليدي بالوصاية الأردنية، تشهد تحركات من قبل تيارات داعمة لإسرائيل تهدف لتقويض هذا الترتيب التاريخي. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع اقتراب استحقاقات انتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يسعى قادة سياسيون لتحقيق مكاسب عبر اللعب بورقة المقدسات.
في الداخل الإسرائيلي، يسمح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لوزراء متطرفين في حكومته، مثل إيتمار بن غفير، بتنفيذ اقتحامات متكررة للمسجد الأقصى في محاولة لفرض واقع جديد. هذه السياسة تذكر بزيارة آرييل شارون المستفزة عام 2000، والتي أدت حينها إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وتغيير المشهد السياسي بالكامل.
يعود تاريخ الرعاية الهاشمية للمقدسات إلى جذور الأسرة التي تولت حماية الحجيج في مكة والمدينة لألف عام، قبل أن تنتقل هذه المسؤولية إلى القدس في أوائل القرن العشرين. وقد بدأت هذه الوصاية ببيعة دينية للشريف حسين بن علي عام 1917، ثم بيعة سياسية عام 1924، لترتبط هوية العائلة برعاية المسجد الأقصى.
حافظ الملك حسين بن طلال على هذا الارتباط الوثيق حتى عند إعلان فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية عام 1988، حيث استثنى المقدسات والأوقاف صراحة. وقد تم هذا الاستثناء بالتنسيق الكامل مع القيادة الفلسطينية آنذاك، لضمان عدم ترك فراغ سيادي تستغله سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
تعززت هذه المكانة قانونياً في معاهدة السلام عام 1994، ثم عبر اتفاقية تاريخية وقعها الملك عبد الله الثاني مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عام 2013. هذه الاتفاقية منحت العاهل الأردني الحق في بذل كافة الجهود القانونية لحماية المسجد الأقصى وساحاته، معتبرة إياه مكاناً غير قابل للقسمة أو الشراكة.
المساس بالوضع الراهن الهاشمي في المواقع المقدسة بالقدس يوشك أن يضع المنطقة والعالم على مسار تصادمي بدلاً من إطلاق حقبة من السلام والتعايش.
على الصعيد الميداني، تُعد دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية المحرك الأساسي لإدارة الشؤون الدينية في القدس الشرقية. وتعتبر الدائرة أكبر جهة توظيف للفلسطينيين في المدينة، مما يساهم في دعم صمود المقدسيين وتعزيز القطاع الاقتصادي المحلي في مواجهة سياسات التضييق.
يمول الملك عبد الله الثاني بشكل مباشر مشاريع الترميم الكبرى في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، بالإضافة إلى كنيسة القيامة، مما يعكس شمولية الوصاية للمقدسات الإسلامية والمسيحية معاً. هذا الدور يلقى تقديراً واسعاً من رؤساء الكنائس الذين يصفون الوصاية الهاشمية بأنها 'صمام أمان' للوجود المسيحي في القدس.
برزت مؤخراً مخاوف من خطط يقودها صهاينة مسيحيون في الولايات المتحدة تهدف لنزع الصلاحيات الأردنية ومنحها لأطراف أخرى أو إخضاعها للسيادة الإسرائيلية الكاملة. وتتجاهل هذه الرؤى المتطرفة القوانين الدولية التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، وتدفع نحو مواجهة دينية قد لا يمكن احتواؤها.
يرى محللون أن محاولات ربط ملف المقدسات بمسارات التطبيع الإقليمي، مثل اتفاقيات أبراهام، تصطدم بموقف سعودي وعربي ثابت يربط السلام بإقامة دولة فلسطينية. فالمبادرة العربية لعام 2002 لا تزال تشكل المرجعية الأساسية التي ترفض القفز فوق الحقوق الفلسطينية المشروعة في المدينة المقدسة.
تعتبر الوصاية الهاشمية بالنسبة للأردنيين خطاً أحمر وركناً أساسياً من أركان الهوية الوطنية، حيث يرفض الشعب والقيادة أي مساومة على هذا الدور. كما يرفض الفلسطينيون بشكل قاطع فكرة إشراك دول أخرى في إدارة المقدسات، متمسكين بالترتيب الحالي كحائط صد أمام الأطماع التوسعية.
إن التاريخ الإسلامي، بدءاً من العهدة العمرية التي وقعها الخليفة عمر بن الخطاب، أسس لقيم التسامح وحماية دور العبادة لجميع الأديان في القدس. واليوم، يسير الأردن على هذا النهج من خلال تعزيز العيش المشترك وحماية الوضع القائم 'الستاتيكو' الذي يضمن حرية العبادة ويمنع تهويد المعالم التاريخية.
في الختام، يبقى العالم العربي والإسلامي موحداً خلف الدور الأردني في القدس، محذراً من أن أي 'حريق سياسي' يستهدف الأقصى قد يغير تاريخ المنطقة للأبد. فالوصاية ليست مجرد لقب تشريفي، بل هي مسؤولية قانونية ودينية وتاريخية تقف في وجه محاولات تصفية القضية الفلسطينية.
السّبت 30 مايو 2026 12:42 صباحًا -
بتوقيت القدس
في خطوة دولية غير مسبوقة، أدرج الأمين العام للأمم المتحدة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية ضمن القائمة السوداء للأطراف المتورطة في ممارسة العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات. وجاء هذا الإعلان خلال التقرير السنوي السابع عشر الذي قدمته براميلا باتن، الممثلة الخاصة للأمين العام، مؤكدة وجود أنماط موثوقة من الانتهاكات الممنهجة.
وشمل الإدراج الرسمي عدة أذرع أمنية إسرائيلية، على رأسها الجيش الإسرائيلي ومصلحة السجون، بالإضافة إلى وحدات النخبة مثل وحدة 'كيتر' الخاصة ووحدة 'يمام' التابعة للشرطة. واستند القرار إلى معلومات استخباراتية وحقوقية تشير إلى استمرار أنماط الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى كأداة للتعذيب والإذلال ضد الفلسطينيين.
وأوضحت مصادر أممية أن هذه الجهات كانت تحت المراقبة في التقرير السابق، إلا أن استمرار الانتهاكات ومنع وصول فرق الرصد الدولية عجّل بقرار الإدراج الرسمي هذا العام. وأكدت باتن أن غياب التعاون الإسرائيلي لم يمنع المنظمة من الوصول إلى حقائق صادمة حول ما يجري خلف جدران مراكز الاحتجاز والحواجز العسكرية.
وتمكنت الفرق الأممية خلال عام 2025 من التحقق من 31 حالة عنف جنسي مباشرة نُسبت للقوات الإسرائيلية، استهدفت فئات متنوعة شملت 14 رجلاً و7 نساء و10 أطفال من قطاع غزة والضفة الغربية. وتكشف هذه الأرقام عن اتساع نطاق الاستهداف ليشمل القاصرين والرجال، في إطار سياسة تهدف إلى كسر الإرادة الشعبية.
وتضمنت الانتهاكات الموثقة جرائم وحشية شملت الاغتصاب الجماعي، واستخدام أدوات حادة في الاعتداءات الجسدية، فضلاً عن إطلاق النار المباشر الذي استهدف الأعضاء التناسلية للمعتقلين. كما سجل التقرير حالات تفتيش عارٍ قسري وملامسات غير قانونية تمت دون أي مبررات أمنية، مما يصنفها كجرائم حرب بموجب القانون الدولي.
وأشارت الممثلة الأممية إلى أن معظم هذه الجرائم وقعت داخل مراكز الاحتجاز السرية والمعلنة، حيث يتم عزل المعتقلين عن العالم الخارجي ومنعهم من التواصل مع المحامين أو المنظمات الدولية. وأضافت أن هذه الممارسات ليست حوادث فردية، بل تندرج ضمن نمط أوسع من العنف الجنسي المستخدم كشكل من أشكال التعذيب الجسدي والنفسي.
وفيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، أكد التقرير أن السلطات في تل أبيب تواصل إنكار وجود أي نمط منظم للعنف الجنسي، وتدعي أن هذه التقارير تنبع من 'انحياز مؤسسي' ضدها. ومع ذلك، لم تقدم الحكومة الإسرائيلية أي أدلة على إجراء تحقيقات شفافة أو ملاحقات قضائية بحق الجنود المتورطين في هذه الجرائم الموثقة.
القيود المفروضة على وصول موظفي الأمم المتحدة ومراقبي حقوق الإنسان ما زالت تعيق بشكل كبير عملية التوثيق والتحقق من الانتهاكات.
وتطرق التقرير إلى قضية معتقل 'سديه تيمان' الشهيرة، حيث أشار إلى أن المدعي العسكري الإسرائيلي قام بإسقاط تهم العنف الجنسي من لائحة الاتهام النهائية رغم خطورة الأدلة. واعتبرت الأمم المتحدة أن الاحتجاجات السياسية التي شارك فيها أعضاء كنيست لدعم الجنود المتهمين تعكس ثقافة الإفلات من العقاب السائدة في المؤسسة الإسرائيلية.
وعلى صعيد آخر، بررت براميلا باتن عدم زيارتها لقطاع غزة حتى الآن بالتقييمات الأمنية الصارمة الصادرة عن إدارة الأمم المتحدة للسلامة والأمن، رغم تلقيها دعوات رسمية من الجانب الفلسطيني. وأكدت أن الوصول إلى غزة كان شرطاً أساسياً في مفاوضاتها، لكن الظروف الميدانية حالت دون إتمام المهمة في الوقت الراهن.
ورداً على تساؤلات حول تأخر توثيق الحالات الفلسطينية مقارنة بغيرها، أوضحت باتن أن مكتبها يلتزم بالولايات التي يحددها مجلس الأمن الدولي، وأن القيود الميدانية تعيق التوثيق الفوري. وأشارت إلى أن العديد من الضحايا لا يتمكنون من الإدلاء بشهاداتهم إلا بعد الإفراج عنهم وخروجهم من قبضة الاحتلال.
ولم يقتصر التقرير على إسرائيل، بل شمل أيضاً القوات المسلحة والروسية وأجهزة أمنها، حيث تم توثيق 310 حالات عنف جنسي ارتكبت بحق أسرى حرب ومدنيين أوكرانيين. وشملت الانتهاكات الروسية الصدمات الكهربائية والتشويه الجنسي، مما يعكس تزايد استخدام هذه الجرائم في النزاعات الدولية الكبرى.
وكشف التقرير عن أرقام مفزعة على المستوى العالمي، حيث سجل عام 2025 أكثر من 9 آلاف حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاعات في 21 دولة مختلفة. ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 100% عن العام السابق، مما يدق ناقوس الخطر حول انهيار المعايير الإنسانية في مناطق الصراع حول العالم.
وفي ختام المؤتمر، شددت باتن على أن إدراج أي طرف في هذه القائمة يهدف إلى الضغط الدولي من أجل اتخاذ إجراءات تصحيحية ووقف الانتهاكات فوراً. وأكدت أن الأمم المتحدة ستواصل رصد الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة رغم محاولات الترهيب أو المنع التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد طواقمها.
وتواجه إسرائيل حالياً ضغوطاً قانونية ودبلوماسية متزايدة، حيث يضعها هذا التقرير في مصاف الدول والمنظمات الأكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان في العالم. ويفتح هذا الإدراج الباب أمام ملاحقات قانونية دولية جديدة قد تطال القيادات العسكرية والسياسية المسؤولة عن توفير الغطاء لهذه الممارسات.
السّبت 30 مايو 2026 12:42 صباحًا -
بتوقيت القدس
خيمت أجواء من التوتر الشديد على الاجتماع العسكري الذي استضافته العاصمة الأمريكية واشنطن، وضم وفدين من الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وجاء هذا التصعيد في ظل تمسك الجانب اللبناني بضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من المناطق الجنوبية، وهو ما قوبل برفض قاطع من الجانب الإسرائيلي.
وأفادت مصادر مطلعة بأن الوفد الإسرائيلي برر رفضه للانسحاب باستمرار ما وصفه بالتهديدات الميدانية القائمة على الحدود. وأشارت المصادر إلى أن تل أبيب تربط أي تحرك عسكري للوراء بضمانات أمنية تتعلق بالقدرات العسكرية التي يمتلكها حزب الله في المنطقة الحدودية.
وتأتي هذه الجولة من المفاوضات في وقت حساس، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجمات متفرقة داخل الأراضي اللبنانية. وتعتبر هذه الهجمات خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار المعمول به منذ منتصف أبريل الماضي، والذي من المفترض أن ينتهي مفعوله في يوليو المقبل.
وفي سياق التحركات الدبلوماسية، كشفت مصادر إعلامية أن الولايات المتحدة تعمل حالياً على بلورة مقترح جديد يهدف لتثبيت التهدئة. ويتضمن هذا المقترح بنداً مثيراً للجدل يتعلق بنزع سلاح حزب الله، كجزء من ترتيبات أمنية أوسع في المنطقة.
وأوضحت المصادر أن واشنطن لا تطرح نزع السلاح كجزء من اتفاق تطبيع سياسي، بل تضعه كشرط ضمني لضمان استدامة وقف إطلاق النار. ويهدف هذا التوجه الأمريكي إلى تقليص نفوذ الحزب العسكري في المناطق التي تشكل خطراً مباشراً على أمن الحدود الشمالية لإسرائيل.
من جانبه، أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتصالاً هاتفياً بالرئيس اللبناني جوزيف عون لبحث تداعيات هذه المحادثات. وأكد روبيو خلال الاتصال التزام الإدارة الأمريكية بدعم سيادة لبنان واستقلاله على كامل أراضيه الوطنية.
وشدد الوزير الأمريكي في حديثه على ضرورة تثبيت المخرجات التي تم التوصل إليها في لقاءات واشنطن السابقة. واعتبر أن الوصول إلى اتفاق نهائي يمثل فرصة تاريخية للبنان لتحقيق الاستقرار والبدء في عمليات إعادة الإعمار الضرورية.
وقف إطلاق النار هو المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.
وفي المقابل، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الأولوية القصوى يجب أن تمنح للتوصل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار. واعتبر عون أن التهدئة هي الممر الإلزامي الذي سيسمح لاحقاً بمعالجة كافة الملفات الشائكة والقضايا العالقة بين الطرفين.
وحملت الخارجية الأمريكية، عبر بيان لسفارتها في بيروت، حزب الله المسؤولية الكاملة عن استمرار حالة القتال والتوتر الميداني. واتهم البيان الحزب بمحاولة عرقلة المسار التفاوضي الذي تقوده الحكومة اللبنانية لتحقيق السلام، معتبراً أن ذلك يضر بمصالح الشعب اللبناني.
وأشاد روبيو بما وصفه بشجاعة الرئيس اللبناني في المضي قدماً نحو مفاوضات مباشرة تهدف لإنهاء الصراع. ودعا الوزير الأمريكي إلى ضرورة وقف ما أسماها الاستفزازات التي يقوم بها الحزب لتمكين جهود خفض التصعيد من النجاح.
وعلى الصعيد الإعلامي، أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن المحادثات لم تحقق أي اختراق ملموس حتى اللحظة. ويسود الغموض حول إمكانية عقد جولات إضافية من المباحثات قبل انتهاء المهلة المحددة لوقف إطلاق النار في مطلع الشهر القادم.
ويرى مراقبون أن الأجواء العامة لا تدعو للتفاؤل في ظل التباعد الكبير في المواقف بين بيروت وتل أبيب. ومع ذلك، تبقى احتمالية تمديد اتفاق وقف إطلاق النار قائمة، حتى وإن ظل الاتفاق هشاً ويتعرض لخروقات ميدانية يومية.
وتسعى الوساطة الأمريكية إلى تقريب وجهات النظر عبر صياغات قانونية وأمنية تضمن الحد الأدنى من مطالب الطرفين. إلا أن إصرار إسرائيل على البقاء في نقاط جغرافية معينة يمثل العقبة الأكبر أمام إحراز أي تقدم حقيقي في الملف العسكري.
ويبقى المشهد الميداني في جنوب لبنان رهناً بما ستسفر عنه الأيام القادمة من ضغوط دولية على الأطراف المتصارعة. فبينما يطالب لبنان بالسيادة الكاملة، تصر إسرائيل على فرض واقع أمني جديد يغير قواعد الاشتباك التي كانت سائدة قبل اندلاع المواجهات الأخيرة.
السّبت 30 مايو 2026 12:12 صباحًا -
بتوقيت القدس
يعتقد مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي غالباً أنهم يمتلكون زمام المبادرة في اتخاذ قراراتهم، سواء في اختيار المحتوى أو تبني المواقف السياسية. إلا أن الواقع يشير إلى وجود منظومة معقدة لفهم السلوك البشري وتوجيهه، تعود جذورها إلى إدوارد بيرنيز، الأب المؤسس للعلاقات العامة الحديثة. لقد وضع بيرنيز في كتابه 'البروباغندا' عام 1928 أسساً مرعبة للتلاعب بالعقول، وهي الأسس التي استلهمتها الخوارزميات الرقمية اليوم لتعزيز تأثيرها على الجماهير.
استند بيرنيز في نظرياته إلى علم النفس الجماهيري، متأثراً بأفكار خاله سيغموند فرويد حول الدوافع اللاواعية للإنسان. رأى بيرنيز أن إقناع الناس لا يتم عبر الحقائق والمنطق، بل من خلال ربط المنتجات والأفكار بمشاعر عميقة مثل الانتماء والقوة والحرية. هذا المبدأ هو المحرك الفعلي لمنصات 'تيك توك' و'فيسبوك' حالياً، حيث يتم إعطاء الأولوية للمحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف لضمان بقاء المستخدم أطول فترة ممكنة خلف الشاشة.
تعد حملة 'مشاعل الحرية' نموذجاً صارخاً لنجاح بيرنيز، حيث استطاع تحويل تدخين السجائر إلى رمز لاستقلال المرأة الأمريكية في ذلك الوقت. اليوم، تكرر الشركات والمؤثرون هذا الأسلوب عبر بيع 'أنماط الحياة' بدلاً من السلع المجردة، مما يخلق حالة من المقارنة الدائمة والشعور بالنقص لدى المستخدمين. الفرق الوحيد هو أن التكنولوجيا الحديثة تمتلك بيانات دقيقة تمكنها من معاملة كل فرد كحالة نفسية مستقلة قابلة للاختراق.
البشر لا يتحركون بالمنطق كما يعتقدون، بل بالرغبات اللاواعية والعواطف والرموز الاجتماعية.
في المجال السياسي، تطور مفهوم 'هندسة القبول' الذي ابتكره بيرنيز ليصبح أكثر تعقيداً وخطورة في العصر الرقمي. لم تعد الدعاية تعتمد على الملصقات التقليدية، بل انتقلت إلى تحليل البيانات الضخمة لاستهداف الناخبين برسائل مخصصة تلامس مخاوفهم الشخصية. وقد كشفت فضائح دولية سابقة، مثل قضية 'كامبريدج أناليتيكا'، كيف يمكن استخدام هذه البيانات لتوجيه السلوك السياسي وتزييف الوعي العام دون أن يشعر المستهدفون بأي توجيه خارجي.
إن وفرة المعلومات في العصر الحالي لا تعني بالضرورة زيادة الوعي أو حرية التفكير، بل قد تؤدي إلى حبس المستخدم داخل فقاعة فكرية. الخوارزميات تصمم عالماً مفلتراً يعرض للإنسان ما يؤكد قناعاته فقط، مما يجعله أكثر عرضة للانسياق خلف الأجندات الموجهة. يبقى السؤال الجوهري قائماً حول ما إذا كنا نحن من نتحكم في هذه الأدوات الرقمية، أم أنها باتت تعيد تشكيل وعينا وهويتنا وفقاً لفلسفة بيرنيز التي لم تمت برحيله.
السّبت 30 مايو 2026 12:12 صباحًا -
بتوقيت القدس
تخوض إيران والولايات المتحدة جولة جديدة من المحادثات الرامية لتثبيت وقف إطلاق النار والتمهيد لمفاوضات شاملة تتناول الملف النووي المثير للجدل. وتتمسك واشنطن بموقف حازم يقضي بضرورة منع طهران من امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وعلى الرغم من الضربات الجوية التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو الماضي، والتي استهدفت البنية التحتية النووية، إلا أن التقارير تشير إلى بقاء كميات كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب سليمة. وتعتبر هذه المخزونات مصدر القلق الأكبر للإدارة الأمريكية قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.
وطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بضرورة استخراج اليورانيوم المخصب الذي طمر تحت الأرض نتيجة الغارات السابقة، مشدداً على وجوب تدميره تحت إشراف دولي. وأوضح ترمب في تصريحاته أن هذا الإجراء يجب أن يتم بالتنسيق بين واشنطن وطهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان الشفافية.
يُعرف اليورانيوم عالي التخصيب بأنه المادة الأساسية التي يمكن استخدامها في إنتاج قلب القنبلة النووية إلى جانب مادة البلوتونيوم. وتتميز عملية تخصيب اليورانيوم بإمكانية تنفيذها في مساحات صغيرة نسبياً باستخدام أجهزة الطرد المركزي، مما يصعب من مهمة رصدها بالكامل.
وكانت إيران تدير ثلاثة مواقع رئيسية للتخصيب قبل هجمات يونيو، حيث كان اثنان منها يقعان في منشآت محصنة تحت الأرض. وبينما دُمر الموقع الموجود فوق سطح الأرض بشكل كامل، لا تزال المنشآت الجوفية تحتفظ بجزء من قدراتها ومخزونها الاستراتيجي.
من الناحية التقنية، يُصنف اليورانيوم كعالي التخصيب عندما تتجاوز درجة نقائه 20%، بينما يتطلب إنتاج الأسلحة النووية وصول النسبة إلى نحو 90%. وتستخدم المفاعلات المدنية عادةً يورانيوم مخصب بنسبة 5%، في حين تحتاج الغواصات النووية الأمريكية إلى نسب تتجاوز 90%.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران كانت تمتلك نحو 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% قبل وقوع الهجمات. كما ضمت المخزونات كميات أخرى متفاوتة النقاء، منها 184 كيلوغراماً بنسبة 20% وأكثر من 6 آلاف كيلوغرام بنسبة 5%.
يتعين على إيران الموافقة على استخراج الولايات المتحدة لليورانيوم المخصب الذي دُفن تحت الأرض وتدميره بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتحذر الوكالة الدولية من أن الكمية المخصبة بنسبة 60% تمثل خطراً داهماً، حيث يمكن تحويلها لصنع نحو 10 رؤوس نووية في حال رفع مستوى تخصيبها. كما أن المخزون المخصب بنسبة 20% يكفي وحده لإنتاج سلاح نووي واحد، مما يعزز من مخاوف القوى الدولية.
وحتى اللحظة، لم تقدم طهران بيانات دقيقة حول مصير مخزونها بعد الهجمات، كما منعت مفتشي الوكالة الدولية من زيارة المواقع المتضررة. ويرى مدير الوكالة رافائيل جروسي أن نحو 200 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب لا تزال مخزنة في أنفاق أصفهان التي لم تتأثر بالهجمات.
يكمن جوهر القلق الأمريكي في سهولة وسرعة الانتقال من تخصيب بنسبة 60% إلى نسبة 90% المطلوبة عسكرياً. وتؤكد الدراسات التقنية أن الجهد المطلوب للوصول إلى النقاء العسكري من مادة مخصبة مسبقاً يكون أقل بكثير من البدء من اليورانيوم الطبيعي.
وكان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 قد دفع إيران لتوسيع برنامجها بشكل متسارع وتجاوز سقف 3.67% الذي حدده الاتفاق. ورغم نفي طهران المستمر لسعيها لامتلاك سلاح نووي، إلا أن الخطوات التقنية المتخذة تشير إلى بناء قدرات متقدمة في هذا المجال.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أفادت مصادر مطلعة بأن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي أصدر تعليمات صارمة تمنع شحن اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى خارج البلاد. ويمثل هذا الموقف تحدياً كبيراً للمطالب الأمريكية التي تصر على إخراج هذه المواد كشرط أساسي لأي اتفاق مستقبلي.
وتطرح طهران في المقابل مقترحات بديلة تشمل إرسال نصف مخزونها إلى دولة ثالثة مقابل الحصول على يورانيوم منخفض التخصيب للأغراض المدنية. كما تتضمن الرؤية الإيرانية إمكانية تخفيف النصف الآخر من المخزون داخل منشآتها الوطنية تحت رقابة محدودة.
ويبقى ملف اليورانيوم عالي التخصيب العقدة الأبرز في المنشار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، حيث يراه كل طرف ورقة ضغط استراتيجية. ومع اقتراب موعد المفاوضات الرسمية، تترقب الأوساط الدولية ما إذا كان الطرفان سيصلان إلى صيغة تقنية تضمن أمن المنطقة وتلبي طموحات إيران النووية.
السّبت 30 مايو 2026 12:12 صباحًا -
بتوقيت القدس
أصدرت الأمم المتحدة تقريرها السنوي الخاص بالعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، متضمناً خطوة غير مسبوقة بإدراج الجيش الإسرائيلي ضمن 'القائمة السوداء' للجهات المتورطة في هذه الانتهاكات. وجاء القرار الأممي بناءً على توثيق دقيق لحالات اعتداء طالت محتجزين فلسطينيين خلال عام 2025، بالإضافة إلى وقائع رُصدت في أواخر عام 2023.
وكشف التقرير عن تفاصيل صادمة لانتهاكات نُفذت في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث وثقت البعثات الأممية نمطاً ممنهجاً من الاعتداءات شملت رجالاً ونساءً وأطفالاً. وأوضح التقرير أن الضحايا توزعوا بين 14 رجلاً و7 نساء، بالإضافة إلى 9 فتيان وطفلة واحدة، تعرضوا لممارسات مهينة داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
وتضمنت الانتهاكات الموثقة أعمالاً جسيمة وصفها التقرير بالخطيرة، من بينها الاغتصاب الجماعي والتعري القسري تحت التهديد، فضلاً عن عمليات تفتيش جسدي مهينة لا تبررها الضرورات الأمنية. وأكدت المصادر الأممية أن هذه الممارسات تعكس سياسة متبعة من قبل عناصر في الجيش وقوات الأمن ومصلحة السجون الإسرائيلية.
وأشار التقرير إلى أن هذه المعطيات استندت إلى تحقيقات ميدانية وشهادات حية جُمعت رغم القيود الصارمة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على وصول الفرق الدولية إلى السجون. واعتبرت الأمم المتحدة أن ما تم رصده يمثل 'نمطاً مقلقاً' يستوجب المتابعة الدولية المستمرة لضمان عدم الإفلات من العقاب.
في المقابل، أبدت الحكومة الإسرائيلية رد فعل حاداً تجاه التقرير، حيث رفضت كافة الاتهامات الواردة فيه ووصفتها بأنها غير صحيحة ومسيسة. وأعلنت تل أبيب رسمياً تعليق تعاونها مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة حتى نهاية ولايته الحالية، في خطوة تصعيدية تعكس حجم الضغط الدبلوماسي الناتج عن التقرير.
من جانبه، أكد خالد الشولي، عضو الفريق القانوني الممثل لضحايا فلسطين أمام المحكمة الجنائية الدولية أن التقرير يمثل وثيقة قانونية دامغة. وأوضح الشولي أن الشهادات التي استند إليها التقرير تتطابق مع ما وثقه فريقه من إفادات لأسرى تعرضوا لشتى أنواع التعذيب وهتك العرض خلال عمليات الاعتقال.
إدراج الجيش الإسرائيلي في هذه القائمة يستند إلى شهادات موثقة وآليات تحقيق ميدانية تمنحه مصداقية قانونية عالية أمام المحاكم الدولية.
وشدد الشولي في تصريحات إعلامية على أن أهمية هذا التقرير تنبع من كونه صادراً عن أعلى سلطة في الأمم المتحدة، مما يمنحه صدقية تتجاوز التقارير الصحفية التقليدية. وأضاف أن مكتب الأمين العام يتبع بروتوكولات صارمة في جمع الأدلة والاستماع للشهود قبل إدراج أي جهة في القوائم السوداء الدولية.
ويوثق التقرير إجمالاً 31 حالة عنف جنسي مثبتة ضد معتقلين فلسطينيين، وهو رقم يحمل دلالات قانونية كبرى قد تؤدي إلى تكييف هذه الأفعال كجرائم حرب. وبحسب خبراء قانونيين، فإن هذه الممارسات تقع مباشرة تحت طائلة المادة الثامنة من نظام روما الأساسي المنظم لعمل المحكمة الجنائية الدولية.
وكشف الفريق القانوني الفلسطيني عن تقديم ملفات جديدة للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، تتضمن حالات موثقة لمعتقلين جرى توقيفهم في سياقات مختلفة. ومن بين هذه الملفات شهادات لمشاركين في قوافل كسر الحصار الدولية الذين تعرضوا لانتهاكات مماثلة خلال فترات احتجازهم لدى سلطات الاحتلال.
وتتحرك الجهود القانونية حالياً في مسارين متوازيين؛ الأول يركز على المحكمة الجنائية الدولية لاستصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين عسكريين وسياسيين إسرائيليين. أما المسار الثاني فيعتمد على مبدأ الولاية القضائية العالمية، والذي يتيح ملاحقة المتورطين في جرائم ضد الإنسانية أمام المحاكم الوطنية في دول أوروبية ودولية.
ودعا حقوقيون إلى ضرورة استثمار هذا التقرير سياسياً عبر طرح الملف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف طلب فتوى قانونية من محكمة العدل الدولية. ويرى مراقبون أن هذا التحرك قد يساهم في عزل إسرائيل دولياً وزيادة الضغوط القانونية على قادتها المتورطين في إصدار الأوامر أو التستر على هذه الجرائم.
وختم الفريق القانوني بالتأكيد على أن المسار القضائي لن يتوقف، خاصة مع تزايد المواقف الدولية الرافضة لهذه الانتهاكات الجسيمة. وتعتبر الأوساط الحقوقية أن إدراج الجيش الإسرائيلي في هذه القائمة هو بداية لمرحلة جديدة من المحاسبة الدولية التي قد تطال كبار القادة في المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
السّبت 30 مايو 2026 12:05 صباحًا -
بتوقيت القدس
أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اجتماعاً رفيع المستوى في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، خُصص لاتخاذ قرار نهائي بشأن مسودة تفاهم مع إيران تهدف لإنهاء الصراع العسكري القائم. وأفادت مصادر مطلعة بأن الاجتماع الذي استمر نحو ساعتين لم يسفر عن قرار فوري، رغم التوقعات السابقة بحسم الملف خلال يوم الجمعة.
وأكدت مصادر في الإدارة الأمريكية أن الرئيس ترامب يدرس حالياً كافة الخيارات المطروحة، مشيرة إلى أن التريث في اتخاذ القرار يعود إلى رغبة واشنطن في ضمان تنفيذ كامل الشروط المتعلقة بالبرنامج النووي والملاحة البحرية. وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط دولية متزايدة لإنهاء الأزمة التي عصفت بأسواق الطاقة العالمية.
وكان ترامب قد حدد في وقت سابق ملامح الاتفاق المنشود، مشدداً على ضرورة أن يتضمن تمديداً لوقف إطلاق النار وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون أي قيود أو رسوم مرور. وأوضح الرئيس الأمريكي أن بلاده لن تقبل بأقل من تفكيك شامل لقدرة طهران على تصنيع سلاح نووي، معتبراً ذلك شرطاً أساسياً لأي تهدئة.
وفي تصريحات عبر منصة 'تروث سوشيال'، أشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة ستعمل على استخراج المواد النووية من إيران وإزالة الألغام البحرية من المضيق الحيوي. وأضاف أن السفن العالقة في المنطقة ستبدأ بالعودة إلى بلادها قريباً، موجهاً رسائل طمأنة لعائلات البحارة والملاحين المحتجزين أو العالقين في مناطق النزاع.
وحول الجانب المالي للاتفاق، قطع ترامب الطريق أمام التكهنات بإمكانية دفع تعويضات، مؤكداً أنه لن يتم تبادل أي أموال أو الإفراج عن أرصدة إيرانية مجمدة في الخارج حتى إشعار آخر. ويعكس هذا الموقف رغبة واشنطن في استخدام الورقة الاقتصادية كأداة ضغط لضمان التزام طهران ببنود المذكرة المقترحة.
من جانبها، التزمت طهران الحذر في تعاطيها مع الأنباء القادمة من واشنطن، حيث صرحت وزارة الخارجية الإيرانية بأنه لا يوجد اتفاق نهائي حتى اللحظة. وأوضح المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي أن تبادل الرسائل عبر الوسطاء لا يزال مستمراً، لكن الأمور لم تصل بعد إلى مرحلة التوقيع الرسمي.
ونقلت مصادر إيرانية مطلعة أن القيادة في طهران تنظر إلى تصريحات ترامب الأخيرة بوصفها خليطاً من الحقائق والمناورات السياسية. وأشارت هذه المصادر إلى أن مذكرة التفاهم لا تزال في مراحل التدقيق النهائي داخل المؤسسات السيادية الإيرانية، ولم يتم منح الضوء الأخضر النهائي للموافقة عليها بعد.
يجب على إيران أن تقبل بأنها لن تمتلك أبداً سلاحاً نووياً، ويجب فتح مضيق هرمز فوراً أمام حركة الملاحة غير المقيدة.
وفي سياق متصل، أبدى كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، تشككاً واضحاً في النوايا الأمريكية، مؤكداً أن بلاده لا تثق بالوعود الشفهية أو الضمانات الورقية. وشدد قاليباف على أن 'الأفعال هي المعيار الوحيد' للتقييم، محذراً من أن الطرف الأكثر استعداداً للحرب هو من سيخرج منتصراً من أي اتفاق.
وعلى الصعيد التقني، كشف رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، عن ترتيبات دولية لنقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. وأوضح غروسي أن كازاخستان أبدت استعدادها لاستقبال هذه المواد، التي تقترب مستويات تخصيبها من الدرجة العسكرية، في حال تم التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل.
وتلعب كازاخستان دوراً محورياً في هذا الملف من خلال استضافتها لبنك اليورانيوم منخفض التخصيب الخاضع للرقابة الدولية. ويهدف هذا المقترح إلى تجريد إيران من مخزونها الحساس مع ضمان تزويدها بالوقود اللازم لمحطات الطاقة المدنية تحت إشراف دولي صارم لضمان عدم الانحراف نحو الأغراض العسكرية.
وكان نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، قد أكد في وقت سابق وجود مسودة لاتفاق مبدئي، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات رفضها من قبل الرئيس. ويعكس هذا التباين في التصريحات حالة الترقب الشديدة داخل أروقة الحكم في واشنطن، حيث يسعى الجناح المتشدد لضمان أقصى قدر من التنازلات الإيرانية.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية، حيث يواجه وقف إطلاق النار الهش تحديات ميدانية كبيرة تهدد بانهياره في أي لحظة. وقد تسببت الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي في خسائر بشرية فادحة، لا سيما في إيران ولبنان، وأدت إلى شلل شبه كامل في إمدادات الطاقة العالمية.
وقد انعكست أنباء الاجتماع والاتفاق المحتمل فوراً على الأسواق المالية، حيث سجلت أسعار العقود الآجلة للنفط انخفاضاً ملحوظاً فور تسرب أنباء عن قرب الانفراجة. وفي المقابل، شهدت أسواق الأسهم انتعاشاً مدفوعاً بآمال إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز الذي يعد شريان الحياة الرئيسي لتجارة النفط العالمية.
وتراقب العواصم العالمية عن كثب ما ستسفر عنه الساعات القادمة، حيث من المتوقع أن يصدر البيت الأبيض بياناً رسمياً يوضح المسار الذي ستسلكه الإدارة الأمريكية. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الطرفين على تجاوز فجوة الثقة العميقة وتحويل 'مذكرة التفاهم' إلى واقع ينهي واحدة من أخطر الأزمات العسكرية في العصر الحديث.
السّبت 30 مايو 2026 12:04 صباحًا -
بتوقيت القدس
أصدر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، توجيهات مباشرة وصارمة للجهات الرقابية والسلطات المختصة بإنفاذ القانون، للبدء فوراً في مراجعة وتحقيق شامل لكافة العقود التي أبرمتها الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال فترة الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني. وتهدف هذه الخطوة إلى التأكد من سلامة هذه العقود قانونياً ومدى مراعاتها للمصلحة العامة، تمهيداً لتشخيص أي تقصير أو إضرار متعمد بالمال العام.
وشدد الزيدي في توجيهاته على ضرورة كشف المستفيدين الحقيقيين من تلك العقود الذين حققوا مكاسب غير مشروعة على حساب الدولة، مطالباً برفع نتائج هذه التحقيقات إلى الجهات القضائية المختصة بأقصى سرعة ممكنة. وتأتي هذه التحركات في إطار سعي الحكومة الجديدة لترسيخ مبدأ المحاسبة وتقديم المتورطين في ملفات الفساد إلى العدالة دون استثناء.
من جانبها، استجابت هيئة النزاهة الاتحادية لهذه التوجيهات بإعلانها عن تأليف فرق عمل تخصصية رفيعة المستوى لتولي مهام التدقيق والتحقيق الميداني في بغداد والمحافظات كافة. وأكدت الهيئة أن هذه الفرق ستعمل تحت إشراف مباشر من رئاستها لضمان الشفافية والسرعة في مراجعة العقود الحكومية المهمة التي تحوم حولها شبهات فساد أو إجحاف بحق الدولة.
وفي سياق متصل بجهود مكافحة الفساد، أعلنت هيئة النزاهة عن نجاحها في إحباط واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي في تاريخ البلاد، والتي كانت تستهدف الاستيلاء على تريليون ونصف تريليون دينار عراقي، ما يعادل أكثر من مليار دولار أمريكي. وأوضحت الهيئة أن العملية كانت تستهدف مصرفي الرافدين والرشيد الحكوميين من خلال مستندات وصكوك مزورة.
وتمكنت الفرق الرقابية من ضبط ثلاثة متهمين متلبسين وبحوزتهم سبعة صكوك مزورة، بالإضافة إلى أصل عقد بيع وديعة وهمي بقيمة 612 مليار دينار عراقي مسجل باسم أحد المتورطين. وأقرت المجموعة المعتقلة خلال التحقيقات الأولية بمحاولتها تمرير هذه المعاملات المالية الضخمة بصورة مخالفة للقوانين والأنظمة المصرفية المعمول بها.
وأشارت مصادر رقابية إلى أن التنسيق العالي مع إدارة مصرف الرافدين كان له الأثر الحاسم في كشف زيف الصكوك قبل صرفها، حيث تبين عدم وجود أرصدة أو حسابات حقيقية تغطي هذه المبالغ الفلكية. وقد تم تنظيم محضر ضبط أصولي وإحالة المتهمين إلى قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا النزاهة لاستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.
وعلى الصعيد البرلماني، دخل المشرعون العراقيون على خط الأزمة، حيث كشف النائب محمد الخفاجي عن قائمة تضم 12 عقداً استثمارياً وصفها بأنها 'مستنقع للفساد'. وطالب الخفاجي الحكومة بتدقيق هذه العقود كدفعة أولى، مؤكداً أنها تسببت في ضياع تريليونات الدنانير على خزينة الدولة العراقية خلال السنوات الماضية.
وجهنا الجهات الرقابية بمباشرة الإجراءات التحقيقية في العقود السابقة للتحقق من مطابقتها للقوانين وحماية المال العام من الهدر.
وشملت العقود التي أشار إليها النائب ملفات حساسة تتعلق بفحص المركبات الإلكتروني، واستثمارات دوائر المرور والجوازات، بالإضافة إلى مشروع البطاقة الوطنية الذي وصفه بأنه يمثل خطراً أمنياً واقتصادياً. كما انتقد بشدة إدارة المستشفيات الحكومية وعقود المطورين العقاريين في محافظة كربلاء، معتبراً إياها وسيلة لسرقة أموال المواطنين والدولة.
ولم تقتصر اتهامات الفساد على قطاع واحد، بل امتدت لتشمل عقود شركة التأمين مع وزارة الداخلية، وتجهيز مفردات البطاقة التموينية بوزارة التجارة، ومنصة الغاز العائمة التابعة لوزارة الكهرباء. ويرى مراقبون أن هذه الملفات تمثل اختباراً حقيقياً لإرادة الحكومة الجديدة في تفكيك شبكات المصالح المرتبطة بشخصيات نافذة.
من جانبه، أصدر مصرف الرافدين بياناً ثمن فيه يقظة ملاكاته التي أسهمت في إحباط محاولة الاحتيال الكبرى، معتبراً أن هذا النجاح هو ثمرة لتطوير أنظمة الرقابة الداخلية والامتثال. وأكد المصرف أن اعتماد المنهجيات الحديثة في رصد مؤشرات الاشتباه مكنه من التعامل مع محاولة التزوير بسرعة ومهنية عالية قبل وقوع الكارثة المالية.
وأضاف المصرف أن التحديث المؤسسي المستمر أصبح الأداة الأكثر فاعلية لحماية أموال الدولة وحقوق المودعين، مشدداً على التزامه بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وأشار البيان إلى أن المتهمين تم استدراجهم وضبطهم بالجرم المشهود داخل أروقة الإدارة العامة للمصرف، مما يعكس قوة التنسيق مع الأجهزة القضائية والرقابية.
ويواجه العراق تحديات جسيمة في ملف مكافحة الفساد، حيث تصنفه المنظمات الدولية باستمرار ضمن الدول الأكثر تأثراً بهذه الآفة. وتظل معضلة استعادة الأموال المهربة إلى الخارج وملاحقة المطلوبين الفارين من أكبر العقبات التي تواجه القضاء العراقي، خاصة في ظل الحماية التي توفرها بعض القوى السياسية للمتورطين.
ويرى محللون سياسيون أن تحرك الزيدي لفتح ملفات سلفه قد يفتح الباب أمام صراعات سياسية محتدمة، لكنه في الوقت ذاته يبعث برسالة طمأنة للشارع العراقي والمجتمع الدولي. فالمطالب الشعبية تتركز منذ سنوات على ضرورة استرداد الأموال المنهوبة وتحسين الخدمات الأساسية التي تضررت بفعل صفقات الفساد المشبوهة.
وفي ختام الإجراءات الأولية، ينتظر الشارع العراقي ما ستسفر عنه تحقيقات فرق العمل التخصصية، وسط آمال بأن تؤدي هذه الحملة إلى تغيير حقيقي في بنية الإدارة الحكومية. وتظل الأنظار متجهة نحو القضاء العراقي ليرى مدى قدرته على حسم هذه القضايا الكبرى بعيداً عن الضغوطات السياسية التي طالما عرقلت مسار العدالة في البلاد.
السّبت 30 مايو 2026 12:04 صباحًا -
بتوقيت القدس
نشرت مجلة إيكونوميست البريطانية افتتاحية تحليلية حذرت فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مغبة الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مع النظام الشيوعي في كوبا. وأشارت المجلة إلى أن أي قرار باستخدام القوة العسكرية سيكون خطأً فادحاً، معربة عن أملها في أن يكون ترامب قد استخلص العبر من تجارب سابقة، لا سيما في إيران وفنزويلا.
وتأتي هذه التحذيرات في أعقاب تصريحات لترامب أدلى بها في مطلع يناير الماضي، ألمح فيها إلى أن كوبا هي المحطة التالية بعد الإطاحة بنيكولاس مادورو في فنزويلا. وتعتمد الاستراتيجية الأمريكية الحالية على تجفيف منابع الطاقة عن الجزيرة عبر الضغط على القيادة الجديدة في كاراكاس لقطع إمدادات الوقود الرخيص، مما وضع النظام الكوبي في مأزق اقتصادي حاد.
وأوضحت مصادر صحفية أن الحصار النفطي الذي تفرضه واشنطن جعل حياة المواطنين الكوبيين أكثر بؤساً، حيث يعاني السكان من انقطاعات مستمرة في التيار الكهربائي ونقص حاد في السلع الأساسية. ورغم أن المجلة وصفت حكام الجزيرة بـ 'الأشرار' نظراً لسجلهم في قمع المعارضين، إلا أنها شككت في جدوى الحلول العسكرية العنيفة.
وتشكل كوبا ما يوصف بـ 'التهديد الخفيف' للأمن القومي الأمريكي، نظراً لسماحها لكل من الصين وروسيا بتشغيل محطات تنصت استخباراتية على مقربة من السواحل الأمريكية. هذا الوجود العسكري الأجنبي يزيد من حنق إدارة ترامب التي تسعى لإنهاء النفوذ الشيوعي في نصف الكرة الغربي بشكل نهائي.
وفي مؤشر على التصعيد الميداني، وصلت حاملة الطائرات 'يو أس أس نيمتز' إلى منطقة الكاريبي في العشرين من مارس الماضي، وهي تحمل رؤوساً نووية وطائرات متطورة. وتزامن هذا التحرك العسكري مع تحليق مكثف لمسيرات استطلاع أمريكية فوق الأجواء الكوبية، مما يوحي بأن الخيار العسكري بات مطروحاً بجدية على طاولة البيت الأبيض.
من جانبه، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية مع النظام الحالي ليست مرتفعة، مشدداً على أن كوبا لا يمكن إصلاحها في ظل بنيتها السياسية الراهنة. وأضاف روبيو في تصريحات صحفية أن الرئيس ترامب مستعد للقيام 'بكل ما يلزم' لضمان التغيير، وهو ما يراه مراقبون تمهيداً لعملية أوسع.
وعلى الصعيد القانوني، اتخذت وزارة العدل الأمريكية خطوة تصعيدية بتوجيه اتهامات رسمية لراؤول كاسترو، الذي لا يزال يعتبر الحاكم الفعلي والمؤثر في الجزيرة. هذه الخطوة تهدف إلى تضييق الخناق على القيادة التاريخية للحزب الشيوعي ورفع الغطاء الشرعي عنها أمام المجتمع الدولي والقوى الإقليمية.
إن عملية عسكرية فعلية في كوبا ستكون محفوفة بالمخاطر، ومن غير المرجح أن تحسن الأوضاع، فكوبا ليست فنزويلا وديكتاتوريتها أكثر رسوخاً.
وترى 'إيكونوميست' أن التهديد بالقوة قد يمنح واشنطن نفوذاً على طاولة المفاوضات، لكن الغزو الشامل يظل خياراً غير جذاب نظراً لضعف سجل أمريكا في بناء الدول. فكوبا تمتلك أيديولوجية متجذرة وجيشاً قد يشن حرب عصابات طويلة الأمد، مما يجعل فرض الديمقراطية بالقوة عملية بطيئة ومحفوفة بمخاطر الفشل الذريع.
وفي ظل غياب معارضة سياسية منظمة داخل كوبا، نتيجة هجرة الشباب وتحول المجتمع إلى واحد من أكبر المجتمعات عمراً في المنطقة، تبرز خيارات بديلة للغزو. وتقترح المجلة التركيز على 'الانتقال التدريجي' من خلال تقديم حوافز اقتصادية مقابل تنازلات سياسية ملموسة من قبل النظام في هافانا.
وتتضمن بنود الاتفاق المحتمل الذي طرحته التحليلات، السماح بتدفق النفط مجدداً مقابل إفراج النظام عن السجناء السياسيين وتخفيف حدة القمع الأمني. كما يشمل المقترح تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار يتم توزيعها عبر الكنيسة والمنظمات غير الحكومية لضمان وصولها للشعب بعيداً عن مؤسسات الجيش.
ومن الأفكار المطروحة أيضاً توفير خدمة إنترنت مجانية وشاملة للكوبيين عبر الأقمار الصناعية، وهي خطوة قد تساهم في كسر التعتيم الإعلامي وتهيئة بيئة لظهور معارضة مدنية. ويرى محللون أن الانفتاح الرقمي قد يكون السلاح الأكثر فعالية في تقويض أركان النظام الشيوعي على المدى الطويل دون الحاجة لطلقة واحدة.
ورغم إعلان النظام الكوبي عن إصلاحات اقتصادية، مثل السماح للمغتربين بتملك أعمال تجارية، إلا أن واشنطن لا تزال تشكك في جدية هذه الخطوات. فالمستثمرون الأمريكيون من أصل كوبي يرهنون عودتهم برحيل النظام الذي استولى على ممتلكات عائلاتهم منذ عقود، ويطالبون بسيادة القانون كشرط أساسي.
وتختم المجلة تحليلها بالإشارة إلى أن قطاع السياحة والزراعة في كوبا يمتلكان إمكانات هائلة للنمو السريع في حال رفع القيود الأمريكية وتحقيق انفتاح حقيقي. ومع ذلك، فإن هذا الانتعاش يتطلب دهاءً تفاوضياً من إدارة ترامب، بعيداً عن التهور العسكري الذي قد يفاقم الأزمة الإنسانية ويحول الجزيرة إلى بؤرة صراع دائم.
إن الدرس المستفاد من المواجهات السابقة مع إيران هو أن الضغوط القصوى قد لا تؤدي دائماً إلى انهيار الأنظمة، بل قد تدفعها لمزيد من التشدد. لذا، فإن الكرة الآن في ملعب البيت الأبيض لاختيار ما إذا كان سيسلك طريق الدبلوماسية الخشنة أو يغامر بحرب غير مأمونة النتائج في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.
الجمعة 29 مايو 2026 11:47 مساءً -
بتوقيت القدس
تعتزم الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار منح جائزة "القلم الذهبي" المرموقة لحرية الصحافة يوم الاثنين القادم، مخصصةً هذا التكريم للمصورين وصحفيي الفيديو العاملين في قطاع غزة. ويأتي هذا القرار تقديراً لجهودهم الاستثنائية في توثيق أحداث الحرب المستمرة، حيث خاطروا بحياتهم لنقل الحقيقة من قلب الميدان في ظل ظروف إنسانية بالغة القسوة.
وأكدت الرابطة في بيانها أن الطواقم الصحفية في القطاع عايشت على مدار أكثر من عامين ونصف مستويات غير مسبوقة من الموت والدمار والمعاناة الإنسانية. وشددت على أن هؤلاء المهنيين لم يكتفوا بدور المؤرخين للحرب، بل أصبحوا هم أنفسهم ضحايا لهذا النزاع الدامي الذي لا يزال يلقي بظلاله على المنطقة منذ اندلاعه.
وتطرقت الرابطة إلى العوائق التي تفرضها السلطات الإسرائيلية، مشيرة إلى استمرار منع دخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة منذ بداية العمليات العسكرية. وأوضحت أن الدخول اقتصر فقط على بضع عشرات من المراسلين الذين سُمح لهم بزيارات خاطفة ومقيدة بمرافقة أمنية من الجيش الإسرائيلي، مما جعل العبء الأكبر في التغطية يقع على عاتق الصحفيين المحليين.
ومن المقرر أن تُقام مراسم تسليم الجائزة في مدينة مرسيليا الساحلية جنوب فرنسا، حيث سيتم تكريم ممثلين عن وكالات أنباء دولية كبرى مثل وكالة الأنباء الفرنسية، وأسوشيتد برس، ورويترز. وسيكون من بين المكرمين المصور محمد عبد، تقديراً لدوره وزملائه في الحفاظ على تدفق المعلومات والصور من داخل المناطق المحاصرة.
الصحفيون في غزة ضحايا للنزاع بقدر ما هم مؤرخون لحرب اندلعت ولا تزال مستمرة من حولهم.
ولا يقتصر التكريم على الأحياء فقط، بل يمتد ليشمل الزملاء الذين تعرضوا للإصابات أو الذين ارتقوا شهداء أثناء أداء واجبهم المهني منذ أكتوبر 2023. وتأتي هذه الخطوة تزامناً مع انطلاق المؤتمر العالمي السابع والسبعين لوسائل الإعلام الإخبارية، الذي تنظمه الرابطة بالتعاون مع أذرع إعلامية دولية كبرى لمناقشة تحديات الصحافة في مناطق النزاع.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن منظمات دولية، ومنها مراسلون بلا حدود، إلى أن أكثر من 220 صحفياً قتلوا بنيران الجيش الإسرائيلي في غزة، من بينهم 70 صحفياً على الأقل استهدفوا بشكل مباشر أثناء ممارستهم لعملهم الميداني. وتبرز هذه الأرقام حجم المخاطر الجسيمة التي تواجه الكوادر الإعلامية في سعيها لنقل الرواية الفلسطينية للعالم.
وعلى الصعيد الإنساني العام، أفادت مصادر طبية في قطاع غزة بأن حصيلة الشهداء تجاوزت 72 ألفاً و800 فلسطيني منذ بدء العدوان، مع تسجيل أكثر من 900 شهيد منذ إعلان وقف إطلاق النار الأخير في أكتوبر 2025. وتؤكد هذه البيانات استمرار نزيف الدم في القطاع رغم المحاولات الدولية للتهدئة، مما يضاعف من أهمية الدور الذي يقوم به الصحفيون في توثيق هذه الانتهاكات.
الجمعة 29 مايو 2026 11:17 مساءً -
بتوقيت القدس
تسيطر حالة من المحاصصة السياسية على المشهد العراقي الحالي، حيث تتركز الجهود على تقاسم المناصب والمغانم بين الشركاء السياسيين، في وقت تظل فيه الملفات الإنسانية العالقة، وعلى رأسها ملف المغيبين والمفقودين والمهجرين، دون حلول جذرية تنهي معاناة آلاف العائلات.
مرت عمليات القتل والتغييب في العراق بعد عام 2003 بعدة مراحل دموية، بدأت باستهداف الكفاءات العلمية والرموز السياسية في سنوات الاحتلال الأولى، ثم انتقلت إلى مرحلة العنف الطائفي والقتل على الهوية عقب تفجير مرقد سامراء في عام 2006، وهي الفترة التي شهدت ظهور فرق الموت والجثث المجهولة.
تفاقمت المأساة الإنسانية خلال سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلاد بين عامي 2014 و2017، لتتبعها مرحلة مظلمة أخرى ارتبطت بقمع الاحتجاجات الشعبية في عام 2019، والتي أسفرت عن اغتيال المئات وتغييب آخرين في ظل ظروف غامضة.
رغم تراجع معدلات الاغتيالات في الأعوام الأخيرة، إلا أن الاستهداف الممنهج طال شخصيات سياسية ومؤثرة، من بينهم عضو مجلس محافظة بغداد ضياء المشهداني، مما يشير إلى استمرار نهج التصفية الجسدية كأداة لتصفية الحسابات السياسية بعيداً عن سلطة القانون.
عادت قضية المقابر الجماعية لتتصدر الواجهة من جديد في منتصف أيار 2026، بعد الكشف عن مواقع دفن جماعي في منطقة سهل عكاز التابعة لقضاء الفلوجة بمحافظة الأنبار، وسط تضارب حاد في الأرقام المعلنة حول عدد الضحايا الذين عثر على رفاتهم.
تشير الأدلة الأولية إلى أن ضحايا مقبرة الصقلاوية هم من المدنيين العزل، وبينما تتحدث مصادر محلية عن وجود نحو 1500 ضحية، تصر الجهات الرسمية في محافظة الأنبار على أن العدد لا يتجاوز 16 شخصاً، وهو اختزال يثير تساؤلات حول الشفافية الحكومية.
تؤكد التقارير الدولية حجم الكارثة، حيث أعلن الصليب الأحمر الدولي عن امتلاكه لأكثر من 30 ألف ملف لمفقودين عراقيين حتى منتصف عام 2025، فيما تشير تقديرات حقوقية أخرى إلى أن العدد الإجمالي للمختفين قسرياً منذ عام 2003 قد يصل إلى مليون شخص.
الواجب الأبرز أمام الحكومة ليس حصر السلاح فحسب، بل تنقية الأجهزة الأمنية من المتورطين في قتل الأبرياء وتقديمهم لمحاكم نزيهة.
في محافظة الأنبار وحدها، تتحدث المصادر الرسمية عن وجود 6 آلاف مغيب، بينما وثقت منظمة العفو الدولية اختفاء مئات الرجال والأطفال من منطقة الصقلاوية منذ معارك الفلوجة عام 2016، دون أن تنجح المساعي القانونية في كشف مصيرهم حتى الآن.
لا يقتصر التغييب على الأنبار، بل يمتد ليشمل الموصل التي سجلت نحو 8 آلاف مفقود، بالإضافة إلى حوالي 20 ألف شخص في مناطق حزام بغداد وديالى وصلاح الدين، وهي أرقام تعكس فشل المنظومة الأمنية في حماية المواطنين من الجماعات المنفلتة.
أقرت المنظمة الدولية للهجرة في تقارير سابقة بأن آلاف العراقيين لا يزالون في عداد المفقودين، مرجحة احتجاز بعضهم لدى ميليشيات وتنظيمات مسلحة، بينما يظل مكان وجود البقية مجهولاً تماماً في ظل غياب قاعدة بيانات مركزية موحدة.
تثار اتهامات سياسية ثقيلة حول تورط جهات نافذة في هذه الجرائم، حيث نقلت شهادات سابقة عن مسؤولين كبار اعترافات ضمنية بأن العديد من المغيبين تمت تصفيتهم وإلقاؤهم في الأنهار، مما يجعل من ملف المحاسبة أمراً معقداً وشديد الحساسية.
يتطلب إنهاء هذه المعضلة الوطنية العمل على جمع شهادات شهود العيان وتوفير الحماية القانونية لهم، بالإضافة إلى ضرورة الاستعانة بالخبرات الدولية في مجالات الطب الشرعي وتحليلات الحمض النووي (DNA) لتحديد هوية الضحايا بدقة علمية.
إن تشكيل لجنة وطنية مدعومة بفرق بحث دولية أصبح ضرورة ملحة لمعرفة مصير المغيبين، وربط عمليات التعويض المادي بقرارات محاكم وطنية خاصة تضمن معاقبة الجناة وتمنع إفلات المتورطين في جرائم الإبادة والتغييب من العقاب.
يبقى التحدي الأكبر أمام حكومة بغداد برئاسة علي الزيدي هو القدرة على مواجهة نفوذ الميليشيات، وتنقية الأجهزة الأمنية من العناصر المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان، لضمان سيادة الدستور وتحقيق العدالة التي طال انتظارها لآلاف الضحايا.
الجمعة 29 مايو 2026 11:17 مساءً -
بتوقيت القدس
ارتكبت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة من المجازر الدامية في مناطق متفرقة من الجنوب اللبناني، مما أسفر عن سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى ودمار واسع في الممتلكات. وأفادت مصادر محلية باستشهاد ثمانية أشخاص من الجنسية السورية جراء غارة استهدفت منطقة الحارتية في أطراف بلدة عدلون، فيما تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث تحت الأنقاض.
وفي بلدة عدلون أيضاً، تمكنت فرق الدفاع المدني من سحب جثامين أربعة شهداء، بينهم أطفال، من تحت ركام منزل استهدفه القصف الجوي المباشر. وتتزامن هذه الهجمات مع استمرار الغارات العنيفة التي طالت بلدات البرج الشمالي، والبيسارية، والزرارية، وعريض دبين، بالإضافة إلى محيط بلدة السريرة وزفتا في تصعيد غير مسبوق.
وعلى صعيد العمليات الميدانية، أعلن حزب الله عن تنفيذ ثماني عمليات عسكرية نوعية ضد تجمعات وآليات جيش الاحتلال في المناطق الحدودية. وأكد الحزب في بياناته استهداف ست دبابات من طراز ميركافا، محققاً فيها إصابات مباشرة أدت إلى اشتعال النيران في عدد منها وتدميرها بشكل كامل أو جزئي.
وأوضح الحزب أن مقاتليه فجروا عبوة ناسفة بآلية عسكرية إسرائيلية في بلدة يحمر الشقيف، حيث شوهدت النيران تندلع من الآلية عقب الانفجار. كما استخدم الحزب طائرات مسيرة انقضاضية من طراز 'أبابيل' لضرب ثلاث دبابات ميركافا في ذات البلدة، مما يعكس تطوراً في التكتيكات الهجومية المستخدمة ضد القوات المتوغلة.
من جانبه، زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن قواته حققت تقدماً استراتيجياً بالوصول إلى مواقع تقع شمال نهر الليطاني في عمق الجنوب اللبناني. وادعى نتنياهو خلال زيارة تفقدية للحدود الشمالية أن الجيش 'عبر النهر' بالفعل وبات يسيطر على نقاط متقدمة كانت تعتبر خطوطاً حمراء في المواجهات السابقة.
وأشار نتنياهو في مقطع مصور نشره مكتبه إلى أن العمليات العسكرية الحالية لا تقتصر على الحافة الحدودية، بل تمتد لتشمل ضربات في بيروت والبقاع وكافة الجبهات اللبنانية. واعتبر أن هذه التحركات تهدف إلى توجيه ضربات مباشرة وموجعة للبنية العسكرية التابعة لحزب الله لإجباره على التراجع.
الجيش الإسرائيلي عبر نهر الليطاني وسيطر على مواقع متقدمة، والعمليات تمتد إلى بيروت والبقاع وكامل الجبهة اللبنانية.
وتشير التقارير العسكرية إلى أن جيش الاحتلال وسع نطاق عملياته البرية خارج المنطقة الأمنية التي حاول تثبيتها منذ أبريل الماضي. ويأتي هذا التوسع في ظل تكثيف القصف المدفعي والجوي الذي يمهد الطريق للقوات البرية، وسط مقاومة شرسة من المقاتلين في القرى والبلدات الحدودية.
وفي سياق متصل، فرضت سلطات الاحتلال أوامر إخلاء قسرية على آلاف السكان في قرى جنوب لبنان، مما أدى إلى موجات نزوح جديدة باتجاه المناطق الشمالية. وتستخدم إسرائيل سياسة الأرض المحروقة عبر تدمير المربعات السكنية بالكامل في المناطق التي تحاول التقدم نحوها، مما يضاعف من معاناة المدنيين.
وعلى المسار السياسي، استضافت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) اجتماعاً ضم مسؤولين من وزارة الدفاع اللبنانية ووزارة الأمن الإسرائيلية لمناقشة مقترحات للتهدئة. وتهدف هذه الوساطة الأمريكية إلى محاولة نزع فتيل الانفجار الشامل والوصول إلى صيغة أمنية تضمن استقرار الحدود ونزع سلاح المناطق المتنازع عليها.
وصرح مسؤول أمريكي بأن المحادثات الجارية في واشنطن تسير وفق الجدول الزمني المحدد لها، معتبراً أن التفاوض المباشر هو السبيل الوحيد للوصول إلى سلام دائم. واتفق الطرفان على تقسيم المباحثات إلى مسارين منفصلين، أحدهما أمني تقني والآخر دبلوماسي سياسي سيبدأ الأسبوع المقبل.
ومن المتوقع أن تشهد وزارة الخارجية الأمريكية جولات جديدة من الاجتماعات الدبلوماسية لبحث تفاصيل الاتفاق المقترح، في وقت يرى فيه مراقبون أن الفجوة لا تزال كبيرة. وتصر إسرائيل على شروط أمنية مشددة، بينما يتمسك لبنان بسيادته الكاملة ووقف الاعتداءات المستمرة على أراضيه وشعبه.
الجمعة 29 مايو 2026 10:47 مساءً -
بتوقيت القدس
أعلنت السلطات الإيرانية عن نجاح دفاعاتها الجوية في اعتراض وتدمير طائرة مسيرة صغيرة وصفتها بـ"المعادية" أثناء تحليقها في أجواء قريبة من جزيرة قشم الاستراتيجية. وتأتي هذه الحادثة الميدانية في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة وترقباً للمسارات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن.
وفي سياق التحركات السياسية، فند المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الادعاءات التي ساقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول الوصول إلى اتفاق لإنهاء الحرب. وأوضح بقائي في تصريحات صحفية أنه لا يوجد أي اتفاق نهائي حتى اللحظة، رغم إقراره باستمرار قنوات تبادل الرسائل بين الطرفين.
وشدد المتحدث الإيراني على أن الأولوية القصوى لبلاده في المرحلة الراهنة تتمثل في العمل على إنهاء الحرب الدائرة، مؤكداً أن طهران لا تجري أي مفاوضات تتعلق ببرنامجها النووي في الوقت الحالي. وأشار إلى أن التحركات الإيرانية تنبع من المصالح الوطنية العليا بعيداً عن أي إملاءات خارجية من الإدارة الأمريكية.
وفيما يخص الملاحة البحرية، أكد بقائي أن إدارة مضيق هرمز هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق إيران وسلطنة عمان فقط. ولفت إلى أن القوات الإيرانية تمنع مرور أي سفن معادية عبر المضيق، بينما يتم تنسيق عبور السفن التجارية والمدنية بشكل اعتيادي مع الجهات المختصة.
من جانبها، نقلت مصادر إيرانية مطلعة أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض تتضمن مزيجاً من المعلومات المضللة والحقائق المجتزأة. وأوضحت المصادر أن ادعاءات ترمب بشأن إلزام إيران بفتح مضيق هرمز دون رسوم لا أساس لها من الصحة، حيث لا يتضمن نص التفاهمات أي بند بهذا الشأن.
وكشفت المصادر عن شرط إيراني جوهري للمضي قدماً في أي مسار تفاوضي، وهو الدفع الفوري لمبلغ 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية التي تجمدها الولايات المتحدة. واعتبرت طهران أن تنفيذ هذا البند يعد اختباراً لمدى جدية واشنطن، مؤكدة أنها لن تنتقل إلى مراحل لاحقة من النقاش قبل استعادة هذه الأموال.
نتحرّك حسب مصالحنا الوطنية وليس وفق ما يُمليه علينا الأميركيون، وإدارة مضيق هرمز قرار سيادي لإيران وعُمان.
كما نفت المصادر وجود أي توافق حول تدمير المواد النووية الإيرانية أو التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب كما روجت بعض الأوساط الأمريكية. وأكدت أن الموقف الإيراني يتسم بعدم الثقة الكاملة في الوعود الأمريكية، مما يستدعي ضمانات ملموسة قبل التوقيع على أي وثيقة رسمية.
وبالنسبة للملف اللبناني، جددت المصادر التأكيد على أن أي اتفاق يجب أن يضمن وقفاً كاملاً وشاملاً لإطلاق النار في لبنان بما يتماشى مع رؤية حزب الله ومصالحه. وحذرت من أن أي نقض للعهود من الجانب الآخر سيقابله إجراء مضاد وفوري من قبل جبهة المقاومة.
على المقلب الآخر، ذكرت تقارير صحفية دولية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عقد اجتماعاً موسعاً مع أجهزته الأمنية لتقييم الموقف مع إيران. ورغم التفاؤل الذي أبداه بعض المسؤولين في إدارته بقرب التوصل لاتفاق، إلا أن الاجتماع لم يفضِ إلى قرار نهائي وحاسم حتى الآن.
وأشارت مصادر في الإدارة الأمريكية إلى أن قضية الأموال الإيرانية المجمدة لا تزال تشكل عقبة رئيسية وتحتاج إلى نقاشات أوسع ومعقدة. ويبدو أن هناك تبايناً في وجهات النظر داخل البيت الأبيض حول توقيت وآلية الإفراج عن هذه المبالغ الضخمة مقابل التنازلات المطلوبة من طهران.
وكان ترمب قد صرح عبر منصته للتواصل الاجتماعي بأنه بصدد اتخاذ قرار نهائي، مطالباً بفتح فوري لمضيق هرمز وتدمير اليورانيوم المخصب كشرط أساسي. وجدد ترمب موقفه المتشدد بشأن الملف المالي، مؤكداً أنه لن يتم تبادل أي أموال مع الجانب الإيراني حتى إشعار آخر.
الجمعة 29 مايو 2026 10:18 مساءً -
بتوقيت القدس
تعيش ضفاف نهر الفرات في محافظتي دير الزور والرقة حالة من الاستنفار القصوى، بعد أن تحولت أجواء عيد الأضحى من مظاهر الفرح إلى نداءات استغاثة وعمليات إخلاء واسعة. فقد أدى الارتفاع المفاجئ والكبير في منسوب المياه إلى غمر مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وتهديد الجسور الحيوية، مما دفع العائلات لمغادرة منازلها القريبة من المجرى.
وتعود أسباب هذه الكارثة المائية إلى عوامل طبيعية وفنية متداخلة، حيث شهدت المنطقة أمطاراً غزيرة في كل من تركيا وسوريا أدت لامتلاء السدود. وأفادت مصادر فنية بأن الجانب التركي قام بفتح بوابات المفيض في سد كاراكايا، مما أدى لتمرير نحو 2000 متر مكعب من المياه في الثانية الواحدة باتجاه الأراضي السورية.
وأوضح المدير العام لمؤسسة سد الفرات أن القدرة الاستيعابية للسدود السورية كانت محدودة للغاية لحظة وصول هذه التدفقات، حيث كانت نسبة الامتلاء قد وصلت بالفعل إلى نحو 96%. هذا التزامن المعقد وضع المنطقة أمام خطر حقيقي تجسد في تمدد المياه نحو البيوت والطرقات الرئيسية، مما تسبب في شلل جزئي في حركة التنقل.
وفي ظل هذا المشهد المتأزم، سجلت المنطقة تحركات ميدانية رسمية وصفت بالمختلفة عن الأنماط السابقة، حيث وصل الرئيس أحمد الشرع إلى دير الزور برفقة وفد وزاري رفيع. وتفقد الوفد المناطق المتضررة قرب جسر السياسية، في إشارة إلى اعتبار الأزمة أولوية وطنية تستوجب التدخل المباشر من أعلى سلطة في الدولة.
وشاركت فرق ميدانية من وزارات الطوارئ وإدارة الكوارث بالتعاون مع الدفاع المدني في عمليات رفع السواتر الترابية وتأمين السكان. كما استنفرت وزارات الصحة والطاقة والاتصالات طواقمها لضمان استمرار الخدمات الأساسية في المناطق التي حاصرتها المياه، ومنع تفاقم المعاناة الإنسانية للسكان المحليين.
ولم تقتصر الجهود على الجانب الرسمي، بل برزت روح التكافل الاجتماعي من خلال مبادرات محلية وجهود للمتطوعين الذين عملوا بإمكانيات بسيطة لمساعدة العائلات المنكوبة. وشملت هذه المبادرات توفير نقاط اتصال وإنترنت مجانية في المناطق المقطوعة، وتنسيق عمليات الإغاثة العاجلة بالتعاون مع الهلال الأحمر والمنظمات الإنسانية.
ويرى مراقبون أن هذه الفيضانات كشفت عن حاجة ماسة لترميم البنية التحتية المنهكة بفعل سنوات الحرب الطويلة، خاصة الجسور ومحطات المياه والكهرباء. ففي بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية، تصبح الكوارث الطبيعية عبئاً إضافياً يتطلب استراتيجيات استجابة طويلة الأمد تتجاوز الحلول الإسعافية المؤقتة.
إن دير الزور والرقة وأهل الجزيرة السورية ليسوا هامشا في هذا البلد؛ هم أهل النخوة والكرم والفزعة الذين وقفوا مع السوريين في الشدائد.
وتتعالى المطالب الشعبية بضرورة إجراء جرد دقيق وشامل للأضرار التي لحقت بالمحاصيل الزراعية، والتي تمثل شريان الحياة لأهالي منطقة الجزيرة السورية. ويشدد الفلاحون على أهمية تقديم تعويضات عادلة وسريعة لتمكينهم من استعادة نشاطهم الزراعي بعد انحسار المياه، وحماية أمنهم الغذائي من الانهيار.
وعلى الصعيد الوقائي، تبرز الحاجة الملحة لإنشاء منظومة إنذار مبكر متطورة على طول مجرى النهر للتنبؤ بأي ارتفاعات مستقبلية في المنسوب. كما يدعو خبراء مائيون إلى تعزيز التنسيق الفني مع الجانب التركي لضمان تدفقات مائية منتظمة تمنع تكرار مثل هذه المفاجآت القاسية التي تهدد حياة وممتلكات السوريين.
إن الاستجابة الحالية، رغم محدودية الإمكانيات، تعكس محاولة جادة لتنظيم العمل الميداني والاعتراف بالمسؤولية تجاه المواطنين في لحظات المحن. ويؤكد المتابعون أن نجاح هذه الجهود يقاس بمدى قدرة الحكومة على ترميم ما دمره الفيضان وإعادة الخدمات الأساسية للمناطق المتضررة في أسرع وقت ممكن.
وفي سياق التضامن الوطني، انطلقت دعوات للسوريين في الداخل والخارج لدعم حملات الإغاثة بالمال والمواد الطبية والوقود لمساندة أهالي دير الزور والرقة. وتعتبر هذه الفزعة الشعبية جزءاً من الهوية السورية التي تتجلى في أوقات الأزمات، حيث يتكاتف الجميع لتجاوز تداعيات الكارثة الطبيعية.
كما تبرز أهمية تشكيل لجان تطوعية محلية في القرى والبلدات المتضررة للتنسيق مع فرق الطوارئ الرسمية وجمع البيانات الدقيقة عن المحتاجين. هذا التكامل بين الجهد الشعبي والرسمي من شأنه أن يقلل من حجم الخسائر البشرية والمادية، ويضمن وصول المساعدات لمستحقيها الفعليين دون تأخير.
ويبقى التحدي الأكبر في كيفية تحويل هذه المحنة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع من خلال العمل الميداني الصادق والشفافية في إدارة الأزمة. فالفيضان الذي غمر الأراضي كشف في الوقت ذاته عن معادن الناس وعن ضرورة بناء سوريا الجديدة على أسس الفعل والمسؤولية المباشرة.
ختاماً، تظل العيون شاخصة نحو مجرى الفرات بانتظار انخفاض المنسوب وعودة الحياة إلى طبيعتها على ضفافه التي حملت تاريخ وحضارة السوريين لآلاف السنين. إن حماية هذا النهر وأهله ليست مجرد مهمة تقنية، بل هي واجب وطني وأخلاقي يقع على عاتق الجميع دون استثناء.
الجمعة 29 مايو 2026 10:17 مساءً -
بتوقيت القدس
تمكن فريق من العلماء في مختبر 'لورانس ليفرمور' الوطني بالولايات المتحدة من تحقيق اختراق علمي عبر ابتكار نموذج مصغر لما يعرف بـ 'الكرة النارية النووية'. ويهدف هذا الابتكار إلى دراسة السلوك الفيزيائي والكيميائي للغبار المشع الذي ينتشر في أعقاب الانفجارات النووية الكبرى، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الكوارث الإشعاعية.
تعتمد التجربة على محاكاة المراحل الأولى والحرجة التي تلي الانفجار مباشرة، حيث ترتفع درجات الحرارة لمستويات تفوق حرارة سطح الشمس. وتؤدي هذه الطاقة الهائلة إلى تبخير كافة المواد المحيطة بمركز الانفجار، بما في ذلك التربة والمنشآت الخرسانية والمعادن، وتحويلها إلى سحابة من البلازما والغازات فائقة السخونة.
أوضح الباحثون أن هذه السحابة، المعروفة بالكرة النارية، تبدأ في التمدد والتبريد تدريجياً، وهو ما يؤدي إلى تكثف المواد المتبخرة وتحولها إلى جزيئات دقيقة. هذه الجزيئات هي التي تسقط لاحقاً على مساحات واسعة من الأرض فيما يعرف بظاهرة 'التساقط النووي' التي تشكل خطراً مستداماً على البيئة والصحة العامة.
يرى الخبراء أن جزيئات الغبار المشع تعمل بمثابة 'أحافير كيميائية' تحمل في طياتها أسرار الحدث النووي وتفاصيله الدقيقة. فهي تخزن معلومات حول درجات الحرارة القصوى التي وصل إليها الانفجار، والمدة الزمنية التي استغرقها التبريد، بالإضافة إلى البصمة الكيميائية للمواد التي استُخدمت في صناعة السلاح أو المفاعل.
لتحقيق هذه المحاكاة الدقيقة، طور الفريق البحثي جهازاً متخصصاً أطلقوا عليه اسم 'مفاعل تدفق البلازما'. يعمل هذا الجهاز على تبخير مزيج معقد من العناصر الكيميائية الحساسة مثل اليورانيوم والسيريوم والسيزيوم، مما يسمح بمراقبة تشكل الجزيئات في بيئة مخبرية مسيطر عليها تماماً.
أتاحت هذه التقنية للعلماء التحكم في سرعة تبريد البخار الناتج، وهو عامل حاسم يحدد الشكل النهائي والتركيب البنيوي للغبار المشع. ومن خلال هذه العملية، تمكن الفريق من رصد التفاعلات الكيميائية اللحظية التي تحدث بين العناصر المختلفة أثناء انتقالها من الحالة الغازية إلى الحالة الصلبة.
هذه الجزيئات تحتفظ بسجل دقيق لكيفية تكونها، مما يساعدنا على استبدال الافتراضات النظرية بقياسات فعلية أكثر دقة.
كشفت النتائج الأولية للدراسة أن عملية تكون التساقط النووي تتسم بفوضى وتعقيد أكبر بكثير مما كانت تشير إليه النماذج الرياضية التقليدية. فقد تبين أن العناصر لا تتكثف بشكل منفصل أو عند درجات حرارة ثابتة، بل تتداخل وتتفاعل كيميائياً بشكل مستمر يغير من خصائصها الفيزيائية.
برز عنصر السيزيوم كأحد أهم الاكتشافات في هذه الدراسة، حيث أظهر سلوكاً غير متوقع ببقائه في الحالة الغازية لفترات أطول. هذا البقاء الطويل يسمح للسيزيوم بالاختلاط مع عناصر أخرى وتشكيل مركبات كيميائية معقدة، خاصة عندما تكون وتيرة تبريد الكرة النارية بطيئة نسبياً.
أكدت العالمة راكيا ضاوي، المشاركة في هذا البحث أن مدة بقاء المواد في درجات حرارة مرتفعة تحدد بشكل مباشر كيفية اندماج العناصر المتطايرة. وأشارت إلى أن هذه القياسات الفعلية ستساهم في تحديث النماذج العلمية التي كانت تعتمد سابقاً على افتراضات نظرية قد لا تطابق الواقع بدقة.
تكتسب هذه الدراسة أهمية كبرى في مجال الطب الشرعي النووي، حيث ستساعد الجهات الأمنية والدولية على تحديد مصدر ونوع الانفجارات النووية بدقة عالية. ومن خلال تحليل الحطام النووي، يمكن للعلماء الآن معرفة كيفية تصنيع الجهاز المستخدم والمواد التي دخلت في تكوينه بدقة غير مسبوقة.
إلى جانب الجوانب الأمنية، تساهم هذه الأبحاث في تطوير خطط الاستجابة للطوارئ النووية وتحسين عمليات التطهير الإشعاعي. فالفهم العميق لكيمياء الغبار المشع يتيح للسلطات تقدير المخاطر الصحية والبيئية بشكل أفضل، وتحديد المناطق الأكثر تضرراً بناءً على طبيعة الجزيئات المتساقطة.
يأمل العلماء أن تؤدي هذه النتائج إلى تحسين التعامل مع تداعيات الحوادث الكبرى مثل كارثتي تشيرنوبيل وفوكوشيما. فمن خلال استبدال التخمينات ببيانات مخبرية دقيقة، يصبح من الممكن تطوير استراتيجيات أكثر فعالية للحد من انتشار التلوث الإشعاعي وحماية المجتمعات البشرية من آثاره طويلة الأمد.
الجمعة 29 مايو 2026 9:34 مساءً -
بتوقيت القدس
تتجسد مأساة الطفولة في قطاع غزة بأبهى صورها القاسية داخل مخيمات النزوح، حيث يمر عيد الأضحى على آلاف الأيتام محملاً بأوجاع الفقد وذكريات العائلة التي تشتتت. هؤلاء الأطفال الذين واجهوا واقعاً يفوق قدرتهم على الاحتمال، يجدون أنفسهم اليوم بلا آباء يشاركونهم فرحة العيد أو يشترون لهم الملابس الجديدة، بعد أن دمرت الحرب كل معالم الحياة المستقرة التي عرفوها سابقاً.
في مخيم 'دار الرجاء' وسط القطاع، تروي الطفلة يمنى أبو رحمة ذات الأحد عشر عاماً، كيف تبدلت أحوالها بعد استشهاد والدها، حيث غابت بهجة الأضحية التي اعتادت عائلتها تقديمها وتوزيعها على الفقراء. يمنى التي تحتفظ بمقطع فيديو صغير لوالدها لتسمع صوته كلما اشتد بها الشوق، تؤكد أن الحياة فقدت طعمها، ولم تعد الملاهي أو الألعاب تعني لها شيئاً في ظل هذا الغياب الموحش.
أما الطفلة سنا الجحجوح، فتعكس حكايتها حجم الكارثة التي حلت بالعائلات الفلسطينية، إذ لم تفقد والدها فحسب، بل فقدت أيضاً أعمامها وأخوالها الذين كانوا يمثلون سنداً لها في المناسبات. وتصف سنا الفارق الشاسع بين غرفتها التي كانت تزينها قبل الحرب، وبين واقع الخيام المزدحمة والفوضوية التي تفتقر لأدنى مقومات الخصوصية، فضلاً عن خطر القصف المستمر الذي يلاحقهم حتى في أماكن نزوحهم.
وفي سياق متصل، يواجه الفتى محمد بدوان (13 عاماً) مسؤوليات تفوق عمره بكثير، حيث تحول من طفل يحلم باحتراف كرة القدم إلى شاب صغير منوط به تأمين القوت لعائلته. يقضي محمد يومه في طوابير 'التكية' لجلب الطعام ونقل المياه من مسافات بعيدة، بينما تمنعه والدته من الخروج للعب خوفاً من استهدافه، ليبقى حبيس المخيم يتساءل عن ذنبه في حرمان كبقية أطفال العالم.
الحياة صعبة جداً دون أب، لم نعد نملك ملابس للعيد ولا أضاحي، وكل ما أتمناه هو أن يعود الزمان للوراء لأسمع صوت والدي مجدداً.
وتشير المعطيات الإحصائية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد الأيتام في قطاع غزة قد وصل إلى نحو 58 ألف يتيم فقدوا أحد الوالدين أو كليهما حتى أبريل الماضي. هذه الأرقام الصادمة تأتي في ظل حرب إبادة استمرت عامين، خلفت أكثر من 72 ألف شهيد، بينهم 21 ألف طفل، ودماراً طال نحو 90% من البنية التحتية والمنشآت المدنية في القطاع المحاصر.
ورغم هذا الركام، تحاول بعض المبادرات المحلية انتزاع الفرح من قلب المعاناة، حيث أقيمت فعالية ترفيهية في مخيم الشاطئ تحت عنوان 'عيدنا صمود.. ونصرنا ميعاد'. الفعالية التي نُظمت في مدرسة تؤوي نازحين، جاءت بعد ساعات قليلة من قصف عنيف استهدف المربع السكني المحيط، في محاولة لتخفيف الضغط النفسي والرعب الذي يعيشه الأطفال جراء الغارات المتواصلة.
تضمنت هذه الأنشطة عروضاً للمهرجين وألعاباً شعبية بسيطة، شاركت فيها الطفلة سالي الأدهم التي غنت للوطن وللحياة رغم تأكيدها على غياب السعادة الحقيقية منذ شهور طويلة. كما شهدت الفعالية إلقاء قصائد شعرية من قبل أطفال موهوبين، وجهوا من خلالها رسائل للعالم الإسلامي حول الصمود في وجه الجوع والحصار والدم، مؤكدين أن إرادة الحياة لا تزال تنبض في عروقهم.
إن استمرار استهداف مراكز الإيواء والخيام يضع هؤلاء الأيتام في دائرة خطر دائم، حيث لا مكان آمناً في غزة يحميهم من آلة الحرب. وبينما ينشغل أطفال العالم باحتفالات العيد، يظل أطفال غزة يبحثون عن الأمان المفقود وعن إجابات لأسئلة الوجع التي خلفتها الحرب، متمنين في كل لحظة أن يتوقف القصف ليعودوا إلى ما تبقى من أحلامهم الموؤودة تحت الأنقاض.
الجمعة 29 مايو 2026 9:02 مساءً -
بتوقيت القدس
أفادت تقارير صحفية دولية بأن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخير بشأن إصدار أوامر للجيش بالسيطرة على 70% من مساحة قطاع غزة، يمثل تصعيداً خطيراً يهدد بانهيار أي فرص للتهدئة. وأوضحت المصادر أن هذا التحرك العسكري الواسع يضع العراقيل أمام مساعي وقف إطلاق النار الهشة، مما يعيد الصراع إلى مربعات أكثر تعقيداً وعنفاً.
وحذر خبراء ومراقبون من أن هذه السياسة الإسرائيلية الجديدة قد تؤدي إلى تقويض كامل للخطط التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فيما يتعلق بمستقبل قطاع غزة والترتيبات الإقليمية المرتبطة به. وأشاروا إلى أن الانفراد الإسرائيلي بفرض واقع ميداني جديد يتناقض مع الرؤية الأمريكية التي تسعى لإيجاد مخارج سياسية للأزمة المستمرة منذ أشهر.
وعلى الصعيد الإنساني، نبهت التقارير إلى أن إحكام السيطرة العسكرية على هذه المساحة الشاسعة من القطاع المدمر ينذر بكارثة غير مسبوقة قد ترقى إلى وصفها بـ 'حكم الإعدام' على مئات الآلاف من السكان. حيث ستؤدي هذه الإجراءات إلى تضييق الخناق على المدنيين ومنع وصول المساعدات الضرورية، مما يفاقم من حدة المجاعة والأمراض في المناطق المكتظة.
من جانب آخر، نقلت مصادر إعلامية عن محللين إسرائيليين قولهم إن نتنياهو يسعى من خلال هذا التصعيد العسكري إلى صرف الأنظار عن الأزمات السياسية والقانونية التي تلاحقه داخلياً. ويرى هؤلاء أن الهروب نحو توسيع العمليات العسكرية يخدم الأجندة الانتخابية لنتنياهو، في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية والمعارضة ضده وضد سياسات حكومته اليمينية.
إعلان نتنياهو السيطرة على 70% من قطاع غزة يشكل تهديداً مباشراً لأي وقف إطلاق نار هش وينذر بظروف إنسانية كارثية.
وفي سياق متصل، يواجه الجيش الإسرائيلي تحديات ميدانية متزايدة على الجبهة الشمالية مع لبنان، حيث تسببت هجمات الطائرات المسيرة التابعة لحزب الله في إرباك المنظومات الدفاعية. وتتزامن هذه التحديات مع مخاوف عميقة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من احتمالية توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق نووي جديد لا يلبي الطموحات الأمنية لتل أبيب.
أما في الملف الإيراني، فقد شكك مسؤولون أمريكيون سابقون في جدية طهران للتوصل إلى تسوية نهائية تضمن تقليص برنامجها النووي بشكل ملموس. وأكدت المصادر أن غياب الثقة المتبادلة وآليات اتخاذ القرار المعقدة داخل إيران تجعل خيار العقوبات الدولية هو المرجح في ظل الارتباك الذي يسود العواصم الغربية تجاه سرعة تطور القدرات النووية الإيرانية.
وفي القارة الأفريقية، برزت أزمة من نوع آخر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يواجه العاملون في المجال الصحي موجة من انعدام الثقة أثناء مكافحة وباء إيبولا. وتنتشر نظريات مؤامرة تزعم أن المرض مجرد خدعة لتحقيق مكاسب مالية أو للسيطرة على الثروات المعدنية، مما أدى إلى تصاعد وتيرة العنف ضد الفرق الإغاثية وتعقيد جهود السيطرة على الفيروس.
الجمعة 29 مايو 2026 8:19 مساءً -
بتوقيت القدس
نشرت مجلة إيكونوميست تحليلاً موسعاً حول التحولات الجذرية في أساليب القتال الحديثة، مؤكدة أن التكنولوجيا والمسيرات أعادت صياغة مفهوم القوة العسكرية. وأوضحت المجلة أن الدول الصغيرة والضعيفة باتت تمتلك اليوم قدرة غير مسبوقة على الدفاع عن نفسها ضد أعداء يفوقونها قوة، وذلك باستخدام أسلحة رخيصة الثمن ولكنها ذات فاعلية تدميرية عالية.
وتشير الإحصائيات المرصودة بين عامي 2021 و2024 إلى أن القنابل وعمليات القصف المباشر أدت لمقتل أكثر من ثلاثة أرباع مليون شخص. هذا الرقم لا يشمل الضحايا الذين قضوا بسبب الآثار الجانبية للنزاعات مثل الجوع وتفشي الأمراض، مما يجعل خسائر القتال في السنوات الأخيرة هي الأعلى منذ حقبة الحرب الباردة.
ويرى التحليل أن القادة الذين أشعلوا فتيل النزاعات الأخيرة لم يحققوا النتائج المرجوة، حيث تحول الغزو الروسي لأوكرانيا إلى استنزاف طويل الأمد. كما أن السياسات التصعيدية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية ضد إيران لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل أدت إلى تعقيدات ميدانية وسياسية غير متوقعة في المنطقة.
لقد جعلت التكنولوجيا الحديثة من الصعب على أي جيش نظامي التقدم في ساحة المعركة دون تكبد خسائر فادحة. فأجهزة الاستشعار المتطورة والأقمار الاصطناعية جعلت تحركات الجنود مكشوفة تماماً، بينما تقوم الطائرات المسيرة الصغيرة باصطياد الأهداف بدقة متناهية وتكلفة زهيدة مقارنة بالأسلحة التقليدية.
وتجسد الجبهة في أوكرانيا هذا التحول بوضوح، حيث تحولت خطوط المواجهة إلى ما يشبه 'مناطق القتل' التي يضطر فيها الجنود للتحرك في مجموعات صغيرة جداً. وفي هذا السياق، تبرز الروبوتات الأرضية كبديل حيوي لإجلاء المصابين وتوصيل الإمدادات العسكرية، مما يقلل من الانكشاف البشري المباشر.
وفي لبنان، تواجه قوات الاحتلال حالياً تحديات مماثلة من خلال استخدام طائرات مسيرة متطورة تشبه تلك التي أثبتت كفاءتها في شرق أوروبا. كما تطورت القدرات الصاروخية الإيرانية لتصبح أكثر دقة بمراحل مما كانت عليه في العقود السابقة، مما يغير قواعد الاشتباك التقليدية في الشرق الأوسط.
وتؤكد المجلة أن تحقيق التفوق الجوي المطلق بات أمراً شبه مستحيل في ظل الانتشار الكثيف للمسيرات في المجال الجوي. هذا الواقع الجديد يفرض على الجيوش إعادة النظر في استراتيجيات المناورة والتحرك السريع، حيث لم تعد نقاط ضعف العدو سهلة الاختراق كما كانت في السابق.
الحرب بيئة تشبه نظرية داروين، البقاء فيها للأكثر تكيفاً، والتكنولوجيا جعلت من الصعب على أي جيش التقدم بسهولة في الميدان.
وتعتقد إيكونوميست أن الجيوش الغربية، بما فيها قوات حلف الناتو، باتت متأخرة عن ركب التطورات التكنولوجية الأخيرة في ساحات القتال. وهي الآن بحاجة ماسة لتكثيف التدريب على أنظمة التشويش والدفاعات المضادة للمسيرات، مستعينة بالخبرات الميدانية التي اكتسبها الأوكرانيون في مواجهة التكنولوجيا الروسية.
التحول الثاني الكبير يكمن في استخدام البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف العسكرية وضربها بسرعة فائقة. ورغم أن هذه التقنيات تمنح الجيوش قدرة على شل حركة الخصم نظرياً، إلا أن الواقع العملي أثبت أن القصف المكثف لا يؤدي بالضرورة إلى استسلام الطرف الآخر.
وتبرز الحالة الإيرانية كمثال، حيث استمرت طهران في إطلاق المسيرات والصواريخ طوال 39 يوماً من الصراع رغم القصف الأمريكي والإسرائيلي المركز. هذا الصمود كشف عن محدودية القدرة على تحمل التكاليف الاقتصادية والبشرية للحروب الطويلة، حتى بالنسبة للقوى العظمى التي تمتلك ذخائر باهظة الثمن.
وفيما يتعلق بالجانب الأخلاقي والقانوني، يشير التقرير إلى تزايد الانتهاكات الصارخة لقوانين الحرب من قبل قوى كبرى وديمقراطيات غربية. فقد مارست سلطات الاحتلال عقاباً جماعياً وحشياً ضد المدنيين في قطاع غزة، في ظل تصريحات لمسؤولين أمريكيين تستهين بالشرعية الدولية في العمليات العسكرية.
إن التهديدات التي أطلقها ترامب بشأن إبادة حضارات أو استهداف سفن مدنية تعكس تآكلاً خطيراً في الأعراف الدولية التي تحمي غير المقاتلين. وهذا النهج ليس غير أخلاقي فحسب، بل هو غير حكيم استراتيجياً، لأن الحروب المستقبلية ستطال المدنيين في كل مكان بفضل الصواريخ بعيدة المدى.
وتخلص المجلة إلى أن ازدراء التحالفات الدولية يضعف قدرة القوى الكبرى على ردع المعتدين ويزيد من احتمالات نشوب صراعات جديدة. ويجب على القادة السياسيين التخلي عن وهم 'الحرب السريعة وغير المؤلمة'، فالواقع يثبت أن بدء الحروب أسهل بكثير من إيجاد مخرج مشرف منها.
وفي الختام، يوجه التحليل رسالة للقادة في واشنطن وموسكو وبكين بضرورة التفكير ملياً قبل الانخراط في 'حروب اختيارية'. فمع التطور المتسارع للتكنولوجيا العسكرية، أصبحت هذه الحروب مغامرات تتسم بالغباء السياسي وتؤدي إلى استنزاف الموارد والأرواح دون تحقيق انتصارات حاسمة.
الجمعة 29 مايو 2026 8:18 مساءً -
بتوقيت القدس
تشهد الساحة الدولية تحولاً استراتيجياً في موازين القوى الاقتصادية، حيث بدأت الصين في سحب بساط الريادة التجارية من تحت أقدام الولايات المتحدة في القارة الأفريقية. وأشارت تقارير صحفية دولية إلى أن بكين تبنت سياسة انفتاح واسعة شملت منح إعفاءات جمركية لـ 53 دولة أفريقية، مما يعزز من مكانتها كشريك تجاري أول للقارة الناشئة.
هذا التوجه الصيني يأتي في وقت تعاني فيه السياسة الخارجية الأمريكية من حالة ارتباك تجاه القارة السمراء، وهو ما وصفه مراقبون بأنه 'هزيمة ذاتية' لواشنطن. فبينما تفتح بكين أسواقها للمواد الخام الأفريقية مثل النفط والنحاس والكوبالت، تساهم هذه الخطوة في خفض تكاليف الإنتاج للصناعات الصينية وتوفير سلع أرخص لمستهلكيها.
ولا تقتصر الفوائد على الجانب الصيني فحسب، بل تمتد لتشمل الدول الأفريقية التي باتت تجد في السوق الصينية منفذاً حيوياً لتوفير العملات الصعبة وتحسين مستويات المعيشة. وتساهم هذه الواردات المعفاة من الضرائب في ارتقاء القارة في سلسلة القيمة العالمية، مما يمنح بكين نقاطاً دعائية قوية في صراع النفوذ الجيوسياسي.
في المقابل، يواجه 'قانون النمو والفرص في أفريقيا' (AGOA)، الذي كان يعد حجر الزاوية في التعاون الأمريكي الأفريقي، مستقبلاً غامضاً مع اقتراب موعد انتهائه في عام 2026. ورغم أن هذا القانون ساهم تاريخياً في نهضة صناعات كبرى مثل النسيج في ليسوتو والسيارات في جنوب أفريقيا، إلا أن الضمانات بتمديده لفترة طويلة تظل غائبة.
وتشير البيانات الاقتصادية الأولية لعام 2026 إلى تراجع حاد في حجم التبادل التجاري بين واشنطن والعواصم الأفريقية، حيث انخفضت الواردات الأمريكية من القارة بنسبة تقارب 20%. هذا الانخفاض يعكس التأثيرات السلبية للتعرفات الجمركية الشاملة التي فرضتها الإدارة الأمريكية، والتي أدت إلى تآكل المزايا التفضيلية السابقة.
من المثير للسخرية أن تصور الصين نفسها حاميةً للأسواق الحرة، بينما يمنحها نموذجها الاقتصادي القائم على رأسمالية الدولة فائضاً تجارياً قياسياً.
جنوب أفريقيا، التي كانت تصدر سيارات بقيمة تتجاوز الملياري دولار سنوياً إلى الأسواق الأمريكية، شهدت تراجعاً كبيراً في أرقام صادراتها خلال الربع الأول من العام الجاري. وانخفضت قيمة الواردات الأمريكية من هذا البلد من 7 مليارات دولار إلى نحو 2.67 مليار دولار، مما يهدد استقرار قطاعات صناعية حيوية هناك.
ولم تكن الدول الصغيرة بمنأى عن هذه الهزات الاقتصادية، حيث سجلت ليسوتو انخفاضاً في صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة تجاوزت 40%. وأدى توقف الطلبات الأمريكية إلى إغلاق عدد من المصانع، مما يبرز مدى خطورة الاعتماد على اتفاقيات تجارية تفتقر إلى الاستدامة والوضوح السياسي.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يظهر التباين واضحاً في مستوى الاهتمام بين القوتين العظميين، حيث لم يسجل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أي زيارة لدول أفريقيا جنوب الصحراء منذ توليه مهامه. هذا الغياب الدبلوماسي يترك فراغاً كبيراً تستغله بكين لترسيخ حضورها كحليف موثوق ومستقر للدول الأفريقية.
في المقابل، يواصل وزير الخارجية الصيني وانغ يي الالتزام بتقليد دبلوماسي عريق يجعل من أفريقيا المحطة الأولى في جولاته السنوية الخارجية. هذا الحضور الميداني المستمر يعزز من صورة الصين كشريك يحترم القارة ويسعى لتطوير علاقات استراتيجية طويلة الأمد بعيداً عن تقلبات السياسة الداخلية.
ويرى محللون أن النموذج الاقتصادي الصيني، رغم ما يواجهه من انتقادات تتعلق برأسمالية الدولة، ينجح حالياً في تقديم بديل جذاب للدول النامية. ومع استمرار واشنطن في نهج الحروب التجارية والتعرفات الجمركية، فإن الطريق يبدو ممهداً أمام بكين لترسيخ هيمنتها الاقتصادية على القارة الأسرع نمواً في العالم.