عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 12:04 صباحًا - بتوقيت القدس

إيكونوميست تحذر ترامب من مغبة التدخل العسكري في كوبا وتدعو لصفقة تدريجية

نشرت مجلة إيكونوميست البريطانية افتتاحية تحليلية حذرت فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مغبة الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مع النظام الشيوعي في كوبا. وأشارت المجلة إلى أن أي قرار باستخدام القوة العسكرية سيكون خطأً فادحاً، معربة عن أملها في أن يكون ترامب قد استخلص العبر من تجارب سابقة، لا سيما في إيران وفنزويلا.

وتأتي هذه التحذيرات في أعقاب تصريحات لترامب أدلى بها في مطلع يناير الماضي، ألمح فيها إلى أن كوبا هي المحطة التالية بعد الإطاحة بنيكولاس مادورو في فنزويلا. وتعتمد الاستراتيجية الأمريكية الحالية على تجفيف منابع الطاقة عن الجزيرة عبر الضغط على القيادة الجديدة في كاراكاس لقطع إمدادات الوقود الرخيص، مما وضع النظام الكوبي في مأزق اقتصادي حاد.

وأوضحت مصادر صحفية أن الحصار النفطي الذي تفرضه واشنطن جعل حياة المواطنين الكوبيين أكثر بؤساً، حيث يعاني السكان من انقطاعات مستمرة في التيار الكهربائي ونقص حاد في السلع الأساسية. ورغم أن المجلة وصفت حكام الجزيرة بـ 'الأشرار' نظراً لسجلهم في قمع المعارضين، إلا أنها شككت في جدوى الحلول العسكرية العنيفة.

وتشكل كوبا ما يوصف بـ 'التهديد الخفيف' للأمن القومي الأمريكي، نظراً لسماحها لكل من الصين وروسيا بتشغيل محطات تنصت استخباراتية على مقربة من السواحل الأمريكية. هذا الوجود العسكري الأجنبي يزيد من حنق إدارة ترامب التي تسعى لإنهاء النفوذ الشيوعي في نصف الكرة الغربي بشكل نهائي.

وفي مؤشر على التصعيد الميداني، وصلت حاملة الطائرات 'يو أس أس نيمتز' إلى منطقة الكاريبي في العشرين من مارس الماضي، وهي تحمل رؤوساً نووية وطائرات متطورة. وتزامن هذا التحرك العسكري مع تحليق مكثف لمسيرات استطلاع أمريكية فوق الأجواء الكوبية، مما يوحي بأن الخيار العسكري بات مطروحاً بجدية على طاولة البيت الأبيض.

من جانبه، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية مع النظام الحالي ليست مرتفعة، مشدداً على أن كوبا لا يمكن إصلاحها في ظل بنيتها السياسية الراهنة. وأضاف روبيو في تصريحات صحفية أن الرئيس ترامب مستعد للقيام 'بكل ما يلزم' لضمان التغيير، وهو ما يراه مراقبون تمهيداً لعملية أوسع.

وعلى الصعيد القانوني، اتخذت وزارة العدل الأمريكية خطوة تصعيدية بتوجيه اتهامات رسمية لراؤول كاسترو، الذي لا يزال يعتبر الحاكم الفعلي والمؤثر في الجزيرة. هذه الخطوة تهدف إلى تضييق الخناق على القيادة التاريخية للحزب الشيوعي ورفع الغطاء الشرعي عنها أمام المجتمع الدولي والقوى الإقليمية.

وترى 'إيكونوميست' أن التهديد بالقوة قد يمنح واشنطن نفوذاً على طاولة المفاوضات، لكن الغزو الشامل يظل خياراً غير جذاب نظراً لضعف سجل أمريكا في بناء الدول. فكوبا تمتلك أيديولوجية متجذرة وجيشاً قد يشن حرب عصابات طويلة الأمد، مما يجعل فرض الديمقراطية بالقوة عملية بطيئة ومحفوفة بمخاطر الفشل الذريع.

وفي ظل غياب معارضة سياسية منظمة داخل كوبا، نتيجة هجرة الشباب وتحول المجتمع إلى واحد من أكبر المجتمعات عمراً في المنطقة، تبرز خيارات بديلة للغزو. وتقترح المجلة التركيز على 'الانتقال التدريجي' من خلال تقديم حوافز اقتصادية مقابل تنازلات سياسية ملموسة من قبل النظام في هافانا.

وتتضمن بنود الاتفاق المحتمل الذي طرحته التحليلات، السماح بتدفق النفط مجدداً مقابل إفراج النظام عن السجناء السياسيين وتخفيف حدة القمع الأمني. كما يشمل المقترح تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار يتم توزيعها عبر الكنيسة والمنظمات غير الحكومية لضمان وصولها للشعب بعيداً عن مؤسسات الجيش.

ومن الأفكار المطروحة أيضاً توفير خدمة إنترنت مجانية وشاملة للكوبيين عبر الأقمار الصناعية، وهي خطوة قد تساهم في كسر التعتيم الإعلامي وتهيئة بيئة لظهور معارضة مدنية. ويرى محللون أن الانفتاح الرقمي قد يكون السلاح الأكثر فعالية في تقويض أركان النظام الشيوعي على المدى الطويل دون الحاجة لطلقة واحدة.

ورغم إعلان النظام الكوبي عن إصلاحات اقتصادية، مثل السماح للمغتربين بتملك أعمال تجارية، إلا أن واشنطن لا تزال تشكك في جدية هذه الخطوات. فالمستثمرون الأمريكيون من أصل كوبي يرهنون عودتهم برحيل النظام الذي استولى على ممتلكات عائلاتهم منذ عقود، ويطالبون بسيادة القانون كشرط أساسي.

وتختم المجلة تحليلها بالإشارة إلى أن قطاع السياحة والزراعة في كوبا يمتلكان إمكانات هائلة للنمو السريع في حال رفع القيود الأمريكية وتحقيق انفتاح حقيقي. ومع ذلك، فإن هذا الانتعاش يتطلب دهاءً تفاوضياً من إدارة ترامب، بعيداً عن التهور العسكري الذي قد يفاقم الأزمة الإنسانية ويحول الجزيرة إلى بؤرة صراع دائم.

إن الدرس المستفاد من المواجهات السابقة مع إيران هو أن الضغوط القصوى قد لا تؤدي دائماً إلى انهيار الأنظمة، بل قد تدفعها لمزيد من التشدد. لذا، فإن الكرة الآن في ملعب البيت الأبيض لاختيار ما إذا كان سيسلك طريق الدبلوماسية الخشنة أو يغامر بحرب غير مأمونة النتائج في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.

دلالات

شارك برأيك

إيكونوميست تحذر ترامب من مغبة التدخل العسكري في كوبا وتدعو لصفقة تدريجية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.