فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 3:35 مساءً - بتوقيت القدس

إصابة خطيرة برصاص الاحتلال في نابلس وحصار مشدد يطال قرية مادما

شهدت مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة تصعيداً ميدانياً جديداً، حيث أصيب شاب فلسطيني برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام واسع للمدينة ومحيطها. وأكدت مصادر طبية أن الرصاص الحي أصاب الشاب في منطقة الكتف أثناء تواجده في بلدة بيت وزن غرباً، ونُقل على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج العاجل في ظل تصنيف حالته الصحية بالخطيرة.

وكانت القوة العسكرية قد توغلت في أحياء نابلس صباح اليوم، وتركزت عملياتها في حي رفيديا حيث داهم الجنود بناية سكنية وشرعوا في إجراء تحقيقات ميدانية مع القاطنين فيها. وعقب الانسحاب من الحي، أطلق جنود الاحتلال وابلاً من الرصاص الحي بشكل عشوائي في محيط منطقة بيت وزن، مما أدى لوقوع الإصابة الخطيرة بين صفوف المواطنين.

وفي سياق متصل، فرضت قوات الاحتلال طوقاً عسكرياً مشدداً على قرية مادما الواقعة جنوب نابلس، وبدأت عمليات تمشيط واسعة في المزارع والأحياء السكنية. وجاء هذا الإجراء العسكري بذريعة البحث عن منفذ عملية رشق حجارة استهدفت مركبات المستوطنين، مما أسفر عن إصابة مستوطن بجروح وصفت بالطفيفة وفقاً لما أعلنه بيان لجيش الاحتلال.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت كشفت فيه هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد حاد في الانتهاكات، حيث سجل شهر مارس الماضي وحده أكثر من 1800 اعتداء نفذها الجيش والمستوطنون. وأوضحت البيانات أن جيش الاحتلال كان مسؤولاً عن تنفيذ 1322 اعتداءً، بينما شن المستوطنون نحو 497 هجوماً استهدف ممتلكات وأرواح الفلسطينيين في مختلف المحافظات.

يُذكر أن الضفة الغربية تعيش حالة من الغليان المستمر منذ أكتوبر 2023، حيث ارتفعت حصيلة الشهداء لتتجاوز 1150 شهيداً وآلاف الجرحى جراء العمليات العسكرية المتواصلة. كما تشير التقارير الحقوقية إلى أن مطلع عام 2026 شهد وحده استشهاد 16 مواطناً برصاص المستوطنين، مما يعكس الضوء الأخضر الممنوح للمجموعات الاستيطانية لتنفيذ اعتداءات دامية بحماية الجيش.

فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 3:35 مساءً - بتوقيت القدس

ارتفاع عدد الأسيرات في سجون الاحتلال إلى 90: شهادات عن تجويع وتفتيش عارٍ

أعلن نادي الأسير الفلسطيني عن ارتفاع مقلق في أعداد الأسيرات الفلسطينيات داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث وصل عددهن خلال الشهر الجاري إلى 90 أسيرة. وأوضحت المصادر الحقوقية أن هؤلاء الأسيرات يواجهن ظروفاً اعتقالية بالغة القسوة، تتنوع ما بين التنكيل الجسدي والنفسي وسياسات التجويع الممنهجة التي تتبعها إدارة السجون.

وتتركز غالبية الأسيرات في سجن 'الدامون' الواقع شمالي البلاد، حيث تفتقر الغرف لأدنى المقومات الإنسانية والمعيشية. ومن بين المحتجزات حالات إنسانية صعبة، تشمل طفلتين لم تبلغا سن الرشد، وأسيرة حامل في شهرها الثالث تعاني من غياب الرعاية الصحية اللازمة، بالإضافة إلى أسيرتين تكافحان مرض السرطان في ظل إهمال طبي متعمد.

وتشير البيانات إلى أن الاحتلال صعد من استخدام سياسة الاعتقال الإداري بحق النساء، حيث تخضع 25 أسيرة للاعتقال دون تهمة أو محاكمة. كما تشمل القائمة ثلاث صحفيات جرى اعتقالهن على خلفية عملهن المهني، وأسيرتين لا تزالان قيد الاعتقال منذ ما قبل اندلاع المواجهة الشاملة في أكتوبر الماضي، مما يعكس استهدافاً لكافة فئات المجتمع الفلسطيني.

وأكد نادي الأسير أن الأسيرات يتعرضن لانتهاكات جسيمة تمس كرامتهن، وعلى رأسها سياسة التفتيش العاري والاعتداءات الجسدية والجنسية التي تزايدت وتيرتها مؤخراً. وتأتي هذه الإجراءات ضمن محاولات الاحتلال لكسر إرادة الأسيرات وفرض واقع جديد يتسم بالعزل التام والحرمان من التواصل مع العالم الخارجي أو المحامين في كثير من الأحيان.

وفي سياق متصل، لفت التقرير إلى أن عدد حالات اعتقال النساء منذ بدء حرب الإبادة الجماعية قد تجاوز 700 حالة، شملت مناطق الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل. ونوهت المصادر إلى أن هذه الأرقام لا تشمل المعتقلات من قطاع غزة بشكل دقيق، نظراً لسياسة الإخفاء القسري التي يمارسها الاحتلال بحق معتقلي القطاع ومنع المؤسسات الدولية من زيارتهم.

وتستخدم سلطات الاحتلال أسلوب احتجاز النساء كرهائن للضغط على أفراد عائلاتهن لتسليم أنفسهم، وهي سياسة تندرج ضمن العقاب الجماعي المحرم دولياً. وتتم معظم هذه الاعتقالات تحت ذريعة 'التحريض' عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهي تهمة فضفاضة يستخدمها الاحتلال لتبرير ملاحقة الناشطات والحقوقيات الفلسطينيات في مختلف المناطق.

يُذكر أن هذه التطورات تأتي في ظل تصعيد شامل داخل السجون الإسرائيلية، حيث ارتفع إجمالي عدد الأسرى الفلسطينيين إلى أكثر من 9600 أسير. وتتزامن هذه الانتهاكات مع استمرار العدوان العسكري الذي خلف عشرات آلاف الشهداء والجرحى، وسط تقارير حقوقية تحذر من استشهاد أسرى نتيجة التعذيب الممنهج والظروف المعيشية الكارثية.

فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 3:35 مساءً - بتوقيت القدس

اتساع العجز التجاري الفلسطيني بنسبة 17% وسط تعمق التبعية لاقتصاد الاحتلال

كشفت بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن قفزة في العجز التجاري بنسبة بلغت 17% خلال شهر فبراير الماضي مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. وتأتي هذه الزيادة نتيجة اتساع الفجوة بين قيم الصادرات والواردات، في ظل ظروف اقتصادية معقدة يفرضها واقع الاحتلال على حركة البضائع.

وأوضحت المصادر أن قيمة العجز في الميزان التجاري وصلت إلى نحو 551.1 مليون دولار، ما يؤكد استمرار الضغوط على الاقتصاد المحلي. ويرجع هذا الخلل البنيوي إلى الاعتماد شبه الكامل على السوق الإسرائيلية، التي تسيطر على معظم المبادلات التجارية الفلسطينية صعوداً وهبوطاً.

وفيما يخص حركة التصدير، سجلت الصادرات الفلسطينية نمواً بنسبة 31% لتستقر عند 181.1 مليون دولار، إلا أن هذا النمو كان محصوراً بشكل أساسي في العلاقة مع الجانب الإسرائيلي. فقد زادت الصادرات الموجهة للاحتلال بنسبة 37%، لتستحوذ وحدها على 93% من سلة الصادرات الفلسطينية الإجمالية.

على الجانب الآخر، أظهرت الأرقام تراجعاً مقلقاً في القدرة على النفاذ للأسواق العالمية، حيث انخفضت الصادرات إلى دول العالم الأخرى بنسبة 19%. ويعكس هذا التراجع محدودية تنوع الشركاء التجاريين للفلسطينيين، وصعوبة تجاوز العقبات اللوجستية والسياسية التي تحول دون الوصول إلى الأسواق الدولية.

أما على صعيد الواردات، فقد سجلت هي الأخرى ارتفاعاً سنوياً بنسبة 20%، لتصل قيمتها الإجمالية إلى 732.2 مليون دولار خلال شهر فبراير. وقد ساهمت المشتريات من السوق الإسرائيلية في تعميق هذا الارتفاع، حيث نمت الواردات من الاحتلال بنسبة 34% لتشكل ثلثي إجمالي ما يستورده الفلسطينيون.

وفي المقابل، لم تشهد الواردات من بقية دول العالم سوى زيادة طفيفة لم تتجاوز 1%، ما يعزز فرضية التبعية القسرية لاقتصاد الاحتلال. وتظهر هذه النسب أن السوق المحلية لا تزال رهينة للموردين الإسرائيليين، مع غياب بدائل تجارية قوية قادرة على منافسة السلع القادمة عبر المعابر التي يسيطر عليها الاحتلال.

وتؤكد هذه المؤشرات الإحصائية استمرار هيمنة الاحتلال الإسرائيلي على مفاصل التجارة الخارجية الفلسطينية، سواء في جانب التصدير أو الاستيراد. ويحذر خبراء من أن بقاء هيكل التجارة بهذا الشكل يضعف الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني ويجعل الأسواق المحلية عرضة للتقلبات والسياسات الإسرائيلية المباشرة.

اسرائيليات

الخميس 23 أبريل 2026 3:05 مساءً - بتوقيت القدس

تصريحات هرتسوغ حول 'حلم زيارة بيروت' تثير غضباً واسعاً وسط استمرار العدوان

أطلق الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تصريحات أثارت جدلاً واسعاً وردود فعل غاضبة، بعدما أعرب عن رغبته الشخصية في زيارة العاصمة اللبنانية بيروت. وزعم هرتسوغ في تدوينة له عبر منصة 'إكس' أن حلمه يتمثل في قيادة مركبته مباشرة نحو لبنان للتواصل مع شعبه، واصفاً هذه الرغبة بأنها تحمل معاني الأمل والسلام.

جاءت هذه المواقف خلال اجتماع عقده الرئيس الإسرائيلي مع مجموعة من الدبلوماسيين والملحقين العسكريين، بالإضافة إلى قادة دينيين، بمناسبة ذكرى تأسيس كيان الاحتلال. وحاول هرتسوغ تصوير تصريحاته كبادرة دبلوماسية، رغم أنها تأتي في ذروة التصعيد العسكري والميداني الذي تشنه قواته على الجبهة الشمالية.

في المقابل، قوبلت هذه الكلمات بانتقادات حادة من قبل مراقبين وناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا حديثه 'انفصالاً تاماً عن الواقع المرير'. وأشار منتقدون إلى التناقض الصارخ بين حديث الرئيس الإسرائيلي عن السلام، وبين الغارات الجوية والعمليات البرية التي ينفذها جيشه وتستهدف القرى والبلدات اللبنانية بشكل يومي.

وأفادت مصادر ميدانية بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على جنوب لبنان قد خلفت خسائر بشرية جسيمة وأضراراً فادحة في البنية التحتية والمناطق السكنية. وأكد معلقون أن أي حديث عن 'أحلام زيارة' أو تواصل شعبي يظل بلا قيمة في ظل استمرار الانتهاكات الصارخة للسيادة اللبنانية وسقوط الضحايا المدنيين.

وشددت ردود الفعل اللبنانية والعربية على أن الطريق إلى أي استقرار في المنطقة يمر عبر وقف العدوان الشامل وإنهاء الاحتلال، وليس عبر إطلاق شعارات دبلوماسية تتجاهل دماء الضحايا. كما اعتبر محللون أن تصريحات هرتسوغ تندرج في إطار الدعاية السياسية التي تحاول تجميل صورة الاحتلال أمام المجتمع الدولي في ظل الأزمات الراهنة.

اقتصاد

الخميس 23 أبريل 2026 3:05 مساءً - بتوقيت القدس

أوروبا تواجه شبح الركود: إجراءات طارئة لمواجهة أزمة الطاقة وتصاعد سرقات الوقود

تسارع المفوضية الأوروبية الزمن لاتخاذ تدابير استثنائية تهدف إلى كبح جماح أسعار الطاقة المتصاعدة وتأمين سلاسل الإمداد التي تضررت بفعل التوترات العسكرية الأخيرة. وأفادت مصادر بأن هذه الإجراءات تأتي استجابة لهشاشة الاعتماد الأوروبي على الواردات الخارجية، وهو ما أعاد للأذهان أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية قبل سنوات قليلة.

تتضمن الخطة الأوروبية الجديدة إنشاء هيئة رقابية شاملة تتولى الإشراف على عمليات استيراد وتصدير الوقود، بالإضافة إلى مراقبة مستويات المخزون الاستراتيجي في دول الاتحاد. وتهدف هذه الخطوة إلى رصد أي نقص مفاجئ في مواد حيوية مثل الديزل ووقود الطائرات، مع تعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء لتبادل المعلومات حول استخدام مخزونات الطوارئ.

أكدت البيانات الرسمية الصادرة عن المفوضية أن دول الاتحاد اضطرت لإنفاق ما يقارب 28 مليار دولار إضافية على واردات الطاقة منذ اندلاع المواجهات العسكرية، دون أن يقابل ذلك زيادة في الكميات الموردة. ويعكس هذا الرقم الضخم حجم الضغوط المالية التي ترهق الميزانيات الأوروبية وتدفع القارة نحو حافة الركود الاقتصادي.

لا تقتصر المخاوف على التكاليف المباشرة فحسب، بل تمتد إلى احتمالية استمرار اضطرابات الإمدادات القادمة من منطقة الخليج العربي لفترات طويلة. وتشير التقديرات إلى أن العمليات اللوجستية المعقدة، مثل تطهير الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز من الألغام، قد تستغرق وقتاً يتجاوز مدة العمليات العسكرية نفسها.

في المقابل، واجهت هذه الإجراءات انتقادات من منظمات بيئية وحقوقية اعتبرتها غير كافية لمواجهة حجم الأزمة الحقيقي. وأشارت منظمة 'النقل والبيئة' إلى أن الاتحاد الأوروبي فوّت فرصة فرض ضرائب استثنائية على الأرباح الفائضة لشركات النفط، والتي يُتوقع أن تلامس حاجز 37 مليار يورو خلال هذه الفترة.

يرى مسؤولون أوروبيون أن الاستجابة الحالية تظل 'مجزأة' وتفتقر إلى آليات تمويل قوية تدعم المواطنين بشكل مباشر أو تساهم في تقليل الاستهلاك بفعالية. وشدد هؤلاء على ضرورة إيجاد أدوات مالية أكثر صرامة لضمان توزيع الأعباء الاقتصادية، خاصة في ظل الأرباح القياسية التي تحققها شركات الطاقة نتيجة الأزمة.

حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الحرب خلال الأشهر المقبلة قد يدفع القارة الأوروبية رسمياً إلى حالة من الركود، مع توسع اضطرابات الطاقة لتشمل قطاعات الصناعة والخدمات. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية حدوث عجز ملموس في وقود الطائرات، مما قد يشل حركة الملاحة الجوية في قارة تعتمد على الاستيراد لتغطية 70% من احتياجاتها.

بدأت التداعيات تظهر بوضوح في قطاع الطيران، حيث أعلنت شركة 'لوفتهانزا' عن إلغاء نحو 20 ألف رحلة جوية مبرمجة حتى شهر أكتوبر المقبل. وتهدف الشركة من هذه الخطوة القاسية إلى تقليص النفقات التشغيلية المرتفعة الناتجة عن قفزات أسعار الوقود التي باتت تهدد استمرارية العديد من الخطوط الجوية.

على الصعيد الصناعي، رفعت شركة 'باسف' الألمانية العملاقة أسعار منتجاتها بنسب تجاوزت 30% في بعض القطاعات، مما أدى إلى موجة غلاء شملت السلع الاستهلاكية ومواد التنظيف والبلاستيك. وتضع هذه الارتفاعات المتتالية الأسر الأوروبية تحت ضغوط معيشية غير مسبوقة، مما يقلص القدرة الشرائية ويضعف الطلب المحلي.

اضطرت المفوضية الأوروبية إلى تفعيل 'آلية الأزمات' لتقديم دعم مالي مباشر لقطاعات تضررت بشدة مثل الصيد البحري، حيث توقفت العديد من السفن عن العمل بسبب ارتفاع تكاليف الديزل. كما شملت الخطط مقترحات لخفض الضرائب على الكهرباء للأسر المتضررة، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتزايد من غلاء المعيشة.

في بريطانيا، سجلت السلطات ارتفاعاً مقلقاً في معدلات التضخم مدفوعاً بأسعار الوقود والغذاء، وهو ما انعكس على السلوك الاجتماعي بشكل مباشر. وأفادت تقارير أمنية بزيادة حادة في سرقات البنزين وصلت إلى 62% مقارنة بالعام الماضي، في مؤشر واضح على اليأس الاقتصادي الذي بدأ يتسلل إلى شرائح واسعة من المجتمع.

ظاهرة سرقة الوقود لم تعد تقتصر على المملكة المتحدة، بل امتدت لتشمل دولاً مثل فرنسا وألمانيا وبولندا، حيث تعرضت شاحنات ومواقع بناء لعمليات سطو منظمة. وتسببت هذه الحوادث في أضرار جسيمة بالبنية التحتية، مما دفع السلطات المحلية إلى تشديد الرقابة على محطات الوقود والمستودعات الاستراتيجية.

يرى مراقبون أن الأزمة الحالية قد تكون مجرد مقدمة لهزات اقتصادية أعنف، حيث أن التأثيرات الكاملة لارتفاع أسعار الطاقة لم تظهر بعد في الصناعات الثقيلة. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة موجة جديدة من إغلاق المصانع أو نقل نشاطها إلى خارج القارة بحثاً عن تكاليف إنتاج أقل، مما يهدد سوق العمل الأوروبي.

ختاماً، يبقى الرهان الأوروبي معلقاً على نجاح إجراءات التنسيق المشترك وزيادة الإنتاج المحلي للطاقة لتقليل الارتهان للخارج. ومع ذلك، فإن التعقيدات الجيوسياسية الراهنة تجعل من الصعب التنبؤ بموعد استقرار الأسواق، مما يبقي شبح الركود مخيماً على سماء القارة العجوز لفترة قد تطول.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 3:05 مساءً - بتوقيت القدس

تفكيك الاستشراق ومساءلة ما بعد الكولونيالية: قراءة في أطروحات نجيب جورج عوض

يصدر قريباً عن دار 'مؤمنون بلا حدود' كتاب جديد للباحث نجيب جورج عوض بعنوان 'من كتاب الاستشراق إلى ما بعد-الكولونيالية'، حيث يسعى المؤلف عبر 384 صفحة إلى إعادة فحص الأسس المعرفية التي شكلت خطاب الاستشراق وتحولاته النقدية. يتناول الكتاب لعبة القراءة بين ما يسميه 'المعرفة المبهمة' و'العلمية المنحولة'، متتبعاً الأثر العميق الذي تركه إدوارد سعيد في الدراسات الثقافية العالمية.

تتجاوز هذه القراءة النقدية مجرد استعراض إرث سعيد، لتنفذ إلى طبقات الجدل النظري المعقد الذي نشأ حول أطروحاته. ويناقش عوض كيف تحول نقد الاستشراق من مجرد تفكيك لهيمنة الخطاب الغربي إلى مشروع معرفي شامل يسائل آليات إنتاج الحقيقة والعلاقة بين السلطة والثقافة في عالم ما بعد الإمبراطوريات.

يركز الكتاب على نقد إدوارد سعيد للخطاب الغربي حول العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر، مبيناً كيف فرض الغرب نمطاً ثقافياً مركزياً على شعوب العالم الثالث. وقد استند سعيد في تحليله إلى مفهوم 'الخطاب' عند ميشيل فوكو، معتبراً أن الاستشراق هو الأداة التي مكنت الثقافة الغربية من 'إنتاج' الشرق وتدبير شؤونه سياسياً وعسكرياً.

تأثر سعيد بمنهجيات فلسفية كبرى، حيث استلهم من جاك ديريدا أدوات التفكيك للكشف عن التمركزات الثقافية الغربية، ومن أنطونيو غرامشي مفهوم 'التسلط الثقافي'. هذا المزيج المعرفي سمح له بتبيان كيف كرس الاستشراق فكرة التفوق الغربي مقابل التخلف الشرقي، مما جعل الغرب هو 'العقل والمركز' والشرق هو 'الآخر' التابع.

يشير المؤلف إلى أن الإمبريالية الغربية استخدمت شعارات 'التنوير والتحضر' كذريعة للتوسع والاستغلال وتهميش الثقافات المحلية. ويرى أن المنتجات الثقافية الغربية العظيمة قد تحمل في طياتها وجهات نظر سياسية تسلخ الإنسانية عن غير الأوروبيين، وتصورهم كشعوب دونية تحتاج دوماً إلى وصاية المستعمر 'المتحضر'.

يفرد الكتاب مساحة واسعة لنقد الباحث وائل حلاق لإدوارد سعيد، خاصة في كتابه 'إعادة صياغة الاستشراق' الصادر عام 2020. يتهم حلاق زميله الراحل بالفشل في سبر أغوار أنماط المعرفة التي يتأسس عليها الاستشراق، معتبراً أن نقد سعيد كان 'تعميمياً' وافتقر إلى الراديكالية الكافية لمواجهة هيكليات الهيمنة العميقة.

يرى حلاق أن مشكلة سعيد تكمن في عدم اتخاذ موقف 'ماهوي' صارم ضد الاستشراق، وأنه انتقى نماذج من المستشرقين لا يمثلون بالضرورة الإطار الشمولي للهيمنة الكولونيالية. وبحسب هذا المنظور، فإن الحداثة الغربية هي الكولونيالية ذاتها، وكان على سعيد 'شيطنة' هذه الحداثة بدلاً من الاكتفاء بنقد تمظهراتها الأدبية.

يعيد نجيب عوض قراءة هذا التصادم الفكري بين سعيد وحلاق بوصفه 'لعبة قراءة' تجري داخل الفضاء الأكاديمي الأنجلوفوني. ويلاحظ أن هذا التباين يعكس ثنائية المؤلف والقارئ، حيث يحاول حلاق تحقيق ما يعتقد أن سعيد فشل في إنجازه، وهو تقديم نقد اكتساحي وشامل للمنظومة المعرفية الغربية.

ينتقل الكتاب إلى تسليط الضوء على مساهمة طلال أسد، عالم الأنثروبولوجيا الذي قدم نقداً تفكيكياً للاستشراق قبل خمس سنوات من صدور كتاب سعيد الشهير. ففي عام 1973، بادر أسد بمساءلة علاقة علم الأنثروبولوجيا بالكولونيالية، معتبراً إياه أداة لخدمة الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط.

يعد خطاب طلال أسد 'مانيفستو مضاد' مبكر، حيث ظهرت العديد من عناصره لاحقاً في كتابات إدوارد سعيد. والفرق الجوهري بينهما هو أن سعيد ركز على نقد الأدب والنظرية النقدية، بينما وضع أسد الاستشراق في قلب 'علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية' بوصفه نتاجاً مباشراً لعلاقات القوة الاستعمارية.

يؤكد أسد في أطروحاته أن أي موضوع يخضع للدراسة هو نتاج علاقات هيمنة، وإهمال هذه الحقيقة يؤدي إلى سوء فهم طبيعة العلم ذاته. ويرى أن الأنثروبولوجيا الغربية ولدت من رحم الكولونيالية، وهي تمثل الفهم الأوروبي للبشر غير الأوروبيين ضمن سياق السيطرة والتحكم.

يتوقف الكتاب عند الجدل بين النقد السعيدي والمراجعات اللاحقة التي حاولت تجاوز حدود القراءة الأولى نحو مساءلة أشمل للحداثة. هذه المراجعات تسعى لكشف الخطابات التي تدعي التحرر بينما قد تعيد إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة ومستترة تحت غطاء الأكاديمية والعلمية.

يضيء النص على التأسيس النظري لبراديغم 'ما بعد الكولونيالية' كحقل نقدي متعدد الأبعاد، لا يكتفي بمقاومة الاستعمار العسكري، بل يمتد لتفكيك بقاياه الثقافية. ويشدد المؤلف على أهمية فهم هذه التحولات المعرفية لاستيعاب كيفية تشكل الوعي المعاصر بالهوية والغيرية في ظل العولمة.

في الختام، يمثل كتاب نجيب جورج عوض إضافة نوعية للمكتبة العربية، حيث يجمع بين التوثيق التاريخي والتحليل الفلسفي العميق. ويدعو الكتاب الباحثين العرب إلى إعادة تقييم علاقتهم بالمناهج الغربية، وضرورة بناء رؤية نقدية ترفض التبعية المعرفية وتؤسس لفضاء ثقافي تعددي حقيقي.

فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 3:05 مساءً - بتوقيت القدس

جرح غزة المفتوح: آلاف المفقودين تحت الأنقاض وفي غياهب الإخفاء القسري

لم تكن المكالمة التي تلقاها الشاب محمد الحداد عادية، فقد ظهر على شاشة هاتفه رقم والده المفقود منذ أكثر من عامين. تجمّد محمد في مكانه قبل أن يأتيه صوت غريب يخبره بالعثور على الهاتف داخل ملابس جثة متحللة في خان يونس، لتنتهي بذلك رحلة انتظار مريرة استمرت 814 يوماً.

عند وصوله إلى مشرحة مستشفى ناصر، تعرّف محمد على والده الستيني إسماعيل الحداد من خلال سترته السوداء وكوفيته الحمراء. وبمجرد عثوره على الهوية الشخصية في الجيب الداخلي للسترة، طويت صفحة الشكوك التي رافقت العائلة منذ اختفاء الأب في يناير 2024 أثناء محاولته إقناع ابنه بمغادرة منطقة الخطر.

قصة عائلة الحداد هي واحدة من آلاف القصص التي تعصف بقطاع غزة، حيث تشير تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسراً إلى وجود ما بين سبعة وثمانية آلاف مفقود. هؤلاء الأشخاص يتوزعون بين من هم تحت الأنقاض وبين من تعرضوا للاختفاء القسري في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

أوضحت ندى أبو عيطة، مديرة المركز أن نحو أربعة آلاف حالة تم تسجيلها رسمياً، لكن لم يتم حسم مصير أي منها بشكل نهائي حتى الآن. وأكدت أن المركز يعمل على تشكيل قاعدة بيانات وطنية وتوثيق الحالات وفق نماذج قانونية دولية لرفعها إلى اللجان الأممية المعنية بالاختفاء القسري.

وتواجه الجهود الحقوقية تحديات كبيرة بسبب بطء الإجراءات الأممية وتعقيداتها الميدانية في ظل استمرار العمليات العسكرية. وحذرت أبو عيطة من أن ملف مفقودي غزة قد يواجه مصيراً مشابهاً لما حدث في صراعات دولية أخرى، حيث تلاشت الملفات مع مرور الوقت دون الوصول إلى نتائج حاسمة.

في سياق متصل، تبرز مأساة العائلات التي تيقنت من وجود ذويها تحت الركام لكنها تعجز عن انتشالهم. بلال الشريف، الذي فقد والده وشقيقه تحت أنقاض بناية في منطقة الفالوجة، يعيش ألم العجز عن الوصول إلى جثامينهم رغم تأكيدات الجيران بوجودهم داخل المبنى لحظة استهدافه.

تحول موقع المنزل المدمر إلى مزار لوالدة بلال، التي تزور الركام وتعتبره قبراً مؤقتاً لزوجها وابنها. هذه الحالة تعكس واقع مئات العائلات في شمال القطاع التي أقامت بيوت عزاء دون جثامين أو قبور معلومة، في ظل استحالة وصول طواقم الإنقاذ إلى مناطق القصف المكثف.

من جانبه، يصف جهاز الدفاع المدني ملف المفقودين بأنه 'ركن من أركان الحرب' وأحد أكثر القضايا تعقيداً. وأفادت مصادر في الجهاز بأن عدد البلاغات الأولية عن المفقودين تحت الأنقاض تجاوز في مراحل معينة حاجز عشرة آلاف شخص، قبل أن يتم انتشال جزء منهم بجهود محلية.

ورغم انتشال نحو 1500 جثمان بالتعاون مع الصليب الأحمر، لا يزال نحو 8500 شخص في عداد المفقودين تحت الركام. ويعزو الدفاع المدني هذا التباين إلى صعوبة الوصول للمناطق المستهدفة ونقص المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض الضخمة التي خلفها القصف الإسرائيلي.

إلى جانب المفقودين تحت الأنقاض، هناك نحو 3 آلاف شخص مجهولي المصير تماماً، يُعتقد أنهم اختفوا قسراً عند الحواجز العسكرية أو أثناء محاولاتهم العودة لتفقد منازلهم. وتزيد سياسة التعتيم الإسرائيلية من معاناة الأهالي عبر رفض الإفصاح عن قوائم المعتقلين أو أماكن احتجازهم.

إسراء العرعير تمثل نموذجاً لزوجات المفقودين اللواتي يعشن حالة من الإنكار والانتظار القاتل منذ اختفاء زوجها في أكتوبر 2023. تصف إسراء حياتها بأنها صراع مستمر مع المجهول، حيث ترفض تقبل وصف 'الأرملة' في ظل غياب أي دليل قاطع على استشهاد زوجها أو أسره.

وتتفاقم المعاناة النفسية للأطفال الذين يسألون عن آبائهم باستمرار، كما هو حال الطفلة عبير ابنة إسراء التي تنادي والدها في لحظات الجوع. هذا الاستنزاف النفسي الطويل يضع آلاف النساء والأطفال في غزة في منطقة رمادية بين الأمل واليأس، بانتظار إجابة قد لا تأتي قريباً.

إن ملف المفقودين في غزة يتجاوز كونه مجرد أرقام إحصائية، فهو يمتد ليشمل جثامين دُفنت في مقابر مجهولة دون شواهد، وأخرى تلاشت بالكامل بفعل القوة التدميرية للقصف. ويبقى الخوف الأكبر لدى الفلسطينيين هو أن يُطوى هذا الملف تحت ثقل الانشغال الدولي بتفاصيل الحرب الأخرى.

في نهاية المطاف، تظل عائلات المفقودين في غزة تحمل أسئلتها بلا إجابات، وتنتظر لحظة الحقيقة التي قد تأتي عبر مكالمة هاتفية مفاجئة أو عبر العثور على مقتنيات شخصية تحت الركام. إنها رحلة بحث مضنية في ذاكرة الإبادة التي لا تزال فصولها تُكتب بدماء المفقودين وأوجاع ذويهم.

فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 3:05 مساءً - بتوقيت القدس

لبنان: استشهاد الصحفية آمال خليل في غارة إسرائيلية وارتفاع حصيلة ضحايا الصحافة إلى 27

أعلنت نقابة محرري الصحافة اللبنانية، اليوم الخميس، عن ارتقاء الصحفية آمال خليل شهيدة جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري جنوبي لبنان. وأوضحت النقابة أن هذا الاستهداف أسفر أيضاً عن إصابة زميلتها الصحفية زينب فرج بجروح وصفت بالخطيرة، مما يرفع حصيلة الشهداء من الجسم الصحفي منذ مطلع مارس الماضي إلى 27 شهيداً.

وكشفت مصادر نقابية أن الشهيدة آمال خليل كانت قد تعرضت في وقت سابق لتهديدات مباشرة بالقتل من قبل الجيش الإسرائيلي بسبب نشاطها المهني. وأشارت المصادر إلى أن الاحتلال يواصل استهداف الكوادر الإعلامية بشكل ممنهج لترهيبهم ومنعهم من نقل حقيقة الجرائم المرتكبة في القرى والبلدات الحدودية اللبنانية.

وفي تفاصيل الجريمة، أفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال حاصرت الصحفيتين عقب الغارة ومنعت فرق الصليب الأحمر والجيش اللبناني من الوصول إليهما لتقديم الإسعافات الأولية. كما تعمد الطيران الإسرائيلي قصف الطريق العام الواصل بين بلدتي الطيري وحداثا لقطع الطريق أمام سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ التي حاولت الاقتراب من الموقع.

وشهدت ساحة الشهداء في العاصمة بيروت وقفة احتجاجية حاشدة نظمها اتحاد الصحفيين والصحفيات تنديداً باغتيال خليل. ورفع المشاركون شعارات تطالب بوقف العدوان وتوفير حماية دولية للصحفيين، مشددين على ضرورة ملاحقة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية المختصة لضمان عدم إفلاتهم من العقاب على هذه الجرائم المتمادية.

من جانبها، طالبت نقابة المحررين الحكومة اللبنانية بالتحرك العاجل لدى المراجع الدولية لرفع دعوى قضائية ضد إسرائيل. ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والمنظمات الدولية إلى التضامن مع الإعلاميين اللبنانيين الذين يواجهون مخاطر الموت يومياً أثناء أداء واجبهم المهني في تغطية العدوان المستمر.

ووجهت النقابة نداءً عاجلاً للصحفيين الميدانيين بضرورة توخي أقصى درجات الحذر والحيطة أثناء تنقلاتهم في المناطق الساخنة. وأكدت على أهمية التنسيق الدائم مع الجيش اللبناني وقوات 'اليونيفيل' الدولية والصليب الأحمر لتفادي الاستهدافات الغادرة التي ينفذها الاحتلال دون تمييز بين مدني وعسكري أو صحفي.

تأتي هذه التطورات الدامية في وقت تواصل فيه إسرائيل خرق الهدنة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في السابع عشر من أبريل الجاري. ورغم أن الهدنة كان من المفترض أن تستمر لعشرة أيام قابلة للتجديد، إلا أن الاعتداءات الإسرائيلية اليومية لم تتوقف، مخلفة مزيداً من الضحايا والدمار في البنية التحتية.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن العدوان الإسرائيلي على لبنان قد خلف قبل إعلان الهدنة الأخيرة نحو 2475 شهيداً وأكثر من 7696 جريحاً. كما تسببت العمليات العسكرية في نزوح ما يزيد عن مليون مواطن لبناني من قراهم ومدنهم، في ظل استمرار الاحتلال لبعض المناطق الحدودية وتوغله لمسافات تصل إلى 10 كيلومترات.

ويبقى الوضع الميداني في جنوب لبنان مرشحاً لمزيد من التصعيد في ظل الإصرار الإسرائيلي على تجاوز كافة الخطوط الحمراء والقوانين الدولية التي تحمي الصحفيين. وتؤكد الفعاليات الإعلامية اللبنانية أن استهداف آمال خليل لن يثني الطواقم الصحفية عن مواصلة رسالتها في كشف انتهاكات الاحتلال مهما بلغت التضحيات.

اسرائيليات

الخميس 23 أبريل 2026 3:05 مساءً - بتوقيت القدس

جدعون ليفي: إسرائيل 'بلا قيود' خطر داهم على نفسها وعلى المنطقة

طرح الكاتب الإسرائيلي البارز جدعون ليفي تساؤلات صادمة حول ماهية الاستقلال الإسرائيلي وجدواه في ظل الظروف الراهنة. واعتبر ليفي في مقال تحليلي أن الدولة العبرية لا تزال بعيدة عن القدرة على ممارسة استقلال حقيقي، مؤكداً أن هذا العجز يصب في مصلحتها ومصلحة المنطقة لتجنب سيناريوهات كارثية.

ويرى ليفي أن 'إسرائيل المستقلة' تعني بالضرورة دولة تتحرك دون أي كوابح قانونية أو أخلاقية أو دولية. وحذر من أن غياب هذه القيود سيحول إسرائيل إلى مصدر خطر مباشر يهدد بقاءها ويهدد استقرار جيرانها، نظراً لسيادة عقلية القوة المنفلتة لدى قيادتها الحالية.

وكشف المقال أن الأحداث العسكرية الأخيرة في غزة ولبنان والمواجهات مع إيران أثبتت أن القرار الإسرائيلي ليس سيادياً بالكامل. وأوضح ليفي أن وقف العمليات العسكرية الكبرى لم يكن بقرار داخلي محض، بل فُرض عبر ضغوط خارجية ومكالمات هاتفية حاسمة من القوى الدولية.

وشدد الكاتب على أن اعتراف إسرائيل بحدود قوتها هو ما أنقذها من الانزلاق نحو الهاوية، معتبراً أن القيود الأمريكية كانت بمثابة طوق نجاة. وبدون هذه التدخلات، كان من الممكن أن تستمر الحروب إلى أمد غير مسمى وبنتائج تدميرية لا يمكن احتواؤها.

وفي استشرافه لمخاطر غياب الرقابة، رسم ليفي صورة قاتمة لما كان سيحدث في قطاع غزة من عمليات تطهير عرقي وتهجير جماعي. وأكد أن مخططات إفراغ القطاع من سكانه وتحويله لمستوطنات كانت ستنفذ فعلياً لولا الضغوط التي كبحت جماح الحكومة والجيش.

ولم تقتصر رؤية ليفي على غزة، بل امتدت لتشمل الجبهة اللبنانية، حيث توقع وصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف العاصمة بيروت. وأشار إلى أن الرغبة في التدمير الشامل في الجنوب اللبناني كانت ستترجم لواقع ميداني لولا وجود سقف دولي يمنع تجاوز الخطوط الحمراء.

ووصف ليفي العقلية السياسية والعسكرية في إسرائيل بأنها تتراوح بين 'جنون الارتياب' و'جنون العظمة'. واعتبر أن هذا المزيج النفسي يجعل من الدولة كياناً غير مؤهل للاستقلال التام، كونه سيستخدم هذا الاستقلال في إشباع غريزة التوسع والجشع للأراضي.

كما انتقد الكاتب بشدة ما وصفه بـ'الغطرسة والتعالي' على الجيران، وهي سمات يراها متجذرة في الخطاب الإسرائيلي المعاصر. وأوضح أن التخلص من التبعية للولايات المتحدة في هذا التوقيت سيقود حتماً إلى كارثة تفوق كل الأزمات التي مرت بها الدولة منذ تأسيسها.

وفي تشبيه قسري، قارن ليفي وضع إسرائيل بوضع الأشخاص الذين يحتاجون لرعاية خاصة ولا يمكنهم العيش باستقلالية كاملة. وأكد أن اليمين المتطرف هو المستفيد الوحيد من دعوات الاستقلال عن الإرادة الدولية، لأن ذلك يمنحه الضوء الأخضر لتنفيذ أجنداته الراديكالية.

واختتم ليفي تحليله بالتأكيد على أن وضع إسرائيل الحالي، رغم مرارة التبعية للبعض، هو الأفضل لها وللعالم. فالدولة التي لا تستطيع كبح جماح نفسها عن التدمير والتهجير، تحتاج دائماً إلى 'وصي' خارجي يمنعها من تدمير ذاتها وتدمير محيطها الإقليمي.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

جدل النقاب في مصر: بين الهواجس الأمنية والاستهداف الأيديولوجي

شهدت الساحة المصرية مؤخراً حالة من الجدل الواسع عقب حادثة سرقة رضيع من مستشفى الحسين الجامعي، حيث استغلت سيدة النقاب للتخفي والقيام بجريمتها. ورغم نجاح الأجهزة الأمنية في استعادة الطفل والقبض على الجانية، إلا أن الحادثة تحولت إلى منصة للهجوم على النقاب كزي وتطالب بمنعه في المؤسسات العامة.

انطلقت منصات إعلامية ودينية محسوبة على السلطة في الترويج لفكرة أن النقاب يمثل خطورة أمنية داهمة تهدد استقرار المجتمع. واعتبر مراقبون أن هذه التحركات تتجاوز البعد الأمني الصرف لتصل إلى محاولة فرض قيود على مظاهر التدين التي تثير حفيظة تيارات علمانية ويسارية معينة.

بالنظر إلى لغة الأرقام والإحصاءات الجنائية في مصر، نجد أن جرائم النساء بشكل عام، والمنتقبات بشكل خاص، تمثل نسبة ضئيلة جداً لا تكاد تذكر. فالحالات التي يتم فيها استخدام النقاب كوسيلة للتخفي هي حالات نادرة وفردية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيفها كظاهرة اجتماعية تستوجب تشريعاً للمنع.

تطرح التساؤلات حول منطقية إدانة الزي بسبب سلوك فردي إجرامي، فالتاريخ الجنائي سجل جرائم ارتدى فيها الجناة ملابس أطباء أو رجال شرطة أو حتى رجال دين. ومع ذلك، لم يطالب أحد بمنع هذه الملابس في المؤسسات العامة، مما يعزز فرضية وجود استهداف أيديولوجي خلف حملة منع النقاب.

الحل الأمني لمواجهة مثل هذه الحوادث بسيط ومطبق في مختلف دول العالم، ويتمثل في تعزيز الرقابة عبر الكاميرات وتعيين موظفات أمن لتفتيش السيدات. إن احترام خصوصية المرأة وحقها في اختيار زيها هو جزء أصيل من حقوق الإنسان التي يجب أن تُكفل في الأماكن العامة والخاصة على حد سواء.

من الناحية الدينية، يظل النقاب مسألة فقهية معتبرة بين رأيين، أحدهما يراه فرضاً والآخر يراه فضلاً، وكلاهما يستند إلى أدلة شرعية. وفي بلد ينص دستوره على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، يصبح التضييق على خيارات المرأة الدينية مخالفة صريحة للروح الدستورية.

يثير موقف بعض المثقفين العلمانيين استغراباً، حيث يلتزمون الصمت تجاه الحجاب عندما يظهر في أروقة السلطة، كما حدث في تعيين القاضيات الجدد. هذا التناقض يشير إلى أن الهجوم على المظاهر الدينية غالباً ما يرتبط بمدى رضا السلطة عن الفصيل الذي يمثل هذا المظهر في لحظة زمنية معينة.

لقد كشفت الحادثة الأخيرة أن التكنولوجيا الأمنية قادرة على كشف الجناة بغض النظر عن وسيلة التخفي التي يستخدمونها. فالشرطة المصرية تمكنت من تحديد هوية الخاطفة والوصول إليها في وقت قياسي، مما يثبت أن النقاب لم يكن عائقاً أمام العدالة وأجهزة البحث الجنائي.

يرى محللون أن هذه الحملات الإعلامية تحمل في طياتها رسائل سياسية لبعض القوى السلفية التي دعمت المسار السياسي الحالي. ويبدو أن هذه القوى بدأت تفقد حظوتها، حيث يتم التحرش بمكتسباتها الاجتماعية والدينية عبر الأذرع الإعلامية التي كانت تصفق لها في السابق.

إن محاولة وضع المواطن المتدين في حالة فصام بين معتقداته وبين قوانين الدولة هو مسلك محفوف بالمخاطر الاجتماعية. فالمجتمعات المستقرة هي التي تستوعب التنوع في المظاهر والتدين تحت سقف القانون الذي يحمي الجميع دون تمييز أو تنمر على خيارات شخصية.

في المطارات الدولية والمؤسسات الحساسة حول العالم، يتم التعامل مع المنتقبات بمهنية عالية عبر غرف تفتيش خاصة وموظفات نساء. هذا النموذج الحضاري هو ما يجب أن يُحتذى به في الدول العربية والإسلامية، بدلاً من الانزلاق نحو دعوات المنع والإقصاء التي تزيد من حدة الاستقطاب.

إن التركيز على النقاب كأزمة أمنية يغفل الأسباب الحقيقية للجريمة وتدهور المنظومة الرقابية في بعض المؤسسات الصحية. فبدلاً من معالجة الثغرات الإدارية والأمنية في المستشفيات، يتم توجيه الغضب الشعبي نحو قضية فرعية تتعلق بزي المرأة وحريتها الشخصية.

يبقى الأزهر الشريف هو المرجعية النهائية في حسم الجدل الفقهي حول هذه القضايا، بعيداً عن التجاذبات السياسية والإعلامية. ومن الضروري أن تظل المؤسسات الدينية الرسمية حائط صد ضد محاولات تسييس المظاهر التعبدية أو استخدامها كأدوات في الصراعات الفكرية.

ختاماً، فإن الدولة القوية هي التي تحمي حقوق جميع مواطنيها، سواء اختاروا النقاب أو غيره من الأزياء، طالما كان ذلك في إطار القانون. إن الانشغال بمعارك جانبية حول ملابس النساء يصرف الانتباه عن القضايا التنموية والاجتماعية الحقيقية التي تهم الشارع المصري في الوقت الراهن.

اسرائيليات

الخميس 23 أبريل 2026 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات من اختراق صيني للمنظومة الأمنية الإسرائيلية عبر الطائرات المسيرة

أفادت مصادر إعلامية عبرية بوجود حالة من القلق المتزايد داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية حيال الاعتماد الواسع على الطائرات المسيرة المستوردة. وأشارت المصادر إلى أن هذه الأنظمة قد تحمل في طياتها مكونات تقنية مجهولة تثير تساؤلات جدية حول سلامة البيانات الحساسة التي تجمعها خلال العمليات العسكرية والميدانية.

وفي هذا السياق، حذر روي بارجيل، المسؤول السابق في قطاع صناعات الفضاء الإسرائيلية، من أن الحروب الأخيرة كشفت عن ثغرات مقلقة في المعدات التي تُستخدم بشكل يومي. وأكد بارجيل أن الطائرات المسيرة، التي أصبحت ركيزة أساسية في المواجهات الحديثة، باتت تشكل تحدياً أمنياً بسبب غموض مصادر تصنيعها ومدى موثوقية برمجياتها.

وأوضح بارجيل، الذي يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لشركة 'فالوريكس' أن قطاعاً كبيراً من الطائرات المسيرة العاملة ضمن المنظومة الأمنية الإسرائيلية هو صيني المنشأ. هذا الواقع يفرض ضغوطاً على المؤسسة العسكرية لمراجعة سياسات الاستيراد والبحث عن بدائل تضمن السيادة التكنولوجية الكاملة على هذه الأدوات الحساسة.

وبناءً على هذه المخاوف، اتخذ الجيش الإسرائيلي قراراً وصفه مراقبون بالاستراتيجي، يقضي بطلب آلاف الطائرات المسيرة الهجومية من شركات تصنيع محلية. ويهدف هذا التوجه إلى تقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي قد تؤثر على سلاسل التوريد أو أمن المعلومات.

ورغم هذا التحول، يرى خبراء أمنيون أن الخطوات المتخذة لا تزال محدودة النطاق، حيث تتركز بشكل أساسي على الأنظمة الهجومية فقط. وتبقى طائرات الاستطلاع والمراقبة، التي تجمع الكم الأكبر من المعلومات الاستخباراتية، معتمدة بشكل كبير على الواردات، مما يبقي الثغرة الأمنية قائمة.

وشدد بارجيل على أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في الجوانب الاقتصادية أو جودة التصنيع، بل في 'المجهول' الذي تحتويه هذه الأنظمة من الداخل. وأشار إلى أن غياب المعرفة الدقيقة بمكونات الدوائر الإلكترونية والبرمجيات المدمجة يجعل من الصعب الوثوق الكامل في هذه الأجهزة المستوردة.

وتشير التقارير إلى أن محاولات الفحص التقني أو ما يعرف بـ 'التنظيف الإلكتروني' لهذه الطائرات لا توفر ضمانات كافية للمنظومة الأمنية. فتعقيد الأنظمة الحديثة يسمح بإخفاء برمجيات قادرة على العمل بشكل مستقل أو إرسال بيانات إلى خوادم خارجية دون رصدها بسهولة.

وأعرب المسؤول السابق عن خشيته من قدرة حكومات أجنبية على الاطلاع على المواد المصورة والبيانات الجغرافية التي تلتقطها هذه المسيرات. هذا الاحتمال يضع العمليات العسكرية الإسرائيلية تحت مجهر القوى الخارجية، مما قد يؤدي إلى كشف تكتيكات أو أهداف استراتيجية حساسة.

ويأتي هذا النقاش في وقت تتصاعد فيه المطالبات داخل إسرائيل بضرورة تحقيق الاستقلال التكنولوجي الكامل في الصناعات العسكرية. ويرى مؤيدو هذا التوجه أن الاعتماد على الخارج في قطاع المسيرات يمثل مخاطرة لا يمكن تحمل تبعاتها في أي مواجهة مستقبلية واسعة النطاق.

واعتبرت مصادر مطلعة أن التوجه نحو التصنيع المحلي يواجه تحديات تتعلق بالتكلفة والسرعة في الإنتاج مقارنة بالمنتجات الجاهزة في السوق العالمي. ومع ذلك، تظل الأولوية الأمنية هي المحرك الأساسي لاتخاذ قرارات صعبة قد تغير شكل التعاون الصناعي العسكري الإسرائيلي مع دول مثل الصين.

وأكد بارجيل أن توطين صناعة الطائرات المسيرة لم يعد مجرد خيار استراتيجي بل أصبح ضرورة ملحة لحماية الأمن القومي. وأضاف أن الفجوة بين ما يتم استيراده وما يتم تصنيعه محلياً يجب أن تتقلص بسرعة لضمان عدم وجود 'أبواب خلفية' في العتاد العسكري.

وتشير المعطيات إلى أن المؤسسة العسكرية بدأت بالفعل في تخصيص ميزانيات إضافية لدعم الشركات المحلية الناشئة في مجال الطيران المسير. هذا الدعم يهدف إلى ابتكار أنظمة استطلاع ومراقبة تضاهي في كفاءتها الأنظمة العالمية مع ضمان أمنها السيبراني المطلق.

وفي ختام تحذيراته، دعا بارجيل إلى ضرورة أن يكون التصنيع داخلياً بالكامل، محذراً من اكتشاف الثغرات في وقت متأخر أثناء العمليات القتالية. واعتبر أن اليقين بما تمتلكه القوات من عتاد هو الضمان الوحيد لنجاح المهمات العسكرية دون تدخلات خارجية غير مرئية.

تعكس هذه التطورات حالة من إعادة التقييم الشاملة داخل إسرائيل لعلاقاتها التجارية والتقنية مع القوى العظمى في مجال التكنولوجيا. ويبدو أن ملف الطائرات المسيرة سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة الصناعة المحلية على تلبية احتياجات الجيش المتزايدة والمعقدة.

اسرائيليات

الخميس 23 أبريل 2026 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

بـ 200 مليون دولار.. الاحتلال يبرم صفقة ذخائر جوية لتقليل الاعتماد على الخارج

أبرمت وزارة دفاع الاحتلال الإسرائيلي اتفاقية تسليح واسعة النطاق مع شركة 'إلبيت سيستمز' المتخصصة في الأنظمة الدفاعية، بقيمة إجمالية تتجاوز 200 مليون دولار، ما يعادل نحو 600 مليون شيكل. وتتضمن هذه الاتفاقية أوامر شراء تمتد لعدة سنوات لتزويد سلاح الجو بذخائر متطورة، وذلك في إطار خطة استراتيجية لمواجهة ما وصفته الدوائر الأمنية بعقد أمني مليء بالتحديات والسيناريوهات القتالية الوشيكة.

وتهدف هذه الخطوة بشكل أساسي إلى تعزيز الجاهزية العسكرية لمواجهة مواجهات محتملة على جبهات مختلفة في المدى القريب، حيث سيتم تركيز عمليات الإنتاج داخل المصانع التابعة للشركة في الأراضي المحتلة. وتسعى المؤسسة الأمنية من خلال هذا التوجه إلى تدعيم القاعدة الصناعية الدفاعية المحلية، وضمان تدفق مستمر للإمدادات العسكرية بعيداً عن تقلبات سلاسل التوريد العالمية أو القرارات السياسية الدولية.

من جانبه، صرح وزير دفاع الاحتلال، يسرائيل كاتس، بأن الهدف الاستراتيجي من هذه الصفقات هو الوصول إلى حالة من 'الاستقلال العسكري' في مجال إنتاج الذخائر الحيوية. وأشار كاتس إلى ضرورة امتلاك الجيش لكافة الوسائل التي تمكنه من تنفيذ عمليات هجومية سريعة وقوية، دون الحاجة للارتهان لموافقات أو إمدادات من أطراف خارجية، وهو ما يعكس رغبة واضحة في تحصين القرار العسكري ضد الضغوط الدولية.

وتأتي هذه التحركات كاستجابة مباشرة للدروس المستفادة من الحرب المستمرة على قطاع غزة، حيث واجه الاحتلال صعوبات نتيجة القيود التي فرضتها بعض الدول على تصدير الأسلحة والذخائر. وأكد مدير عام وزارة الدفاع، أمير بارعام أن هذه الصفقة تمثل تطبيقاً عملياً لتلك الدروس، لضمان سيادة القرار الإسرائيلي في التزود بالسلاح وتجنب أي نقص في المخزونات الاستراتيجية خلال فترات الطوارئ.

ويتوافق هذا التحول مع التوجهات التي أعلن عنها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، والتي تركز على ضرورة الاعتماد الذاتي في الصناعات العسكرية الثقيلة والدقيقة. ويولي الاحتلال أهمية قصوى لتأمين مخزونات ضخمة من الذخائر الجوية، نظراً لاعتماده الكثيف على الغارات الجوية واستخدام الطائرات المسيرة والمقاتلات في تنفيذ استراتيجيته الهجومية والدفاعية في المنطقة.

ويرى مراقبون أن لجوء الاحتلال لتعزيز الإنتاج المحلي عبر شركات مثل 'إلبيت سيستمز' يعكس تخوفاً حقيقياً من اتساع رقعة المقاطعة العسكرية الدولية. ومن شأن هذه الاستثمارات الضخمة أن تحول الصناعة العسكرية المحلية إلى الركيزة الأساسية في أي مواجهات مستقبلية، مما يقلل من تأثير التوترات الدبلوماسية مع الحلفاء التقليديين على سير العمليات العسكرية الميدانية.

عربي ودولي

الخميس 23 أبريل 2026 2:21 مساءً - بتوقيت القدس

لصوصية الأجداد وعبء الأحفاد: هل تنجح فرنسا في تصفية إرثها الاستعماري المنهوب؟

تعيش الساحة السياسية والإعلامية في فرنسا منذ شهور حالة من الجدل المتصاعد حول ملف الممتلكات التي جرى الاستيلاء عليها إبان الحقبة الاستعمارية. وبينما يفضل الساسة الفرنسيون استخدام مصطلحات ملطفة مثل 'المقتنيات المُحصلة بطريقة غير لائقة'، يرى مراقبون أن التوصيف الأدق هو 'الممتلكات المسروقة'. وقد أخذ هذا النقاش منحى تشريعياً جاداً منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون للسلطة، في محاولة منه للنأي بعهده عن الإرث الاستعماري الثقيل الذي تركته باريس في القارة السمراء.

لقد توجت هذه الجهود مؤخراً بمصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية على مشروع قانون يضع إطاراً قانونياً لإعادة هذه الممتلكات إلى أصحابها الأصليين. وتأتي هذه الخطوة في سياق إقليمي ودولي حساس، حيث تسعى فرنسا لترميم علاقاتها المتدهورة مع مستعمراتها السابقة في إفريقيا، خاصة بعد تراجع نفوذها في عدة دول خلال السنوات الخمس الأخيرة. كما أن الخطوة البلجيكية بإعادة قطع منهوبة للكونغو شكلت ضغطاً إضافياً على صانع القرار في باريس للتحرك في هذا الملف.

ورغم المظهر الإيجابي لهذه التحركات، إلا أن 'الشيطان يكمن في التفاصيل' القانونية التي تضمنها المشروع الجديد، والتي يصفها البعض بالألغام المتعمدة. فمشروع القانون يستثني ما يسمى 'غنائم الحرب' والمقتنيات التي أُدرجت ضمن الملكية العامة للدولة الفرنسية، مما يعني حرمان الدول المتضررة من استعادة قطع تاريخية هامة. هذا التوجه يثير تساؤلات حول جدية فرنسا في تصفية استعمارها الثقافي، خاصة وأن معظم هذه القطع أُخذت تحت ضغط السلاح أو الإكراه الإداري.

ومن أبرز نقاط الخلاف التي يطرحها المحللون هي قضية 'الهدايا' التي قدمها قادة محليون للحكام الفرنسيين، مثل برنوس الأمير عبد القادر الجزائري. فبينما تدعي الرواية الفرنسية أن هذه القطع كانت هبات طوعية، يؤكد المؤرخون أن سياق الاستعمار ينفي صفة 'الرضا' عن أي تنازل، إذ لا يمكن للمضطهد أن يهدي جلاده شيئاً بملء إرادته. إن الإصرار على التفريق بين 'النهب' و'الاقتناء' يهدف في جوهره إلى تقليص حجم الممتلكات التي يمكن المطالبة بها قانونياً.

ختاماً، فإن حجم المنهوبات الفرنسية من دول مثل الجزائر، وبنين، ومدغشقر، وكوت ديفوار، يتجاوز بكثير مجرد قطع عسكرية أو تذكارات حربية. إنها ثروات ثقافية وروحية تشكل هوية شعوب بأكملها، ولا تزال تقبع في المتاحف الفرنسية أو الخزنات السرية. إن نجاح هذه الصحوة العالمية لاستعادة الحقوق المسلوبة يعتمد بشكل أساسي على قدرة الدول الإفريقية على توحيد جهودها الدبلوماسية والقانونية لمواجهة المناورات التشريعية التي تحاول الالتفاف على الحقائق التاريخية.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:59 مساءً - بتوقيت القدس

أوس النعسان.. ومحمد الجعبري!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام



ليس ثمة ما هو أكثر ألماً ولا أشد وجعاً من فقد فلذات الأكباد وثمرات القلوب؛ فكيف إذا كان الفقد خلال ثوانٍ معدودات، وبرصاص مستوطنين قتلة اقتحموا المدرسة وروّعوا طلابها؟ لقد قتلوا "أوس النعسان"، ابن الصف السابع في مدرسة المغير، الذي استشهد والده الأسير في المكان ذاته قبل سبعة أعوام. قتلوا معه أحد أولياء الأمور الذين هبوا على صوت الرصاص المنهمر فوق رؤوس أبنائهم في القرية، التي لم يبقَ لأهلها سوى أحواش بيوتهم، بعد أن صودرت آلاف الدونمات من أراضيهم ومئات رؤوس الأغنام التي تمثل مصدر رزقهم الوحيد.
ومثل أوس، قضى "محمد الجعبري" ابن الصف الثامن، حين باغتته سيارة تابعة لحماية كبار المسؤولين في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فأسالت روحه على الأسفلت بينما كان عائداً من مدرسته في منطقة بيت عنون بمدينة الخليل. إنّ مشاهد الوداع لهذين الطفلين المغدورين تهز النفس من أقطارها، وتوجع القلوب المتعبة من متوالية الموت المتنقل بين المدن والمخيمات والقرى والبلدات في الضفة والقطاع على حدٍّ سواء.
جرائم القتل ومصادرة  الأرض والأغنام، شقا العمر ومعقد الآمال، إنما تأتي ضمن خطة الحسم، التي يجري تطبيقها بإشرافٍ حكوميّ رسميّ بخنق صاحب الأرض في "حوش بيته"، وداخل  منزله وخيمته خلف حجارةٍ أو بواباتٍ صفراء، بعد مصادرة مصدر رزقه، لإجباره على مغادرة أرضه.
أمام هذا الانفلات المتوحش، هل نتوقع ارتفاع وتيرة الرفض الدولي، ولا سيما الأوروبي، لكبح جماح هذه المجازر المتنقلة؟ إن المطلوب اليوم تدابير وأدوات حقيقية تغادر "رطانة" بيانات التعبير عن القلق؛ تلك البيانات العقيمة التي لم تعد تفعل شيئاً سوى إغراء القتلة بمواصلة المقتلة.
بينما لم يكد حبر الدمع يجف، حتى تواترت الأنباء عن استشهاد الشاب عودة عواودة برصاص مستوطنٍ في بلدة دير دبوان.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:58 مساءً - بتوقيت القدس

انتخابات دير البلح: استحقاق خدمي في فراغ سياسي مفتوح



تشهد الساحة الفلسطينية في قطاع غزة، في ظل حرب الإبادة المستمرة، حالة من إعادة التموضع الإداري والسياسي، ما تزال ملامحها العامة غير مكتملة وغير محسومة. وفي غياب استقرار سياسي واضح، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو المؤسسات المحلية، وعلى رأسها البلديات، باعتبارها الإطار الأكثر قدرة – ولو نسبياً – على الاستمرار في إدارة الشأن الخدمي اليومي.

ورغم أن اختيار دير البلح لإجراء الانتخابات يبدو في ظاهره قراراً فنياً، إلا أن المؤشرات ترجّح كونه قراراً سياسياً بالدرجة الأولى، أكثر مما هو نتاج مسار تقني مستقل تقوده لجنة الانتخابات المركزية. وهذا لا يعكس فقط تسييس القرار، بل يكشف استمرار هيمنة السلطة الفلسطينية على المسار الانتخابي، حتى في مستواه المحلي، ضمن نمط إدارة يقوم على التحكم أكثر مما يقوم على بناء عملية ديمقراطية مستقلة. وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات المحلية في مدينة دير البلح، المقررة في 25 نيسان/أبريل 2026، أهمية تتجاوز بعدها الخدمي المباشر، لتتحول إلى مؤشر أولي على حدود إمكانية إعادة تفعيل العمل المؤسسي في بيئة ما تزال تعيش تحت وطأة الحرب وتداعياتها.

ويعكس هذا المسار، في عمقه، ما يمكن وصفه بأنه ليس صراع قوة بقدر ما هو تقاطع ضعف: سلطة فلسطينية محدودة الفاعلية تدير القرار عن بُعد، وحركة حماس منهكة وملاحَقة، لكنها لم تفقد قدرتها على التأثير الميداني. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الانتخابات محكومة بسقف منخفض من الفاعلية، أقرب إلى إدارة الواقع القائم منها إلى إحداث تغيير حقيقي.

غير أن هذا لا يعني بالضرورة وجود صيغة سياسية مستقرة أو مكتملة لإدارة قطاع غزة. فالحدث، رغم طابعه البلدي، يأتي في لحظة سياسية شديدة التعقيد، تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود ما يمكن أن تنتجه صناديق الاقتراع في ظل فراغ سياسي وإداري غير مسبوق. وهذا الفراغ لا يمكن التعامل معه كمعطى موضوعي فقط، بل هو نتيجة مباشرة لفشل السلطة الفلسطينية في الحفاظ على وحدة النظام السياسي، وعجزها عن تجديد شرعيتها أو إعادة بناء مؤسساتها على أسس تمثيلية حقيقية.

لا يمكن فصل هذه الانتخابات عن الواقع الميداني والسياسي في غزة، حيث ما تزال الحرب حاضرة بقوة في تدمير البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية، في ظل نزوح واسع وضغط هائل على الموارد المحدودة. وفي هذا السياق، تبدو البلديات أقرب إلى وحدات إدارة طوارئ ممتدة، أكثر من كونها مؤسسات حكم محلي تقليدية، خاصة في ظل عجزها عن توفير الحد الأدنى من الخدمات نتيجة انهيار المنظومة الحكومية والبلدية.

وهذا الواقع لا يعكس فقط آثار الحرب، بل يفضح هشاشة نموذج الحكم الذي كرّسته السلطة الفلسطينية خلال السنوات الماضية، والذي قام على إدارة بيروقراطية مرتهنة للتمويل الخارجي، أكثر من كونه مشروعاً لبناء قدرة مؤسساتية وطنية قادرة على الصمود في لحظات الانهيار. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة أي مجلس بلدي منتخب على تحويل نتائج الانتخابات إلى سياسات فعالة، في ظل غياب الاستقرار المالي والإداري، واستمرار القيود على إعادة الإعمار، فضلاً عن غموض طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه الهيئات خلال المرحلة المقبلة.

الأكثر تعقيداً في المشهد لا يتعلق فقط بالوضع الخدمي، بل بطبيعة الفراغ السياسي القائم في القطاع. فإجراء الانتخابات في هذا التوقيت يثير سؤالاً مركزياً حول الجهة التي تدير غزة فعلياً، في ظل غياب سلطة فلسطينية موحدة وفعالة، وتراجع أنماط الحكم التقليدية. وهذا الفراغ لا يشير فقط إلى غياب التوافق، بل يعكس أزمة شرعية بنيوية تعاني منها السلطة الفلسطينية، التي لم تعد تُنتج تمثيلاً سياسياً فعلياً، بقدر ما تحافظ على شكل مؤسسي فاقد للفاعلية، وغير قادر على فرض نفسه كمرجعية وطنية جامعة.

وهذا الفراغ لا يشير بالضرورة إلى وجود بديل سياسي مكتمل، بقدر ما يعكس حالة انتقالية ضبابية، تتداخل فيها ترتيبات محلية وإقليمية ودولية، ما يجعل أي عملية انتخابية محكومة بسقف سياسي غير محدد، بل وربما مفروض من خارج السياق الفلسطيني ذاته.

اختيار دير البلح لا يبدو مجرد قرار لوجستي، رغم أهمية العامل الميداني، بل يعكس – على الأرجح – محاولة لاختبار إمكانية تشغيل المسار الانتخابي في منطقة أقل تضرراً نسبياً مقارنة ببقية مناطق القطاع. غير أن هذا الاختيار يفتح نقاشاً موازياً حول دلالات التمثيل المحلي في مدينة ذات تركيب اجتماعي متنوع، تتداخل فيه العائلات واللاجئون والبدو، بما يعزز حضور البعد العائلي–العشائري في العملية الانتخابية، على حساب البعد البرامجي والسياسي.

ومن أبرز المخاوف المرتبطة بهذه الانتخابات أن تتحول إلى عملية إعادة إنتاج للنفوذ الاجتماعي التقليدي، أكثر من كونها ممارسة ديمقراطية تنافسية بالمعنى السياسي. فالقوائم التي تُقدَّم تحت صفة “المستقلة” قد تخفي وراءها اصطفافات غير معلنة، سواء على مستوى العائلات أو الانتماءات السياسية غير المعلنة، في ظل غياب تنافس حزبي مباشر وشفاف. ولا يمكن فصل ذلك عن دور السلطة الفلسطينية في إضعاف الحياة السياسية المنظمة، عبر إفراغ التعددية الحزبية من مضمونها، ما فتح المجال أمام صعود أشكال تمثيل بديلة تقوم على العائلة والشبكات الاجتماعية بدلاً من البرامج والسياسات. كما أن نظام القائمة المفتوحة قد يعزز هذا الاتجاه، عبر نقل مركز الثقل من البرامج إلى الأفراد والعلاقات الاجتماعية المباشرة.

ورغم تقديم هذه الانتخابات رسمياً بوصفها استحقاقاً خدمياً يهدف إلى تحسين إدارة الشأن المحلي، إلا أنها عملياً لا تنفصل عن السياق السياسي الأوسع، خصوصاً في ظل النقاشات الجارية حول مستقبل إدارة قطاع غزة، وإمكانية بلورة ترتيبات انتقالية جديدة، قد تكون السلطة الفلسطينية جزءاً منها، ولكن دون ضمانات حقيقية لإعادة بناء نظام سياسي ديمقراطي وشامل. ومع ذلك، يبدو من المبكر اعتبار هذه الانتخابات نقطة تحول سياسية حاسمة، بقدر ما يمكن قراءتها كاختبار محدود لإمكانية إعادة تشغيل الحد الأدنى من المؤسسات المحلية.

تبدو انتخابات دير البلح أقرب إلى محاولة لإدارة الواقع القائم، أكثر من كونها تعبيراً عن مشروع سياسي متكامل. فهي تعكس حاجة ملحّة لملء فراغ خدمي وإداري متزايد، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة في غزة، وحدود التمثيل الفلسطيني، وإمكانات الديمقراطية المحلية في بيئة غير مستقرة سياسياً وأمنياً.

وبين الطابع الخدمي المعلن والبعد السياسي الكامن، لا تبدو هذه الانتخابات مجرد اختبار إداري، بل مرآة لأزمة أعمق يعيشها النظام السياسي الفلسطيني نفسه. فهي تكشف حدود قدرة هذا النظام، وفي القلب منه السلطة الفلسطينية، على إعادة إنتاج شرعية أو بناء إطار تمثيلي قادر على مواكبة التحولات الجارية. وفي ظل هذا العجز، قد تتحول الانتخابات من أداة لإعادة بناء النظام إلى مجرد آلية لإدارة الفراغ، دون القدرة على تغييره، في وقت تتسارع فيه التحولات على الأرض دون أن يواكبها إطار سياسي فلسطيني جامع وفاعل.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:56 مساءً - بتوقيت القدس

بيرزيت على مفترق طرق: بين إرث أكاديمي مهدد وتعطيل متكرر يضغط على مستقبل الجامعة

تواجه جامعة بيرزيت، إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية وأكثرها تأثيرًا في إنتاج الكفاءات الوطنية، مرحلة حساسة في مسارها التاريخي الممتد لعقود. فالجامعة التي خرجت أجيالًا من الأكاديميين والقيادات السياسية والمهنية داخل فلسطين وخارجها، باتت اليوم أمام إشكالية متكررة تتعلق باستقرار العملية الأكاديمية برمتها، في ظل موجات متتالية من الإضرابات والاحتجاجات والإغلاقات داخل الحرم الجامعي، بما لا ينعكس فقط على التعليم، بل على مستقبل الجامعة ككيان مؤسسي ودورها ومكانتها.
اليوم الأربعاء الموافق 22 نيسان/أبريل 2026، أغلقت جامعة بيرزيت أبوابها مجددًا، في خطوة جاءت في سياق تعطيل مرتبط بتفاعلات داخلية، وذلك رغم الحاجة الملحة لاستمرار التدريس من أجل استكمال الفصل الدراسي في موعده. هذا الإغلاق يعيد طرح أسئلة أعمق تتجاوز انتظام الدراسة، لتصل إلى جوهر قدرة الجامعة على الاستمرار كمؤسسة أكاديمية مستقرة وفاعلة، في ظل تكرار حالات التعطيل خلال السنوات الأخيرة.
خلال العقد الماضي، لم تعد حالات تعطيل الدراسة في بيرزيت أحداثًا استثنائية، بل تحولت إلى نمط متكرر يتراوح بين الإضرابات الطلابية والإغلاقات الجزئية أو الكاملة للحرم، ما أدى في أكثر من محطة إلى تعطيل التقويم الأكاديمي وتأجيل أو اضطراب الفصول الدراسية، وإرباك مسار آلاف الطلبة وأعضاء الهيئة الأكاديمية، مع ما يرافق ذلك من ضغط متواصل على البنية الإدارية والتنظيمية للجامعة.
تشير الوقائع إلى أن الجامعة شهدت سلسلة من حالات التعطيل المتكررة، من أبرزها عام 2019 حين أُغلق الحرم الجامعي على خلفية اعتصامات واحتجاجات طلابية داخل الجامعة، ما أدى إلى توقف العملية الأكاديمية لفترة غير قصيرة. وفي عام 2022، دخلت الجامعة في إغلاق ممتد استمر لأسابيع، انعكس على آلاف الطلبة وأعضاء الهيئة الأكاديمية، وأدى إلى ضغط كبير على التقويم الأكاديمي وإعادة جدولة المساقات والخطط الدراسية. كما شهدت السنوات اللاحقة، خصوصًا بين 2023 و2025، حالات متكررة من الإضرابات الجزئية أو تعطيل الدراسة لفترات متفاوتة ارتبطت بسياقات طلابية أو سياسية عامة، وتحوّلت في بعض الحالات إلى إغلاقات مؤقتة أو تعطيل شبه كامل للحرم.
هذا التكرار جعل الإشكالية تتجاوز فكرة “تعطيل التعليم” إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الجامعة نفسها كمنظومة مؤسسية: قدرتها على التخطيط، واستقرارها الإداري، واستمرارية برامجها الأكاديمية، وحتى مكانتها التنافسية بين مؤسسات التعليم العالي. فالمؤسسة الجامعية لا تُقاس فقط بعدد طلبتها أو خريجيها، بل بقدرتها على الاستقرار والاستمرارية والتطور التراكمي، وهو ما يتعرض لضغط متزايد في ظل تكرار الإغلاقات.
وفي هذا السياق، يبرز إشكال العلاقة بين الحركة الطلابية والجامعة. فالحركة الطلابية في بيرزيت شكلت تاريخيًا جزءًا أصيلًا من الحالة الوطنية الفلسطينية، وأسهمت في صياغة وعي سياسي واجتماعي مهم، وكانت جزءًا من المشهد العام في محطات متعددة. إلا أن الإشكالية اليوم لم تعد في وجودها أو دورها، بل في حدود هذا الدور داخل مؤسسة أكاديمية يفترض أن تقوم على الاستقرار أولًا، وعلى إنتاج المعرفة وتنظيمها دون انقطاع.
وفي ضوء هذا الواقع، يطرح سؤال نفسه بإلحاح: هل ما زالت الحركة الطلابية تقوم بدورها الوطني والنضالي والأكاديمي بالشكل الذي ينسجم مع المرحلة الراهنة، أم أن بعض ممارساتها باتت في لحظات متعددة تتحول إلى عامل ضغط وتعطيل يمس ليس فقط العملية التعليمية، بل يهدد البنية المؤسسية للجامعة ذاتها؟ كما يبرز تساؤل آخر حول مدى قدرة القيادات الطلابية على قراءة التحولات المحيطة وتقدير أولويات المرحلة بما يوازن بين الفعل الوطني داخل الجامعة ومتطلبات الحفاظ على استقرارها الأكاديمي والمؤسسي.
هذه الأسئلة لا تنفي الدور التاريخي للحركة الطلابية، لكنها تضعه أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرته على التكيف مع واقع أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التأثير محصورًا في الحرم الجامعي، بل يمتد إلى مستقبل المؤسسة نفسها واستمراريتها. فالتعطيل المتكرر للمسار الأكاديمي لا ينعكس فقط على الطلبة، بل يضغط على البنية الإدارية، ويؤثر على التخطيط الأكاديمي، ويضعف التراكم المؤسسي الذي يشكل أساس أي جامعة قادرة على التطور والاستمرار.
ومع استمرار هذا النمط، تبدو جامعة بيرزيت أمام اختبار حقيقي يتجاوز إدارة الأزمات اليومية، ليصل إلى سؤال أعمق حول مستقبلها كجامعة: هل تستطيع الحفاظ على مكانتها التاريخية كأحد أهم صروح التعليم العالي الفلسطيني، أم أن استمرار التعطيل المتكرر قد يفتح الباب أمام تآكل تدريجي في بنيتها المؤسسية ودورها الريادي الذي راكمته عبر عقود؟

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:55 مساءً - بتوقيت القدس

تكريس «مجلس السلام» وتشكيلاته كمرجعية يحمل مخاطر جسيمة



تتجلى في المرحلة الراهنة إشكالية خطيرة تتعلق بطبيعة المرجعية السياسية في قطاع غزة، حين يُصار بشكل متدحرج إلى تكريس ما يُسمّى “مجلس السلام” وتشكيلاته المختلفة كمرجعية قائمة بذاتها، في تعارض واضح مع الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي الفلسطيني، والقائم على وحدة التمثيل ووحدة القرار الوطني.
إن إحالة المرجعية إلى الخارج، أو ربطها بأدوار دولية، مهما كانت طبيعتها، يشكّل انزلاقًا مقلقًا يمسّ جوهر القرار الوطني المستقل وجوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وفق اعتبارات لا تنبع من الإرادة الوطنية الجامعة، بل من توازنات وضغوط خارجية. فالدور الدولي، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن المرجعية الوطنية، ولا مظلة للتنصل من المسؤوليات المباشرة تجاه شعبنا، خاصة في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها قطاع غزة.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن التعاطي مع هذه الأجسام، تحت أي مبرر، ينطوي على محذور سياسي واضح، إذ يمنحها، ولو بشكل غير مباشر، شرعية لا تستند إلى توافق وطني حقيقي، ويُسهم في تكريس واقع مؤسساتي موازٍ يضعف البنية السياسية الفلسطينية بدلًا من تعزيزها. وهو ما قد يؤدي إلى تحويل المرحلة الانتقالية من وضع مؤقت إلى واقع دائم، يتناقض مع الهدف المركزي المتمثل في إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، بل وقد يكرّس انفصالًا طويل الأمد تحت مظلات ودعم خارجي، بما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة الأرض والشعب والقضية.
كما أن أخطر ما في هذا المسار لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى البعد المجتمعي والاقتصادي، حيث تتحول القضايا الحياتية الملحّة إلى أدوات ضغط وابتزاز، وتُدار الأزمات بدلًا من حلّها، بما يفاقم معاناة الناس ويعمّق حالة الإرباك وفقدان الثقة بالمؤسسات.
إن معاناة شعبنا في قطاع غزة لا تحتمل المزيد من تشتيت المرجعيات أو تبادل الأدوار بين هذه الجهة وتلك، ولا تحويل القضايا الحياتية إلى أدوات في سياق إدارة الأزمة بدلًا من حلّها. المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار للمرجعية الوطنية الجامعة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي، وتفعيل دورها بما يعيد توحيد القرار السياسي، ويضمن توجيه الجهود نحو إنهاء الانقسام بدلًا من تكريسه.
في الخلاصة، فإن ما نشهده ليس تفصيلًا عابرًا، بل مسارًا يجب وقفه بقرار وطني واضح. وعليه، فإن المسؤولية تقتضي رفض أي تكريس لمرجعيات موازية، والتمسك الحازم بوحدة التمثيل الفلسطيني، والعمل الفوري على إنهاء الانقسام دون مكابرة ، بوصف ذلك المدخل الوحيد لحماية القضية الوطنية وصون حقوق شعبنا.                                                      .          
*عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:54 مساءً - بتوقيت القدس

رجال في الحاوية


في زمنٍ يُقاس فيه فائض العالم بما يُلقى في القمامة، وبما يلقى من أطنان القنابل فوق رؤوس الناس في غزة، وبما أصبحت عليه الأراضي الفلسطينية المحتلة من مكب لروث الاحتلال ومستوطناته وعربداته ورصاصه وبشاعته التي حولت التجويع إلى سلاح للابادة، يُقاس فقرنا الإنساني والسياسي بما نحن فيه، هنا في في هذه البلد التي تحولت إلى أكبر سجن في التاريخ البشري، والى اضخم فرن يصهر شعبا معلقا على الف حاجز عسكري، وعلى رغيف خبز معلق على حبل مشنقة.
  سبعون عاملاً فلسطينياً يختبئون داخل حاوية نفايات، لا لأنهم فقدوا عقولهم، بل لأنهم لم يجدوا عملاً، ولا معبراً، ولا نافذةً غير فتحةٍ صدئة في جدار الاقتصاد المحاصر، هناك، بين بقايا الطعام وروائح العفن، أعادوا تعريف الجسد: لم يعد جسداً مواطناً، بل جسداً مُخفياً، قابلاً للطيّ، للضغط، للإلغاء.
منذ الساعة الثالثة فجرا يوم (14/ 4/ 2026) حملت مجموعة من العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة أكياسا من الطعام والمعلبات والخبز والملابس، وتحدوا الجوع والمخاطر وتكدسوا في حاوية زبالة، شاحنة حديدية مملوءة بالمياه الملوثة والروائح القذرة، من أجل الوصول إلى أعمالهم داخل الأراضي المحتلة عام 1948.
 ألقي القبض عليهم على إحدى الحواجز العسكرية، وقبل اعتقالهم والتنكيل بهم بتهمة التسلل بلا تصاريح، تركوهم ساعات طويلة داخل الحاوية المغلقة، لعلهم يختنقون، كي تصبح الشاحنة اكبر مقبرة جماعية للفقراء الباحثين عن لقمة العيش بين الحواجز والرصاص.
 كان مشهدا قاسيا كفيلا أن يسقط حكومات وشعارات ويافطات ومناصب وخطابات، والكثير الكثير من المظاهر الاستعراضية والشكليات التي صارت قناعا لحرية موهومة، لا تستطيع الإجابة على سؤال واحد: كيف أعيش اليوم؟
سبعون صوتا لم يذهبوا لصناديق الاقتراع في انتخابات البلديات والمجالس المحلية، هذه الصناديق التي تحتوي اوراقا فردية أو قبائيلة، وموائد عشائرية، لكنها لا تحتوي طعاما ولاحليبا للاطفال، ذهب العمال والمهمشون ليحفروا حفرة تحت الجدار العازل، أو يقفزوا عن السور العالي، أو يزحفوا من تحت الأسلاك الشائكة، أن يموتوا ويلاحقوا ويطاردوا ويسقطوا على جوع وخوف ودم وأمنية.
همسات داخل الحاوية المعتمة، متى نصل؟ لكن الحاوية متوقفة، أصوات بنادق وجنود، اكتظاظ واختناق، لا هواء، احلام تتشظى، حشرات على الجلد وأوساخ ورطوبة لزجة، وكل عامل يفكر بعائلته وأولاده، سنصرخ، قال أحدهم، لكن لا أحد يسمع عن شعب حشر في حاوية.
العمال الفلسطينيون ضحية المهرببن وكبار السماسرة، ضحية نظام اقتصاد القهر والتبعية وغياب الارادة، ضحية من اعتقد ان التنمية يمكن أن تستديم تحت بنادق الاحتلال، ضحية من حول الوطن إلى نظام تصاريح للعبور إلى ورشات العبودية، نظام تحول إلى عقاب جماعي وأداة تحكم سياسي، ضحية من أعاد تشكيل شروط الحياة من الورشة إلى الفرشة، من الصراع اليومي بين الهم الشخصي والهم الوطني، من مواطنين إلى متسللين بلا أي قيمة انسانية، يختزلون في حاوية أو سجن او شيء قابل للتصفية.
مازالوا في بطن الحاوية، ساعات وساعات، الجائعون لا خيار أمامهم: بطالة عميقة مركبة تقتلهم ببطء أو رحلة في حاوية قمامة قد تقتلهم بسرعة، قلوب ترتجف، ما أطول زمن الحاوية، نفوس مقبوضة، ورائحة قذرة، الجنود والمستوطنون يتجمعون حول الحاوية، صيد ثمين، مسرح آخر للمتعة والفرجة.
 الحاوية تسخن، الاستعمار يصهر الناس، منظومة متكاملة تتعامل مع الشعب الفلسطيني بأنهم ملوثين ووسخين وإرهابيين وأعداء، الفلسطينيون يحتاجون إلى تنظيف لوعيهم، إما بصابون الاحتلال أو بقنابل تفتتهم، لا بديل أمامهم، جغرافيا مغلقة، تحويل الإنسان إلى كائن بيولوجي بلا هدف قومي أو سياسي، الحاجات الجسدية فقط كوسيلة للبقاء، تحويل الفلسطيني من مواطن له مشروع تحرر إلى مستهلك، لا يريد بندقية وانما تأشيرة عمل داخل المستوطنة الي أقيمت على ارضه.
حاوية النفايات تقول للفقراء: انتم تعيلون عوائلكم من نفس النظام الذي يستعمركم، حاضركم مسيج بالحديد والاسمنت، هذه الحاوية هي تعبير عن هذا السجن الذي يحرس الأسير نفسه بنفسه دون رقابة خارجية، خوفا من فقدان تصريح او كسرة خبز لأطفاله المنتظرين في المنزل.
رجال في الحاوية، زمن معلق، وكل عامل يستدعي تجربة، كان مشهدا مفجعا عندما هوى أحد العمال عن الجدار برصاصة في الراس، البحث عن الرزق ولقمة العيش بالعبور عبر الموت، طعام مغمس بالدم والمغامرة، المئات استشهدوا وعادوا جثثا معفرة بالتراب والحصى، ربما الحاوية صورة لوطن لم يعد فيه طرق سالكة أو مفتوحة، جدار فاصل، اقتصاد ريعي، اغلاقات، معازل، بطالة مرتفعة، التنفس  في الزبالة وفي زمن رأسمالية  القرن الواحد والعشرين ينتح البشر كسلع، وعندما تفقد السلع صلاحيتها ترمى في حاويات التاريخ.
يسأل أحد العمال: هل اتفاقية باريس الاقتصادية نصت أن تتحول حياتنا إلى حياة عارية، اصمت يا صديقي، صوتك له رائحة، نحن في وعاء الآن وعلينا أن نفكر كيف نخرج بكرامة.
رجال في الحاوية، متلاصقون كأنهم يحاولون أن يحافظوا على دفء إنسانيتهم في عالم بارد، من أوصلنا إلى هذه الحالة وحول الجغرافيا إلى مصيدة؟ لم نعد الآن نملك ترف المسافة، نحن في صندوق معدني للقمامة، شبانا وفتيانا وكبارنا في السن، جئنا من كل قرية ومدينة ومخيم، كل ما لفظه العالم هنا، نحن وأكياس الزبالة في مكان واحد، لملمنا السائق من كل هامش وزاوية، أصبح لدينا خبرة في التهريب وشبكات المرور المعقدة، كلما أغلقوا فجوة نبتدع أخرى، نريد أن نمر حتى ولو لقينا حتفنا.
رجال في الحاوية ليسوا عنوانا أدبيا لأدب القمامة تحت الاحتلال، هؤلاء الرجال ليسوا من أبناء رواية عناقيد الغضب، تلك العائلات الفقيرة من القوافل البشرية المحشورة في شاحنات متهالكة هاربة من ارض لم تعد تعترف بها، الفقر هناك  ليس جوعا فقط، بل اقتلاع من الجذور.
الهواتف صامتة، عيون تتسع، الشاحنة صارت باردة، ديدان تقفز، كائنات حية أخرى تلسع الجلد، الرائحة تقتحم الصدور، الأجساد ترتجف، كل يمسك قلبه وينتظر ان يتمدد، والساعة تنكمش، لا أحد يعرف إن كان يقترب من النهاية أم يغرق فيها، رجال الحاوية أدركوا أن هناك شيئا ينكسر في داخلهم، الفقر أصبح آلة طحن لا تتوقف.
رجال الحاوية ليسوا من أبناء رواية البؤساء المنتشرين في احياء باريس المظلمة، متكدسين في غرف رطبة، المكان الضيق يتحول الى قدر، محاصرون بنظام اجتماعي يجعل الفقر سجنا بلا قضبان.
رجال الحاوية ليسوا من أبناء أم مكسيم غوركي، الفقر زحام طبقي وعالم مضغوط تحت عقب حديدية أسفل السلم الاجتماعي.
رجال الحاوية ليسوا من عالم رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني، عندما صار زمن اللجوء الفلسطيني حياة مؤجلة تحت شمس الصحراء الحامية.
أدب القمامة ليس تسمية ساخرة، بل تشخيص لمرحلة يكتب فيها النص من داخل حاوية، لغة تتنفس عبر شقوق الشفاه الناشفة، قصيدة من القاع بلا موسيقى وقافية، ادب  لا يحمل القبح بل يكشف بنيته الاستعمارية، كيف وصلنا الى حال يجعل الإنسان يختبئ في حاوية نفايات؟ وكيف تتحول السياسات إلى روائح نتنة؟ وكيف يصير الحاجز جهازا لإعادة ترتيب البشر في سلم القيمة؟ من دفعنا إلى هذا الطريق الوسخ واغلق أمامنا كل الطرق النظيفة ؟
 رجال في الحاوية:  تجبر على العبور عبر بوابات القهر، يعاد تشكيلك من مناضل إلى ناج مؤقت، أن تدخل إلى اقتصاد عدوك وشروطه، أن لا تجد بديلا تنمويا ولا تشغيليا ولا حماية اجتماعية في ظل غلاء الاسعار وغياب دعم المنتجات الاساسية، ما أكثر الأغنياء والعقاريبن والمحتكرين والمكاتب والعمارات الشاهقة، لا احد ينظر تحت قدميه، لا احد يتمعن ماذا القى في الحاوية.
هذه ليست حادثة عابرة، إنها استعارة كثيفة لسياسةٍ كاملة، حين تُغلق المعابر وتُقفل الأبواب ويُمنع آلاف العمال من العمل كحق مشروع لهم، يصبح السوق حربا اخرى، ويصير الإنسان حمولة زائدة بلا معنى في اقتصاد تطويع البشر باسم السلام احيانا وباسم  دولة مسيجة احيانا اخرى، وما بينهما تنمو طبقة سميكة ثرية متحالفة مع قطاع الطرق،  يُطلب من الفقير أن يُهدر نفسه ويذل ويدفع كي يعبر، هكذا تتحول الحاوية من وعاءٍ للقمامة إلى معبرٍ غير شرعي، وخزانة لجبي الاموال العابرة، ومن مكانٍ للرمي إلى مكانٍ قبيح يبتلع الإنسان ودهشة الاسئلة،
رجال في الحاوية، هل يسمعنا أحد؟ ربما جاء الصحفيون والمسؤولون واجتمعت هيئة الأمم المتحدة، سنخرج بعد قليل، أصوات خشنة في الخارج، كلاب وبنادق وهراوات، من يقول لهم إن من في الحاوية عمالا مسحوقين وليس قنبلة؟ لنا اطفال واحلام وزوجات، وأبناء يحتاجون إلى طعام ودفاتر للمدرسة، لنا اسماء خماسية وكواشين ميلاد وملامح وهوية، لسنا أرقاما ولا قمامة، الحاجة جعلتنا هنا، الحاجة إلى الحياة، كل الطرق مسدودة، الجميع يلفظنا، وما أكثر النقابات العمالية، وما أكثر من يتغنى باسمنا في كل المناسبات الوطنية.
رجال في الحاوية، وقد صارت الحاوية مؤسسة وليست وسيلة نقل فقط، أسوأ من الزنزانة، مصممة لاختزال الوجود الإنساني شعبا وقضية.
لم يبق جدران ندقها، كل الجدران أكلت من لحمنا، لم يبق أرض نفلحها، كل الأراضي منهوبة ومصادرة، العرق يمتزج بالقلق، والأنفاس تتصادم  في فضاء ضيق في الحاوية، متى يكبوننا؟ سأل أحد العمال وهو يفتش عن كوة للنجاة، همسات دعاء ودموع جافة، رائحة جيفة وبراز  وخشخشة فئران، صدى يتردد في الرؤوس يأتي من بعيد، الحاوية مقبرة، نحن خارج التاريخ الآن، يقول أحد العمال، تعالوا نصرخ صرخة جماعية ونقلب المعادلة.
   كيف صار الإنسان حمولة مشبوهة في حاوية قاذورات؟
حين انفتح بابها انسكبوا من فم وحش يبتلع المحظورات،
هي حكمة الجوع والشقاء،
أن تمسك الحياة متلبسة بالبقاء.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:53 مساءً - بتوقيت القدس

روح الأخوّة في فتح: من إرث أبو جهاد إلى استحقاق المؤتمر الثامن



مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في 14 أيار/مايو 2026، تقف الحركة أمام محطة تنظيمية ووطنية دقيقة تستدعي مراجعة عميقة لمسيرتها، والعودة إلى قيمها التأسيسية الأولى. وفي هذا السياق، تحضر ذكرى استشهاد القائد المؤسس خليل الوزير في 16 نيسان/أبريل بوصفها أكثر من مجرد استذكار تاريخي؛ إنها مرجعية أخلاقية وتنظيمية تعيد توجيه البوصلة نحو جوهر المشروع الفتحاوي.
في الذكرى الثامنة والثلاثين لاستشهاد أبو جهاد، تتجدد صورة القائد الذي جسّد الالتزام الوطني بأعلى تجلياته. فقد كان نموذجاً في الأخلاق والانضباط والتضحية، يمتلك قدرة استثنائية على التمييز بين الأولويات، واضعاً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
تميّز أبو جهاد بنهجه العملي الهادئ، فعمل بصمت بعيداً عن الأضواء، مؤمناً بأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. وكان يمتلك نفساً وطنياً طويلاً وإرادة لا تعرف التراجع. وفي أحلك الظروف، كان قادراً على بث الطمأنينة في نفوس من حوله، من خلال عبارته التي كان يرددها: "بسيطة يا أخ"، والتي تعكس إيمانه العميق بالقدرة على الصمود وتجاوز التحديات.
وعلى المستوى الإنساني والتنظيمي، عُرف بعلاقاته الأخوية المتينة مع مختلف أبناء الحركة، من القاعدة إلى القيادة، فكان قريباً من الجميع، يستمع ويتفاعل، جامعاً بين الحزم التنظيمي والبعد الإنساني، ما جعله قائداً يحظى بالثقة والاحترام.
من هنا، يكتسب مصطلح "الأخ" في فتح دلالته الخاصة؛ فهو ليس مجرد مفردة تنظيمية، بل تعبير عن أخوّة نضالية تتجاوز الفوارق الاجتماعية، وتؤكد وحدة الصف والانتماء. وقد اعتمدت الحركة منذ انطلاقتها هذا المصطلح لتكريس هوية وطنية جامعة، قائمة على المساواة والاحترام المتبادل. فهذا اللقب ما زال يُستخدم بين جميع أبناء الحركة حتى يومنا الحاضر، بما يعكس مبدأ التساوي في المسؤولية والنضال، ويعزز الروابط الإنسانية والتنظيمية، ويكرّس الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه القضية الوطنية.
مع اقتراب المؤتمر الثامن لحركة فتح، يقتضي المسار التنظيمي ترسيخ منطق الانتماء والوحدة بدلاً من منطق غالب ومغلوب، واستعادة مبادئ التأسيس كمرجعية حاكمة للعمل الداخلي. وتظل كلمة "أخ" جوهر العلاقة بين أبناء الحركة، وروح التماسك والمسؤولية الجماعية في خدمة المشروع الوطني.
إن استحضار سيرة أبو جهاد في هذه المرحلة يذكّر بأن قوة فتح كانت دائماً في وحدتها الداخلية، وفي قدرتها على تغليب القضايا الجوهرية على الخلافات الثانوية. ومن هنا، فإن نجاح المؤتمر القادم يرتبط بمدى قدرة الحركة على استعادة هذه الروح، وتجديد التزامها بمبادئها.
في الختام، تظل كلمة "أخ" روح هذه الحركة، وأساس لعلاقة نضالية ينبغي الحفاظ عليها وتفعيلها. وبين إرث الشهداء، وفي مقدمتهم الأمير أبو جهاد، ومتطلبات الحاضر، يبقى الرهان على وعي أبناء فتح وقدرتهم على التجدد، بما يخدم مستقبل القضية الوطنية.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:53 مساءً - بتوقيت القدس

إيران ربحت معركة حافة الهاوية


 
التمديد بشكل مفتوح للهدنة من جانب ترمب، يقول بشكل واضح بأن أمريكا  رغم  كل "الجعجعات" الترمبية، بتدمير كل شيء في إيران، من جسور ومحطات طاقة وكهرباء وبنى تحتية، لم يجعل القيادة الإيرانية ترتجف وتهرول وتستجيب لتهديدات ترمب، بالذهاب إلى  المفاوضات مع إدارته في إسلام اباد بشروطه، أي قبول التفاوض تحت التهديد وحصار موانئها، وهذه الصفعة التي تلقاها ترمب، برفض إيران التفاوض بالشروط الأمريكية، وضعته في مأزق كبير، فهو لم يتعود على قيادة أي دولة في العالم، لا تستجيب لتهديداته وترفض شروطه ومطالبه.
 لكن القيادة الإيرانية المتماسكة عسكرياً وسياسياً ومجتمعياً، رفضت شروطه وإملاءاته، وأصرت على شروطها للتفاوض، وهذا الرفض الإيراني، وضع ترمب في مأزق كبير وتحديات كبرى أيضاً، فهذه الإدارة التي ورطها نتنياهو في حرب استنزافية طويلة، أقنعه مع صقور البيت الأبيض، بأنها ستكون حربا سريعة وخاطفة، وباغتيال المرشد الأعلى على خامينائي، ستنهار الدولة الإيرانية من داخلها، وستنهار منظومة القيادة والسيطرة والتحكم العسكرية والأمنية، وستخرج الجماهير الإيرانية إلى  الشوارع، لكي تستقبل "المحرر" للشعب الإيراني.
 الشعب الإيراني عندما استُهدف ويُستهدف الوطن، خرج بكل مكوناته للساحات العامة، لكي يلتف حول النظام  ويدافع عن الوطن، لا ليخون الوطن، ويفرح باحتلاله وتغيير النظام فيه، وبالتالي إيران لم تحصن نفسها عسكرياً فقط، بل حصنت نفسها مجتمعياً، وليس أدل على ذلك أنه عندما هدد "الجعجاع" ترمب بإعادة إيران إلى  العصر الحجري، وتدمير حضارة عمرها خمسة آلاف عام، خرجت الجماهير الإيرانية، بسلاسلها البشرية، لتحمي الجسور ومحطات سكك االحديد والطاقة الكهربائية ومحطات تحلية المياه بأجسادها، في خطوة  تحمل رسائل إلى ترمب وكل دعاة الغطرسة والعدوان، بأن شعب إيران، لن يدافع عن وطنه ومشروعية حقوقه بقوته العسكرية فقط، بل بأجساد ولحم ابنائه، وسيجعل من إيران مقبرة للغزاة، في حرب استنزاف طويلة، لن تتحمل أمريكا  نتائجها وتداعياتها، ليس فقط عسكرياً، بل التداعيات الكبرى على أسواق الطاقة، أسعار النفط والغاز، وسلاسل التوريد، والأسواق العالمية للطاقة واسواق الأوراق المالية، والتداعيات الكبرى على كل الإقتصاد العالمي.
  لا الشعب الإيراني ولا دول العالم، باتت تصدق "جعجعات" ترمب، ولا تأخذ تغريداته المتواترة والمتناقضة على  قناته "تروث سوشيال” محمل الجد،  ولذلك إيران المتسلحة بإرادة وقيادة صلبة ومتماسكة، وخلفها  قدرات وخيارات عسكرية، قادرة ان  تلحق خسائر كبيرة بالقوات الأمريكية، وكذلك القاعدة الأمريكية غير القابلة للسحب "إسرائيل" .
   رفضت ان تذهب إلى المفاوضات مع أمريكا  تحت التهديد والحصار، ودون التخلي عن شروطها العشرة التي قبلتها الإدارة الأمريكية كأساس للتفاوض، معتقدة بأن تهديدات رئيسها الجديدة، ودفع الأمور نحو سياسة حافة الهاوية، ستجبر إيران على التراجع، ولن تغامر بالذهاب إلى  الحرب، وستقبل بالاشتراطات والإملاءات الأمريكية، التي فشلوا في تحقيقها، خلال حرب استمرت اربعين يوماً واستخدموا فيها أقصى قدراتهم العسكرية والتسليحية، وأحدث تقنيات أسلحتهم الجوية والصاروخية وما انتجته التكنولوجيا الأمريكية، والتي استخدموها، ليس فقط في تنفيذ سلسلة اغتيالات طالت عشرات القادة العسكريين والإمنيين الإيرانيين، وحتى القيادات السياسية، وتدمر الكثير من البنى التحتية والمدنية في إيران، في ضغط كبير على الحاضنة الاجتماعية والشعبية، لدفعها على التمرد على القيادة الإيرانية، ولتكن النتائج عكسية، فكلما زاد ضغطهم العسكري التدميري، زاد التفاف الجماهير الإيرانية حول قيادتها والتمسك بها، ومحولة هذه الحرب إلى  حرب استنزافية طويلة،  لا تقوى أمريكا على تحمل نتائجها لا بشريا ً ولا عسكرياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً، ولا على الصعيد الداخلي الأمريكي.
 اضطرت أمريكا  بعد اربعين يوماً للقبول بوقف هذه الحرب المجنونة، والذهاب لخيار التفاوض مجدداً في تمديدات مستمرة لوقف إطلاق النار، يومان، ثم خمسة ايام، ومن عشرة ايام، وهكذا دواليك، لكي تمارس أقصى الضغوط على إيران، لكي تستجيب لشروطها وإملاءاتها بوقف الحرب، وبالتالي تمنح ترمب ونتنياهو صورة نصر، ظلوا يبحثون عنها طوال الأربعين يوماً.
ولكن الواقع والميدان، لم يطابق لا تصريحات ولا ببروغندا ترمب ونتنياهو، حول تحقيق النصر على إيران، وتحقيق اهداف الحرب.
  حيث ظهر بأن هناكك فجوة كبيرة ما بين تصريحات ترمب ونتنياهو، والحديث عن انتصاراتهم، وما يقوله الميدان، هذا الميدان الذي قال بأن، قدرتهم على تحقيق اهداف الحرب الكبرى، لم تتحقق، لا في إيران ولا في لبنان، لبنان الذي اداء حزب الله العسكري المبهر، قلب كل الموازين والتوقعات، وغير المعادلات.
 بصورة فاجأت العالم وضعت إيران شرط رفع الحصار للانضمام إلى مفاوضات إسلام آباد، وجاء الرد الأميركي بإلغاء سفر نائب الرئيس جي دي فانس إلى إسلام آباد، بما أوحى بقبول التحدي ورفع مستواه إلى حد التهديد بالعودة للحرب مع اقتراب موعد نهاية مهلة وقف إطلاق النار خلال ساعات قليلة، وحافظت إيران على رباطة جأشها ولم تتراجع رغم الضغوط والاتصالات والنصائح والتحذير من خطورة ما ينتظرها، لكنها اختارت الصمود،
 وقبيل نهاية المهلة بثلاث ساعات تراجع الرئيس الأميركي عن إعلانه رفض تمديد مهلة وقف النار لخمسة أيام وفق المقترح الباكستاني، وأعلن تمديد وقف النار بلا مهلة ربطاً بانتظار مقترح إيراني للتفاوض، متذرعاً بأن الانقسام بين الإيرانيين يحول دون تقديم مقترح موحّد، لكن الجميع كان قد علم أن إيران ربحت الجولة، وأن ترمب تلمس تعامل الأسواق المالية مع الاحتباس وخطر تجدّد الحرب، حيث زاد سعر برميل النفط خمسة دولارات خلال ساعة وارتفع من 95$ إلى 100$، مع توقعات بأن تفتح الأسواق اليوم على سعر الـ 120$ للبرميل وبدء التداعيات الكارثية على أسواق الأسهم، وبينما تحدّث بعض المقربين من ترمب عن فرضية تعايش أميركي مديد مع وقف النار وبقاء الحصار على موانئ إيران، قال خبراء في أسواق الطاقة إن بقاء مضيق هرمز مقفلاً على صادرات النفط والغاز، لا يسمح بصمود الهدنة الهشّة مع بدء تسجيل اضطرابات في الأسواق، ويضع الأمور بين خياري العودة للتفاوض أو الذهاب إلى الحرب، خصوصاً مع تحذيرات إيرانية من فرض فك الحصار بالقوة بما يعني التلويح بحرب استنزاف ضد القوات الأميركية، تضع الرئيس ترمب بين خياري الحرب والتفاوض طلباً لتسوية، لكن الأهم هو أن ما جرى قال بنظر الكثير من المراقبين أن أميركا ليست جاهزة لخوض الحرب وإلا لفعلت في هذه اللحظة الخانقة بدلاً من إعطاء انطباع العجز والتراجع.
في طهران ثمّة من يتحسّب لمفاجأة أميركية بالحرب ويستعدّون لكل الاحتمالات، كما تقول مصادر إيرانية تتابع المشهد التفاوضي والحشود الأميركية التي تقول إنها لم تأتِ للضغط فقط بل هي جزء من خطة حرب يرغب ترمب بخوضها في ظل كلام مطمئن ليفاجئ إيران بالحرب.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:52 مساءً - بتوقيت القدس

إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: عنفٌ ممنهج يُعيد رسم الجغرافيا تحت غطاء "الشرعية"


تشهد الضفة الغربية تصاعدًا مقلقًا في اعتداءات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية، من المغير إلى جنين والخليل.
 وتشمل هذه الاعتداءات إطلاق نار مباشر على المدنيين، وعمليات دهس متعمدة، واقتحامات ليلية، وإحراق ممتلكات، في نمطٍ متكرر يخلق بيئة خوفٍ دائم ويقوّض أسس الحياة اليومية.
هذا النمط لا يمكن عزله عن سياق أوسع، إذ يتخذ العنف ثلاث وظائف واضحة: ترهيب السكان ودفعهم إلى الانكفاء، تمهيد الطريق للتوسع الاستيطاني عبر فرض وقائع جديدة، واختبار حدود الردّ الدولي في ظل تراجع المساءلة.
ومع تكرار الحوادث دون محاسبة فعّالة، يتحول العنف من سلوك فردي إلى أداة سياسية تُدار بها الأرض والسكان.
قانونيًا، يضع هذا الواقع علامات استفهام جوهرية. فبحسب اتفاقيات جنيف، تتحمل قوة الاحتلال مسؤولية حماية السكان المدنيين وضمان أمنهم، لا تركهم عرضة لاعتداءات جماعات مسلحة.
 كما ينص ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة (المادة 2/4) وعلى احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها (المادة 1/2)، وهي مبادئ تتعارض مع فرض الوقائع بالقوة أو التساهل مع العنف المنهجي. وفي الخلفية، يبقى الجدل قائمًا حول الأساس القانوني للواقع القائم، خاصة في ظل اعتماد قرارات توصياتية صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تمتلك صفة الإلزام.
أما على صعيد المساءلة، فتظل الآليات الدولية—مثل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية—مسارات قائمة، وإن كانت تصطدم بتعقيدات سياسية تعيق تفعيلها الكامل.
ومع ذلك، فإن التوثيق الدقيق للانتهاكات، والضغط الدبلوماسي، واستثمار المنابر الدولية، تبقى أدوات ضرورية لرفع كلفة هذه الأفعال ومنع تطبيعها.
إن استمرار إرهاب المستوطنين لم يعد مجرد خلل أمني، بل هو نتيجة مباشرة لغياب الإرادة في تطبيق القانون الدولي.
 وعليه، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا متوازيًا على ثلاثة مستويات مترابطة:
ميدانيًا، لا بد من توفير حماية فعلية للسكان المدنيين عبر آليات رقابة دولية وحضور ميداني يردع الاعتداءات ويكسر حلقة الخوف.
سياسيًا، يتطلب الأمر ضغطًا دوليًا حقيقيًا يضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب، ويعيد الاعتبار لحقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال.
قانونيًا، يصبح من الضروري تفعيل أدوات المساءلة الدولية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره، بما في ذلك مساءلة الجهة القائمة بالاحتلال عن إخلالها بواجب الحماية المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف.
إن أي قوة تُخفق في حماية المدنيين أو تتهاون مع الاعتداء عليهم، تتحمل مسؤولية قانونية لا يمكن إنكارها.
ومع استمرار هذا النهج، فإن الصمت الدولي لم يعد حيادًا، بل شراكة غير مباشرة في إدامة العنف.
وفي لحظة تتكثف فيها الانتهاكات، تصبح تسمية الأمور بأسمائها ضرورة لا خيارًا: ما يجري هو إرهاب يستهدف المدنيين، ومواجهته ليست واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل التزام قانوني دولي. وحده تفعيل هذا الالتزام، وتحويله إلى إجراءات رادعة، كفيل بأن ينقل المشهد من دائرة الدم المتكرر إلى أفق العدالة المنشودة.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:51 مساءً - بتوقيت القدس

مكاسب التحالف الأميركي وإخفاقاته


الحلقة الأولى

 حقق التحالف الأميركي الإسرائيلي مكاسب تكتيكية مباشرة، اعتماداً على :1- تفوق قدراته العسكرية، 2- قواعد انتشاره الموزعة جغرافيا على مواقع واسعة براً وبحراً، 3 - امتلاكه حرية التحرك والمناورة لقواته الجوية المتعددة، 4- توظيف عُنصر المفاجأة في التخطيط والهجوم والإرباك للطرف الآخر.
 ولهذا حقق التحالف بين واشنطن وتل أبيب إنجازات في: 1- اغتيال القيادات العسكرية والسياسية والأمنية لكل من إيران وحزب الله وحركة حماس وأنصار الله، 2- تدمير القدرات العسكرية لإيران وفصائل "وحدة الساحات" الثلاثة المتحالفة مع طهران والعاملة ضمن برنامجها.
ولكن رغم ما فعلته أميركا والمستعمرة ضد معسكر الخصم من أثر تدميري واغتيالات، فقد أخفق التحالف الأميركي الإسرائيلي في تحقيق الاهداف السياسية المعلنة:
1- إسقاط النظام الإيراني وتغييره.
2- إنهاء حزب الله، وإضعاف دوره کحزب سياسي متمكن لدى المشهد اللبناني.
3- تصفية حركة حماس، واجتثات سيطرتها الميدانية على قطاع غزة.
4- إنهاء وإضعاف حركة أنصار الله اليمنية، وتأثيرها على مضيق باب المندب.
وقد بدا هذا الإخفاق ظاهراً من خلال:
1- التوصل إلى تفاهم مع حركة أنصار الله في اليمن حول باب المندب يوم 6 أيار مايو 2025، بوساطة عُمانية.
2- الرعاية الأميركية لاتفاق وقف إطلاق النار بين المستعمرة وحركة حماس يوم 10 تشرين أول أكتوبر 2025 .
3- الاتفاق مع إيران على وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية يوم 7 نيسان ابريل 2026، وفتح طاولة التفاوض معها في جنيف.
الأميركيون ومعهم المستعمرة أخفقوا في تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم، ولكنهم لم يُهزموا بسب تفوقهم وقدراتهم مقارنة مع الإيرانيين، ولكن إيران وامتداداتها لم يُهزموا في نفس الوقت، وصمدوا ولازالوا إلى الآن، بدلالة قبول التحالف الأميركي الإسرائيلي للتفاوض معهم، والتفاوض لم يتم على قاعدة الانتصار والهزيمة لطرف على حساب الطرف الآخر، ولكن تم على قاعدة التوازان، وهذا يُفسر عدم نجاح المفاوضات إلى الآن، وعدم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين: الولايات المتحدة وإيران.
المفاوضات صعبة معقدة، لأن الطرفين لم يتمكن أحدهما من هزيمة الأخر، وبالتالي لم يتمكن من فرض شروطه على الآخر، وبقي التوازن والندية على أرض المواجهة وتبعاتها، قائما متواصلاً، وهذا ما يُفسر أن المراقبين اختلفوا في التخمين حول تجديد الحرب واستمراريتها، أو التوصل الى اتفاق، وبقي التقدير معلقا بين سلوك الطرفين، حيث لا مصلحة لهما باستمرار الحرب، باستثناء المستعمرة الإسرائيلية، التي ترغب في مواصلة الحرب، لعلها تحقق إنجازاً يُقدمه نتنياهو للناخبين الإسرائيليين، وهو ما يسعى له ترمب عبر المفاوضات، لعله يُقدم إنجازاً ملموساً للناخب الأميركي.



فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 1:50 مساءً - بتوقيت القدس

تحطيم تمثال السيد المسيح..شاهدٌ على التوحش المنظم لجنود الاحتلال

المطران عطا الله حنا: هذا السلوك ضمن ثقافة استيطانية متطرفة كظاهرة تعكس تصاعداً مقلقاً في خطاب الكراهية تجاه كل ما هو مسيحي
الأب إبراهيم فلتس: ما جرى لا يمكن التعامل معه باعتباره تصرفاً فردياً بل يعكس نمط تفكير متطرف قائم على نزع القدسية عن الآخر وتبرير الاعتداء عليه
الأب عبد الله يوليو: إعلان الاحتلال فتح تحقيق في الحادثة لا يمكن فصله عن محاولات تبييض صورته أمام العالم في محاولة لاحتواء الغضب العالمي
الشيخ إبراهيم عوض الله: المؤمنون بحقائق الأديان وقيمها النبيلة يربأون بأنفسهم عن قبول الإساءة لأديان غيرهم ورموزها مهما كان الخلاف
د. ماجد صقر: ما جرى في لبنان يشكل انتهاكاً واضحاً لقيم الاحترام المتبادل بين أتباع الأديان ويعكس سلوكاً ينبغي الوقوف ضده بصورة حازمة
د. واصل أبو يوسف: ما حدث يكشف تجاوز التخريب المادي ليصل إلى مستوى ازدراء الأديان كافة.. والفلسطينيون عاشوا صوراً مشابهة
عصام بكر: الاعتداء على رمز ديني مسيحي يكشف تغذيةً فكريةً ممنهجةً تقوم على الحقد والكراهية وتعيد إنتاج خطاب التفوق العرقي والديني


رام الله - خاص ب"القدس"-
لا تزال موجة الغضب مشتعلة بعد قيام جندي من جيش الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً، بتحطيم تمثال للسيد المسيح عليه السلام والصليب المقدس في بلدة دبل قضاء بنت جبيل جنوب لبنان، في ظل اعتبار الحادثة مساساً مباشراً برمز ديني يحمل مكانة روحية عميقة لدى المسيحيين، وتجاوزاً خطيراً لحرمة المقدسات الدينية في المنطقة، وشاهد على العبثية المنظمة لجنود الاحتلال.
ويرى رجال دين مسيحيين ومسلمين وشخصيات وطنية، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن ذلك الاعتداء لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثة فردية معزولة، بل يندرج ضمن سياق متواصل من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي التي تستهدف الرموز الدينية، بما يعكس تنامياً في خطاب الكراهية والتطرف، ويثير مخاوف من محاولات دفع الصراع السياسي نحو أبعاد دينية أكثر خطورة على شعوب المنطقة، مشيرين إلى أن ما جرى يأتي في سياق حوادث متكررة ضد المقدسات المسيحية الإسلامية كما جرى في عدة مناطق من الأراضي الفلسطينية.
ويؤكدون أن استهداف التمثال يحمل دلالات تتجاوز التخريب المادي، ليشكل اعتداءً على قيم الاحترام للرموز الدينية، داعين إلى ضرورة تحرك دولي جاد يضع حداً للاعتداءات على المقدسات، ويحاسب المسؤولين عنها، ويمنع تكرارها في ظل التوترات المتفاقمة في المنطقة.

عمل همجي وعنصري غير مسبوق

يؤكد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا أن قيام جندي إسرائيلي بتحطيم الصليب المقدس وتمثال السيد المسيح في بلدة دبل بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان، عمل "همجي وعنصري غير مسبوق"، مشدداً على أن ما جرى يمثل اعتداءً مرفوضاً على رمز ديني له مكانته الروحية العميقة لدى المسيحيين في مختلف أنحاء العالم.
ويشير حنا إلى أن التطاول على الصليب المقدس لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد تخريب لمعلم ديني، بل هو استهداف مباشر للإيمان المسيحي والعقيدة المسيحية، مشدداً على أن احترام الرموز الدينية في جميع الأديان يجب أن يبقى مبدأً إنسانياً وأخلاقياً ثابتاً لا يخضع لأي اعتبارات سياسية أو أيديولوجية، مؤكداً أن أي اعتداء على المقدسات، أياً كان مصدره، يستوجب موقفاً واضحاً من كل صاحب ضمير ومسؤولية.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه المطران عطا الله حنا رفض الاعتداء على الرموز الدينية، يشدد على أنه يجب ألا يحجب حقيقة أكثر إيلاماً، تتمثل في الاعتداء المستمر على الإنسان نفسه، مشيراً إلى أن قتل اللبنانيين والفلسطينيين واستهدافهم في قطاع غزة، خلال العامين الماضيين، لا يقل خطورة أو وحشية عن الاعتداء على الرموز الدينية، بل يتجاوز ذلك لأن الإنسان هو جوهر الرسالات السماوية وغاية القيم الدينية.
ويوضح حنا أن الرموز الدينية ترتبط بالإنسان أولاً، وأن من يعتدي على الإنسان يرتكب فعلاً لا يقل همجية عن الاعتداء على الصليب أو أي رمز مقدس آخر، مشيراً إلى أن الاحتلال في جوهره يمثل اعتداءً يومياً على الكرامة الإنسانية، وعلى حق الشعوب في الحياة والحرية والأمان.

سلوك ليس غريباً

ويعتبر حنا أن هذا السلوك ليس غريباً أو جديداً، بل يأتي في سياق ثقافة متطرفة راسخة داخل بعض الأوساط الاستيطانية، لافتاً إلى أن رجال الدين المسيحيين في القدس يتعرضون بشكل متكرر للإهانات والبصق أثناء مرورهم قرب الكنائس أو في الطرقات العامة، في ظاهرة تعكس تصاعداً مقلقاً في خطاب الكراهية تجاه كل ما هو مسيحي، إلى جانب الاعتداءات التي تطال المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة.
ويدعو المطران عطا الله حنا إلى ترسيخ القيم الإنسانية الجامعة، ونبذ الكراهية والعنصرية والتطرف بكل أشكاله، مؤكداً ضرورة احترام حق كل إنسان في ممارسة شعائره الدينية بحرية وأمان.
ويشدد حنا على أن الكنائس الفلسطينية، إلى جانب رفضها المساس بالصليب، تواصل رفع صوتها من أجل وقف التعديات على الشعب الفلسطيني واللبناني وشعوب المنطقة، مطالباً المجتمع الدولي بعدم الاكتفاء بإدانة الاعتداءات على الرموز الدينية، بل التحرك أيضاً لوقف المعاناة المتواصلة في لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس.
ويقول المطران عطا الله حنا: "إن الاحتلال أخطر من أي اعتداء على رمز ديني، لأن الرموز تبقى، أما الإنسان فهو من يدفع الثمن كل يوم بفعل ممارسات الاحتلال".

استهداف المعاني الروحية والإنسانية

يؤكد الأب إبراهيم فلتس من "حراسة الأراضي المقدسة" أن حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في بلدة دبل قضاء بنت جبيل تمثل اعتداءً مرفوضاً بشكل قاطع، ليس فقط لأنها طالت رمزاً دينياً مقدساً لدى المسيحيين، وإنما لأنها تمس بصورة مباشرة المعاني الروحية والإنسانية التي يجسدها هذا الرمز في وجدان المؤمنين، وفي مقدمتها المحبة والسلام والرجاء.
ويوضح فلتس أن خطورة الحادثة لا تكمن في الفعل المادي ذاته، بل في الدلالات الأعمق التي يحملها، باعتبارها مؤشراً على تراجع الاحترام المتبادل بين البشر، وتحول الرموز الدينية التي يفترض أن تكون مساحة جامعة للسلام الروحي، إلى أهداف مباشرة للعنف والكراهية.
 ويشدد فلتس على أن الإدانة في مثل هذه الحوادث يجب ألا تُفهم باعتبارها رد فعل عاطفياً فقط، بل بوصفها موقفاً مبدئياً للدفاع عن حرية المعتقد وصون كرامة الإنسان، مهما كان انتماؤه الديني أو الثقافي.

نمط من التفكير المتطرف

ويشير فلتس إلى أن ما جرى لا يمكن التعامل معه باعتباره تصرفاً فردياً معزولاً عن السياق، بل يعكس، ولو بشكل جزئي، نمطاً من التفكير المتطرف الذي يقوم على نزع القدسية عن الآخر، وتبرير الاعتداء عليه، والنظر إلى المختلف دينياً أو فكرياً باعتباره بلا قيمة أو حرمة.
ويحذر فلتس من أن هذا النوع من الفكر، إذا تُرك دون مواجهة حقيقية، لا يهدد فئة بعينها، بل يضرب في العمق أسس التعايش الإنساني ويقوض القيم التي تقوم عليها المجتمعات المتعددة.
ويشدد فلتس على أن التعامل مع الحادثة يجب أن يتجاوز حدود الإدانة اللفظية إلى خطوات عملية واضحة، تبدأ بمحاسبة شفافة لكل من يعتدي على الرموز الدينية، باعتبار أن العدالة هي الحد الفاصل بين دولة القانون والفوضى، مروراً بتعزيز ثقافة احترام الأديان عبر المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام، وصولاً إلى دعم خطاب ديني مسؤول يعيد التأكيد على القيم المشتركة بين البشر، وفي مقدمتها كرامة الإنسان وقدسية الحياة.

خطورة هذا التفكير مع القوة

ويلفت فلتس إلى أن الجانب الأخطر في الحادثة يتمثل في أن من ارتكب هذا التصرف كان جندياً عسكرياً ويرتدي زيه العسكري الرسمي، معتبراً أن هذه المسألة لا يمكن تجاهلها، لأنها تكشف احتمال تسلل هذا الفكر المتطرف إلى الجيش وهما تكمن الخطورة إن استخدمت القوة للتعبير عن رفض الآخر.
ويشدد فلتس على أن ذلك يحمل دلالتين خطيرتين، إما وجود حالة من عدم الاكتراث تجاه هذه السلوكيات، أو شعور مرتكبيها بوجود حماية أو ضمانة تحول دون محاسبتهم بصورة رادعة.

اعتداء مباشر على الوجدان الإنساني

يعتبر الأب عبد الله يوليو أن قيام جندي إسرائيلي بتحطيم تمثال للسيد المسيح في بلدة دبل بقضاء بنت جبيل جنوب لبنان مؤخراً، يمثل اعتداءً مباشراً على الوجدان الإنساني العربي والفلسطيني، سواء لدى المسلمين أو المسيحيين، لما يحمله من مساس عميق بالمشاعر الدينية والرموز المقدسة التي تحظى بمكانة خاصة لدى المؤمنين.
ويؤكد يوليو أن تحطيم تمثال السيد المسيح، إلى جانب المساس برمز الصليب وتماثيل السيدة العذراء، يشكل تجريحاً واضحاً لمشاعر المؤمنين، لأن هذه الرموز لا تمثل مجرد مجسمات جامدة، وإنما تختزن معاني روحية وإنسانية عميقة لدى المسيحيين في المشرق والعالم.
ويشدد يوليو على أن وقع الحادثة يتضاعف لأنها وقعت في جنوب لبنان، وهي منطقة ترتبط وجدانياً بتاريخ طويل من التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وفي أرض عزيزة على قلوب أبناء المنطقة جميعاً.
ويشير يوليو إلى أن ما جرى يكشف عن غياب الاحترام للقيم الإنسانية والدينية، مؤكداً أن استهداف الرموز المقدسة يعكس مستوى خطيراً من الاستعلاء والازدراء، ويعبر عن عقلية عدوانية تتجاوز الاعتداء على الحجر لتصل إلى الاعتداء على الإنسان نفسه وعلى هويته الروحية والثقافية.
ويرى يوليو أن هذه الممارسات تندرج في سياق أوسع من الحرب التي تستهدف الأرض والإنسان معاً، وتعكس مظلومية الفلسطينيين والعرب في أكثر من مكان.

خطورة تحول الصراع إلى ديني

ويحذر يوليو من أن خطورة الحادثة يفتح الباب أمام تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة في هذه المرحلة.
ويؤكد يوليو أن المسيحيين والمسلمين في فلسطين ولبنان وسوريا هم أبناء شعب واحد وأمة واحدة، يجمعهم الماضي والحاضر والمصير المشترك، لذا جاء هذا الغضب على ما فعله هذا الجندي بشكل أكبر.

محاولات تبييض صورة الاحتلال أمام العالم

ويرى يوليو أن إعلان الاحتلال فتح تحقيق في الحادثة لا يمكن فصله عن محاولات تبييض صورته أمام العالم، في وقت تكشف فيه الوقائع عن تصاعد خطاب الكراهية، وضمن محاولة لاحتواء الغضب العالمي على الحادثة.
ويدعو الأب يوليو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية، والعمل الجاد من أجل تحقيق العدالة للشعوب العربية وللشعب الفلسطيني، مؤكداً أن استمرار الظلم في الأرض المقدسة والمنطقة سيبقيها رهينة للحرب والكراهية، لافتاً إلى أن إنهاء هذا الواقع هو السبيل الوحيد لفتح الطريق أمام سلام عادل يضع حداً لمعاناة شعوب المنطقة.

التطرف برفض الآخر وفكره ووجوده

يشدد نائب المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية ومفتي محافظة رام الله والبيرة فضيلة الشيخ إبراهيم عوض الله على أن اختلاف الناس في العقائد والأفكار أمر واقع لا مناص عنه، لكن المشكلة تبقى في طريقة التعاطي مع هذه الحقيقة.
ويشير عوض الله إلى أن بعض الناس يتطرفون في رفض الآخر وفكره ووجوده، ويتصرفون بناء على هذا التطرف غير مبالين بحريات الناس وعقائدهم وثقافاتهم، وإسلامنا الحنيف تميز بترك الناس وما يختارون من أديان، بدليل الخطاب الرباني الموجه للرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، ليقوم بدوره بتبليغ مخالفيه في العقيدة والدين، فقال تعالى: "لكم دينكم ولي دين"، وقال عز وجل: "لا إكراه في الدين".
ويؤكد عوض الله أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب استند إلى هذا المنطق لما فتح القدس، وظهر هذا جلياً في العهدة العمرية التي أعطى فيها الأمان لأهل القدس على أنفسهم وكنائسهم وصلبانهم، وهو يعلم أن من آذى ذمياً معاهداً يتساوى في الخطيئة مع الذي يؤذي المسلم.
أما المتطرفون وفق عوض الله، فيحتقرون غيرهم، ويبتزونهم ويظلمونهم، ويتجردون من قيم التسامح معهم، ولما تسنح لهم الفرص لا يبالون بسفك دماء الأبرياء، وانتهاك الحرمات، التي حرم الله النيل منها، بل يتفاخرون بما يقترفون.
ويؤكد عوض الله أنه من العجيب الغريب أن بعضهم يقومون بجرائمهم باسم الدين، وتعبداً لله بزعمهم، فلم تسلم منهم الشجرة المباركة التي يضيء زيتها كأنه نور، ولم يسلم من شرهم الشيوخ الركع، ولا البهائم الرتع، ولم تسلم منهم المعابد والمساجد التي يتعبد الناس فيها لربهم، فعاثوا في الأرض الفساد، ويحسبون أنهم مصلحون، وإلا فما بال رموز الأديان البشرية وغيرها، لينالوا منها ويقضوا على وجودها، وهم يلتقطون الصور وينشرونها على الملأ على سبيل التباهي والاستكبار والاستهتار بالأديان وأهلها.
ويوضح عوض الله أن المؤمنين بحقائق الأديان وقيمها النبيلة، يربأون بأنفسهم عن قبول الإساءة لأديان غيرهم ورموزها، مهما كان الخلاف أحياناً بينهم وبين معتقدات مخالفيهم، فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، ولكن الإرادة الربانية اقتضت وجود الخلاف والاختلاف بين بني آدم.
ويشدد عوض الله على تحريم الاعتداء على مقدسات الناس، لأن الفصل النهائي بينهم يكون يوم القيامة، وهناك يحكمون بالعدل الرباني، والحق الإلهي، ولا مسوغ للتآلي على الله، وتقمص بعض امتيازاته، للقضاء على وجود المخالفين ومقدساتهم، ما يعني لزوم إنكار الاعتداء على الأديان ورموزها، ووجوب المطالبة بوضع حد صارم لهذه الجرائم التي كان منها تمزيق المصحف وإحراقه، وسب الأنبياء وتحقيرهم، وانتهاك حرمات المساجد والكنائس، التي أمر الله بصونها عن التدنيس، بل أمر بلزوم الدفاع عن حياضها، حسب ما جاء في قوله عز وجل: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً".

ضرورة احترام معتقدات الآخرين

يؤكد مدير دائرة إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية د. ماجد صقر رفضه وإدانته لأي اعتداء يستهدف المعالم والرموز الدينية، مشدداً على أن احترام معتقدات الآخرين يمثل مبدأً أصيلاً في الدين الإسلامي، الذي يدعو إلى صون المقدسات وعدم المساس بها مهما اختلفت المرجعيات الدينية أو العقدية.
ويشدد صقر على أن أي اعتداء على رمز ديني، سواء كان إسلامياً أو مسيحياً أو تابعاً لأي ديانة أخرى، يعد سلوكاً مرفوضاً ومداناً، موضحاً أن الاعتداء على كنيسة القيامة لا يختلف في خطورته عن الاعتداء على المسجد الأقصى، لأن كليهما يمثل رمزاً دينياً وإنسانياً يجب الحفاظ على حرمته ومكانته.
ويشير صقر إلى أن ما جرى أخيراً في لبنان بحق أحد الرموز الدينية المسيحية من قبل جندي من جيش الاحتلال يشكل انتهاكاً واضحاً لقيم الاحترام المتبادل بين أتباع الأديان، ويعكس سلوكاً ينبغي الوقوف ضده بصورة حازمة.
ويؤكد صقر أن رفض الاعتداء على المقدسات والرموز الدينية ليس مجرد موقف عابر، بل هو التزام أخلاقي وإنساني يهدف إلى حماية الهوية التاريخية والثقافية للشعوب، وضمان حرية العبادة، ومنع إشعال الفتن والصراعات التي قد تنتج عن استهداف الرموز الدينية.

صون الرموز الدينية مسؤولية جماعية

ويلفت صقر إلى أن صون هذه المعالم يجب أن يكون مسؤولية جماعية تتشارك فيها المؤسسات الدينية والحكومات والمنظمات الدولية.
ويدعو صقر إلى تحرك عالمي لحماية المعالم الدينية عبر سن قوانين واضحة ورادعة، وتوفير جهات قادرة على الدفاع عن المقدسات ومنع الاعتداء عليها، مؤكداً أن الإساءة إلى الأنبياء أو الرموز الدينية، سواء عبر الرسوم أو الكتابات أو أي وسيلة أخرى، لا يمكن اعتبارها حرية شخصية أو تعبيراً مشروعاً عن الرأي، بل تمثل جريمة تستوجب المساءلة القانونية، لأن احترام الأديان يجب أن يكون واجباً يلتزم به الجميع دون استثناء.

العبثية المنظمة

يعتبر عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية ومنسق القوى الوطنية والإسلامية د.واصل أبو يوسف أن قيام جندي إسرائيلي بتحطيم تمثال السيد المسيح في بلدة دبل لا يمكن النظر إليه بوصفه حادثة منفصلة، بل يندرج ضمن حالة "العبثية المنظمة" التي يمارسها جنود الاحتلال، والتي تقوم على عدم احترام الآخر، سواء في معتقداته الدينية أو في حياته أو ممتلكاته.
وبحسب أبو يوسف، فإن هذا السلوك يعكس ذهنية متطرفة باتت تظهر بصورة متكررة في ممارسات جنود الاحتلال، الذين لا يترددون في إطلاق النار على المدنيين أو تدمير الممتلكات أو التعامل مع حياة الناس باعتبارها بلا قيمة. ويلفت أبو يوسف إلى أن المشهد ذاته تكرر في قطاع غزة، حيث أقدم جنود الاحتلال على تدمير المنازل والعبث بها، في وقت كانت فيه القناصة تستهدف الأطفال والنساء والمدنيين في سياق سياسة قتل ممنهجة تستهدف الفلسطينيين.
ويوضح أبو يوسف أن تحطيم رمز ديني مسيحي في لبنان يكشف أن المسألة تتجاوز التخريب المادي، لتصل إلى مستوى ازدراء الأديان كافة، مشيراً إلى أن الفلسطينيين عاشوا صوراً مشابهة من هذا النهج في القدس، سواء من خلال الاعتداءات المتكررة على المصلين في المسجد الأقصى، أو منع المسيحيين من الوصول إلى كنيسة القيامة، إضافة إلى الممارسات الاستفزازية بحق رجال الدين المسيحيين، بما في ذلك التعرض لهم أثناء توجههم إلى أماكن العبادة.
ويشدد أبو يوسف على أن هذه الأفعال تعكس ثقافة متطرفة لا تعترف بحرمة الأديان الأخرى، ولا تحترم القيم الإنسانية الأساسية، محذراً من أن استمرار هذا النهج يهدد الاستقرار في المنطقة بأسرها، خصوصاً في ظل تجاهل حكومة الاحتلال وجيشها لسيادة الدول وللأعراف الإنسانية والقانونية الدولية.

انعكاس للاعتداءات ذاتها في فلسطين

ويشير أبو يوسف إلى أن ما يقوم به المستوطنون في الضفة الغربية والقدس يندرج ضمن السياق نفسه، من خلال تنفيذ اعتداءات وحرق ممتلكات واستهداف مباشر للفلسطينيين تحت حماية جيش الاحتلال، لافتاً إلى أن تسليح المستوطنين من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بعشرات آلاف قطع السلاح منحهم غطاءً لمواصلة سياسة القتل والاعتداء بحق الفلسطينيين.
ويؤكد أبو يوسف أن ما يجري يعكس إصرار حكومة الاحتلال على فرض واقع استعماري بالقوة، عبر سياسات الهدم والإبعاد والحصار والتنكر الكامل لحقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، معتبراً أن عدم تنفيذ قرارات الشرعية الدولية شجع الاحتلال على التمادي في انتهاكاته.

أهمية التحرك الجاد لحماية المقدسات

ويدعو أبو يوسف إلى تحرك عربي وإقليمي ودولي جاد لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتأمين حماية فعلية للشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، إلى جانب الضغط لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفرض عقوبات على حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، وعزلها ومحاسبتها أمام المحاكم الدولية على ما ترتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين وشعوب المنطقة، مؤكداً أن وقف هذا النهج بات ضرورة لمنع اتساع دائرة التطرف والعنف في المنطقة.

انهيار أخلاقي خطير

يؤكد عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني عصام بكر أن حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في إحدى بلدات قضاء بنت جبيل جنوب لبنان تمثل "انهياراً أخلاقياً خطيراً"، يعكس فكراً متطرفاً لا يقيم وزناً للأديان ولا يحترم الحريات أو المعتقدات الدينية، معتبراً أن ما جرى يتجاوز كونه حادثة معزولة إلى كونه تعبيراً عن نزعة عنصرية متصاعدة تستند إلى عقلية استعلائية تتعامل مع الآخرين بدونية وتمييز.

إنتاج خطاب يقوم على التفوق العرقي والديني

ويوضح بكر أن الاعتداء على رمز ديني مسيحي بهذا الحجم يكشف عن تغذية فكرية ممنهجة تقوم على الحقد والكراهية، وتعيد إنتاج خطاب يقوم على التفوق العرقي والديني.
ويشير بكر إلى أن ما حدث في البلدة اللبنانية لا يمكن فصله عن الممارسات التي يشهدها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، من تقييد للحريات الدينية، وفرض التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، وصولاً إلى إغلاقه ومنع الوصول إليه، وهو ما يعكس نهجاً واحداً يتكرر في أكثر من مكان ويستهدف الرموز الدينية والهوية الروحية للشعوب.
ووفقاً لبكر، فإنه وخلال اجتياحات الصفة الغربية في الانتفاضة الثانية، تعمد الاحتلال استهداف وقصف تمثال للسيدة مريم العذراء في مدينة بيت لحم، ما أدى لتحطيم وتضرر أجزاء منه، ثم بعد ذلك حصار كنيسة المهد.
ويشير بكر إلى أن تمثال السيد المسيح في البلدة اللبنانية أصبح شاهداً على نزعة "بالغة الخطورة"، لأنها تمس أبسط حقوق الإنسان المرتبطة بحرية الاعتقاد واحترام المقدسات، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى انتشار حالة من الاحتقان الديني والثقافي على نطاق أوسع، بما يشبه "انتشار النار في الهشيم"، نتيجة ما يتركه من أثر عميق في مشاعر الشعوب وسلوكها تجاه الآخر المختلف.

أهمية مواجهة الفكر المتطرف

ويشدد بكر على أن المطلوب اليوم لا يقتصر على إدانة الحادثة، بل يستدعي مواجهة الفكر الذي يقف خلفها، باعتباره فكراً تدميرياً يهشم المعاني الدينية والإنسانية، ويضرب أسس التعايش وحق الاختلاف، ويعمل على إشعال صراعات دينية وإثنية في المنطقة.
ويؤكد بكر أن جوهر الصراع في المنطقة ليس دينياً كما تحاول دولة الاحتلال تصويره، بل هو صراع تحرر وحقوق، يرتبط بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة في تقرير مصيرها والعيش بحرية ضمن أنظمة تعبر عن إرادتها الوطنية.
ويدعو بكر إلى تعزيز قيم التسامح في مواجهة خطاب الكراهية، والعمل على إحباط محاولات جر المنطقة إلى حروب طائفية وعرقية، مطالباً المجتمع الدولي باتخاذ خطوات عملية تشمل فرض عزلة ومقاطعة شاملة على الاحتلال، ومنعه من الاستمرار في المساس بالقيم الدينية والإنسانية وحقوق الأفراد والجماعات في ممارسة معتقداتهم بحرية وأمان.

أقلام وأراء

الخميس 23 أبريل 2026 1:46 مساءً - بتوقيت القدس

حصار لموانئ ايران و اغلاق مضيق هرمز مؤشر لاستئناف الحرب

الصراع الإيراني الأمريكي القديم الجديد الذي تفاقمت تابعياته بعد حرب الـ 12 يوم بين أمريكا و إسرائيل من جهة و الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة مقابلة و استأنفت حربهم مطلع هذا العام و تحديداً مع استهداف و مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي مع عدة قادة من الصف الأول و الصف الثاني من الحرس الثوري الإيراني ، و تعمقت هذه الحرب و توسعت باستهداف ايران لمواقع حيوية و مصافي البترول و أماكن سكنية في دول الخليج و كذلك دول عربية منها المملكة الأردنية الهاشمية و بالعراق و إقليم كردستان ، و مما زاد تفاقم تصعيد هذه الحرب اغلاق مضيق هرمز الحيوي و تأثيره على الملاحة النفطية و الغاز العالمي الذي أدى بالمقابل على تقليص وصوله الى عدة دول و شح في توفير امدادات النفط خصوصاً أوروبا و تداعياته على السياحة العالمية في ظل هذه الظروف.

على الرغم من وجود مفاوضات الامريكية الإيرانية و عدم الوصول نهائياً الى حل ملموس على ارض الواقع لوقف هذه الحرب ، حرب مضيق هرمز و اغلاق الموانئ الإيرانية و حرب الصواريخ و المسيرات التي حرقت الأخضر و اليابس و ارهقت دول العالم اجمع ، و التي أدت بطبيعة الحال الى اغلاق عدة مطارات خليجية و عربية تباعاً لهذه الحرب ، و الجدير ذكره ان مهلة وقف اطلاق النار الذي تم بوساطة اسلام آباد بين الطرفين خلال المفاوضات الأولى انتهت فجر اليوم ، في حين الرئيس الأمريكي قد اعلن تمديد هذه المهلة من جديد من غير اعلان وقت لانتهائها في سبيل الخوض في مفاوضات جديدة بين الطرفين للوصول الى اتفاق ، في المقابل الطرف الإيراني وصف ان تمديد وقف اطلاق النار ما هو الا بمناورة عسكرية أمريكية لشن هجوم مباغت على ايران .

المشهد الحالي للحرب الامريكية الإيرانية يوصف بالمعقد جراء التقلبات في المواقف و التصريحات و عدم الوصول الى اتفاق نهائي بين الطرفين و تعقيداً يوم بعد يوم و يتزايد غموض فرص الوصول الى اتفاق من عدمه ، و في ظل هذه الظروف المؤشر يتراوح و قد يغلب عليه التصعيد و العودة الى الحرب العسكرية ، في حين ان التحركات الدبلوماسية لوصول طرفي النزاع الى اتفاق مستمرة في خضم أجواء عدم الثقة و احتمالية استئناف هذه الحرب و العودة الى نقطة الصفر ، الملف الإيراني و الأمريكي الإسرائيلي يضع دول المنطقة على مفترق طرق حساس بين خيار الوصول الى اتفاق اما إعادة اشعال طبول الحرب و المواجهة العسكرية من جديد ، و دراسة تأثيرها على دول الإقليم و العالم ، جاءت خطوة الرئيس ترامب و الرؤية الامريكية للموضوع  هي السعي الى منح فرصة جديدة و إعطاء مزيد من الوقت للوساطة الباكستانية الجارية حالياً ، و للقيادات الإيرانية للوصول الى موقف موحد بينهم بعد التناقضات في المواقف و التصريحات داخل الحكومة الإيرانية مؤخراً ، التي أسهمت في اخذ القرار الأمريكي بتمديد المهلة ، حيث وجهت انتقادات لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتصريحه الأخير بخصوص فتح مضيق هرمز الذي عارضه الحرس الثوري بهدف استمرار الحرب و رفضه في الاستمرار بالمفاوضات في اسلام آباد ، و مطالبته بتحقيق شرط عدم استمرار فرض الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية للخوض في مفاوضات المرحلة الثانية ، و في ضمن هذا الاطار تصريح الرئيس ترامب ان ايران عدة مرات انتهكت وقف اطلاق النار ، يبدو ان الوضع الحالي الإيراني يؤشر بعدم معرفة من يقود السفينة السياسية و القرارات ، و بينما الغموض يسود حول المرشد الأعلى الحالي مجتبى خامنئي و احتمالية عجزه عن اتخاذ قرارات مفصلية في هذه الازمة و خصوصاً بعد اصابته و تدهور حالته الصحية ، الواضح ان احمد وحيدي رئيس الحرس الثوري هو الذي يأخذ القرارات الحالية و يسيطر على زمام الأمور في الدولة ، و هذا مؤشر واضح لتغيير النظام الحاكم في ايران و سبب التناقضات  في القرارات و الانقسامات فيما بينهم .

رغم تمديد الجهة الامريكية مهلة وقف اطلاق النار الا ان الرئيس ترامب اصر على مواصلة الحصار البحري للموانئ الإيرانية ، التي تعتبر تصعيداً كبيراً من الناحية الإيرانية الذي وصفه بأجراء جرمي كبير و الذي يعمق الخلاف بين الطرفين و قد يتفاقم بعدم استمرار أي مفاوضات و تحديداً من الطرف الإيراني حيث صرح مستشار رئيس برلمان الإيراني مهدي محمدي " ان تمديد وقف الحرب يعد مناورة لكسب الوقت من اجل شن هجوم مباغت على ايران ، و ان استمرار الحصار لا يختلف عن القصف الأمريكي لإيران و قد يؤدي الى رداً عسكرياً ايرانياً قاسياً في ظل استمرار التوتر بين الطرفين كما اتهمت أمريكا بنقض التزامها بطرح مطالب جديدة تتعارض مع الاتفاقات السابقة المبرمة بينهم ، و من الجهة المقابلة الحرب مستمرة من اذرع ايران ، حيث تم اطلاق صواريخ في العمق السعودي مؤخراً من جهة المقاومة الإسلامية العراقية و هذا ان دل على شيء انما يدل ان الهدنة الهشة التي لم تنجح في منع الفصائل المدعومة من ايران من قصف دول الخليج و إمكانية استمرارها في هذا النهج .

مما لا شك فيه استمرار ايران بتصعيد لهجتها المحذرة في استهداف اقوى و اهداف محددة مسبقاً في حال عدم الوصول الى اتفاق متوازياً ، و استمرار التهديدات الامريكية ، و بطبيعة الحال قد يؤدي الى اغلاق مضيق هرمز بشكل كامل من الطرف الإيراني ، هذا النهج التي تتبعه ايران يلوح الى استئناف الحرب و توسعها الى جيران ايران كما حصل من قبل كما ورد في تصريحه في التلفزيون الرسمي الإيراني " بإمكانية عدم التزام طهران بقرار وقف إطلاق النار، مؤكداً أن الدولة ستتصرف وفقاً لما تقتضيه مصالحها القومية "، و بالاستناد لذلك الازمة مستمرة و احتمالية تصعيد تداعياتها السياسية و الاقتصادية على دول الإقليم و العالم ما زالت موجودة ، و من المهم في هذا الصدد وجود مخطط لتحالفات عسكرية في مجموعة من الدول ليتم عقد محادثات تستمر يومين في العاصمة البريطانية لندن اليوم الأربعاء بهدف السعي الى فتح مضيق هرمز من جديد ، هذا الاجتماع مبني على تقدم المباحثات الإيرانية الامريكية المبرمة التي عقدت في اسلام آباد ، هدفه ترجمة الدواعي الدبلوماسية الى خطة مشتركة لحماية الملاحة في المضيق و عدم تفاقم الازمة و السعي الى تخفيض التصعيد و وقف الحرب الحالية نهائياً .

تنطوي وجهة نظري ان الموضوع الحالي للصراع معقد للغاية ، و ان احتمالية وقف الحرب لا تلوح في الأفق القريب تحديداً ان الاهداف التي حددتها الإدارة الأمريكية لم تحل الى الآن ، و ليس مضيق هرمز فقط و لكن موضوع النووي الإيراني المغلق الى الآن و الداخل الإيراني و النظام بعد تبعيات مقتل العديد من قادة الصف الأول و الصف الثاني للحرس الثوري و عدم ظهور مجتبى خامنئي في المشهد الحالي ، و السؤال الأبرز هل تتغير صورة الحكم الحالي في ايران ؟ لاسيما في خضم الاختلافات المتكررة بين الحكومة الإيرانية و هيمنة الحرس الثوري على القرارات السيادية الأخيرة و تفاقم اختلاف وجهة النظر عدم التوافق بينهم التي أدت الى عدم ذهاب الوفد الإيراني لاجراء المحادثات الأخيرة في باكستان و من البديهي انه لم يتم الوصول الى حل لوقف هذه الحرب الدائرة  ، و بطبيعة الحال يضع الإقليم و العالم بوضع لا يحسد عليه و تحديداً مع استمرار اغلاق مضيق هرمز و تداعياته على الملاحة العالمية للبترول و ارتفاع أسعار السلع و أهمها المواد الغذائية و تأثيره على شح الأسمدة الزراعية و حري بنا الاشارة ان اكثر الدول المتأثرة مباشرة  من هذه الحرب الصين التي لن تتمكن من الحصول على 90% من احتياجها النفطي التي كانت تحصل عليه بالأسعار التفضيلية الإيرانية بأقل 30% من السعر العالمي ، و على عكس ذلك الأسعار تتزايد يوماً بعد يوم ، ما موقف الصين من هذه الحرب الحالية تحديداً ؟ ، و تعقيباً على ما سبق اذا لم تهدئ الحرب الحالية و تعود الى العمل العسكري لا هروب من القول بتوسعها في الإقليم و تتفاقم تداعياتها عالمياً على اقتصاد دول العالم مع استمرار ارتفاع سعر برميل النفط العالمي و الأيام المقبلة مليئة بالتطورات السياسية و العسكرية و الاقتصادية .

فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 1:45 مساءً - بتوقيت القدس

النتشة : "14 ايار" القادم .. فرصة تاريخية بإنتظار حركة "فتح" نحو التجديد والنهوض بالمشروع الوطني

أكد اللواء بلال النتشة، الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، أن انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح المقرر في الرابع عشر من ايار المقبل ،يشكّل محطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، لما يحمله من دلالات سياسية وتنظيمية عميقة، في ظل التحديات المتسارعة التي تواجه القضية الفلسطينية، سواء على صعيد الاحتلال وسياساته، أو على مستوى الواقع الداخلي الفلسطيني.

وأوضح النتشة في تصريحات صحفية، أن أهمية هذا المؤتمر لا تقتصر على كونه استحقاقًا تنظيميًا دوريًا، بل تتعداه ليكون فرصة حقيقية لإعادة تجديد بنية حركة "فتح" وتعزيز دورها الريادي في المشروع الوطني، مشددًا على أن الحركة كانت وما زالت العمود الفقري للنضال الفلسطيني، وأن أي تطوير في أدائها سينعكس إيجابًا على مجمل الحالة الوطنية.

وأشار إلى أن من أبرز مخرجات المؤتمر المرتقبة يجب أن تكون إعادة التأكيد على الثوابت الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، إلى جانب وضع رؤية سياسية واضحة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

وفيما يتعلق بالوحدة الوطنية، شدد النتشة على أن المؤتمر الثامن يمثل فرصة مهمة لإعادة ترميم الحالة الفلسطينية الداخلية، داعيًا إلى تبني خطاب وحدوي جامع يعزز الشراكة الوطنية ويُنهي حالة الانقسام، مؤكدًا أن قوة حركة "فتح " ووحدتها الداخلية تشكل ركيزة أساسية لتحقيق الوحدة الوطنية الشاملة.

كما أكد أن وحدة حركة "فتح" نفسها يجب أن تكون أولوية قصوى، من خلال تجاوز الخلافات الداخلية وتعزيز مبدأ العمل الجماعي والمؤسساتي، مشيرًا إلى أن الحركة بحاجة إلى ضخ دماء جديدة قادرة على مواكبة التطورات، دون إغفال الدور التاريخي للقيادات التي راكمت الخبرة النضالية والتنظيمية.

وفي هذا السياق، شدد النتشة على أهمية إدخال الكفاءات والقيادات التنظيمية إلى اللجنة المركزية، خاصة أولئك الذين كان لهم دور بارز خلال الانتفاضة الكبرى عام 87 ، لما يمتلكونه من تجربة ميدانية عميقة ورؤية نضالية متجذرة، مؤكدًا أن المزج بين الخبرة التاريخية والطاقة الشبابية يشكّل ضمانة حقيقية لاستمرار الحركة وتطورها.

وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب قيادة تمتاز بالكفاءة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار، وقادرة على إعادة الاعتبار للعمل التنظيمي، وتعزيز التواصل مع القواعد الجماهيرية، بما يضمن استعادة ثقة الشارع الفلسطيني بالحركة .

واكد النتشة ايضا، على أن نجاح المؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" سيشكّل رسالة قوية للشعب الفلسطيني وللعالم، مفادها أن الحركة قادرة على تجديد نفسها ومواصلة دورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني، داعيًا إلى تضافر الجهود لإنجاح هذا الاستحقاق التاريخي بما يخدم وحدة الشعب والقضية.

وقال الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس عضو المجلسين الوطني والمركزي والمجلس الاستشاري للحركة،أن هذه الاخيرة شكّلت منذ انطلاقتها ومازالت العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وقادت النضال بمختلف مراحله، من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي والدبلوماسي، حفاظًا على الهوية الوطنية وترسيخًا لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

وأضاف أن الدور التاريخي لحركة "فتح" لا يقتصر على الماضي، بل يمتد ليكون مسؤولية متجددة في مواجهة التحديات الراهنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقسام، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، والتصدي للمخططات التي تستهدف القضية الوطنية.

وشدد النتشة على أن المطلوب في خضم المؤتمر، هو إجراء مراجعة شاملة للتجربة التنظيمية والسياسية، بما يعزز وحدة الحركة ويجدد بنيتها القيادية على أسس ديمقراطية، ويمنح دورًا أوسع للشباب والكوادر الفاعلة. كما دعا إلى تطوير الأداء التنظيمي بما يتلاءم مع المتغيرات المتسارعة.

وفيما يتعلق بالرؤية السياسية، أوضح أن حركة "فتح" مطالبة بتعزيز حضورها الدولي، وتفعيل أدوات النضال السياسي والقانوني، والاستمرار في الدفاع عن حل عادل قائم على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

وقال النتشة أن المرحلة الحالية تتطلب وحدة وطنية حقيقية، ورؤية استراتيجية واضحة، تعيد الاعتبار للمشروع الوطني، وتستنهض طاقات الشعب الفلسطيني في مواجهة التحديات المقبلة.

وأكد أن المؤتمر الثامن يجب أن يكون محطة مفصلية تعيد للحركة دورها الريادي، لا أن يقتصر على كونه إجراءً إداريًا أو استحقاقًا تنظيميًا شكليًان موضحا أن التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية تفرض على المؤتمر أن يتحول إلى رافعة حقيقية لتجديد المشروع الوطني، من خلال بلورة رؤية سياسية واضحة، وتطوير الأداء التنظيمي، وتعزيز وحدة الحركة الداخلية.

وأضاف أن المطلوب هو الخروج بقرارات نوعية تعيد الثقة بقدرة حركة "فتح" على قيادة المرحلة، وتفعيل دورها الجماهيري، والانفتاح على الطاقات الشابة، بما يعزز حضورها في مختلف الميادين.

وشدد على أن نجاح المؤتمر يُقاس بقدرته على إحداث نقلة نوعية في الأداء السياسي والتنظيمي، وليس فقط بإنجاز الانتخابات أو استكمال الإجراءات، داعيًا إلى أن يكون المؤتمر منصة للمراجعة الجادة والتخطيط الاستراتيجي لمواجهة المتغيرات الراهنة.

وختم بالتأكيد على أن حركة "فتح" مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تكون في موقع المبادرة، وأن يعكس مؤتمرها الثامن هذا الدور من خلال مخرجات عملية تعزز صمود الشعب الفلسطيني وتخدم قضيته العادلة.

عربي ودولي

الخميس 23 أبريل 2026 1:20 مساءً - بتوقيت القدس

من نيكسون إلى ترمب.. كيف تحولت 'نظرية الرجل المجنون' من تكتيك أزمة إلى أسلوب حكم؟

عادت 'نظرية الرجل المجنون' لتتصدر المشهد السياسي العالمي مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، حيث يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعتمدها كركيزة أساسية في إدارته للصراع. يتجلى هذا النمط في رفع سقف التهديدات إلى حدودها القصوى، مما يترك الخصوم والحلفاء على حد سواء في حالة ترقب دائم لما قد تؤول إليه الخطوات القادمة.

شهدت الآونة الأخيرة تجليات واضحة لهذا الأسلوب، خاصة بعد التهديد المباشر بضرب منشآت الطاقة الإيرانية وفرض حصار على مضيق هرمز عقب تعثر المباحثات في باكستان. ورغم وصول التصعيد إلى ذروته، انتهت الجولة بهدنة هشة في الثامن من أبريل 2026، بعد أن مارس ترمب سياسة 'حافة الهاوية' عبر تمديد المهل في اللحظات الأخيرة.

تعود الجذور التاريخية لهذه المقاربة إلى عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، وتحديداً ما نقله رئيس أركانه إتش. آر. هالديمان في مذكراته. كانت الفكرة تقوم على إقناع الخصوم بأن الرئيس قد يفعل أي شيء ولا يمكن التنبؤ بردود فعله، مما يجبرهم على تقديم تنازلات خشية وقوع كارثة غير محسوبة.

استخدم نيكسون هذا التكتيك خلال حرب فيتنام، وبلغت ذروتها في قصف هانوي العنيف عام 1972، بهدف انتزاع تسوية تحفظ ماء وجه واشنطن. ومع ذلك، يرى مراقبون أن نتائج هذا الأسلوب كانت ملتبسة، حيث أن بنود اتفاق السلام اللاحق لم تختلف كثيراً عما كان معروضاً قبل التصعيد العسكري الدامي.

تشير التقارير إلى أن تأثر ترمب بنيكسون ليس مجرد مصادفة سياسية، بل هو نتاج علاقة شخصية ومراسلات امتدت لنحو عقد من الزمن. بدأت هذه العلاقة حين كان ترمب مطوراً عقارياً طموحاً في نيويورك، بينما كان نيكسون يحاول استعادة اعتباره السياسي، مما عمق فهم ترمب لاستراتيجيات القوة والصورة العامة.

تختلف ممارسة ترمب لهذه النظرية عن سلفه نيكسون في كونها تحولت من تكتيك لمواجهة مأزق محدد إلى أسلوب حكم شامل ودائم. فبينما استخدمها نيكسون في ملفات محدودة مثل فيتنام، يوظفها ترمب في طيف واسع من القضايا المحلية والدولية، محولاً الإرباك إلى 'نظام تشغيل' سياسي.

من الناحية النفسية، تحلل دراسات سلوك ترمب بوصفه مزيجاً من الطموح والانتهازية والنزعة التسلطية المرتبطة بالاندفاع. هذه السمات تجعل من الإرباك والضغط أدوات طبيعية في إدارة الصراع، حيث يجد الرئيس في حالة عدم اليقين بيئة مثالية لفرض إرادته وتحقيق مكاسب تفاوضية.

يصف خبراء القيادة في جامعة ييل أسلوب ترمب بـ 'الفوضى المتعمدة'، مؤكدين أنه يتبع قواعد عملية ثابتة رغم ظهوره بمظهر غير المتوقع. تعتمد هذه القواعد على غريزة بقاء حادة وقدرة على التكيف، مع استخدام التنمر والإطراء كأدوات مكملة للخروج من المآزق السياسية المعقدة.

برزت 'دبلوماسية الإحراج' كأحد تجليات هذا الأسلوب خلال الولاية الثانية لترمب، حيث لم يتردد في توجيه انتقادات علنية لضيوفه في البيت الأبيض. شملت هذه المواقف سخرية من قادة دوليين وسجالات حادة مع رجال دين وإعلاميين، مما يعزز صورته كقائد لا يخضع للبروتوكولات التقليدية.

في مواجهة الضغوط الإعلامية، يتبع ترمب استراتيجية 'إغراق الميدان' عبر ضخ سيل متواصل من التصريحات المتناقضة على منصته الخاصة. تهدف هذه السياسة إلى الهيمنة على الأجندة الإخبارية ومنع الخصوم من التقاط أنفاسهم أو تفكيك ادعاءاته، مما يبقيه دائماً في مركز الحدث والاهتمام العالمي.

تعد منصة 'تروث سوشال' الأداة الرئيسية في هذه المعركة الإعلامية، حيث يطلق ترمب مواقف متبدلة في الحدة والاتجاه خلال ساعات قليلة. هذا النشاط الكثيف يصرف الانتباه عن القضايا التي قد تضر بموقفه السياسي، ويفرض روايته الخاصة على المشهد العام بعيداً عن تدقيق الوسائل التقليدية.

امتدت صدامات ترمب لتشمل مؤسسات دولية وشخصيات اعتبارية كبرى، مثل سجاله مع البابا ليو الرابع عشر حول ملفات الهجرة والتدخلات العسكرية. تعكس هذه المواجهات رغبة في تحطيم القواعد القائمة وإعادة تعريف موازين القوى بناءً على منطق القوة المباشرة والمواجهة العلنية.

بين مكاتب مانهاتن في الثمانينيات ودهاليز السلطة في 2026، استطاع ترمب استعادة 'غموض نيكسون' وتطويره ليتناسب مع عصر الفوضى الرقمية. لم يعد السؤال اليوم يدور حول مدى عقلانية هذه التصرفات، بل حول قدرة النظام الدولي على التكيف مع هذا النمط الجديد من ممارسة القوة.

في نهاية المطاف، تبدو 'نظرية الرجل المجنون' في نسخة ترمب المعاصرة كاستجابة لاختلال موازين الردع التقليدية في العالم. إنها محاولة لفرض الهيبة الأمريكية عبر التخويف، مما يضع السياسة الدولية أمام اختبار مستمر للتعامل مع رئيس يرى في عدم القدرة على التنبؤ قمة الذكاء الاستراتيجي.

فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 1:20 مساءً - بتوقيت القدس

شهادات جنود الاحتلال تكشف تفشي ظاهرة نهب الممتلكات المدنية في جنوب لبنان

كشفت مصادر صحفية عبرية عن تورط واسع لجنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي، سواء في الخدمة النظامية أو الاحتياط، في عمليات نهب ممنهجة للممتلكات المدنية داخل القرى والبلدات التي توغلوا فيها بجنوب لبنان. وأكدت الشهادات أن هذه الممارسات لم تعد حالات فردية، بل تحولت إلى ظاهرة متكررة تشمل الاستيلاء على محتويات المنازل والمحال التجارية دون رادع.

وتنوعت المسروقات التي استولى عليها الجنود لتشمل دراجات نارية وأجهزة تلفاز حديثة، بالإضافة إلى السجاد الفاخر واللوحات الفنية والأثاث المنزلي. وأوضحت التقارير أن هذه الأغراض يتم تجميعها ونقلها بوضوح داخل المركبات العسكرية والجيبات التي تغادر الأراضي اللبنانية باتجاه الحدود، في مشهد يعكس غياب الرقابة العسكرية.

وأشارت الشهادات التي نقلتها مصادر إعلامية إلى أن القيادات الميدانية على مستوى قادة الكتائب والألوية على دراية كاملة بما يحدث في الميدان. ورغم علمهم بوقائع السرقة، إلا أنهم يمتنعون عن اتخاذ أي إجراءات تأديبية أو فتح تحقيقات رسمية بحق الجنود المتورطين، مما منح الضوء الأخضر لاستمرار هذه الانتهاكات.

ووصف أحد الجنود المشاركين في العمليات الميدانية ما يحدث بأنه 'ظاهرة جنونية' تجاوزت كل الحدود المنطقية. وأضاف الجندي أن عمليات السرقة تتم في العلن، حيث يقوم العناصر بتخزين المسروقات في سياراتهم الخاصة أو العسكرية فور العثور عليها، مؤكداً أن الجميع في الوحدات القتالية يدرك حجم هذه السرقات.

وتعيد هذه المشاهد إلى الأذهان التقارير التي وثقت عمليات نهب مشابهة وواسعة النطاق نفذها جيش الاحتلال في قطاع غزة منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر 2023. ويبدو أن سيناريو الاستيلاء على ممتلكات المدنيين ينتقل الآن من الجبهة الجنوبية في غزة إلى الجبهة الشمالية مع لبنان بذات الأسلوب والمنهجية.

وفي إحدى الشهادات، ذكر جندي أن قائداً ميدانياً ضبط مجموعة من العناصر وهم يحاولون مغادرة الحدود بسيارة محملة بالأغراض المسروقة. ورغم أن القائد وبخهم وأمرهم بالتخلص من تلك الممتلكات، إلا أن الحادثة انتهت عند هذا الحد دون تسجيل أي عقوبة عسكرية أو إحالة للشرطة العسكرية.

ويرى مراقبون وجنود ميدانيون أن التساهل في تطبيق القانون العسكري يرسل رسالة واضحة للمجندين بأن نهب ممتلكات اللبنانيين أمر مباح. وأكد جندي لوسائل إعلام أن غياب العقوبات الرادعة، مثل السجن أو الطرد من الخدمة، هو السبب الرئيس خلف تفاقم هذه الظاهرة وتحولها إلى سلوك عام.

كما لفتت التقارير إلى أن بعض القادة يكتفون بإدانة الظاهرة شفهياً أمام جنودهم لتبرئة ذمتهم، لكنهم في الواقع يتغاضون عن اللصوص ولا يمنعونهم من إدخال المسروقات إلى إسرائيل. هذا التواطؤ المؤسسي يعكس حالة من الانفلات الأخلاقي والقانوني داخل الوحدات التي تعمل في العمق اللبناني.

وذكرت المصادر أن غياب الشرطة العسكرية عن نقاط التفتيش الحدودية ساهم بشكل مباشر في تسهيل خروج الممتلكات المنهوبة. ولو وُجدت رقابة حقيقية عند المعابر الحدودية لتم ضبط كميات هائلة من الأثاث والأجهزة الكهربائية التي سُرقت من بيوت المدنيين اللبنانيين الذين نزحوا عن قراهم.

وتشير الشهادات إلى أن الجنود لا يحاولون حتى إخفاء المسروقات عند عبورهم الحدود، بل يضعونها في أماكن ظاهرة داخل الشاحنات. هذا السلوك يشير إلى ثقة الجنود التامة بأنهم لن يتعرضوا للمساءلة القانونية من قبل رؤسائهم أو من قبل النظام القضائي العسكري الذي يتجاهل هذه الجرائم.

ختاماً، تؤكد هذه الوقائع أن نهب الممتلكات بات جزءاً من العقيدة الميدانية لبعض الوحدات في جيش الاحتلال، حيث يتم التعامل مع أملاك المدنيين كغنائم حرب. وتستمر هذه الانتهاكات في ظل صمت دولي وتواطؤ من القيادة العسكرية العليا التي تركز على العمليات القتالية وتتجاهل السلوكيات الجرمية لجنودها.

فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 1:20 مساءً - بتوقيت القدس

ملف المفقودين في غزة: آلاف تحت الأنقاض وغموض يلف مصير من 'خرجوا ولم يعودوا'

يواجه قطاع غزة أزمة إنسانية متفاقمة تتمثل في ملف المفقودين الذي بات يؤرق آلاف العائلات الفلسطينية في ظل استمرار العدوان. وأكدت مصادر في الدفاع المدني أن هذا الملف يعد من أكثر القضايا تعقيداً، حيث يتوزع المفقودون بين ضحايا عالقين تحت ركام المنازل المدمرة وآخرين انقطعت آثارهم في ظروف غامضة أثناء تنقلهم بين المناطق.

وأوضح المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل أن الجهاز يعتمد منذ بداية الحرب على إفادات الأهالي لتوثيق أعداد من كانوا داخل المباني لحظة استهدافها. وقد أشارت التقديرات الأولية إلى تجاوز عدد المفقودين حاجز الـ 10 آلاف شخص، مما يعكس حجم الكارثة التي حلت بالأحياء السكنية المكتظة.

وخلال الأشهر الخمسة الماضية، نجحت طواقم الدفاع المدني بالتعاون مع المواطنين في انتشال أكثر من 1500 جثمان من تحت الأنقاض. وتمت هذه العمليات الصعبة بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في محاولة لمنح العائلات فرصة لدفن ذويهم بكرامة رغم شح الإمكانيات والمخاطر المستمرة.

ورغم هذه الجهود، لا يزال نحو 8500 مواطن في عداد المفقودين تحت الركام، من بينهم فئات هشة تشمل الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى. وتواجه فرق الإنقاذ صعوبات بالغة في الوصول إلى هؤلاء الضحايا نتيجة تدمير البنية التحتية ونقص الآليات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض الكبيرة.

وفي مسار موازٍ، يبرز ملف 'من خرج ولم يعد' كأحد أوجه المعاناة، حيث وثقت المصادر أكثر من 3000 حالة لمواطنين فقدوا في مناطق مختلفة. وأشارت التقارير إلى أن العديد من هؤلاء اختفوا بالقرب من 'الخط الأصفر' أو في المناطق التي تشهد توزيع المساعدات الإنسانية، دون معرفة مصيرهم الحقيقي.

وتشير التوقعات إلى احتمالية تعرض عدد كبير من هؤلاء المفقودين للاعتقال من قبل قوات الاحتلال أثناء محاولتهم النزوح أو البحث عن طعام. وقد وجه الدفاع المدني مناشدات متكررة للصليب الأحمر والمنظمات الدولية للضغط من أجل الحصول على قوائم بأسماء المعتقلين لتحديد مصير المفقودين وتطمين عائلاتهم.

ويعاني جهاز الدفاع المدني من غياب تام للإمكانات التقنية والأدوات المتطورة التي تساعد في إجراء عمليات إحصاء دقيقة أو البحث الفعال. وأكد بصل أن حسم هذا الملف يحتاج إلى حالة من الاستقرار والهدوء، بالإضافة إلى توفير معدات إنقاذ متخصصة لم تدخل القطاع منذ بدء الحرب.

وفي إطار السعي لتنظيم البيانات، يعمل الدفاع المدني حالياً على إعداد نماذج رسمية سيتم توزيعها على المواطنين لتعبئة بيانات المفقودين بدقة. وتهدف هذه الخطوة إلى بناء قاعدة بيانات موثقة تشمل كافة الحالات، سواء من هم تحت الأنقاض أو من انقطعت أخبارهم في ظروف ميدانية مجهولة.

عربي ودولي

الخميس 23 أبريل 2026 1:20 مساءً - بتوقيت القدس

صراع السيادة في هرمز: تقديرات أميركية بنزاع طويل الأمد لتطهير المضيق من الألغام

تشير تقديرات صادرة عن وزارة الدفاع الأميركية إلى أن عمليات تأمين مضيق هرمز وتطهيره من الألغام البحرية قد تمتد لفترة تصل إلى ستة أشهر. هذا الجدول الزمني الطويل يضع استقرار أسعار النفط العالمية على المحك، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية القصوى لهذا الممر المائي الذي يعبر من خلاله نحو 20% من إمدادات الطاقة الدولية.

ونقلت تقارير صحفية عن مسؤولين في البنتاغون أن أعضاء في الكونغرس تلقوا إحاطات تفيد باحتمالية قيام الجانب الإيراني بنشر أكثر من عشرين لغماً بحرياً في مناطق حيوية داخل المضيق. ورغم نفي بعض المتحدثين الرسميين لدقة هذه الأرقام، إلا أن حالة التأهب العسكري في المنطقة تعكس جدية التهديدات القائمة وصعوبة حسم الموقف ميدانياً.

وتبرز التعقيدات التقنية كعائق أساسي أمام فرق نزع الألغام، حيث تشير المعلومات المسربة إلى استخدام تقنيات تحديد المواقع الجغرافية (GPS) في تثبيت بعض تلك الألغام. هذه الوسائل المتطورة، إلى جانب استخدام الزوارق الصغيرة السريعة في عمليات النشر، تجعل من عمليات الرصد والاعتراض مهمة شاقة تتطلب تكنولوجيا متقدمة ووقتًا طويلاً.

في غضون ذلك، لا تزال التحذيرات التي أطلقها الحرس الثوري الإيراني في منتصف شهر أبريل الماضي تلقي بظلالها على حركة الشحن، بعد الإعلان عن منطقة خطر تمتد لمساحة 1400 كيلومتر مربع. هذا الإجراء دفع كبرى شركات الملاحة العالمية إلى اتخاذ مسارات أكثر حذراً، مطالبة بضمانات دولية واضحة قبل استئناف العبور بشكل طبيعي.

وعلى الصعيد السياسي، برز تضارب في الروايات بين واشنطن وطهران، حيث أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بدء عمليات إزالة الألغام من قبل الجانب الإيراني، وهو ما لم يلقَ تأكيداً رسمياً من طهران. هذا الغموض يعزز من فرضية 'الحرب الرمادية' التي تهدف إلى استنزاف الخصم دون الوصول إلى مرحلة الصدام العسكري المباشر والشامل.

ويرى محللون عسكريون أن طبيعة مضيق هرمز الجغرافية تجعل منه بيئة مثالية لإدارة الحروب غير المتناظرة، حيث تعتمد إيران على ما يعرف بـ'أسطول البعوض' المكون من قوارب سريعة وألغام بحرية. هذه الاستراتيجية تهدف إلى فرض واقع سيادي جديد في المياه الإقليمية، ومواجهة التحركات الأميركية الساعية لتأمين خطوط الملاحة من مسافات بعيدة.

ويبقى المشهد في أحد أهم الممرات المائية في العالم رهيناً بالتفاهمات السياسية أو القدرة على فرض حلول تقنية للأزمة الأمنية الراهنة. وبينما تبدي دول محايدة استعدادها للمساهمة في تأمين الملاحة، يظل القلق سيد الموقف لدى قطاع الطاقة العالمي الذي يراقب بحذر أي تصعيد قد يؤدي إلى إغلاق طويل الأمد للمضيق.

فلسطين

الخميس 23 أبريل 2026 12:50 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة السيولة في غزة: العملات المهترئة تتحول إلى عبء يفاقم معاناة السكان

يعيش قطاع غزة واقعاً اقتصادياً معقداً تجاوز حدود الفقر والبطالة، حيث لم يعد مجرد امتلاك المال كافياً لتأمين الاحتياجات الأساسية. تفاقمت أزمة السيولة النقدية بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين، نتيجة القيود الصارمة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على إدخال الأوراق النقدية الجديدة واستبدال التالف منها.

أفادت مصادر بأن هذه الأزمة أدت إلى اهتراء واسع في العملات المتداولة بين أيدي المواطنين، مما دفع التجار والموردين إلى رفض استلامها في كثير من الأحيان. هذا الرفض المتبادل خلق حالة من الشلل في الدورة الاقتصادية المحلية، حيث يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف في سلسلة التبادل المالي.

تتجسد المعاناة اليومية في أبسط صورها عند محاولة شراء ربطة خبز أو دفع أجرة المواصلات، حيث يبرز نقص 'الفكة' كعائق رئيسي. الفئات النقدية الصغيرة التي تمثل العمود الفقري للمعاملات اليومية تلاشت تقريباً من الأسواق، مما يجبر السكان على التنازل عن بعض مشترياتهم أو القبول بخسائر مالية غير مباشرة.

نشأ في غزة ما يمكن وصفه بـ 'اقتصاد الندرة'، حيث لا يعكس حجم النقد المتداول النشاط الاقتصادي الحقيقي بل يعكس حجم القيود المفروضة. هذا الخلل البنيوي أدى إلى تآكل تدريجي في جودة الحياة، وزاد من تعقيد الإجراءات التجارية التي كانت في السابق تتم بسلاسة ويسر.

في محاولة للالتفاف على هذه المعضلة، اتجهت شريحة واسعة من الغزيين نحو استخدام المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية الحديثة. ورغم أن هذا التحول الرقمي بدا واعداً في بدايته، إلا أنه اصطدم بواقع تقني واجتماعي مرير حال دون تحوله إلى بديل شامل وحقيقي للنقد الورقي.

تتمثل أبرز عوائق التحول الرقمي في عدم استقرار شبكة الإنترنت في القطاع، وهي الركيزة الأساسية لعمل هذه التطبيقات. بالإضافة إلى ذلك، فإن قطاعات حيوية مثل المخابز ووسائل النقل العام لا تزال تعتمد بشكل كلي على الدفع النقدي المباشر، مما يجعل الحلول الإلكترونية مجرد مسكنات جزئية.

تشير التقارير الميدانية إلى أن الفئات الأكثر تضرراً من هذا التحول هم كبار السن وغير المعتادين على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. هؤلاء يجدون أنفسهم معزولين عن النظام المالي الجديد، وغير قادرين على التصرف في أموالهم المودعة في البنوك بسبب تعطل الصرافات الآلية أو نقص السيولة فيها.

أدت الأزمة المستمرة إلى ظهور تشوهات اقتصادية واضحة، من بينها تراجع الثقة العامة في العملة الورقية المتداولة. وأصبح هناك تفاوت غير رسمي في قبول الفئات النقدية بين تاجر وآخر، حيث يضع البعض شروطاً قاسية لقبول الأوراق النقدية بناءً على درجة نظافتها أو سلامتها من التمزق.

يؤكد خبراء اقتصاديون أن استمرار منع إدخال العملات الورقية يهدف إلى تشديد الحصار المالي على سكان القطاع وزيادة الضغوط المعيشية عليهم. إن غياب 'الفكة' ليس مجرد مشكلة تقنية، بل هو أداة لتعطيل الحياة اليومية وجعل الحصول على الرغيف والمواصلات مهمة شاقة تتطلب جهداً مضاعفاً.

يطالب المواطنون في غزة الجهات الدولية والمؤسسات الحقوقية بالتدخل الفوري للضغط على سلطات الاحتلال للسماح بإدخال السيولة النقدية. ويرى السكان أن الحل الجذري يبدأ بإعادة تفعيل دور البنوك بشكل كامل وتوفير كميات كافية من الفئات النقدية الصغيرة التي تضمن استمرار عجلة الحياة.

تنعكس هذه الأزمة المالية على الحالة النفسية والاجتماعية للسكان، حيث تزداد المشاحنات اليومية في الأسواق بسبب رفض العملات المهترئة. تحول البحث عن ورقة نقدية 'سليمة' إلى همّ إضافي يضاف إلى قائمة الهموم الطويلة التي يحملها الغزيون في ظل الظروف المعيشية المتدهورة.

يبقى المشهد الاقتصادي في غزة معلقاً بين مطرقة القيود الإسرائيلية وسندان الحاجة اليومية، في انتظار حلول حقيقية تنهي مأساة 'النقود المهترئة'. وحتى ذلك الحين، يواصل المواطن الغزي ابتكار طرق للبقاء، رغم أن أوراقه النقدية أصبحت في كثير من الأحيان بلا قيمة فعلية في يديه.