فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 2:26 مساءً - بتوقيت القدس

الحزب السوري القومي الاجتماعي: عقيدة عابرة للحدود في مواجهة تعقيدات الواقع اللبناني

تُعد الأحزاب السياسية في أي نظام ديمقراطي الرافعة الأساسية لتنظيم التمثيل الشعبي وصياغة البرامج الوطنية، إلا أن التجربة اللبنانية تظهر تعقيداً مختلفاً. فقد تحولت الأحزاب في كثير من المحطات إلى قنوات نفوذ ومصالح ترتبط بالهوية الطائفية أو المشاريع الخارجية، مما جعل العمل الحزبي يواجه تحديات بنيوية في تجاوز الانقسامات الأهلية.

وسط هذا المشهد، برز الحزب السوري القومي الاجتماعي كأحد أقدم القوى السياسية وأكثرها إثارة للجدل، حيث تأسس في بيروت عام 1932 على يد أنطون سعادة. قدم الحزب نفسه كحركة علمانية عابرة للحدود الوطنية اللبنانية، متبنياً مشروعاً قومياً يرى في 'سورية الطبيعية' الإطار الجغرافي والتاريخي للأمة، بعيداً عن التقسيمات التي فرضها الانتداب.

جاءت نشأة الحزب في ظل ظروف استثنائية تميزت بصعود القوميات الحديثة في المشرق العربي تحت وطأة الانتدابين الفرنسي والبريطاني. وقد شكل رفض ترسيم الحدود الجديدة، مثل 'دولة لبنان الكبير'، الركيزة الأساسية لفكر سعادة الذي اعتبر أن بناء الدول على أسس طائفية سيجعلها عاجزة عن مواجهة مشاريع التفتيت، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني.

لُقب أنطون سعادة بـ 'الزعيم' داخل الحزب، ليس كزعيم طائفة بل كمؤسس لنهضة فكرية وعقائدية شاملة تهدف لبناء مجتمع جديد. وقد ترك سعادة إرثاً كبيراً من النصوص والمحاضرات التي تُعد مرجعاً دستورياً للقوميين، ركز فيها على فصل الدين عن الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية ومواجهة الإقطاع والاحتكار كضرورات لبناء الدولة الحديثة.

انتهت مسيرة سعادة بشكل مأساوي في صيف عام 1949، حين أُعدم رمياً بالرصاص بعد محاكمة عسكرية وصفت بالصورية والسريعة عقب فشل تحرك مسلح نُسب للحزب. شكل هذا الإعدام لحظة فاصلة في تاريخ لبنان السياسي، حيث لم يُنظر إليه كإجراء قضائي فحسب، بل كحدث أخلاقي أثار جدلاً طويلاً حول عدالة الدولة في التعامل مع خصومها.

تقوم عقيدة الحزب على مستويين؛ الأول مبادئ أساسية تُعرف الهوية القومية المستقلة والولاء المطلق لمصلحة الأمة، والثاني مبادئ إصلاحية ترسم شكل الدولة المدنية. ويرى الحزب أن العلمانية ليست مجرد خيار، بل هي شرط وجودي لتوحيد المواطنين تحت قانون واحد ينهي الانقسامات المذهبية التي تضعف النسيج الاجتماعي.

تاريخياً، تنقل الحزب بين معارضة السلطة والتحالف معها، حيث سجلت محطة عام 1958 تموضعاً لافتاً له بجانب الرئيس كميل شمعون ضد التيارات الناصرية. هذا التموضع عكس حينها حجم الخصومة الفكرية مع القومية العربية، وأظهر قدرة الحزب على الانخراط في الحسابات السياسية الداخلية رغم منطلقاته العقائدية العابرة للكيانات.

في عام 1961، واجه الحزب ضربة تنظيمية كبرى بعد محاولة انقلاب فاشلة ضد حكم الرئيس فؤاد شهاب، مما أدى إلى حظره وزج قياداته في السجون. هذه المحطة طبعت صورة الحزب لدى أجهزة الدولة لعقود كـ 'عدو للكيان'، وأدخلته في مرحلة من الانكفاء والعمل السري لم تنتهِ إلا بصدور عفو عام في أواخر الستينيات.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية، تحول الحزب إلى لاعب عسكري ميداني ضمن تحالف الحركة الوطنية، وانخرط بقوة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بعد عام 1982. برز اسم الحزب في عمليات نوعية مثل عملية 'الويمبي' التي نفذها خالد علوان، وعملية سناء محيدلي، مما عزز حضوره ضمن ما يُعرف اليوم بـ 'محور المقاومة'.

ارتبط اسم الحزب أيضاً بواحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيداً في لبنان، وهي اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل عام 1982. فقد نسب القضاء اللبناني تنفيذ العملية لشبكة تابعة للحزب ضمت حبيب الشرتوني، وهو ما جعل الحزب في صدام دائم مع القوى السياسية التي تمثل 'القومية اللبنانية' والكتائب والقوات.

بعد اتفاق الطائف عام 1990، دخل الحزب في شرعية النظام الجديد مستفيداً من الوجود السوري في لبنان لتعزيز حضوره السياسي والبرلماني. انتقل الحزب من مرحلة المواجهة مع الدولة إلى مرحلة الاندماج والمشاركة في الحكومات، وأصبح جزءاً أساسياً من تحالف 8 آذار بعد خروج القوات السورية من لبنان عام 2005.

رغم هذا الاندماج، واجه الحزب تحديات في الحفاظ على استقلالية قراره السياسي وسط تداخل الملفات الإقليمية بين لبنان وسوريا وإيران. وقد أدى هذا التداخل أحياناً إلى تناقضات بين خطابه الداعي لبناء دولة مدنية حديثة، وبين ممارساته السياسية التي تفرضها التحالفات البراغماتية داخل منظومة المحاصصة الطائفية اللبنانية.

يعيش الحزب اليوم أزمة شرعية داخلية حادة، حيث انقسم إلى جناحين متنازعين يتبادلان قرارات الطرد والاتهامات بعد خسارة التمثيل النيابي في انتخابات 2022. هذا الانقسام ليس مجرد خلاف على الأسماء، بل هو انعكاس لأزمة عميقة تتعلق بآليات الحكم الحزبي وفقدان القدرة على إنتاج موقف موحد يلبي تطلعات قاعدته الشعبية.

في الختام، يبقى الحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجاً للحزب العقائدي الذي يصطدم بواقع سياسي واجتماعي شديد التعقيد. وبين طموحات 'النهضة' وبين قيود الممارسة اليومية، يجد الحزب نفسه أمام تساؤلات مصيرية حول قدرته على استعادة دوره كقوة تغييرية مدنية، أو البقاء أسيراً لصراعات الأجنحة والتحالفات الإقليمية.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 2:26 مساءً - بتوقيت القدس

إيران تحذر واشنطن من مغبة 'الضربة المحدودة': الاستسلام ليس من شيمنا

وجهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحذيراً شديد اللهجة إلى الولايات المتحدة، مؤكدة أن أي عمل عسكري يستهدف أراضيها، حتى لو وُصف بأنه 'محدود'، سيتم التعامل معه كعدوان شامل. وأوضحت طهران أن هذا الموقف يأتي رداً على التهديدات الأخيرة التي لوحت بها إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن إمكانية التدخل العسكري المباشر.

وخلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، شدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على أن القوانين الدولية تمنح بلاده الحق الكامل في الدفاع المشروع عن سيادتها. وأشار بقائي إلى أن أي دولة تتعرض لتهديدات مماثلة ستتخذ الموقف الحازم ذاته لحماية أمنها القومي ومصالحها العليا.

تأتي هذه التطورات بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ألمح فيها إلى دراسة خيار توجيه ضربات عسكرية محدودة في حال تعثر المسار الدبلوماسي الحالي. ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تهدف للضغط على الجانب الإيراني لتقديم تنازلات في الملفات العالقة، لا سيما مع اقتراب موعد جولات تفاوضية حاسمة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، كشفت مصادر عن استمرار الجهود التي تقودها سلطنة عُمان لتقريب وجهات النظر بين الطرفين عبر قنوات غير مباشرة. ومن المقرر أن تنطلق الجولة الثالثة من هذه المباحثات يوم الخميس المقبل، بعد جولتين سابقتين عُقدتا في مسقط وجنيف لبحث ملفات التهدئة والاتفاق النووي.

من جانبه، أعرب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عن تفاؤل حذر بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي حالة التوتر الراهنة. وأكد عراقجي في تصريحات إعلامية أن الفرق الفنية تعمل حالياً على صياغة مسودة نص تتضمن عناصر الاتفاق المحتمل، مشيراً إلى وجود 'فرصة جيدة' للنجاح إذا توفرت الإرادة لدى واشنطن.

ورغم الانفتاح على الحوار، جدد عراقجي تمسك طهران الصارم بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، واصفاً إياه بالحق السيادي الذي لا يمكن التفاوض عليه. وتعتبر هذه النقطة من أعقد الملفات التي تواجه المفاوضين، حيث تصر واشنطن على فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني.

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة تعزيز ترسانتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، حيث أرسلت حاملتي طائرات إضافية وأسراباً من الطائرات المقاتلة المتطورة. ويهدف هذا التحشيد، بحسب تصريحات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، إلى إظهار القوة ودفع طهران نحو مراجعة مواقفها السياسية والعسكرية.

وردت الخارجية الإيرانية على التساؤلات الأمريكية حول عدم 'استسلام' طهران أمام هذا الحشد العسكري بالتأكيد على أن سياسة الضغوط القصوى لن تنجح. وأكد المتحدث باسم الخارجية أن تاريخ الشعب الإيراني يبرهن على رفض الخضوع للإملاءات الخارجية، مشدداً على أن الاستسلام ليس خياراً مطروحاً في القاموس السياسي لبلاده.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 1:56 مساءً - بتوقيت القدس

الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال: سياسات التنكيل الممنهج ومخاطر قوانين الإعدام

فتحت حكومة الاحتلال الإسرائيلي جبهة جديدة تستهدف أجساد الأسرى الفلسطينيين، حيث تحول التنكيل من ممارسات معزولة خلف الجدران إلى مادة استعراضية تبثها القنوات العبرية. يأتي هذا الضخ الإعلامي التحريضي بالتزامن مع مساعٍ حثيثة لاعتماد قوانين إعدام الأسرى، ومحاكمات استثنائية لمقاتلي نخبة كتائب القسام.

تشير المعطيات الحالية إلى أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وصل إلى نحو 10 آلاف أسير، ينحدر غالبيتهم من الضفة الغربية والقدس. وفي المقابل، تواصل سلطات الاحتلال تصنيف أسرى قطاع غزة كـ 'مقاتلين غير شرعيين'، محتفظة بهم في مسارات احتجاز غامضة تفتقر لأدنى معايير الشفافية الدولية.

تدرج إسرائيل رسمياً 1249 أسيراً تحت تصنيف المقاتلين غير الشرعيين وفق إحصاءات فبراير 2026، إلا أن هذا الرقم لا يعكس الواقع الفعلي. فهناك مئات المفقودين من قطاع غزة الذين ترفض سلطات الاحتلال الإفصاح عن مصيرهم، وسط مخاوف من تعرضهم للإعدام الميداني أو الإخفاء القسري في مراكز احتجاز عسكرية.

أكدت تقارير حقوقية صادرة عن منظمة 'هموكيد' اختفاء مئات الغزيين بعد اعتقالهم من قبل جيش الاحتلال، حيث قوبلت التماسات قضائية بإنكار وجود سجلات اعتقال لهم. هذا الغموض يلف مصير المعتقلين في مرافق مثل 'سديه تيمان'، التي شهدت حالات وفاة ناتجة عن التعذيب الشديد وظروف الاحتجاز القاسية.

سجلت الحركة الأسيرة ارتقاء 88 شهيداً داخل السجون وأماكن الاحتجاز منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى منتصف فبراير 2026. ومن بين هؤلاء الشهداء، قضى 52 أسيراً من قطاع غزة نتيجة التعذيب الممنهج، والحرمان من الرعاية الطبية، وسياسة التجويع المفرط التي تتبعها إدارة السجون.

يقود وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير حملة شرسة لإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، مستخدماً مشاهد القمع كأداة للدعاية السياسية. وتظهر المقاطع المسربة وحدات القمع وهي تجبر الأسرى على الركوع والإذلال تحت تهديد القتل، في محاولة لترميم صورة الردع الإسرائيلية التي تهشمت في أكتوبر.

لم يعد قانون الإعدام مجرد مطلب لليمين المتطرف، بل بات يحظى بإجماع واسع داخل الكنيست الإسرائيلي، حيث مر بالقراءة التمهيدية في نوفمبر الماضي. يهدف هذا القانون إلى تحويل القضاء إلى ذراع انتقامية تشرعن قتل الفلسطينيين تحت غطاء قانوني يتجاوز كافة الإجراءات والأدلة المعتادة.

بالتوازي مع ذلك، أقر الاحتلال قانون محاكمة 'نخبة القسام' الذي يمثل تحولاً قضائياً خطيراً يؤسس لمنظومة استثنائية تدمج بين الأمن والعقيدة السياسية. ستتم هذه المحاكمات أمام محاكم خاصة مع بث الجلسات علنياً، مما يحول العملية القضائية إلى جزء من الحرب النفسية ضد الشعب الفلسطيني.

يرى مراقبون أن التنافس الانتخابي داخل الكيان الإسرائيلي بات يتغذى على التنكيل بالأسرى، حيث يتسابق الائتلاف والمعارضة لإثبات الأكثر حزماً وتطرفاً. ويستخدم بن غفير ملف الأسرى لتعويض فشله في ملفات الأمن الداخلي، محققاً مكاسب شعبوية سريعة في استطلاعات الرأي على حساب معاناة المعتقلين.

بات الأسير الفلسطيني في الوعي الإسرائيلي رمزاً لعملية إعادة ترميم 'الهيبة القومية' التي تحطمت في السابع من أكتوبر. وتسعى القيادة الإسرائيلية عبر ضخ مشاهد القسوة إلى شحن حالة الانتقام الجمعية، وتوجيه أنظار الجمهور بعيداً عن الإخفاقات العسكرية والسياسية التي منيت بها الدولة العبرية.

بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 ضمن خطة دولية، تعقدت آمال إطلاق سراح الأسرى ضمن صفقات تبادل قريبة. وأصبح مصير آلاف المعتقلين، خاصة من قطاع غزة، رهيناً للإجراءات الإسرائيلية الأحادية التي تتجه نحو تشديد العقوبات وتفعيل أحكام الإعدام بشكل فعلي.

تخلى النظام القضائي الإسرائيلي عن الحد الأدنى من النزاهة الإجرائية، حيث رفضت المحكمة العليا عشرات الالتماسات لتحسين ظروف المعيشة داخل السجون. وأصبح المحامون والمؤسسات الحقوقية عاجزين عن انتزاع أي حقوق أساسية للأسرى في ظل سيطرة روح الانتقام على المؤسسة القضائية برمتها.

تصف تقارير أممية ما يحدث في السجون بأنه 'إساءة ممنهجة تستوجب الوقف الفوري'، محذرة من تداعيات غياب الشفافية في مراكز الاحتجاز العسكرية. إن تحويل شهداء الحركة الأسيرة إلى أرقام في سجلات الإخفاء القسري يعقد جهود المحاسبة الدولية ويطمس معالم الجرائم المرتكبة بحقهم.

تحذر مؤسسات حقوقية فلسطينية من أن استمرار سياسات القمع والتجويع قد يدفع الأوضاع داخل السجون إلى انفجار وشيك. ومع تحول المعتقلات إلى 'مراكز إعدام صامتة'، يجد الأسرى أنفسهم أمام خيارات صفرية للدفاع عن كرامتهم وحياتهم في مواجهة آلة القمع الإسرائيلية المتصاعدة.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 1:56 مساءً - بتوقيت القدس

سموتريتش يلوح بـ 'إنذار نهائي' لنزع سلاح المقاومة في غزة بالتنسيق مع واشنطن

جدد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، تهديداته بشن عملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة، تهدف إلى التفكيك الكامل للقدرات العسكرية لحركة حماس. وأشار سموتريتش في تصريحات صحفية إلى أن الحكومة الإسرائيلية تمنح حالياً فرصة للإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب لمعالجة هذا الملف وفق رؤيتها، مؤكداً أن هدف تدمير الحركة لا يزال قائماً ولم يتم التراجع عنه.

وتوقع الوزير المتطرف أن تشهد الأيام القليلة المقبلة توجيه 'إنذار نهائي' للحركة يقضي بضرورة تسليم سلاحها وتفكيك بنيتها العسكرية بشكل كلي. ورغم عدم إفصاحه عن الآلية التي سيتم عبرها إيصال هذا الإنذار، إلا أنه شدد على أن الفشل في الاستجابة لهذه المطالب سيمنح الجيش الإسرائيلي 'شرعية دولية' وغطاءً أمريكياً للتحرك العسكري المباشر لتحقيق هذه الغاية.

وكشف زعيم حزب 'الصهيونية الدينية' عن وجود استعدادات عسكرية مكثفة تجري في الكواليس، حيث يعكف الجيش على وضع خطط عملياتية محدثة للتعامل مع المرحلة المقبلة. وأوضح أن المستوى السياسي في تل أبيب عقد سلسلة من المداولات المعمقة لتحسين هذه الخطط وضمان فاعليتها، معرباً في الوقت ذاته عن شكوكه في استجابة حماس، حيث يرى أن احتمالات تفككها طواعية تكاد تكون معدومة.

في المقابل، تواصل حركة حماس التمسك بترسانتها العسكرية كجزء من حق المقاومة ضد الاحتلال، مقترحةً صيغاً بديلة تشمل تجميد السلاح أو تخزينه ضمن اتفاق تهدئة طويل الأمد. وتصنف الأمم المتحدة إسرائيل كقوة احتلال في الأراضي الفلسطينية، وهو ما يعزز الموقف القانوني للمقاومة في الحفاظ على أدواتها الدفاعية في وجه الانتهاكات المستمرة.

وتأتي هذه التهديدات في وقت يعاني فيه قطاع غزة من آثار حرب إبادة جماعية استمرت لعامين، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة نحو 171 ألفاً آخرين. وقد طال الدمار ما يقرب من 90% من المرافق الحيوية والبنية التحتية، وسط تقديرات أممية تشير إلى أن إعادة إعمار ما دمرته الآلة الحربية يتطلب ميزانية ضخمة تتجاوز 70 مليار دولار.

وعلى الصعيد الميداني، أفادت مصادر بأن قوات الاحتلال تواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في الحادي عشر من أكتوبر الماضي بشكل يومي. وقد أدت هذه الخروقات المتواصلة إلى ارتقاء 615 شهيداً منذ توقيع الاتفاق، مما يضع التهدئة الحالية على حافة الانهيار في ظل استمرار العمليات العسكرية المحدودة والاغتيالات.

إلى جانب التصعيد العسكري، تفرض سلطات الاحتلال قيوداً مشددة على دخول المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية المتفق عليها، مما يفاقم الأوضاع الكارثية لنحو 2.4 مليون فلسطيني يعيشون في القطاع. وتربط الحكومة الإسرائيلية بين البدء في عمليات إعادة الإعمار وبين شرط نزع السلاح، وهو ما ترفضه القوى الفلسطينية وتعتبره ابتزازاً سياسياً في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 1:26 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات أممية من 'تطهير عرقي' في غزة وانهيار منظومة حقوق الإنسان عالمياً

أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، صرخة تحذير مدوية بشأن التدهور المتسارع في حالة حقوق الإنسان حول العالم، مشيراً إلى أن الانتهاكات باتت تتزايد بشكل صارخ في ظل تجاهل واسع للقانون الدولي. وأوضح غوتيريش خلال افتتاح دورة مجلس حقوق الإنسان في جنيف أن معاناة المدنيين بلغت مستويات كارثية في مناطق نزاع رئيسية تشمل غزة والسودان وأوكرانيا.

وشدد الأمين العام في كلمته على أن التراجع في احترام المعايير الحقوقية ليس مجرد صدفة، بل يتم بصورة متعمدة من قبل أطراف دولية. ودعا الدول الأعضاء بلهجة حازمة إلى التوقف عن التعامل مع حقوق الإنسان كقائمة اختيارية تخضع للمصالح السياسية الضيقة، مؤكداً أن هذه الحقوق وحدة واحدة لا تتجزأ.

وفي سياق دفاعه عن آليات المنظمة الدولية، كشف غوتيريش أن منظومة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تعيش حالياً مرحلة 'التشبث بالبقاء'. وأرجع هذا الوضع المتأزم إلى التقليص الحاد في التمويل، بالإضافة إلى الهجمات الممنهجة التي يتعرض لها الخبراء الأمميون في الميدان، وانسحاب قوى كبرى من آليات المحاسبة الدولية.

ووصف الأمين العام الفجوة بين الاحتياجات والموارد بأنها بلغت مرحلة الانفجار، حيث تتزايد الأزمات الإنسانية في وقت ينهار فيه الدعم المالي المخصص لمواجهتها. واعتبر أن هذا الخلل يهدد قدرة المنظمة على أداء واجباتها الأساسية تجاه الضحايا في مختلف بؤر الصراع المشتعلة.

من جانبه، أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك أن العالم يمر بمرحلة هي الأشرس من حيث التنافس على السلطة والموارد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وأشار تورك إلى أن هذه المنافسة المحمومة تنعكس بشكل مباشر على حياة الملايين الذين يواجهون انتهاكات جسيمة لحقوقهم الأساسية.

وتطرق تورك بشكل خاص إلى الوضع في قطاع غزة، واصفاً إياه بالكارثي والمأساوي إلى أبعد الحدود. وحذر المفوض الأممي من أن الفلسطينيين في القطاع لا يتعرضون للقتل المباشر فحسب، بل يواجهون سياسة تجويع ممنهجة، معرباً عن قلقه العميق من احتمالات وقوع عمليات تطهير عرقي وشيكة.

وفيما يخص الأزمات الإقليمية الأخرى، أشار المفوض السامي إلى تصاعد وتيرة العنف في السودان وميانمار، مؤكداً أن قوانين الحرب تُنتهك بشكل يومي دون رادع. وطالب بضرورة التوصل إلى اتفاقات سلام عادلة تنهي معاناة المدنيين وتوقف نزيف الدماء في أوكرانيا وبقية مناطق النزاع.

وعلى صعيد المحاسبة، وجه تورك دعوة صريحة للمحكمة الجنائية الدولية لمواصلة ملاحقة ومعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية. وشدد على أن ضمان المساءلة الدولية هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الإفلات من العقاب التي تشجع على استمرار الانتهاكات الجسيمة في مناطق الصراع.

وفيما يتعلق بالأزمة المالية، كشفت تقارير أممية عن عجز حاد يواجه مفوضية حقوق الإنسان نتيجة تراجع مساهمات الولايات المتحدة، التي كانت تعد الممول الأكبر. وأوضحت مصادر أن واشنطن لم تسدد سوى جزء ضئيل جداً من التزاماتها المالية الضخمة المستحقة للمنظمة الدولية عن العام الحالي.

وأوضح متحدث باسم الأمم المتحدة أن المبالغ المسددة من الجانب الأمريكي بلغت نحو 160 مليون دولار فقط، بينما تتجاوز المستحقات الإجمالية حاجز الأربعة مليارات دولار. هذا النقص الحاد دفع العديد من الوكالات الإنسانية إلى تقليص برامجها الحيوية في وقت تشتد فيه الحاجة لتدخلات دولية عاجلة.

تحليل

الإثنين 23 فبراير 2026 1:26 مساءً - بتوقيت القدس

هل تنهي 'القرعة' عصر البرلمانات؟ قراءة في أطروحة الحكم بلا سياسيين

أثار كتاب 'سياسة بلا سياسيين' للمفكرة الفرنسية هيلين لانديمور، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ييل، موجة واسعة من النقاشات الفكرية عقب مراجعة نقدية نشرتها صحيفة بريطانية. تتناول الأطروحة فكرة راديكالية تدعو إلى استبدال البرلمانات التقليدية والانتخابات بنظام يعتمد على اختيار مواطنين عاديين عشوائياً لإدارة شؤون الدولة.

تطلق لانديمور على هذا النموذج اسم 'اللوتوقراطية'، وهو نظام يقوم على تشكيل هيئات حاكمة من عامة الشعب لفترات زمنية محددة. وترى المؤلفة أن هذا التوجه يمثل حلاً جذرياً لأزمات الديمقراطية المعاصرة، مثل هيمنة المال السياسي وتغول النخب الحزبية وصعود النزعات الشعبوية التي تهدد الاستقرار.

تستند الأطروحة الصادرة عن دار 'ألن لين' إلى تجارب واقعية لمجالس المواطنين التي نُفذت في عدة دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة. فقد استعان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذا الأسلوب عقب احتجاجات 'السترات الصفراء' لإشراك الجمهور في صياغة سياسات المناخ وقضايا اجتماعية حساسة.

لم تقتصر هذه التجارب على فرنسا فحسب، بل امتدت لتشمل دولاً مثل أيرلندا وآيسلندا وبلجيكا، حيث أثبتت فاعليتها في معالجة ملفات شائكة. وتؤكد لانديمور أن إشراك المواطنين مباشرة يمنحهم إحساساً بملكية القرار السياسي، ويقلل من الفجوة العميقة بين السلطة والشارع.

تشير القراءة النقدية للكتاب إلى أن أقوى جوانب الطرح تكمن في الأثر الإنساني والاجتماعي لمشاركة المواطنين في صنع القرار العام. إذ تساهم هذه المجالس في بناء روابط قوية بين أفراد من خلفيات متباينة، مما يعزز التفاهم ويخفف من حدة الاستقطاب السياسي السائد.

يساعد النقاش الهادئ داخل هذه الهيئات العشوائية على تجاوز الجدال العقيم الذي غالباً ما يطغى على منصات التواصل الاجتماعي. وبدلاً من الصراعات الحزبية، يركز المشاركون على إيجاد حلول عملية للمشكلات التي تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر.

رغم الجوانب الإيجابية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى إمكانية تطبيق هذا النظام على مستوى إدارة دول كاملة ومعقدة. فبينما قد تنجح المجالس في نقاش قضية محددة، يبقى الانتقال إلى إدارة السياسات العليا قفزة محفوفة بالمخاطر، خاصة في أوقات الأزمات الكبرى.

تطرح المراجعة تساؤلات عملية حول كيفية التعامل مع فشل الأعضاء المختارين عشوائياً في أداء مهامهم الموكلة إليهم. وفي غياب آلية الانتخابات التقليدية، يظل من الصعب تحديد كيفية عزل المسؤولين أو محاسبتهم أمام الجمهور في حال ارتكاب أخطاء جسيمة.

تقترح لانديمور اللجوء إلى استفتاءات شعبية متكررة كأداة لضمان محاسبة هؤلاء الحكام المؤقتين، لكن النقاد يرون في ذلك حلاً إشكالياً قد يؤدي لعدم الاستقرار. فإدارة الدولة تتطلب استمرارية ورؤية استراتيجية قد لا تتوفر في هيئات متغيرة باستمرار.

تتفق المراجعة مع تشخيص المؤلفة لمظاهر الفساد وضغوط جماعات المصالح التي تنخر في جسد الأنظمة السياسية التقليدية الحالية. ومع ذلك، يرى المحللون أن إلغاء طبقة السياسيين المحترفين لا يعني بالضرورة اختفاء هذه العيوب المتجذرة في السلوك البشري.

استحضر النقاد تحذيرات الكاتب جورج أورويل في روايته 'مزرعة الحيوان' للتدليل على مخاطر السلطة المطلقة وغير المقيدة بضوابط مؤسسية واضحة. فالتاريخ يظهر أن الثورات المثالية التي تسعى للحكم المباشر قد تنتهي أحياناً إلى أنظمة استبدادية جديدة تحت مسميات مختلفة.

يأتي هذا الجدل في توقيت عالمي حساس يتزايد فيه التشكيك في كفاءة المؤسسات الديمقراطية التقليدية وقدرتها على تمثيل الشعوب. وقد ساهم صعود الشخصيات الشعبوية في تعزيز جاذبية الأفكار التي تنادي بتجاوز الوساطة السياسية والعودة إلى الحكم المباشر.

تحذر القراءة النقدية من أن جاذبية الفكرة نظرياً لا تعني بالضرورة قابليتها للتطبيق العملي دون تكاليف باهظة قد تمس استقرار الدول. فالتجارب السياسية الكبرى تتطلب حذراً شديداً قبل استبدال أنظمة قائمة منذ قرون بنماذج تجريبية غير مضمونة النتائج.

في الختام، يظل كتاب لانديمور وثيقة فكرية هامة تنجح في تشخيص أزمات السياسة المعاصرة ببراعة، لكنها تظل عاجزة عن تقديم بديل متكامل. إن البحث عن ديمقراطية أكثر عدلاً يظل مطلباً ملحاً، لكن الطريق إليها قد لا يمر بالضرورة عبر إلغاء السياسة ذاتها.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 1:02 مساءً - بتوقيت القدس

إشهار "مؤسسة فلسطين الوقفية" بقرار من وزارة الأوقاف في سلطنة عُمان

أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان القرار الوزاري رقم (78/2026م) بشأن شهر مؤسسة فلسطين الوقفية، وذلك بعد استيفائها المتطلبات القانونية والإجرائية المقررة.

 ونصّ القرار على أن رأس مال المؤسسة (التأسيسي) يبلغ مليون ريال عُماني، كسبيل وقفي مستدام قادر على تنفيذ برامجه ومبادراته وتحقيق أثر تنموي وإنساني فاعل، وتعزيز إسهامات القطاع الوقفي في دعم جهود التنمية والتكافل الاجتماعي لفقراء فلسطين ومحتاجيهم.


فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 12:56 مساءً - بتوقيت القدس

غزة بعد اجتماع واشنطن: وعود بالإعمار وتحديات ميدانية معقدة

انفض اجتماع مجلس السلام الذي استضافته العاصمة الأمريكية واشنطن في التاسع عشر من الشهر الجاري، مخلفاً وراءه حالة من الترقب الحذر بين سكان قطاع غزة. وبينما ينتظر الفلسطينيون نتائج ملموسة تنهي معاناة النزوح والدمار، لا تزال الأرض تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية رغم الوعود الدولية الكبرى.

استعد المشاركون في الاجتماع لرصد ميزانية ضخمة تصل إلى 17 مليار دولار ضمن خطة شاملة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في القطاع. كما تضمن الإعلان البدء في تأهيل قوة شرطية جديدة، إلا أن هذه الخطوات لم تتطرق بشكل كافٍ للملفات العالقة التي تمس الحياة اليومية للسكان بشكل مباشر.

ويرى محللون سياسيون أن أجندة مجلس السلام ركزت بشكل مكثف على ملف نزع سلاح المقاومة، متجاوزةً استحقاقات وقف الحرب والخطوات المطلوبة من الجانب الإسرائيلي. هذا التوجه أثار مخاوف من تهميش القضايا الإنسانية والسياسية الجوهرية مقابل التركيز على الترتيبات الأمنية التي تخدم رؤية معينة.

وأفادت مصادر بأن فلسطين كانت بمثابة 'الحاضر الغائب' في الاجتماع، حيث غابت الإشارات المباشرة للدولة الفلسطينية واقتصر التمثيل على الجوانب الإدارية للقطاع. ويطالب الشارع الفلسطيني بضرورة تحويل هذه الاجتماعات إلى ضغط حقيقي يمنع خروقات وقف إطلاق النار المتكررة من قبل جيش الاحتلال.

وتتمثل المطالب الشعبية الملحة في إجبار الاحتلال على الانسحاب من نحو 56% من مساحة قطاع غزة، لتمكين النازحين من العودة إلى مناطقهم. كما يشدد مراقبون على ضرورة البدء الفوري في عمليات الإعمار بعيداً عن الاشتراطات السياسية التي قد تعطل إنقاذ الوضع الإنساني المتردي.

ويشير متابعون إلى أن مجلس السلام، الذي تشكل بموجب قرار مجلس الأمن رقم (2803)، يواجه انتقادات بشأن شرعية عضوية أطراف متهمة بارتكاب جرائم إبادة. ويرى الفلسطينيون أن المهمة الأساسية للمجلس يجب أن تكون وقف الإبادة بمفهومها الشامل، بما يشمل إنهاء التجويع والحصار المفروض على السكان.

وفي سياق متصل، أكدت مصادر أن قرارات المجلس لم تعالج ملفات جوهرية مثل إهانة المسافرين عبر المعابر واستمرار الانتهاكات الميدانية. ويبقى التساؤل قائماً حول كيفية التعامل مع الملف الأمني في ظل وجود آلاف العناصر الأمنية السابقة التي لا تزال على رأس عملها في غزة.

وتشير تقارير رسمية ترصد الانتهاكات منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، إلى ارتكاب الاحتلال لأكثر من 1800 انتهاك متنوع. وقد أسفرت هذه الاعتداءات، التي شملت القصف والتوغل، عن ارتقاء مئات الشهداء وإصابة الآلاف، مما يضع مصداقية الاتفاقات الدولية على المحك.

أما في ملف المساعدات الإنسانية، فلا تزال سلطات الاحتلال تعرقل دخول الشاحنات، حيث لم يتجاوز متوسط الدخول اليومي 259 شاحنة. هذه الكمية تمثل نحو 43% فقط من الاحتياجات المتفق عليها، مما يفاقم أزمة الغذاء والدواء داخل مراكز النزوح والأحياء المدمرة.

وعلى صعيد حركة الأفراد، سجل معبر رفح أرقاماً متدنية للمسافرين منذ إعادة تشغيله في فبراير الجاري، بنسبة التزام لم تتجاوز 40%. هذا التقييد الممنهج لحركة الفلسطينيين يزيد من حالة الإحباط الشعبي تجاه مخرجات الاجتماعات الدولية التي لا تنعكس تحسناً في واقعهم المعيشي.

ويحذر كتاب ومحللون من محاولات تغييب الهوية الفلسطينية عبر تشكيل لجان إدارية لا تملك صلاحيات سياسية حقيقية. كما أن عدم الإفصاح عن مواعيد انسحاب الجيش الإسرائيلي من 'الخط الأصفر' يثير شكوكاً حول نوايا الاحتلال في البقاء لفترات أطول داخل أراضي القطاع.

وتمثل الأيام القادمة اختباراً حقيقياً لتنفيذ ما أعلن عنه بشأن نشر 'قوة الاستقرار' الدولية والبدء الفعلي في إعادة الإعمار. ويرى البعض أن ربط الإعمار بنزع السلاح يضع الفلسطينيين أمام معادلة صعبة تهدف إلى مقايضة الاحتياجات الأساسية بالمواقف السياسية والأمنية.

ويطرح خبراء ثلاثة مسارات محتملة للتعامل مع هذه الضغوط، تتراوح بين الرفض والصدام الذي قد يعيد العمليات العسكرية، أو المقايضة السياسية المدروسة. أما المسار الثالث فيتمثل في الانتظار، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف القوى الداخلية وصعود أطراف غير وطنية لإدارة المشهد.

في نهاية المطاف، يبقى سكان غزة هم الحلقة الأضعف في هذه التجاذبات الدولية، حيث يطمحون إلى استقلال حقيقي ودولة ذات سيادة. إن الاعتراف بأن القضية الفلسطينية هي قضية تقرير مصير، وليس مجرد أزمة إنسانية، يظل المطلب الأساسي الذي يتجاوز كل وعود التمويل والإعمار.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 12:26 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يحظر منصات إعلامية مقدسيّة ويصنّفها 'إرهابية' قبيل رمضان

صادق وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، على أمر عسكري يقضي بتصنيف مجموعة من المنصات الإعلامية الإلكترونية الفلسطينية كـ 'منظمات إرهابية'، وذلك بموجب قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي. وجاء هذا التحرك القانوني بناءً على توصيات رفعتها أجهزة الأمن العام (الشاباك)، التي ادعت وجود محاولات لتحريك الشارع المقدسي خلال شهر رمضان المبارك عبر هذه الواجهات الإعلامية.

وأفادت مصادر إعلامية بأن القرار يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحيات واسعة لإغلاق هذه المنصات وحظر محتواها الرقمي بشكل كامل، بالإضافة إلى ملاحقة العاملين فيها. وتزعم الأجهزة الأمنية للاحتلال أن هذه الشبكات تعمل كأدوات توجيهية لصالح فصائل فلسطينية من خارج الأرض المحتلة، بهدف تصعيد الأوضاع الميدانية في القدس والأقصى.

وفي أولى التداعيات الميدانية لهذا القرار، أعلنت شبكة 'العاصمة' الإعلامية عن توقف كافة أنشطتها الصحفية قسراً، مؤكدة أن هذا المنع يأتي في سياق محاولات عزل العاصمة المحتلة عن محيطها العربي والدولي. وشددت الشبكة في بيان لها على أن الرسالة الإعلامية لن تتوقف رغم القمع، وأن استهداف الكاميرا لن يطمس الحقيقة التاريخية للمدينة المقدسة.

من جانبه، اعتبر الباحث في شؤون القدس، عبد الله معروف أن حظر الوكالات الإعلامية يعد مؤشراً خطيراً على نية الاحتلال تنفيذ تصعيد واسع النطاق في المسجد الأقصى خلال الأسابيع القادمة. وأشار معروف إلى أن سلطات الاحتلال تسعى من خلال هذه القرارات إلى كتم الأصوات المقدسية التي توثق الانتهاكات اليومية، لضمان عدم وصول الصورة الحقيقية للعالم.

وبالتزامن مع هذه الإجراءات، أفرجت محكمة إسرائيلية عن الصحفية المقدسية نسرين سالم العبد، لكن بفرض شروط مقيدة قاسية شملت الحبس المنزلي لمدة عشرة أيام. وتضمن قرار الإفراج أيضاً إبعاد الصحفية عن المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر كاملة، ومنعها من استخدام الهاتف المحمول أو منصات التواصل الاجتماعي طوال فترة احتجازها المنزلي.

وأوضح محامي مركز معلومات وادي حلوة، محمد محمود أن هذه القيود تهدف إلى شل القدرة المهنية للصحفيين المقدسيين ومنعهم من ممارسة دورهم في تغطية الأحداث الميدانية. وتأتي هذه الملاحقات في وقت يكثف فيه الاحتلال حملات الإبعاد عن الأقصى بحق المصورين والنشطاء الإعلاميين الذين يتصدرون مشهد التوثيق في الساحات.

بدوره، أدان منتدى الإعلاميين الفلسطينيين القرار الإسرائيلي، واصفاً إياه بالانتهاك الصارخ لحرية الصحافة والتعبير التي تكفلها المواثيق الدولية. وأكد المنتدى أن تصنيف وكالات مثل 'البوصلة' و'قدس بلس' و'معراج' كأذرع إرهابية هو محاولة لتشويه الرواية الفلسطينية المستقلة أمام الرأي العام العالمي.

وشدد البيان على أن الوسائل الإعلامية الفلسطينية لن تخضع لسياسات الترهيب، وستواصل أداء رسالتها المهنية رغم التضييق الممنهج. ودعا المنتدى المؤسسات الحقوقية الدولية والاتحادات الصحفية حول العالم إلى اتخاذ موقف حازم للتنديد بهذه الإجراءات التي تستهدف تصفية الوجود الإعلامي الفلسطيني في القدس.

وفي سياق متصل بحرب الاحتلال على الإعلام، أعلنت السلطات الإسرائيلية تمديد إغلاق مكتب قناة الجزيرة في مدينة رام الله لمدة 90 يوماً إضافية، في تمديد هو الثاني عشر من نوعه. وتستند السلطات في هذا الإغلاق المتكرر إلى أنظمة الطوارئ الموروثة عن الانتداب البريطاني عام 1945، والتي تمنح القائد العسكري صلاحيات مطلقة.

وكانت الحكومة الإسرائيلية قد فعلت ما يعرف بـ 'قانون الجزيرة' في مايو الماضي، والذي يتيح لرئيس الوزراء ووزير الاتصالات إغلاق مكاتب القنوات الأجنبية التي تُصنف كخطر على أمن الدولة. ويأتي هذا التمديد الجديد ليؤكد استمرار النهج الإسرائيلي في محاصرة التغطية الإعلامية التي تنقل تفاصيل العدوان المستمر في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويرى مراقبون أن توقيت هذه القرارات قبيل شهر رمضان يعكس مخاوف إسرائيلية من التأثير الكبير للمحتوى الرقمي الذي ينتجه المصورون المقدسيون. فالمقاطع المصورة التي تنقل الأجواء الروحانية والاعتداءات في آن واحد، تحظى بتفاعل عالمي واسع، وهو ما يسعى الاحتلال لخنقه عبر حظر المنصات التي تنشر هذا المحتوى.

إن سياسة 'تكميم الأفواه' الرقمية التي ينتهجها الاحتلال حالياً، تتجاوز مجرد الحظر الإداري إلى الملاحقة الجنائية للعاملين في الحقل الإعلامي تحت غطاء قوانين الإرهاب. وهذا التحول يضع الصحفيين الفلسطينيين أمام تحديات وجودية، حيث يصبح مجرد نقل الخبر أو الصورة سبباً للاعتقال أو الحرمان من دخول المدينة المقدسة.

وعلى الرغم من هذه الإجراءات القمعية، تؤكد الهيئات الإعلامية في القدس أن البدائل الرقمية والنشاط الفردي للصحفيين سيستمر في نقل الحقيقة. فالمجتمع المقدسي أثبت في محطات سابقة قدرته على تجاوز الحظر العسكري عبر المبادرات الشعبية والإعلام المجتمعي الذي يصعب السيطرة عليه بالكامل.

ختاماً، يبقى المشهد الإعلامي في فلسطين ساحة مواجهة مفتوحة، حيث يسعى الاحتلال لفرض تعتيم شامل على ممارساته، بينما يصر الإعلاميون على الوفاء بعهدهم المهني. إن المعركة الحالية ليست مجرد صراع على منصات إلكترونية، بل هي صراع على الرواية والوجود في قلب القدس المحتلة.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 12:26 مساءً - بتوقيت القدس

تحركات أمريكية مكثفة في بغداد: هل يطيح 'فيتو' واشنطن بطموحات المالكي؟

شهدت العاصمة العراقية بغداد حراكاً دبلوماسياً مكثفاً قاده المبعوث الأمريكي توم باراك، الذي وصف اجتماعه مع رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني بـ 'المثمر'. وتأتي هذه الزيارة في توقيت حساس يمر به العراق، حيث تتصاعد حدة الخلافات السياسية حول هوية رئيس الوزراء القادم، وسط تقارير تشير إلى تحفظات أمريكية واضحة على بعض الأسماء المطروحة.

وأوضح باراك أن المباحثات ركزت على ضرورة بناء مستقبل مستقر للعراق، بما ينسجم مع تطلعات الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب. وشدد المبعوث الأمريكي على أن واشنطن تولي أهمية قصوى لوجود قيادة عراقية فعالة قادرة على تبني سياسات تعزز الأمن والاستقرار الداخلي، معتبراً ذلك حجر الزاوية لتحقيق المصالح المشتركة بين البلدين.

في سياق متصل، كشفت مصادر مطلعة أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بذل جهوداً للوساطة من أجل عقد لقاء مباشر بين المبعوث الأمريكي ونوري المالكي. وتهدف هذه الخطوة إلى محاولة تقريب وجهات النظر وتوضيح المواقف، خاصة في ظل الجدل الدائر حول ترشيح المالكي الذي يواجه معارضة شديدة من قبل الجانب الأمريكي وأطراف محلية أخرى.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة عقد خلالها سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى. وأفادت مصادر دبلوماسية بأن النقاشات في واشنطن تطرقت إلى تهديدات أمريكية جدية بفرض عقوبات على مؤسسات عراقية في حال الإصرار على مسار سياسي لا يحظى بقبول دولي، وتحديداً فيما يخص ترشيح المالكي.

من جانبه، حاول نوري المالكي بعث رسائل طمأنة للخارج عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً إيمانه بضرورة انفتاح العراق على الشركات العالمية الكبرى. وأشار المالكي في تغريدة له إلى ترحيبه بالاستثمارات الأمريكية والأوروبية للمساهمة في ثورة عمرانية وتطوير البنى التحتية، في محاولة واضحة لتخفيف حدة الاعتراضات الدولية على شخصه.

ولم تقتصر رسائل المالكي على الجانب الاقتصادي، بل امتدت لتشمل البعد الإقليمي، حيث أكد أن يده ممدودة للتعاون والتكامل مع دول المنطقة والعالم. وشدد على أن استقرار العراق يصب في مصلحة الجميع، داعياً إلى تغليب لغة الحوار والتعاون المشترك بما يخدم شعوب المنطقة بعيداً عن سياسات المحاور والتصعيد.

داخلياً، بدأت ملامح تراجع في دعم ترشيح المالكي تظهر داخل أروقة 'الإطار التنسيقي'، حيث تشير مصادر إلى وجود رغبة في البحث عن بدائل توافقية. وأوضح القيادي بهاء الأعرجي أن مسار الترشيح الحالي يصطدم برفض قوى وطنية أساسية، فضلاً عن الاعتراضات الإقليمية والدولية التي لا يمكن تجاهلها في المرحلة الراهنة.

وخلص الأعرجي إلى أن الواقع السياسي الحالي يستوجب على القوى العراقية إعادة تقييم أدواتها وآلياتها بعيداً عن المصالح الشخصية الضيقة. وأكد أن المرحلة تتطلب تقديم تنازلات من أجل المصلحة الوطنية العليا، وضمان عدم دخول البلاد في نفق مظلم من العقوبات الدولية أو العزلة السياسية التي قد تؤثر على استقرار الدولة.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 11:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تكتيك جوي جديد للجيش السوداني يستهدف تحييد دفاعات الدعم السريع غرباً

تشهد الساحة السودانية تطوراً ميدانياً لافتاً في طبيعة المواجهات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث كشفت مصادر تحليلية عن تبني القوات المسلحة تكتيكاً جديداً يركز على شل القدرات الدفاعية الجوية للطرف الآخر. وتأتي هذه التحركات رغم الدعوات الدولية المتكررة للهدنة، إلا أن العمليات العسكرية في مناطق كردفان ودارفور اتخذت منحىً استراتيجياً يهدف لاستعادة السيطرة على الأجواء.

ورصدت تقارير فنية استناداً إلى بيانات الأقمار الصناعية وخرائط الحرائق الحرارية، تركيزاً مكثفاً من قبل الجيش على استهداف مواقع حيوية في غرب البلاد. ويُعتقد أن هذه الاستراتيجية تهدف بشكل أساسي إلى استعادة حرية الطيران الحربي، مما يسمح للجيش بتنفيذ ضربات دقيقة وتأمين عمليات الإنزال والإمداد في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

ويعد مطار نيالا في ولاية دارفور أحد أبرز الأهداف التي تعرضت لقصف متكرر وممنهج منذ أواخر العام الماضي وحتى فبراير الجاري. وأظهرت مقارنة الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية اتساعاً ملحوظاً في البقع الداكنة المحيطة بمدرج المطار، وهي مؤشرات بصرية تؤكد وقوع انفجارات وحرائق كبيرة نتيجة الاستهداف الجوي المركز.

وفي العاشر من فبراير الجاري، رصدت أنظمة 'ناسا فيرمز' نقاطاً حرارية نشطة على بعد كيلومترات قليلة من مدرج مطار نيالا، بالتزامن مع ظهور بقع سوداء في صور أقمار 'سنتينل'. هذه البيانات تتقاطع مع إعلانات رسمية للجيش السوداني حول تدمير وحدات من المسيرات المعادية ومنظوماتها الدفاعية بدقة عالية في تلك المنطقة الاستراتيجية.

وتشير التحليلات الصادرة عن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة 'ييل' إلى وجود انتشار مكثف لمسيرات انتحارية تابعة لقوات الدعم السريع في محيط مطار نيالا. هذا الوجود العسكري المكثف جعل من المطار هدفاً أولوياً للجيش الساعي لتحييده كقاعدة إمداد وهجوم رئيسية تعتمد عليها القوات في عملياتها بدارفور.

وبالتوازي مع العمليات في دارفور، وسع الجيش السوداني نطاق استهدافاته لتشمل مواقع في جنوب وغرب كردفان، ضمن استراتيجية التفاف شاملة. ويهدف هذا التحرك إلى تأمين خطوط الإمداد العسكرية وضرب العمق الدفاعي للدعم السريع، خاصة بعد النجاح في استعادة السيطرة على مدينتي الدلنج وكادوقلي الاستراتيجيتين.

إن السيطرة على الدلنج وكادوقلي في نهاية يناير الماضي مكنت الجيش من خلق قاعدة انطلاق قوية نحو الفاشر ودارفور. ويسعى الجيش حالياً لتأمين هذا التقدم من خلال ضرب أنظمة الدفاع الجوي التي قد تعيق حركة الطيران المروحي والحربي المساند للقوات البرية المتقدمة في تلك المحاور الوعرة.

وفي منتصف فبراير الجاري، أعلنت مصادر عسكرية عن تدمير منظومات دفاع جوي متطورة تابعة للدعم السريع في منطقة أبو زبد. ونشرت وسائل إعلام رسمية مقاطع فيديو توثق لحظة استهداف منظومة دفاع جوي صينية الطراز من نوع 'إف كيه 2000'، والتي تعد من الأسلحة النوعية التي دخلت خط المواجهة مؤخراً.

وتمكنت فرق التحقيق الجغرافي من تحديد موقع الاستهداف بدقة عبر مطابقة المعالم الجغرافية ومسارات السكة الحديدية الرابطة بين الدبيبات وأبو زبد. وأكدت صور الأقمار الصناعية المحدثة بتاريخ 13 فبراير وجود آثار دمار وحرائق في الموقع المستهدف، لم تكن موجودة في المسوحات السابقة التي أجريت قبل خمسة أيام فقط.

وتأتي هذه العمليات المكثفة للجيش كرد فعل على خسائر سابقة، من بينها سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي وما تبعها من حوادث استهداف للطيران. ففي نوفمبر الماضي، وثقت مقاطع فيديو سقوط طائرة نقل عسكرية تابعة للجيش في محيط مدينة بابنوسة، وهو ما دفع القيادة العسكرية لتغيير تكتيكاتها لحماية أصولها الجوية.

وأظهرت بيانات نظام معلومات الحرائق التابع لوكالة 'ناسا' علامات حرائق مؤكدة في موقع سقوط الطائرة ببابنوسة في الرابع من نوفمبر. كما رصدت أقمار 'سنتينل' حطاماً في الموقع نفسه، مما عزز القناعة لدى هيئة الأركان بضرورة تحييد الدفاعات الجوية للدعم السريع قبل تنفيذ أي عمليات جوية واسعة النطاق.

إن التكتيك الجديد يعتمد على 'الاستنزاف النوعي'، حيث يتم التركيز على تدمير الرادارات ومنصات إطلاق الصواريخ المحمولة والمسيرات الانتحارية. هذا الأسلوب يقلل من المخاطر التي تواجه المقاتلات السودانية أثناء تنفيذ مهام الاستطلاع أو القصف الجوي في مناطق العمق الغربي التي تشهد تداخلاً كبيراً في السيطرة.

ويرى مراقبون أن نجاح الجيش في تحييد مطار نيالا ومنظومات الدفاع الجوي في كردفان سيغير موازين القوى ميدانياً بشكل كبير. فاستعادة التفوق الجوي الكامل تعني قطع طرق الإمداد العابرة للحدود التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع، وتسهيل وصول المساعدات العسكرية واللوجستية للمناطق المحاصرة.

ختاماً، يظهر من سياق العمليات الأخيرة أن الصراع في السودان دخل مرحلة تكسير العظام تكنولوجياً وعسكرياً، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على الأرض فقط. إن إصرار الجيش على تنفيذ هذا التكتيك الجوي الجديد يشير إلى نية واضحة لحسم المعارك في إقليمي دارفور وكردفان خلال الفترة المقبلة، وتجاوز حالة الجمود الميداني.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 11:56 صباحًا - بتوقيت القدس

مستوطنون يحرقون مسجداً جنوب نابلس والاحتلال يشن حملة اعتقالات واسعة بالضفة

تعرض مسجد أبو بكر الصديق الواقع بين قريتي تل وصرة جنوب مدينة نابلس، فجر اليوم الإثنين، لاعتداء سافر من قبل مجموعات من المستوطنين الذين حاولوا إحراقه. وأفادت مصادر محلية بأن المعتدين أضرموا النار عند مدخل المسجد واستخدموا مواد سريعة الاشتعال، مما تسبب بأضرار مادية في المكان.

ولم يكتفِ المستوطنون بإشعال النيران، بل عمدوا إلى خط شعارات عنصرية معادية للعرب والمسلمين على جدران المسجد الخارجية. وتأتي هذه الحادثة في ظل تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين الممنهجة ضد المقدسات والممتلكات الفلسطينية في مختلف مناطق الضفة الغربية المحتلة تحت حماية جيش الاحتلال.

وفي سياق متصل بالانتهاكات الميدانية، أقدم مستوطنون على تقطيع 21 شجرة زيتون في قرية المغير شرق مدينة رام الله. ووقعت عملية التخريب في منطقة سهل مرج سيع، حيث استغل المستوطنون ساعات الفجر لتنفيذ اعتداءاتهم التي تستهدف سبل عيش المزارعين الفلسطينيين وارتباطهم بأرضهم.

ميدانياً، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة مداهمات واسعة النطاق في عدة محافظات بالضفة الغربية، تخللتها عمليات تفتيش للمنازل وترهيب للسكان. وتركزت الاقتحامات في بلدات وقرى نابلس وجنين ورام الله والخليل، وأسفرت عن اعتقال عدد من المواطنين ونقلهم إلى جهات مجهولة.

وفي بلدة يعبد جنوبي جنين، أفادت مصادر بأن قوات الاحتلال حولت قاعة أفراح محلية إلى مركز احتجاز وتحقيق مؤقت عقب اقتحام البلدة صباح اليوم. وتخلل العملية العسكرية حملة اعتقالات واسعة طالت عدداً من الشبان، وسط إجراءات أمنية مشددة فرضها الاحتلال على مداخل البلدة.

محافظة بيت لحم شهدت هي الأخرى توغلاً لقوات الاحتلال، حيث جرى اعتقال ثلاثة مواطنين من بلدة تقوع جنوب شرق المدينة. كما طالت الاعتقالات مواطنين من مدينة الخليل ومخيم الفوار، بالإضافة إلى شابين من قرية دير أبو مشعل غرب رام الله بعد تفتيش منازل ذويهم والعبث بمحتوياتها.

وفي تطور ميداني آخر، اقتحمت وحدات خاصة تابعة لجيش الاحتلال حي أم الشرايط في مدينة البيرة وسط الضفة الغربية، بالتزامن مع اقتحام بلدة صوريف شمال الخليل. كما سجلت حالات اعتقال في بلدتي حوارة وعصيرة الشمالية بمحافظة نابلس، ضمن سياسة التصعيد المستمرة ضد الكوادر الشعبية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلنت منظمة التعاون الإسلامي عن عقد اجتماع طارئ على مستوى وزراء الخارجية يوم الخميس المقبل. ويأتي هذا التحرك بناءً على طلب رسمي من دولة فلسطين لبحث التداعيات الخطيرة للقرارات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بتوسيع الاستيطان وشرعنة البؤر الرعوية.

ويهدف الاجتماع المرتقب إلى تنسيق المواقف الإسلامية والدولية لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية التي تهدف إلى تغيير الوضع القانوني والديمغرافي في الضفة الغربية. وتسعى المنظمة من خلال هذا التحرك إلى الضغط الدولي لوقف مخططات الضم التي تقوض بشكل نهائي فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وسيركز وزراء الخارجية في نقاشاتهم على التصدي لقرار سلطات الاحتلال الأخير بشأن تسوية الأراضي تحت مسمى 'أملاك دولة'. وتعتبر القوى الفلسطينية والدولية هذه الخطوة وسيلة غير قانونية للاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي الخاصة لصالح التوسع الاستيطاني غير الشرعي.

يذكر أن الحكومة الإسرائيلية كانت قد صادقت الأسبوع الماضي على إجراءات تتيح لها وضع اليد على أراضٍ فلسطينية واسعة في الضفة الغربية. وقد قوبلت هذه القرارات بموجة من الإدانات العربية والدولية التي حذرت من انفجار الأوضاع نتيجة استمرار السياسات الاستيطانية والاعتداءات الميدانية.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 11:56 صباحًا - بتوقيت القدس

قتلى وجرحى في ضربات روسية ليلية وهجوم أوكراني يستهدف طاقة بيلغورود

شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً ميدانياً دامياً في أوكرانيا، حيث أسفرت سلسلة من الضربات الجوية الروسية باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ عن سقوط قتلى وجرحى في مناطق متفرقة. وأكدت مصادر محلية أن الهجمات تركزت على البنية التحتية والمناطق السكنية، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية مع دخول الحرب عامها الرابع دون أفق واضح للحل.

وفي إقليم أوديسا الساحلي، أعلن الحاكم أوليغ كيبر عن مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة جراء هجوم مكثف بالمسيّرات الانتحارية. وتأتي هذه الضربات في إطار استراتيجية استهداف المدن الساحلية التي تعد شرياناً حيوياً للاقتصاد الأوكراني، وسط محاولات فرق الإنقاذ انتشال الضحايا من تحت الأنقاض.

أما في منطقة زابوريجيا القريبة من خطوط المواجهة، فقد لقي شاب يبلغ من العمر 33 عاماً حتفه وأصيب آخر بجروح خطيرة إثر قصف استهدف منشآت صناعية حيوية. وأوضح الحاكم إيفان فيدوروف أن المدينة تتعرض لضغوط عسكرية متزايدة، حيث تكرر القوات الروسية استهداف المجمعات الإنتاجية لتعطيل القدرات اللوجستية للمنطقة.

وفي الشمال، طالت الصواريخ الروسية مدينة خاركيف، وتحديداً منطقة خولودنوغرسكي، وفق ما أفاد به رئيس البلدية إيغور تيريخوف. وبينما لم يتم الكشف عن حصيلة نهائية للضحايا هناك، تواصل فرق الطوارئ تقييم الأضرار المادية الجسيمة التي لحقت بالمباني والمنشآت العامة نتيجة الانفجارات العنيفة.

على الجانب الآخر من الحدود، أعلن فياتشيسلاف غلادكوف، حاكم منطقة بيلغورود الروسية، عن تعرض المدينة لهجوم صاروخي أوكراني وصفه بـ 'الضخم'. وأشار غلادكوف إلى أن القصف استهدف بشكل مباشر البنية التحتية للطاقة، مما أدى إلى خروج محطات عن الخدمة وتضرر شبكات التوزيع بشكل واسع.

وتسبب الهجوم الأوكراني في انقطاعات شاملة للكهرباء والمياه والتدفئة عن آلاف السكان في بيلغورود والمناطق المحيطة بها، في ظل ظروف جوية صعبة. وتعمل السلطات الروسية حالياً على تقييم حجم الدمار، مؤكدة أن المنطقة باتت هدفاً متكرراً للضربات الصاروخية التي تشنها كييف رداً على الهجمات الروسية.

دبلوماسياً، لا تزال الجهود الدولية تراوح مكانها رغم عقد جولات عدة من المحادثات بين مبعوثين من موسكو وكييف وواشنطن منذ بداية العام الجاري. ولم تسفر هذه اللقاءات عن أي تقدم ملموس لوقف إطلاق النار، في ظل تمسك كل طرف بشروطه المسبقة وتصاعد وتيرة العمليات العسكرية على الأرض.

من جانبه، أكد الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي في خطابه الأخير التزامه بالعمل على تحقيق نتائج ملموسة من أجل السلام عبر المفاوضات الجارية. ويأتي تصريح زيلينسكي في وقت يواجه فيه ضغوطاً دولية متزايدة، لا سيما من الإدارة الأمريكية الجديدة، للقبول بتسويات سياسية قد تتضمن تنازلات صعبة لإنهاء النزاع.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

سموتريتش يلوح بإنذار نهائي لحماس: الاستسلام أو الاحتلال الكامل وإعادة الاستيطان

أطلق وزير المالية في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، موجة جديدة من التهديدات التصعيدية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في قطاع غزة. وتتمحور هذه التهديدات حول فرض احتلال عسكري كامل على القطاع، مع السعي لتهجير السكان وإعادة بناء المستوطنات التي أُخليت في عام 2005.

وزعم سموتريتش في تصريحات أدلى بها يوم الاثنين أن تل أبيب بصدد توجيه ما وصفه بـ 'الإنذار النهائي' لحركة حماس خلال الفترة القريبة المقبلة. ويتضمن هذا الإنذار مطالب صريحة بخروج كافة قادة الحركة من القطاع، وتسليم الأسلحة والمقار والأنفاق بشكل كامل ودون شروط مسبقة.

وهدد الوزير اليميني المتطرف باللجوء إلى تحرك عسكري مباشر وواسع النطاق في حال رفضت الحركة هذه المطالب، مدعياً أن هذه الخطوة ستمنح إسرائيل 'شرعية دولية' للتحرك. وتأتي هذه التصريحات في ظل توترات ميدانية مستمرة ومحاولات لفرض واقع سياسي جديد في المنطقة.

وربط سموتريتش مصير العمليات العسكرية القادمة بمدى نجاح أو فشل الجهود التي يبذلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقضاء على حماس. وأكد أن إسرائيل لم تتنازل عن هدفها المعلن المتمثل في التدمير الكامل للقدرات العسكرية والسياسية للحركة في قطاع غزة.

وكشف الوزير عن وجود خطط تنفيذية يضعها الجيش الإسرائيلي تهدف إلى احتلال القطاع لفترات طويلة وإقامة 'مستوطنة يهودية' في قلبه. واعتبر مراقبون أن هذه الخطط تمثل تجاوزاً صارخاً لكافة التفاهمات الدولية والقرارات الأممية التي ترفض تغيير الوضع الجغرافي والديموغرافي للقطاع.

وتأتي هذه التهديدات في وقت حساس، حيث يتناقض خطاب سموتريتش مع بنود اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر الماضي. وكان ذلك الاتفاق قد نص صراحة على ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من كامل أراضي قطاع غزة والبدء في عمليات إعادة الإعمار.

وعلى الرغم من مرور وقت طويل على الاتفاق، إلا أن مصادر ميدانية تؤكد أن قوات الاحتلال لم تنسحب من مواقعها الحيوية في القطاع حتى الآن. وفي المقابل، تتمسك حركة حماس بموقفها الرافض لتسليم السلاح، معتبرة أن هذا الملف يمثل شأناً فلسطينياً داخلياً لا يحق للاحتلال التدخل فيه.

ولم تقتصر تصريحات سموتريتش على قطاع غزة فحسب، بل امتدت لتشمل الضفة الغربية المحتلة عبر تجديد دعواته لتشجيع 'الهجرة الطوعية'. ويهدف هذا التوجه، بحسب تصريحاته، إلى تقليص الوجود الفلسطيني ومنع إقامة أي دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل.

وتعكس هذه المواقف المتطرفة مدى النفوذ الذي يتمتع به التيار اليميني داخل ائتلاف بنيامين نتنياهو الحاكم. حيث تسابق هذه الحكومة الزمن لتوسيع المشروع الاستيطاني في كافة الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع المواجهة الواسعة في السابع من أكتوبر 2023.

ويرى محللون أن تصريحات سموتريتش تهدف إلى إحراج الأطراف الدولية والضغط على الإدارة الأمريكية لتبني رؤية اليمين الإسرائيلي. كما أنها تعزز من حالة الاحتقان في الشارع الفلسطيني الذي يرفض مخططات التهجير القسري والاحتلال الدائم.

وفي ظل هذه التهديدات، يبقى المشهد في غزة مفتوحاً على كافة الاحتمالات، خاصة مع إصرار حكومة الاحتلال على المضي قدماً في سياسة الاستيطان. وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه السياسات إلى تفجير الأوضاع بشكل أكبر في المنطقة، مما يهدد أي فرص مستقبلية للتهدئة أو الاستقرار.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

خطاب ترامب ضد الصوماليين: تحريض سياسي يتجاهل الحقائق التاريخية والدور الأمريكي

شهدت الأشهر الماضية تصعيداً لافتاً في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه المهاجرين والمسلمين، حيث ركزت تصريحاته بشكل مباشر على الجالية الصومالية في الولايات المتحدة. ووصف مراقبون وحقوقيون هذا الخطاب بالعنصري، معتبرين أنه يهدف إلى تأليب الرأي العام ضد فئة محددة من المجتمع الأمريكي.

وفي تطور ميداني خلال ديسمبر 2025، زعم ترامب أمام وسائل الإعلام أن الصوماليين تسببوا في دمار ولاية مينيسوتا وتحويلها إلى ما يشبه الجحيم. وادعى الرئيس الأمريكي أن أفراد هذه الجالية لا يفعلون شيئاً سوى الشكوى، متجاهلاً الإسهامات الاقتصادية والاجتماعية التي يقدمونها للولاية.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن ولاية مينيسوتا تحتضن نحو 80 ألف مواطن ومقيم من أصول صومالية، وهو رقم ضئيل مقارنة بإجمالي عدد سكان الولاية البالغ 5.7 ملايين نسمة. ومن المفارقات أن الولاية حلت في المرتبة الرابعة ضمن تصنيف أفضل الولايات الأمريكية لعام 2025، مما يدحض ادعاءات الانهيار التي روج لها ترامب.

ومع بداية عام 2026، ترجمت الإدارة الأمريكية هذا الخطاب إلى إجراءات أمنية مشددة بإرسال 3 آلاف عنصر فدرالي إلى مدينة مينيابوليس. واستهدفت هذه الحملة إنفاذ قوانين الهجرة بشكل مكثف، مما أثار حالة من القلق والترقب داخل أوساط الجالية الصومالية التي تعيش في المنطقة منذ عقود.

وتكشف الإحصاءات الديموغرافية أن الغالبية العظمى من الصوماليين في مينيسوتا هم مواطنون أمريكيون، حيث ولد 58% منهم داخل الولايات المتحدة. كما أن 87% من الذين ولدوا في الخارج حصلوا على الجنسية الأمريكية رسمياً، مما يجعلهم جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني والقانوني للبلاد.

وبحسب تقديرات مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، فإن عدد المهاجرين الصوماليين غير النظاميين في الولاية لا يتجاوز ألف شخص فقط. وتؤكد هذه الأرقام أن حجم المشكلة القانونية التي يثيرها ترامب مبالغ فيه بشكل كبير ولا يستند إلى واقع إحصائي ملموس في سجلات الهجرة.

وعلى صعيد الأمن العام، تظهر البيانات الرسمية أن معدل الجرائم العنيفة في مينيسوتا يقل بنسبة 28.5% عن المتوسط الوطني في الولايات المتحدة. كما سجلت جرائم الممتلكات انخفاضاً بنسبة 8.7%، مما ينفي مزاعم ترامب حول وجود عصابات صومالية تروع السكان وتزعزع استقرار الولاية.

وفيما يتعلق باتهامات الاحتيال المالي، ادعى ترامب أن الصوماليين مسؤولون عن 90% من هذه العمليات في الولاية، وهو ما لم تؤكده وزارة العدل. فرغم توجيه اتهامات لـ 98 شخصاً، إلا أن التحقيقات لم تثبت وجود شبكة منظمة تقودها الجالية، بل ظلت الحالات في إطار الجرائم الفردية المحدودة.

ولم يسلم العمل السياسي من هذا الهجوم، حيث صعد ترامب من استهدافه للنائبة إلهان عمر عبر فتح تحقيقات في مصادر ثروتها في يناير 2026. ورغم أن التقارير المالية أثبتت أن الزيادة في ثروتها ناتجة عن استثمارات تجارية لزوجها، إلا أن ترامب استمر في استخدام لغة مهينة تجاهها.

وخلال منتدى دافوس الاقتصادي 2026، وسع ترامب دائرة هجومه لتشمل الدولة الصومالية نفسها، واصفاً إياها بأنها ليست أمة حقيقية. واعتبر أن استيراد ما وصفها بـ 'الثقافات الفاشلة' يهدد المجتمعات الغربية، في خطاب يعكس رؤية متطرفة تجاه قضايا الاندماج والهوية الثقافية.

ويرى باحثون أن الأزمة السياسية في الصومال هي نتاج تدخلات دولية تاريخية، كان لواشنطن نصيب كبير فيها خلال حقبة الحرب الباردة. فقد ساهم التنافس الأمريكي السوفييتي في السبعينيات في إضعاف بنية الدولة الصومالية، مما مهد الطريق لانهيارها الشامل في مطلع التسعينيات.

وتشير التقارير إلى أن العمليات العسكرية الأمريكية في الصومال منذ عام 1993 كانت سبباً رئيساً في موجات النزوح الكبرى نحو الغرب. فالعنف الذي صاحب تلك التدخلات دفع آلاف العائلات للبحث عن أمان في الولايات المتحدة، وهو ما يفسر وجود الجالية الكبيرة في ولاية مينيسوتا اليوم.

وتستمر إدارة ترامب في نهجها العسكري داخل الصومال، حيث نفذت مئات الضربات الجوية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب ودعم الحكومة المركزية. ووفقاً للمصادر، فإن عدد الضربات في ولايتي ترامب تجاوز بمراحل ما نفذه الرؤساء السابقون مجتمعين، مما يفاقم حالة عدم الاستقرار في القرن الأفريقي.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران تتهم إسرائيل بالتشويش الدبلوماسي وتستعد لمفاوضات جنيف بمسودة شاملة

أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي أن بلاده ترصد محاولات إسرائيلية مستمرة للعب دور تخريبي يستهدف تقويض المسارات الدبلوماسية القائمة. وأوضح بقائي في تصريحات صحفية أن طهران تمضي قدماً في ترتيبات المباحثات مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على يقظة تامة تجاه التحركات الإسرائيلية في المنطقة.

ونفت الخارجية الإيرانية بشكل قاطع ما تداولته وسائل إعلام غربية حول التوصل إلى اتفاق مؤقت مع الإدارة الأمريكية، واصفة تلك الأنباء بأنها عارية عن الصحة. وشدد المتحدث باسم الوزارة على أن أي جولة مباحثات يجب أن تستند إلى فهم مشترك وعمل جدي لضمان خروجها بنتائج إيجابية تبعث على التفاؤل.

وفي إطار التحضيرات اللوجستية والسياسية، كشفت مصادر دبلوماسية عن إجراء وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، سلسلة من الاتصالات المكثفة مع وزراء خارجية العراق وسلطنة عُمان. وتهدف هذه التحركات إلى تنسيق ترتيبات الجولة المقبلة من المفاوضات، في ظل استمرار الدور العماني الفاعل كوسيط رئيسي بين طهران وواشنطن.

ومن المقرر أن تنطلق جولة جديدة من المفاوضات المتعلقة بالملف النووي يوم الخميس المقبل في مدينة جنيف السويسرية. وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعٍ إيرانية متسارعة للعودة إلى طاولة الحوار المباشر وغير المباشر، بهدف معالجة القضايا العالقة وتجنب مزيد من التصعيد في المنطقة.

ويعكف الوزير عباس عراقجي حالياً على صياغة مسودة شاملة ومنسجمة تتضمن الرؤية الإيرانية للحل، تمهيداً لطرحها خلال اجتماعات جنيف. ومن المتوقع أن يتم تسليم هذه المسودة إلى الجانب الأمريكي عبر الوساطة العمانية، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتسريع وتيرة التفاهمات التقنية والقانونية.

وأشارت مصادر مطلعة إلى أن التحركات الدبلوماسية الإيرانية المكثفة تهدف بالأساس إلى تفادي أي مواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة. وتسعى طهران للاستفادة من قنوات التواصل المفتوحة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها رافائيل غروسي لتعزيز موقفها التفاوضي وإثبات سلمية برنامجها.

وفي تصريحات لوسائل إعلام دولية، أعرب عراقجي عن واقعية بلاده تجاه المسار التفاوضي، مشيراً إلى أنه لا يمكن ضمان منع أي عمل عسكري من جانب الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب بشكل مطلق. ومع ذلك، اعتبر الوزير الإيراني أن الحشد العسكري الحالي لا مبرر له، خاصة وأن الملف يمكن حله عبر الأطر القانونية للوكالة الدولية.

وطرحت طهران إمكانية التوصل إلى آلية رقابة شاملة وصارمة على برنامجها النووي بالتعاون الوثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويرى الجانب الإيراني أن هذه الآلية قادرة على تبديد المخاوف الدولية إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى واشنطن للتعامل مع الملف كقضية تقنية بعيداً عن التسييس.

وكشف عراقجي عن تلقي بلاده عدة مقترحات عقب جولة جنيف الثانية، موضحاً أن المسودة الجديدة ستأخذ في الاعتبار بعض الطروحات الأمريكية المتعلقة بالجانب الاقتصادي. وتتضمن هذه المقترحات إمكانية فتح باب الاستثمارات في قطاعات حيوية مثل النفط والغاز، بالإضافة إلى مشاريع تنموية في مدن إيرانية مختارة.

ورغم الانفتاح على المقترحات الاقتصادية، أكدت مصادر قريبة من الخارجية أن طهران لا تعتزم تقديم تنازلات سيادية أو منح امتيازات كاملة بنسبة 100%. ويبقى الموقف الإيراني معلقاً على مدى جدية الطرف الآخر في بناء شراكة استراتيجية متوازنة تضمن رفع العقوبات وتثبيت حقوق إيران النووية السلمية.

اسرائيليات

الإثنين 23 فبراير 2026 10:41 صباحًا - بتوقيت القدس

مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق: الفلسطينيون لم يرفعوا الراية البيضاء رغم الدعم الأمريكي

حذر مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، تساحي هنغبي، من مغبة الاستخفاف بالقدرات القتالية والروحية للأعداء، منبهاً إلى أن المفاجأة القادمة قد تكون أقرب مما يتخيله صانع القرار في تل أبيب. وأشار هنغبي في مقال تحليلي موسع إلى أن المشهد في غزة يتشابه مع الغموض المحيط بالملف الإيراني، حيث تظل التساؤلات قائمة حول جدوى الاتفاقيات الدولية وقدرتها على وقف دعم الوكلاء الإقليميين أو احتمالات توجيه ضربة أمريكية وتداعياتها.

وأوضح المسؤول السابق أن الحرب الجارية، رغم ما حققته إسرائيل من مكاسب ميدانية، أفرزت نجاحات تكتيكية للجانب الفلسطيني تحول بعضها إلى إنجازات استراتيجية بعيدة المدى. ورأى هنغبي أن هناك أربعة تحولات كبرى أضرت بالمصالح الإسرائيلية، أولها تبدد فرص التطبيع مع المملكة العربية السعودية في المدى المنظور، وثانيها العودة القوية للقضية الفلسطينية وحل الدولتين إلى الواجهة الدولية بعد سنوات من التهميش.

وفيما يخص الجبهات المساندة، أشار هنغبي إلى أن الحرب ولدت عدواً غير متوقع في اليمن يتمثل في جماعة الحوثي، التي تسببت بأضرار متنوعة للاحتلال ولا تزال تظهر عدم ارتداد عن مواصلة الهجمات. كما اعتبر أن الملاحقات القانونية من محكمة الجنايات الدولية ضد بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت تشكل قيداً استراتيجياً يمس بحرية حركة القيادة الإسرائيلية ويضعها تحت ضغط دولي غير مسبوق.

واستنتج هنغبي، الذي غادر منصبه مؤخراً إثر خلافات مع نتنياهو أن أعداء إسرائيل يؤمنون بأن النصر حليفهم طالما حافظوا على البقاء والمقاومة. وأكد أن الجانب الفلسطيني أظهر قدرة فائقة على الصمود طيلة عامين كاملين دون استسلام، معتبراً أن الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل لم ينجح في كسر إرادتهم أو دفعهم لرفع الراية البيضاء كما كان مأمولاً في التقديرات الأولية.

وتطرق المقال إلى المنجزات التي حققها الفلسطينيون من وجهة نظرهم، حيث نجحوا في تحرير مئات الأسرى ذوي الأحكام العالية، وتمكنوا من فرض عزلة دولية على إسرائيل. وبحسب هنغبي، فإن هذه القراءة الفلسطينية للأحداث ستدفعهم للنهوض من بين الركام بطاقات متجددة، مما يعني أن الصراع لم ينتهِ بضرب البنية التحتية العسكرية بل قد يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً في المستقبل القريب.

وشدد هنغبي على ضرورة عدم تكرار الأخطاء الاستخباراتية والسياسية التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر، مذكراً بأن التقديرات الإسرائيلية بعد عملية 'حارس الأسوار' كانت تشير إلى ردع حماس وإضعافها. وأوضح أن الواقع أثبت أن قراءة يحيى السنوار للصراع كانت مغايرة تماماً للتقديرات الإسرائيلية، حيث كان يعد لهجوم استراتيجي في الوقت الذي اعتقدت فيه تل أبيب أنها احتوت التهديد.

وفي ختام تحليله، توقع المستشار السابق أن تعود خطط تدمير إسرائيل لتشكل أساساً لتحركات الأعداء في مرحلة قد تكون أبكر مما هو متوقع. ودعا القيادة الإسرائيلية إلى البقاء في حالة تيقظ دائم وتشكك مستمر، مع ضرورة الحفاظ على الوحدة الداخلية لمواجهة التحديات الوجودية التي أفرزتها الحرب الحالية وتداعياتها الإقليمية والدولية.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

لجنة الانتخابات المركزية: فتح باب الترشح للانتخابات المحلية لمدة اسبوع

أعلنت لجنة الانتخابات المركزية اليوم الاثنين فتح مراكز استقبال طلبات الترشح للانتخابات المحلية 2026، اعتبارا من اليوم ولغاية الأول من آذار المقبل، وذلك في 12 موقعا موزعة على جميع مدن الضفة الغربية ومدينة دير البلح.

وأضافت اللجنة أن مكاتبها تستقبل طلبات الترشح يوميا من الساعة التاسعة صباحا وحتى الثانية ظهرا، بما في ذلك يومي الجمعة والسبت، في خطوة تهدف إلى تسهيل إجراءات الترشح ضمن المدة القانونية المحددة في 421 هيئة محلية.

وفيما يتعلق بهيئة دير البلح، أوضحت اللجنة أن طلبات الترشح متوفرة في مكتبها بدير البلح، وأنها تستقبل الطلبات وفق إجراءات وشروط خاصة تراعي الظروف الخاصة في قطاع غزة، مشيرة إلى أن هذه الانتخابات تمثل محطة مفصلية، كونها المرة الأولى التي ستجرى فيها انتخابات محلية في القطاع منذ العام 2005، وأنها ستعمل على تنفيذ الانتخابات في جميع هيئات القطاع عند توفر الظروف الملائمة لذلك.

وأكدت اللجنة أنها عملت على إنجاز الترتيبات الفنية واللوجستية اللازمة لضمان سير عملية استقبال الطلبات بسلاسة في جميع مراكز الاستقبال، بما يشمل تجهيز المقرات، وتدريب الطواقم المختصة، وتوضيح آليات التقديم للمرشحين سواء كانوا أفرادا في المجالس القروية أو ضمن قوائم انتخابية في المجالس البلدية، وذلك بما ينسجم مع أحكام القانون.

وأوضحت اللجنة أن جميع المعلومات المتعلقة بشروط الترشح ونماذج الطلبات والإجراءات التفصيلية متاحة عبر موقعها الإلكتروني، بما يتيح للمرشحين الاطلاع المسبق على المتطلبات القانونية والإدارية قبل التوجه إلى مكاتب اللجنة، تجنبا لأي نقص أو تأخير في استكمال المعاملات.

ووجهت لجنة الانتخابات المركزية دعوة إلى أي مرشح يتعرض لانتهاك يحول دون ممارسته حقه في الترشح او الاقتراع، لتقديم شكوى لدى الهيئة المستقلة لحقوق الانسان – ديوان المظالم، حيث ستتم متابعة الشكوى بالتنسيق مع اللجنة وفقا للإجراءات المعتمدة، بما يكفل حماية الحقوق والحريات العامة.

ودعت اللجنة جميع الراغبين في الترشح إلى تدقيق طلباتهم بعناية، واستكمال جميع الوثائق والمرفقات المطلوبة قبل مراجعة مكاتبها، بهدف تسريع إنجاز المعاملات وتفادي أي إشكالات إجرائية. كما حثت المرشحين على عدم تأجيل تقديم طلباتهم إلى اليوم الأخير من فترة الترشح، مؤكدة أن باب الترشح سيغلق مع انتهاء دوام اليوم الأخير دون أي تمديد، ضمانا لانتظام الجدول الزمني للعملية الانتخابية وإتمام الإجراءات بسهولة ويسر.

أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

من الشرارة إلى الرماد: كيف تتشكل الظواهر الزائفة وتلتهم وعينا الجمعي في عالمنا العربي؟

لا تظهر الظواهر الباطلة والفاسدة في مجتمعاتنا العربية فجأة، ولم يسبق لتاريخنا أن شهد فساداً ولد جماعياً. إنها تبدأ دوماً كهمسة في أذن فرد، كفكرة شاذة تنبت في عقل واحد، ثم لا تلبث أن تتحول إلى كتلة ضاغطة، تبدأ بدائرتها الصغرى ثم تتسع كأمواج حجر أُلقي في ماء راكد. تكبر الدائرة، ثم دائرة أكبر، حتى تصبح ظاهرة اجتماعية لها سطوتها، ثم تتحول الظاهرة إلى ثقافة عامة، ثقافة تجبر الناس على الانصياع لها، طوعاً أو كرهاً. ووسط هذا كله يقف الباحث التربوي والاجتماعي في عالمنا العربي موقف المحلل الشارح، يصف الظاهرة بدقة متناهية، لكن السؤال الأهم يبقى معلقاً في الهواء: من يصلحها؟ من يضع لها الحلول ويحجمها قبل أن تلتهم ما تبقى من قيمنا الأصيلة؟
إن الإجابة تكمن لدى أصحاب الخبرة والمعرفة الرصينة، أولئك الذين يفترض بهم أن يكونوا منارات الوعي وحراس الحقيقة. ولكن، وللأسف الشديد، نشهد اليوم في عالمنا العربي ما يشبه الغياب المتعمد للأكاديميين والمثقفين الحقيقيين عن ساحة صناعة الوعي العام. لقد تركوا فراغاً هائلاً، سرعان ما ملأه "المؤثرون" في وسائل التواصل الاجتماعي، ليصبحوا هم من يصنعون وعياً جديداً، وعياً زائفاً ومشوهاً في كثير من الأحيان. إنها مفارقة مؤلمة أن نرى من يملكون المعرفة الحقيقية يتقوقعون في أبراجهم العاجية، بينما يصول ويجول من يملكون القدرة على الانتشار في فضاءات الوعي الجمعي، ويقدمون محتوى سطحيًا يفتقر إلى العمق، بدءًا من تحديات الرقص السخيفة وصولًا إلى نشر معلومات مغلوطة عن قضايا مصيرية.
لفهم هذه الآلية الخطيرة، يجب أن نعود إلى مفهوم "العدوى الاجتماعية"، الذي يصف كيفية انتشار السلوكيات والأفكار والعواطف داخل الشبكات الاجتماعية، تماماً كما تنتشر العدوى البيولوجية. في الماضي، كانت هذه العدوى تنتقل ببطء، عبر التفاعل المباشر والتواصل الشخصي في مجالسنا ودواويننا. أما اليوم، فقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة مثالية لتسريع هذه العدوى بشكل غير مسبوق. فكرة واحدة، يطلقها فرد، يمكن أن تصل إلى الملايين في دقائق، وتكتسب زخماً وقوة، ليس بالضرورة لقيمتها الحقيقية أو صحتها، بل لقدرتها على إثارة المشاعر وتحقيق الانتشار الفيروسي. ومع تكرار التعرض لهذه الفكرة، تبدأ بالتحول تدريجياً إلى "معيار اجتماعي"، وهو قاعدة غير مكتوبة للسلوك المقبول داخل جماعة معينة . وهنا تكمن الخطورة، حيث يبدأ الأفراد بالامتثال لهذا المعيار الجديد، ليس عن قناعة بالضرورة، بل خوفاً من العزلة الاجتماعية أو رغبة في القبول، فنرى شبابنا يقلدون سلوكيات غريبة عن ثقافتنا، لمجرد أنها "ترند".
في هذا السياق، يبرز دور "المؤثرين" كعوامل حاسمة في تسريع هذه العدوى وتشكيل المعايير الجديدة. لقد تحول التسويق عبر المؤثرين إلى صناعة ضخمة، حيث تشير التقديرات إلى أن حجم سوق المؤثرين العالمي قد تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2020، ومن المتوقع أن يصل إلى ما يقارب 33 مليار دولار بحلول هذا العام. والأخطر من ذلك هو أن تأثيرهم لم يعد يقتصر على الترويج للمنتجات، بل امتد ليشمل تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي. فقد أظهرت دراسة حديثة أجراها مركز بيو للأبحاث أن حوالي 21% من البالغين في الولايات المتحدة يحصلون على الأخبار بانتظام من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وترتفع هذه النسبة إلى 37% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عاماً . وإذا كان هذا هو الحال في الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تكون هذه الأرقام أعلى في مجتمعاتنا العربية، حيث يمثل الشباب نسبة كبيرة من السكان، وحيث تنتشر ثقافة متابعة المشاهير والمؤثرين بشكل كبير. هؤلاء الشباب، الذين يشكلون مستقبل أمتنا، يثقون في المؤثرين كمصادر للمعلومات، ويرون أنهم يساعدونهم على فهم الأحداث الجارية بشكل أفضل، بينما هم في الحقيقة يقعون فريسة لوعي زائف وموجه.
أمام هذا المد الجارف، يبدو موقف المؤسسات الأكاديمية في عالمنا العربي مقلقاً. فبينما الثقة العامة في العلم والعلماء لا تزال مرتفعة نسبياً، إلا أن المشاركة العامة في الأنشطة العلمية منخفضة للغاية. هذه الفجوة بين ما ينتجه الأكاديميون في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، وبين ما يصل إلى وعي الجمهور العام، تبدو أكثر اتساعاً وعمقاً في عالمنا العربي. إن "مشكلة البرج العاجي" لدينا ليست فجوة فحسب ، بل هي هوة سحيقة تفصل بين نخبة أكاديمية تتحدث لغة لا يفهمها إلا قلة، وبين جمهور عريض متعطش للمعرفة، فلا يجد أمامه سوى محتوى المؤثرين السطحي والمضلل.
والأدهى من ذلك هو ما أشار إليه الباحث أندريه مير في مقال له بعنوان "النشاط الأكاديمي كتأثير للإعلام الرقمي"، حيث يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تترك الأكاديميين في برجهم العاجي، بل أغرتهم بالنزول إلى الساحة العامة، ولكن ليس كباحثين عن الحقيقة، بل كـ "حكام على الحقيقة". لقد حولت وسائل التواصل الاجتماعي بعض الأكاديميين إلى مؤثرين، يخضعون منطق البحث العلمي الرصين لمنطق الانتشار الفيروسي والإعجابات. أصبح الدعم العام، أو الإدانة العامة، عاملاً مؤثراً في النقاشات العلمية، وتحول البحث عن الحقيقة إلى شكل من أشكال الدعوة والمناصرة. هذا التحول الخطير يهدد بتسطيح الأكاديميا وتسييسها، ويفقدها دورها الأساسي كمنارة للمعرفة الموضوعية والمستقلة، وهو ما بدأنا نرى بوادره في بعض النقاشات الأكاديمية على منصات التواصل الاجتماعي في عالمنا العربي.
إننا نعيش في لحظة تاريخية فارقة، لحظة يتآكل فيها الوعي الحقيقي ليحل محله وعي زائف، مصطنع، وموجه. إن الظواهر الباطلة التي تبدأ كشرارة في عقل فرد، تجد اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين وقوداً هائلاً يحولها إلى حريق يلتهم قيم مجتمعاتنا العربية وثوابتها الأصيلة. إن المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات التربوية والأكاديمية اليوم أكبر من أي وقت مضى. لم يعد كافياً أن ننتج المعرفة ونحبسها في أروقتنا، بل يجب أن نجد السبل الكفيلة بإيصال هذه المعرفة إلى الجمهور العام، بلغة يفهمها، وبطريقة تعيد تشكيل وعيه على أسس من الحقيقة والعقلانية. إنها ليست دعوة للأكاديميين ليتحولوا إلى مؤثرين، بل هي دعوة لهم ليعودوا إلى دورهم الأصيل كمثقفين عموميين، ومربين، وحراس للمعرفة الحقيقية، قبل أن يحرقنا لهب الزيف، وتتحول مجتمعاتنا إلى رماد متناثر في مهب الريح.


أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا الضفة لا تقاوم؟!


في جَمْعٍ من المؤتمرين كان السؤال: لماذا لا تقاوم الضفة الفلسطينية الآن؟ بالشكل الواضح أو المؤثر؟! رغم كل الانتهاكات الفظيعة للناس والأرض والحياة، وتنوعت الاجابات، وتبيان الأسباب!
قال الفاتح- أظن أن ما حصل من فعل التدمير الشامل والابادة الجماعية للصهيوني العنصري قد أعطت الفلسطيني المتروك وحيدًا في الميدان- خاصة في مقتلة غزة- نموذجًا لسوء المآل، حين يطلق الفلسطيني المقامر العنان للخيال، فيظن أن الأمة ستهب لنجدته! والساحات لن تتوقف عن نصرته! والسلاح المهترئ لن تنضب عدته، والفضائيات الكاذبة ستجرد سلاح بلدانها لتعزيز قوته! وأن الخيلاء الذي صاحب البدايات لن يخبو بريقه! فكانت النتيجة من الهزيمة والدمار الشامل مدخلًا للتراخي، أو الخوف، أو إعادة النظر أوإعادة التفكر والدخول لي حالة انتظار وترقب، ولربما تيهٍ طويل.
قال التالي- الشعور بالانكسار بعد الكارثة والنكبة الثانية العظمى منذ 17/8/2023 والبدء بمذبحة المعمداني، وتدمير غزة وتواصل المذابح وانكفاء السلاح وسقوط المحاور، وتعاظم عدد الشهداء.
قال المتأمل: لكل شعب مرحلة يحتاج فيها إما للاستراحة (سمّها استراحة المقاتل) للمراجعة واعادة النظر. وقد يكمن لفترة، لكنه سيقفز ثانية ليحقق ما عجز عنه في مراحل، أو قصّر فيه في مراحل. فالعجزُ الحالي ليس حقيقة رغم طغيان الوضع الميداني المقابل بطائراته ودباباته والحريق، وإنما العجز حالة ذهنية سرعان ما يستفيق منها الناس وفي خلال شعرة سينهضون بإذن المولى.
قال العقلاني: إن القوة المادية بالتقابل بين الصهيوني (المهيمن على فلسطين والاقليم العربي)، وبين صاحب الأرض لم تعد فقط مختلة بل ومعتلّة وبالدم مبتلّة! فالقوى المتناسبة تقريبًا فيما سبق (الثورة، والانتفاضات، والعمليات، والهبّات، والحراكات ….) قد سقطت مع صعود العقل الفاشي والبربري اليميني الإسرائيلي الإقصائي للغير والداهم الذي انطلق فيه التوحش اللاإنساني يضرب شمالًا وجنوبًا مع مقتلتِهِ المرعبة في غزة، فتحصّن بروايته بما حصل فارتكب المجازر بمحبة وفرح! وقرنها بخرافات التوراة وأساطيرها التي تمجّد القبيلة القديمة المندثرة، وانطلق منها ليقصف كل من لا يلعق غبار نعليه، كما قالت التوراة:"أنَّ الربَّ أمرَ كلَّ أجنبيٍّ إذا لَقِيَ يَهودِيًّا أنْ يَسجُدَ له على الأرضِ، ويَلحَسَ غُبارَ نَعلَيهِ" (اشعيا 23:49)!؟
وقال المُستثَار: لا تلوموا الشعب بل لوموا قياداته الانقلابية، فهي التي جرّت البلاد لمقتلة غير محسوبة العواقب، والتاريخ لن يرحمها ولا الشعب. وهي التي قصّرت بمدّ اليد لبعضها البعض، فكيف لفصيل أن يجتريء على الكل الوطني ويعلن حربه الخاصة! ضد وحش يفوقها آلاف المرات! استنادًا لأوهام وغباء وخطل حسابات، أو لتطويع آيات كريمة لم يكن من ضمن فهمهم لها أن القوة بكافة أشكالها وعلى رأسها وحدة الصف الوطني والعربي المسبقة، ولم يفهموا معنى الاستطاعة والحدود ضمن معادلة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).
وقال ضدّه: إن اتفاقيات أوسلو، والتنسيق الأمني، وفساد السلطة هما الأساس في انفضاض الناس، أو سكونهم، وما لهم لا يدافعون عن أرضهم  إلا لأن قادتهم جامدون متجمدون فاشلون مفشلون، وفي الإسرائيلي مرحبّون! وهم يمثلون محور الاستسلام في مقابل محور المقاومة والممانعة، وعليه وجبت المفاصلة أولًا، والآن بين المعسكرين أو الفسطاطين.
قال المُعتبِر: لربما أن العِظة والعبرة قد فعلت مفعولها بانكسار السلاح الذي غابت عنه السياسة، وبعدم القدرة على إداراك المتغيرات والمستجدات، وعدم وعي حجوم القوى والاختلال العظيم، والإيغال بتقدير الكفاح المسلح وحده والقدرة الذاتية المنفردة وكسر ساق الوحدة الوطنية قد قضت على كل أمل باعادة استخدامه بأي شكل من الأشكال. وسقط الحجر مع حجم الرد المدوّي من الطائرات العادية والمسيّرة، وتراجعت مظاهر المقاومة الشعبية مع الصرخة التي يقابلها 3 مخازن من الرصاص، إضافة الى التجاهل العربي باستثناء فضائيات الكذب والتدليس والفُرقة والشحن للعواطف بلا أي فعل، والعبرة سوء التدبير في غزة.
قال المضغوط: إن "حماس" قد قتلت الوحدة الوطنية منذ استفردت بقطاع غزة وحولته رهينة لأهدافها الحزبية فقط التي لا ترى فلسطين الا مسواكًا! ولا ترى الشهداء الا خسائر جانبية فقامرت بحروب مرة ومرتين وثلاثة ثم ما كان من (جريمة العصر) باليد الصهيونية في غزة، وخُذلت وبدل أن تعتبر أخذتها العزة بالإثم حتى تنازلت عن كل شيء بالتدريج، ولم تجد الا التمسك بأنفاسها الأخيرة، حتى لو انتهت القضية وسقطت الدولة المِسواك!
قال صاحب الجرس: إن الكمون هو سمة الشعب البطل، والتوقف للحظات لا تساوي شيئًا في عمر الزمن سيعقبه هدير وعاصفة، وستجد من الموكوسين الموجوعين من يعلّق الجرس وينهض، فما بعد الهزيمة الا فجر يوم جديد يستغله الأبطال للانقضاض بشكل ابداعي قد لا يخطر على بال أحد.
قال صاحب الأمل: يعيش الشعب في حالة حزن وبلبلة وانكسار، نعم لسبب النكوص والنتيجة المفجعة في غزة ولضعف الحركة الرسمية العربية والعالمية، ولافتقاد البوصلة التي يحملها القائد، وتراجع جملة واسعة من الاهداف الجامعة، والأمل الكبير.
قال الأخير: لعلي فيما قلتموه أتفق مع الكثير ولعلي أختلف في بعضه فلست الا مستمعًا بينكم وما أظنني بقادر على التفصيل والواقع الأليم يضغط على البطون والأجساد في غزة، وعلى  القلوب والأفهام في كل فلسطين، بل والمنطقة المأسورة للمهيمن الصهيوأمريكي والشراهة الغربية الاستهلاكية منزوعة القيم والقضايا الجامعة، فكيف لمن افتقد الأساسيات أن يفكر بعِظام الأمور؟ فالانكسار وفقدان الامل وضعف القيادة وحالة المقامرة الوطنية والهزيمة النفسية- وإن في ظني ستكون مؤقتة- تحتاج لقائد أمثولة وقائد نموذج يحمل المشعل ويدرك التوازنات ويلم الأشتات، ويرسم الطريق بروح الجماعة، ويقهر بشعبه الثابت على أرضه والصامد روح الهزيمة حاملًا على كتفيه أدوات جديدة، مع آيات النصر ورحابة الأمل الذي لا ينفد، وما لا ينقضي من عمل كثير.

أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس

عام الأرمادا

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

بينما تدفع الولايات المتحدة بأصولها البحرية في أكبر حملةٍ عسكريةٍ في المنطقة، بالتوازي مع منح مُهَلٍ لما يسمى مفاوضات "الفرصة الأخيرة" لتجنب استخدام تلك الأصول، التي لا يمكن سحبها دون تحقيق نتائج توازي مبررات حضورها الهائج في بحر العرب، فإن احتمالات الحرب تتساوى مع فرص تجنبها، ولا أحد بوسعه التكهن  بالمآلات والمصائر، إذا ما اندلعت الشرارة في منطقةٍ كل شيء فيها قابلٌ للاشتعال.
بين الردع والاحتواء، وبين العصا والجزرة، ظلت العلاقة الأمريكية الإيرانية المتوترة منذ عقودٍ تراوح مكانها، إلى أن حان موعد حسمها، بعد أن اقتربت الدولة الأيديولوجية من وضع قدميها على العتبة النووية، الأمر الذي أشعل أكثر من إشارةٍ حمراء في واشنطن وتل أبيب والعواصم الأوروبية، التي ترى في سعي طهران لبلوغ العتبة النووية ضرباً للتوازنات الإقليمية والدولية التي تتشكل اليوم في عالمٍ بلا قواعد.
على خطوط النفط والغاز والثروات المعدنية، تدور رحى المعركة الحالية  بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أُخرى، ليضيف إليها نتنياهو المحور السني والشيعي، كما تروق له التسمية، ليبرر الذئب حربه الدينية التي يخوضها بإسنادٍ من الولايات المتحدة، وفق ما اتضح من تصريحات هاكابي، الذي يرى أن لإسرائيل حقاً توراتياً في السيطرة من النيل إلى الفرات.
ليست الحرب على إيران سوى محاولةٍ للضرب تحت "الحزام والطريق"، إذ تُعدّ طهران شريكاً استراتيجياً للصين في حرب الطاقة، التي يسعى ترمب لبسط سيطرته عليها، وإملاء أسعاره على الجميع، كما فعل مع أوروبا التي طالبها بالتوقف عن شراء النفط الروسي، واستبداله بالنفط الأمريكي، وبالسعر الذي يحدده هو، ما دفع كلاً من لندن وباريس للاتجاه نحو بكين، للتحلل من ديكتاتورية الأسعار التي يفرضها رجل الأعمال صاحب الصفقات.
إن ترمب الذي دفع بـ"أرمادته" إلى حافة الهاوية، يجد نفسه اليوم قد وقع في فخ فائض القوة ونوازع الغطرسة التي تتملكه؛ فانسحابه انتحار سياسي، وبقاؤه استنزاف مالي، والحرب إذا ما وقعت ستكون قفزة في المجهول.
من الإبادة إلى "الأرمادا" تتبدى ملامح السياسة الأمريكية الإسرائيلية، الرامية لبسط السيطرة وفرض الهيمنة على مُقدّرات المنطقة والعالم بـ"سلام القوة".
إن الأساطيل، مهما عظمت، تظل غريبةً عن البحار التي يسكنها أصحاب الحق، وإن "عام الأرمادا" قد ينتهي بما لا تشتهي سفن ترمب ولا أحلام نتنياهو.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

وزير المالية لـ "القدس": صمودنا معجزة والالتزام الضريبي رافعة لاستمرار الخدمات الأساسية

•     ما نعيشه ليس أزمة عابرة بل تهديد وجودي حقيقي للاقتصاد والمؤسسات
•     استهداف البنوك الفلسطينية لعب بالنار وتجاوز لكل الخطوط الحمراء
•     دعم الموازنة في 2025 رسالة سياسية قبل أن يكون رقماً مالياً
•     المقاصة معركة سياسية وليست فنية وإسرائيل تستخدم المال كسلاح
•     نحن لا نملك سوى ٣٠% من إيراداتنا
•     الالتزام الضريبي ليس واجباً قانونياً فحسب إنما رافعة لاستمرار تقديم الخدمات
• الشراكات الدولية دعم مرحلي دون المساس بالقرار الوطني
• حقوق الموظفين محفوظة ولن تُشطب مهما اشتدت الأزمة



في ظل واحدة من أعقد المراحل سياسياً واقتصادياً، تتقاطع الضغوط المالية مع الاستهداف السياسي المباشر لمقومات الوجود الوطني، أجرت "القدس" حواراً مطولاً مع وزير المالية، د.اسطفان سلامة، أعدّه وأجراه الصحفي مهند ياسين، للوقوف على حقيقة الأوضاع المالية، وحدود الأزمة الراهنة، ومسارات التعامل الحكومي معها، بعيداً عن التجميل أو الخطاب الإنشائي.
 ووضع الوزير سلامة الأرقام في سياقها السياسي، متحدثاً بصراحة عن "أزمة ذات طابع وجودي"، وعن صمود يُدار بمنطق المعجزة اليومية، مستعرضاً معالم ازمة قرصنة المقاصة، والدين العام، ودور القطاع المصرفي، والعلاقة مع المجتمع الدولي، مؤكداً أن ما يجري ليس أزمة مالية عابرة، بل اختبار تاريخي لبقاء المؤسسات والاقتصاد الفلسطيني.

أزمة مالية تمثل مخاطر وجودية

س‌-     هل من مصارحة للناس حول الازمة المالية؟
هناك أزمات مركبة عاشها الاقتصاد الفلسطيني لعقود ولكنه تمكن من التكيف معها بشكل او بآخر رغم آثارها التراكمية إلا أن احتجاز أموال المقاصة للشهر العاشر عطّل الحركة الاقتصادية في البلاد بشكل كبير، وحدّ من قدرتنا على الحفاظ على وضع اقتصادي مستقر، وعلى توفير عمالة كافية داخل المجتمع الفلسطيني.
المصارحة موجودة، والتواصل مع الناس قائم من خلال المؤسسات ذات العلاقة، ولكن بصراحة لا بد أن نتحدث بوضوح أكبر. نحن نواجه أزمة وجودية حقيقية. هذه الأزمة الوجودية تتمثل في أن إسرائيل تحاصرنا من جميع الجبهات، ويشكّل البعد المالي والاقتصادي جزءاً أساسياً منها.
إسرائيل تسعى إلى التأثير على وجود المؤسسات الفلسطينية وقدرتها على توفير الخدمات الأساسية، وتهدف إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني وجعله تابعاً بشكل كامل. وفي الآونة الأخيرة، أصبح الاستهداف موجهاً بشكل واضح إلى المنظومة البنكية الفلسطينية، التي تُعد عملياً العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني.
عندما يتم استهداف البنوك الفلسطينية، فإنهم عملياً، وبالكلمات الشعبية، "يلعبون بالنار"، بمعنى أنهم تجاوزوا كل الخطوط الحمراء والمحرمات. هذا الاستهداف واضح في أهدافه، وهو تدمير المؤسسات الفلسطينية، بما فيها الاقتصاد الفلسطيني، وعلى رأسها البنوك الفلسطينية.
لذلك، فإن الأزمة التي نعيشها ليست أزمة عابرة، ولا مجرد حالة طوارئ مؤقتة نمر بها، بل هي، باعتقادي، أزمة ذات طابع وجودي. والتهديد الوجودي الذي نواجهه هو حقيقة قائمة، وليس من باب الخيال أو التهويل.

س‌-    ما هي معالم إدارتكم للأزمة؟
نحن نعمل على عدة محاور لمواجهة هذه التحديات وهذه الأزمة الوجودية التي تحدثتُ عنها. خطوط العمل التي نشتغل عليها يمكن تلخيصها على النحو التالي:
أولاً: من خلال علاقاتنا مع المجتمع الدولي نسعى لتحقيق هدفين الأول: سياسي، ولكنها في الوقت ذاته تهدف إلى دعم الاقتصاد الفلسطيني، ودعم المنظومة المالية الفلسطينية، بما في ذلك دعم الخزينة، بما يشكّل نوعاً من الحماية والاستقرار للقرار السياسي، و"بصراحة، لدينا أصدقاء كُثُر في العالم، وهناك من يحاول التقليل من أهمية هذا المسار، وأنا باعتقادي أن هذا التقليل لا يمس فقط الجهود المبذولة، بل يقلل أيضاً من أهمية وأثر العلاقات الدولية، التي أصبحت اليوم داعماً أساسياً لنا على المستوى الشعبي، وعلى مستوى الحكومات، وصنّاع القرار (...) هذا المسار ساعدنا، على سبيل المثال، خلال العام الماضي، في تحقيق زيادة ملموسة في الدعم الدولي للموازنة والخزينة. فالدعم الدولي ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: جزء للإغاثة، وجزء لدعم التنمية والمشاريع، وجزء لدعم الموازنة".
دعم الإغاثة ودعم المشاريع مستقران إجمالاً، رغم تراجع الدعم الأميركي وبعض الدول الأخرى في المجال التنموي، إلا أن الوضع العام مستقر ولم يؤثر علينا بشكل كبير. أما دعم الموازنة، فهو الذي شهد اختراقاً حقيقياً. فقد ارتفع من نحو 200 إلى 250 مليون دولار في السابق، ليصل في عام 2025 إلى أكثر من 800 مليون دولار.
صحيح أن هذا المبلغ غير كافٍ، لكنه يغطي قرابة شهرين من الاحتياجات التشغيلية، بما في ذلك دفع الرواتب وغيرها، وهو مهم جداً، كما أن الرسالة السياسية الكامنة وراءه أهم من قيمته المالية.

المقاصة معركة سياسية وليست فنية
ثانياً، كل ما نقوم به لا يُغني عن استرداد حقوقنا. هدفنا الأساسي هو الضغط على إسرائيل للإفراج عن أموال المقاصة، والالتزام بالاتفاقيات الدولية والثنائية، سواء ما يتعلق بأزمة الشيكل، أو بالعلاقات البنكية المتبادلة، أو بإيراداتنا التي تشكّل المقاصة الجزء الأكبر منها. هذا المسار سياسي بالأساس وليس فنياً، فالجوانب الفنية موجودة ومحلولة، لكن الأزمة سياسية بامتياز.
الحكومة الإسرائيلية الحالية تريد لنا الانهيار، وتُغلق علينا سياسياً ومالياً واقتصادياً عبر تجفيف الموارد، بهدف إسقاط المؤسسات. ولهذا أقول إن أهمية السلطة الوطنية الفلسطينية اليوم أكبر من أي وقت مضى، لأن إسرائيل أدركت أن السلطة هي الأداة، أو المركبة، التي تقود إلى الدولة الفلسطينية.
هذا الإدراك جاء نتيجة الإنجازات الدولية التي تحققت، ومنها اعتراف 159 دولة بدولة فلسطين. ورغم محاولات التقليل من أهمية هذا الاعتراف، إلا أنه مهم جداً وله أثر مباشر علينا. قد يسأل البعض: هل غيّر هذا الاعتراف الواقع؟ وأنا أقول إنه زاد من الضغط على إسرائيل، وغيّر مكانتنا الدولية، وغيّر طبيعة علاقاتنا التنموية والمالية والاقتصادية مع هذه الدول.

الصمود بمعادلة المعجزة اليومية
ثالثاً، الإجراءات الداخلية لتعزيز الصمود. في ظل شح الموارد، نحاول إدارتها بشكل أفضل. نركّز على القطاعات ذات البعد الوجودي، مثل التعليم، والصحة، والأمن، لأنها قطاعات لا يمكن لأي دولة أو مجتمع أن يعيش بدونها. كما نولي أهمية خاصة للقدس، ونوفر الحد الأدنى للمؤسسات الأخرى، مع تقنين النفقات، والعمل المكثف على زيادة الإيرادات.
إسرائيل تسأل كيف لا تزال السلطة قائمة رغم كل ما تتعرض له من حصار وضغوط على البنوك والحكومة والقطاع الخاص. الجواب هو أن كل مكونات المجتمع الفلسطيني تقف كتفاً إلى كتف. ونحن، كوزارة مالية، مؤتمنون على المال العام، نعمل على إصلاح الأنظمة، والحد من الفساد، وتعزيز الإيرادات، وتقليل النفقات، ووضع الأموال في المكان الصحيح، كل شهر هو معاناة، وكل شهر هو معجزة، تُصنع بجهد جماعي من كل أطراف المجتمع الفلسطيني.
وهنا أقول بصراحة، وهو موضوع حساس لكنه مهم: هناك تهرب ضريبي هائل. وفي ظل الأزمة الوجودية التي نعيشها، لم يعد مقبولاً التهاون في هذا الملف. من لا يؤدي واجبه الضريبي لا يؤدي واجبه الوطني، لأن هذا الواجب بات جزءاً من معركة الصمود. عدم الالتزام الضريبي يساهم سلباً في انهيار المؤسسات التي نحتاجها للاستمرار في تقديم مئات الخدمات للمواطنين.
بالأرقام، المقاصة تشكّل ما بين 68 إلى 70 % من إيراداتنا، ولا دولة في العالم يمكن أن تعيش دون 70 % من إيراداتها. الوضع الطبيعي هو أن تنهار السلطة، لكن ما نعيشه اليوم هو وضع غير طبيعي. صمود هذا الشعب ومؤسساته هو معجزة حقيقية.
إيراداتنا المحلية تشكّل قرابة 30 %، أي نحو 400 مليون شيكل، يذهب جزء كبير منها، بمعدل يقارب 300 مليون شيكل، لخدمة القروض. في المقابل، نحتاج شهرياً إلى ما يقارب مليار شيكل للحفاظ على الحد الأدنى من عمل المؤسسات، منها نحو 720 إلى 750 مليون شيكل للرواتب وأشباه الرواتب بنسبة 60 % فقط، إضافة إلى نحو 200 مليون شيكل للاحتياجات التشغيلية، وعلى رأسها قطاع الصحة، حيث لدينا ديون كبيرة للمستشفيات والأدوية.
نحن لا نملك 100 % من الموارد وندفع 60 %، بل نملك أقل من ذلك بكثير، ومع ذلك نستمر. وهذه هي المعجزة التي أتحدث عنها، وهي ليست نتيجة الإدارة المالية فقط، بل نتيجة تكاتف جميع مكونات المجتمع الفلسطيني.
البنوك تقوم بدورها الوطني، الشركات الفلسطينية تقوم بدورها، موظفو القطاع العام بصبرهم وتحملهم، القطاع الخاص، المجتمع المدني، الأمهات، العائلات، والمؤسسات الحكومية، بما فيها وزارة المالية وسلطة النقد، جميعهم يعملون بتناغم، وبتوجيهات من سيادة الرئيس ودولة رئيس الوزراء، لتحقيق هذه المعجزة شهراً بعد شهر.
س‌-    هناك احتجاز كامل لأموال المقاصة ولكن في المقابل هناك ارتفاع في المنح الخارجية.. ما هو تفسيركم لذلك؟
باختصار، بدأت الأوضاع المالية تسوء لدينا منذ فترة طويلة. فقد شهدنا محاولات واضحة لمعاقبتنا بعد توجهنا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والحصول على صفة دولة مراقب. ومنذ ذلك الوقت، بدأ الدعم الدولي، وخصوصاً دعم الموازنة، بالتراجع، لأن هذا الملف مرتبط بشكل مباشر بالسياسة.
ومع ذلك، نحن نتحرك وفق أولوياتنا الوطنية وحقوقنا الوطنية، ونسير في هذا المسار بتوجيهات من سيادة الرئيس، رغم ما يترتب عليه من تبعات، ومن بينها التبعات المالية التي كنا ندرك أنها ستأتي.
هذا الدعم ظل يتراجع تدريجياً إلى أن توقف عملياً في عام 2017، ولم يعد يتجاوز نحو 200 مليون دولار، مقتصراً على عدد محدود من الدول.
في العام الماضي، استطعنا كسر هذا الحظر على دعم الموازنة، من خلال طرح فكرة الدعم الطارئ للخزينة، الذي أعلن عنه معالي وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بالشراكة مع إسبانيا والنرويج وفرنسا. وبدأنا بالفعل بتلقي دعم في هذا الإطار، رغم أن هذا المسار ما زال يحتاج إلى جهود إضافية لضمان استمراريته.
هذا الإعلان شكّل كسرًا واضحًا للحظر المفروض على دعم الموازنة، وكان في جوهره أيضاً رسالة دعم سياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية. ففي ظل الهجمة الإسرائيلية الهادفة إلى تدمير السلطة، أصبح المجتمع الدولي أكثر وعياً بأهمية تقديم دعم مالي مباشر ودعم سياسي متزامن، للحفاظ على استمرارية السلطة ودورها.

المنح بين الواقع والبدائل
س‌-    هل نتوقع مزيدا من المساعدات الخارجية خصوصا العربية؟
بدايةً، لا بد من التأكيد على نقطة مهمة، وهي أن أرقام دعم الموازنة تختلف من عام إلى آخر، ولكل سنة خصوصيتها، ولذلك من المهم أن نكون دقيقين عند الحديث عنها. في العام الماضي، بلغ دعم الموازنة قرابة 800 مليون دولار، مع الإشارة إلى أن جزءاً من هذا الدعم لم يُصرف بعد، ولم يتم صرف كامل المبلغ خلال عام 2025، وهذا للتوضيح والدقة.
إذا أردنا أن نكون صريحين، فإن المساعدات العربية الموجهة مباشرة إلى الخزينة أصبحت اليوم محصورة بدولتين أساسيتين، هما المملكة العربية السعودية والجزائر. وهذا واقع قائم، مع التأكيد على أن هناك مجالاً لتطوير هذا الدعم وزيادته في المرحلة المقبلة.
أما فيما يتعلق بدعم المشاريع التنموية، فهو في العادة يتراوح سنوياً ما بين 300 إلى 400 مليون دولار. وإذا جمعنا أرقام العام الماضي، ما بين دعم الموازنة ودعم المشاريع، فإن إجمالي الدعم يصل إلى نحو مليار و200 مليون دولار.
في المقابل، هناك دعم كبير مخصص للإغاثة، خاصة في ظل ما يجري في قطاع غزة من كارثة إنسانية وإبادة، وهذا الدعم قد يصل إلى مليارات الدولارات، لكنه لا يُحتسب ضمن أرقامنا، لأنه دعم إغاثي لا يدخل في الموازنة العامة، بل يُعد مسؤولية دولية منفصلة.
لذلك، عند الحديث عن الدعم الدولي الذي نعتمده في حساباتنا، فإننا نتحدث تحديداً عن دعم الموازنة ودعم المشاريع التطويرية فقط، وهو ما يمكن تقديره بنحو مليار و200 مليون دولار سنوياً. مع التأكيد على أن هذه الأرقام ليست ثابتة، إذ قد يرتفع الدعم التنموي في سنة ويخفض دعم الموازنة في سنة أخرى، بحسب الظروف السياسية والاقتصادية، وبالتالي فإن مستويات الدعم تشهد صعوداً وهبوطاً ولا تسير على وتيرة واحدة.

س‌-    هل المنح الخارجية مشروطة؟
نحن، بالنسبة لنا، لا نتعامل مع العلاقات الخارجية على أنها علاقة أوامر أو إملاءات. بكل تواضع، نتعامل معها من منطلق الشراكة. فلسطين تسعى إلى بناء جسور مع الجميع، فنحن لا نبحث عن أعداء، بل نعمل على بناء جسور مع كل الدول الصديقة والشقيقة.
لذلك، أحرص دائماً على استخدام مصطلح "شراكات" وليس "مساعدات". نحن لسنا شعباً عاجزاً عن الاعتماد على نفسه، ولسنا شعباً غير متعلم. نحن شعب متعلم، ولدينا مقومات حقيقية تمكّننا من الاعتماد على ذاتنا.
ما يفرض علينا تلقي الدعم الخارجي هو واقع الاحتلال، الذي يسيطر على مواردنا وأموالنا ومقدراتنا. وإنهاء الاحتلال كفيل بأن يغنينا عن هذه المساعدات. من هنا، فإن الشراكات التي نبنيها يكون هدفها الأساسي سياسياً، يتمثل في المساهمة بإنهاء الاحتلال، ومرحلياً دعمنا مالياً واقتصادياً لتعزيز صمودنا.
صحيح أن لهذه الشراكات أحياناً تبعات والتزامات، لكننا نحرص على إدارتها بما لا يؤثر على سياساتنا الوطنية، وبما لا ينتقص من حقوقنا المشروعة.


الدين العام نتاج حصار سياسي

س-كم بلغ الدين العام وما هي توقعاتكم للعام الحالي؟
تشير المعطيات إلى أن الدين العام الفلسطيني بلغ في نهاية عام 2025 مستوى غير مسبوق يقدَّر بنحو 15 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 54–55 مليار شيكل، وهو رقم لا يمكن فصله عن السياق السياسي القسري الذي تفرضه إجراءات الاحتلال الإسرائيلي. فجزء كبير من هذا الدين لا يعكس اختلالات إنفاق داخلية، بل يعود إلى احتجاز أموال المقاصة التي تشكّل ما بين 68 و70 % من الإيرادات العامة، وإلى الهجمة القانونية الإسرائيلية التي تمثلت في نحو 430 دعوى قضائية بقيمة تقارب 45 مليار شيكل، تُستخدم كأداة ضغط ممنهجة لشل المالية العامة ودفع السلطة نحو الاستدانة الداخلية.
في المقابل، شكّل القطاع المصرفي الفلسطيني خط الدفاع الأخير لمنع الانهيار المالي، عبر استمرار الإقراض لتأمين الرواتب والحد الأدنى من التشغيل، رغم المخاطر العالية والاستهداف المتصاعد. أما في عام 2026، فلا تشير التوقعات إلى تراجع جوهري في حجم الدين، بل إلى إدارته ضمن منطق الصمود لا التعافي، حيث يبقى أي تحسن مشروطاً بالإفراج الكامل عن أموال المقاصة، ووقف الدعاوى الإسرائيلية، وتحول سياسي دولي ضاغط يُترجم إلى دعم مالي مستدام. دون ذلك، سيظل الدين العام جزءاً من أدوات الصراع السياسي أكثر منه مؤشراً مالياً تقليدياً.

المستحقات محفوظة ولن تُشطب
س‌-    هل هناك أي فرضيات تشير لشطب مستحقات الموظفين العموميين على الحكومة.. وكم بلغت المستحقات حتى نهاية يناير 2026؟
لا، أبداً. هذا غير مطروح نهائياً. نحن نؤكد على هذا الأمر بشكل شهري عند صرف الرواتب. نعلن بوضوح أن المستحقات المتراكمة للموظفين العموميين هي ذمم مالية محفوظة بالكامل، ولن يتم شطبها أو التنازل عنها تحت أي ظرف.
هذه المستحقات حق ثابت للموظفين، وهي مسجّلة ومعترف بها، وسيتم الالتزام بها فور توفّر الإمكانيات المالية. ما يجري حالياً هو تأجيل قسري ناتج عن الأزمة المالية، وليس إلغاءً أو شطباً للحقوق.



عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي زوّد الجبهة الشعبية بصاروخ لاستهداف الملك حسين

رئيس الوزراء الأردني الأسبق روى شهادته على عقد ونصف العقد في مركز القرار (2 من 3)
عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي زوّد الجبهة الشعبية بصاروخ لاستهداف الملك حسين
 
عمّان: غسان شربل


في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي» عبر مجموعة تابعة لوديع حداد، قائد «المجال الخارجي»، ذراع العمليات السرية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

كما يعرج عبيدات الذي تولى أيضاً رئاسة المخابرات ووزارتي الداخلية والدفاع، على كواليس المواجهة بين القوات الإسرائيلية والجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين في بلدة الكرامة الحدودية في مارس (آذار) 1968، مؤكداً أن الجيش الأردني «هو الذي حسم المعركة»، لكنه خرج «بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين».
رحل عبيدات مطلع الشهر الجاري. وكانت الشهادة سجلت قبل «طوفان الأقصى» الذي حالت تداعياته دون نشرها. وفي ما يلي نص الحلقة الثانية:
نحتاج إلى أن نعود قليلاً إلى الوراء ونتحدث عن ظروف «معركة الكرامة»؟
- «الكرامة» نقطة مفصلية في غاية الأهمية، أهميتها للجيش أولاً؛ لأن الجيش العربي عاش هزيمة 1967 وشعر بمراراتها؛ لأنه انسحب من الضفة الغربية ولم يستطع لأسباب عدة أن يدافع عنها، وبالتالي يشعر بمسؤوليته الأخلاقية والوطنية والقومية عن هذه الهزيمة.
وجاءت فرصة «معركة الكرامة» لاستعادة الروح المعنوية القتالية للجيش ويسترد فيها بعض اعتباره. جاءت «معركة الكرامة» فرصة مواتية لفعل شيء مهم.
إذن، برأيك أن الجيش الأردني هو الذي لعب الدور الأكبر في «معركة الكرامة»؟
- هو الذي حسم المعركة، هو أفشل بناء العدو جسوراً في مناطق عدة للدخول، ودُمّرت آلياتهم في الأرض الأردنية، وبالتالي لأول مرة بتاريخ إسرائيل يطلبون وقف إطلاق النار. وكان الراحل الملك الحسين هو من رفض.
إسرائيل لم تعترف بخُمس قتلاها، وعند السماح بإجلاء جرحى المعركة كانت الطائرات العامودية (تسيل) منها دماء الجرحى والقتلى.



هناك ضباط من كتيبة المدفعية الذين كانوا يسمون «ضباط الملاحظة»، وقد عرّضوا أنفسهم للموت، فقد كانوا يتقدمون بأقرب نقطة من العدو، ويعطون إحداثياتها بدقة، ثم يطلبون قصف الموقع الذي تم إرساله، أي أنهم أعطوا نقاط وجودهم كمواقع يتمركز فيها العدو، وبالتالي قصف الموقع. أي أن الجندي الأردني كان يحدد موقعه القريب من الجيش الإسرائيلي ليتم قصفه. وبذلك يتم قصف الجندي الأردني الذي يريد الشهادة دفاعاً عن أرضه واسترداداً لكرامته بعد هزيمة النكسة. لكن إعلان «الكفاح المسلح» ألغى دور الجيش في المعركة، وظهر الفدائيون بوصفهم أبطالاً حققوا النصر على إسرائيل. وكانت لذلك تداعيات كثيرة؛ لأنهم احتكروا النصر وتجاهلوا دور الجيش الأردني تماماً.
طبعاً «الكفاح المسلح» بعد هذا الادعاء، جمعوا مئات الملايين من التبرعات، وكانت الأموال الأكثر من حصة تنظيم «فتح». لقد سيطرت ماكينة الفدائيين على الإعلام العربي. وخرجنا من المعركة بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين.
وبالمناسبة، جميع التبرعات التي حصلت عليها التنظيمات الفلسطينية من دول عربية عدة لم تصل للشعب الفلسطيني، بل ذهبت لحساب التنظيمات وقياداتها.
إذن، برأيك تداعيات «معركة الكرامة» والحرب الإعلامية انسحبت على أحداث أيلول؟
- الجيش عندما دخل إلى عمّان في أحداث سبتمبر (أيلول) كان يريد أن يُخلّص الشعب الأردني من حالات فوضى السلاح والاستعراض بالقوة وحالة الفلتان الأمني في الشوارع.
فلما دخل الجيش وبدأ في طرد الفدائيين من عمّان أخذ كل شيء في طريقه. وحتى منزلي الذي استأجرته حديثاً بعد حادثة اختطافي وكان قريباً من مقر قيادة الجيش دخله الجيش الأردني ليفتش عن فدائيين، وكانت أسرتي تقيم في المنزل ساعة المداهمة. وقالت زوجتي لهم إن زوجي ضابط مخابرات، فرد عليها العسكري الأردني: بلاش كذب. ولم يخرجوا من البيت إلا بعد اتصالها معي، فكلفت ضابطاً عندنا قائد سرية المخابرات يتفاهم مع الجيش، وبعدها تركوا البيت وخرجوا. والمعنى هو أن الجيش قام بمسح المناطق من دون أن يفرّق بين هذا أردني أو فلسطيني. يريد استعادة السيطرة على الأمن وفقط.
كل ذلك اضطرني إلى إرسال أسرتي إلى منزل والدي ووالدتي في محافظة إربد شمال المملكة.
 
ألم يتدخل الجيش السوري وأدخل قوات عسكرية إلى محافظات الشمال؟
- نعم. عندما دخل الجيش السوري إلى مناطق من شمال البلاد، كانوا يرفعون أعلام منظمة التحرير الفلسطينية على الدبابات السورية. عرفنا لاحقاً بأن قرار تحرك الجيش السوري كان قراراً سياسياً من حزب «البعث»، وأن حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع استجاب للقرار مضطراً، وبالأخير تراجعت الدبابات السورية.
وماذا عن تدخل العراقيين؟
- العراقيون كانوا موجودين، لكنهم لم يتدخلوا، هناك ما يجب قوله في هذا المجال.
أولاً: ما سمعته من العراقيين بأن الدولة والقوات العراقية الموجودة، لم يكن في خاطرها أو نواياها أي مشاركة في عملية تستهدف إنهاء الحكم الملكي الهاشمي في الأردن. وذلك قطعاً بسبب أن العراقيين لا يريدون حمل مسؤولية القضية الفلسطينية وأعبائها من اتصالات سياسية دبلوماسية أو من حيث التعامل مع الفدائيين؛ لذلك كان تقديرهم بأنهم لا يريدون المشاركة في مغامرة غير محسوبة.
ثانياً: ما فهمته من رواية أخرى، لكن لا أستطيع تبنيها. وهي أن قيادة العمليات في الجيش تسلمتها شخصية باكستانية، فكان الرئيس ضياء الحق يتسلم العمليات في القيادة، وكان يرسل برقيات وضعت كثيراً من القوات العراقية وغيرها في حالة ارتباك أوهمتهم أن هناك وحدات عسكرية ضاربة سيصطدمون معها أو ستهاجمهم، فأخذت القوات العراقية وضع الاحتياط والتحفز أكثر من وضع الهجوم.
وعرفنا لاحقاً أن وفداً من «فتح» وكان من بينهم أبو إياد زار العراق معاتباً. فقابلهم أحمد حسن البكر وتحدثوا بصراحة متناهية، مقدمين اللوم على الحكومة العراقية، فرد عليهم البكر: «إحنا يا إخوان دولة لها روح واحدة. إذا غلطت غلطة جوهرية تنتهي، أنتم مثل (البزون) على رأي العراقيين أي القطط، لكم سبع أرواح إذا راحت روح تيجي غيرها، فتستطيعون عمل ما بدا لكم. أما نحن لا نستطيع نكون مثل البزون. نحن دولة مش قطة لها سبع أرواح. الغلطة تأخذنا إلى الأبد؛ ولذلك ما حد يعطينا نصائح، ومع السلامة».
هل تعتقد أن ظلم الجيش الأردني برواية «معركة الكرامة» والترويج للفدائيين فقط جعلها مصدر الشرعية لعرفات وللمنظمة؟
- والله لا أعلم، إن كانت فقط بحدود الشرعية لياسر عرفات بعد «معركة الكرامة». المشكلة أن عرفات نال شرعيته على حساب الجيش الأردني الذي قاتل ببسالة وصمود. وأعيد وأكرر أن الجيش الأردني، بسلاح مدفعيته وليس بسلاح الجو والطيران، هزم إسرائيل.
لقد روى لي المرحوم محمد بشير إسماعيل، وكان مديراً للاستخبارات العسكرية، أن إحدى آليات الجيش الإسرائيلي التي تمركزت في منطقة الشونة الجنوبية، وهي تابعة للقيادة الإسرائيلية، والتي تركها الإسرائيليون قبل تراجعهم، وجدوا داخلها وثائق، وبعد مصادرتها وتحليلها تكشفت الخطة الإسرائيلية التي أرادت أن يتحرك الجيش الإسرائيلي من الكرامة ثم غور الأردن ارتفاعاً نحو جبال السلط، وصولاً إلى منطقة السرو القريبة من عمّان، ومن هناك يتم فرض التفاوض مع الحكومة الأردنية.
 
كانت هذه خطتهم بعد أن ينهوا موضوع المنظمات الفدائية كاملة؛ لأن المنظمات الفدائية تركت مواقعها التي قاتلت بالكرامة. هنا لا ننكر بأن بعض المنظمات الفدائية الفلسطينية قاتل عناصرها ببسالة، ومنهم من استشهد ومنهم من ترك موقعه وتراجع، ومنهم من اختفى. هناك بطولات كانت من الجانبين، لكنها كانت فردية من قِبل الفدائيين والمقاومة؛ وهذا حتى لا نكون ظلمنا أحداً.
من يتحمَّل مسؤولية ما حدث في أيلول؟
- الذي أعلن نفسه سلطة فوق السلطة. بمعنى أن لا سلطة فوق سلطة المقاومة. الذي أراد قيام سلطة غير السلطة الشرعية بالمملكة، ومن تدخل في كل شيء حتى بالمحاكم الشرعية بالزواج والطلاق. الذي يقطع الطريق على الناس في المدن والقرى والذي يعتقل الضباط والجنود وهم متوجهون إلى أسرهم خلال إجازاتهم. كل هؤلاء يتحمّلون المسؤولية. الذين حاولوا التصرف كأنهم أمن وجيش داخل مقار التنظيمات والتي أصبحت بديلاً عن مؤسسات الدولة.
لقد كانت هناك دولة موازية، من الأغوار بصفتها خط مواجهة مع العدو إلى عمّان. من فعلوا ذلك هم الذين يتحمّلون المسؤولية.
من كان يُهدّد من يرتكب مخالفات في عمّان بإنزال المخالف لمنطقة الغور، ومن المفارقات المضحكة المبكية أن عنصر المقاومة الذي يرتكب مخالفة في عمّان يُهدّد من أبي عمار وجماعته والقيادات التابعة له بإنزاله للأغوار لمواجهة إسرائيل. هذا من يتحمّل مسؤولية. من فتح مقار له ومكاتب مارست نشاطاتها بالطول والعرض في عمّان بعد نقلها من الأغوار. هذا الذي يتحمل المسؤولية.
هل كان لديكم قلق في أحداث 1970 من سقوط الدولة؟
- في المخابرات العامة لم يكن هناك قلق من ذلك، وكنا نعتقد أن هذه أزمة أيام وستنتهي وسيُفرض النظام وكل شيء سيعود لطبيعته.
لقد وقعت بيد الجيش الأردني خطة وجدوها عند قائد جيش التحرير في عمّان قائد «الكفاح المسلح» تفيد بتقسيم عمّان لمناطق لمنع الجيش من دخولها. لذلك؛ كان الدور للجيش في «معركة الكرامة» وأحداث أيلول.
هل كان صعباً على الملك أخذ القرار بهذا الشأن؟
- القرار تأخر كثيراً، هذا الكلام كنا نسمعه دائماً وأبداً، وكان يسمعه من الجيش وكان يسمع عبارات قاسية من الجنود وضباط الصف. كان الراحل الحسين يسمع شبه إهانات، مثل: شو اللي قاعد بتعمله فينا؟ ليش تارك الأمور هيك؟
وبهذا الشكل حسم القرار بالمواجهة. فالجيش شعر بمرارات الإهانة من مسلكيات الفدائيين وسلوكهم في بث الفوضى وأنهم سلطة فوق سلطة الدولة.
هل تعاملت مع ملف وديع حداد؟
- وديع حداد كان مشهوراً عندما كنت مديراً للمخابرات، وهو من كان وراء إرسال صواريخ لضرب طائرة الملك حسين خلال أعوام 1975 و1976 و1977. أرسل حداد صاروخاً للأردن مع مجموعة يقودها مواطن أردني الجنسية اسمه بريك الحديد، وهو من عشيرة معروفة في عمّان، وكان منتمياً إلى «الجبهة الشعبية». وقد كانت مجموعة تابعة له ترصد طائرة الملك حسين. وكان المقصود ضرب الطائرة بصاروخ بمعرفة القذافي وموافقته.
 
هل هذه معلومات المخابرات وقتها؟
- 100 في المائة. القذافي شخصياً زوَّدهم بهذا الصاروخ وتم نقله إلى الأردن، وقد رصدت المخابرات جميع تحركات المجموعة بقيادة بريك الحديد منذ اللحظة الأولى. وقد ألقي القبض على المجموعة لاحقاً، واضطررنا إلى إبلاغ الملك حسين.
وبالفعل، طارت طائرة الحسين في الموعد المقرر لها من مطار ماركا العسكري؛ وتحسباً لأي مفاجأة طارت بعكس الاتجاه الذي كان محدداً لمسارها، مع استخدام أجهزة للتشويش على أي صاروخ يستهدف الطائرة التي على متنها الراحل الحسين.
هل عرف القذافي بأنكم كشفتم محاولة اغتيال الملك الحسين؟
- في تلك الأيام كان مضر بدران - رحمه الله - رئيساً للديوان، وطلب جميع الوثائق المتعلقة بالمحاولة وصورة الصاروخ الذي تم ضبطه. وغادر إلى ليبيا لمقابلة القذافي، وعند مواجهته بكل ما بحوزة بدران من معلومات، أنكر القذافي علمه بالأمر. وقال: أنا ما معي خبر.
جماعة وديع حداد يحركها القذافي؟
- ساعدهم في هذا الموضوع؛ لأنه من المهم عند القذافي وجود أشخاص يقومون بمثل هذه العمليات.
هل كنتم كمخابرات تخترقون جماعة وديع حداد؟
- عندما نكون مسيطرين على مثل هذه العملية من الألف إلى الياء ماذا يمكن أن تقول!
ألم يكن كارلوس تحت متابعتكم؟
- طبعاً؛ لأن كارلوس كان يبحث عن أذرع في المنطقة ولم يكن يعمل منفرداً.
كانت المخابرات الأردنية تتابع كارلوس حتى بالسودان؟
- طبعاً، هناك تحديث للمعلومات أولاً بأول.
ماذا عن وديع حداد وخطف الطائرات؟
- تلك الحادثة كانت بمثابة «القشة التي قسمت ظهر البعير». ولا شك بأن تلك الحادثة كانت وراء دخول الجيش، وما تبع ذلك من تداعيات. ولك أن تتخيل أي حال وصلنا إليه، فبعدما خطفوا الطائرات، عقد الخاطفون مؤتمراً صحافياً في فندق الأردن، وتحدث جورج حبش في المؤتمر الصحافي في عمّان ليعلن عن العملية.
ألم يكن لدى دائرة المخابرات أي معلومات عن خطة خطف الطائرات؟
- لا. ثم أمام كل تلك الفوضى في تلك الأيام ماذا ستقول عن حالة أشبه بالفلتان الأمني.
كانت هناك مجموعة يابانية ومجموعة ألمانية. هل كان هناك تنسيق مع المخابرات الألمانية وتبادل معلومات حول تلك المجموعات؟
- أي معلومات متوفرة لدينا كانت متاحة للقنوات مع كل الأجهزة التي نتبادل معها المعلومات.
 
ما هي قصة أبو داود وتخطيطه لخطف وزراء رهائن في الأردن؟
- في تلك الفترة شهدت الحركات الإرهابية ازدهاراً في العالم، وأذكر جيداً بأني زرت روما تمهيداً لزيارة الراحل الملك الحسين للفاتيكان. غادرت وكنت وقتها نائباً لمدير المخابرات، ومعي فتحي أبو طالب، وكان وقتها نائباً لمدير الاستخبارات العسكرية ولاحقاً تسلم رئاسة هيئة الأركان وحمل رتبة مشير - رحمه الله. طبعاً زيارتنا هي زيارة أمنية وكانت في عام 1973؛ تمهيداً لزيارة الملك الحسين. وبعد وصولنا زرنا في روما شخصاً يماثل مدير المباحث العامة وهو جنرال.
وعندما دخلنا عليه وكأننا قادمون لقبض روحه، كان متشائماً جداً عند دخولنا، فطلب لنا قهوة وكان متوتراً للغاية، فسألناه عن تقديره للموقف الأمني خلال فترة زيارة الراحل الحسين ونصيحته؛ لأن الوضع الأمني صعب والحركات الإرهابية كانت في عنفوانها.
فكان جواب الرجل مختصراً ومفيداً. وقال أرغب في إجابتكم من الآخر. أنتم متخصصون وتعلمون بمواضيع الأمن، خصوصاً لكبار الضيوف من كبار الشخصيات. وزاد بقوله: أنا أجلس في هذه العمارة بالطابق الخامس، ولا أدري بأي لحظة ستنفجر بي، فلا أملك أي ضمانة حيال ما طلبتم مني. فلا سيطرة لنا على الأمن بأي صورة من الصور.
طبعاً شكرناه وغادرنا وبعثنا ببرقية مشفرة للقيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ننصح بعدم زيارة الملك للفاتيكان.
هل اخترقتم مجموعة وديع حداد، وهل استطعتم اختراق منظمة «أيلول الأسود»؟
- نعم، بالتأكيد.
من كان زعيم «أيلول الأسود»؟
- أبو إياد كان مسؤول «أيلول الأسود» ومعه أبو يوسف النجار.
لا أتذكر الآن، لكن هذه خلية أُنشئت لغرض محدد، وهو اغتيال وصفي التل، وتنفيذ عمليات أخرى. لكنهم بالأردن لم ينفذوا أي شيء؛ لأنهم لم يقدروا.
هل تعتقد أن أبو إياد كان مسؤولاً عن اغتيال وصفي التل؟
- لا أدري، لكنه هو مسؤول «أيلول الأسود»، وهذه المسؤولية مسؤولية قيادة «فتح».



هل قابلت أبو داود؟
- بالمناسبة، أبو داود من الذين عملوا نقداً ذاتياً لحركة «فتح» هو ومجموعة معه. وكان موضوعياً إلى حد كبير جداً في عملية النقد الذاتي.
إذن، دعنا نتذكر قصة أبو داود بقليل من التفاصيل؟ فمتى عرفتم بأن أبو داود يخطط لعملية بالأردن؟
- قد يكون ذلك في منتصف عام 1972. فقد توفرت معلومات أن أبو داود ومعه مجموعة تريد دخول الأردن من بغداد.
وأن مجموعة من قيادة «فتح» خططت لهذه العملية، وتم اختيار أبو داود لقيادتها.
هل عرفتم أنه تم اختيار أبو داود لقيادتها؟
- نعم، من البداية.
أي أنكم اخترقتم «أيلول الأسود»؟
- نحن اخترقنا «فتح». فهذه العملية لا علاقة لها بـ«أيلول الأسود»، وهي عملية خاصة، فقد أُسنِدت إلى أحد الضباط في العمليات ولمساعد نائب مدير المخابرات للعمليات وكان طارق علاء الدين - رحمه الله. وكان نذير رشيد - رحمه الله - مديراً للمخابرات، وكنت نائباً لمدير المخابرات.
وباختصار، تمت متابعة العملية قبل دخولها للأردن من بغداد، وقد دخلت المجموعة تركب سيارات مرسيدس، وكانوا يلبسون اللباس العربي التقليدي. وكان مع أبو داود امرأة ادَّعى أنها زوجته وهي ليست زوجته.
وكانوا يخبئون أسلحة بالسيارات الثلاث، وقد أخفوا الأسلحة بطريقة فنية؛ لكي لا ينكشف الأمر، وقد خزَّنوا الأسلحة بمقاعد السيارات نفسها.
بطبيعة الحال، كانوا يحملون جوازات سفر مزورة. لكن مع ذلك تم ترتيب إلقاء القبض عليهم. وبحكم تفتيش المركبات من جهتنا الحدودية مع العراق، اشتُبه بهم، وبالتالي تم اقتيادهم للدائرة. وجرى تفتيش المركبات تفتيشاً دقيقاً وتفككت كل المركبات، وتم جمع الأسلحة كاملة، فسلم أبو داود بالأمر.
وبطبيعة الأمر، عندما تكتمت المخابرات على العملية ولم تعلن عن إلقاء القبض على عناصرها، ولم تكن قيادة «فتح» تعلم أن العملية انكشفت وقد تم توقيف جميع عناصرها. حاولت «فتح» عبر إذاعتها التمويه على مكان وجود أبو داود وزعموا بأن أبو داود بطل عمليات طبرية والقدس. وبعد أن انكشفت العملية أطلقوا على أبو داود لقب «نخلة عمّان». ثم بدأ التحقيق معه، وكان رجلاً واقعياً ولم نحتج إلى وقت طويل حتى قدّم اعترافاته. فعندما شعر بأن الأمور كانت مكشوفة لنا بالكامل كان الرجل واقعياً. فقال: «يا جماعة خلص. يعني الأمور واضحة».



أبو إياد يقول إن أبو داود تعرَّض لتعذيب؟
- لم يمس أحد شعرة منه. وهو رجل كان يفهم تماماً طبيعة الظروف بعد العثور على الأسلحة وجوازات السفر المزورة. لذلك؛ أدلى باعترافات كاملة، وأن العملية كانت تهدف إلى احتجاز مجلس الوزراء الأردني أثناء انعقاده ووضعهم رهائن؛ من أجل التفاوض على إطلاق متهمين خطرين كانوا معتقلين بالأردن وهم من منظمة «فتح». وتم تدوين إفادته كاملة وانتهى الموضوع.
لم تنته الأمور عند ذلك. بل قيل عن لقاء جمع الملك الحسين بأبو داود في دائرة المخابرات العامة؟
- في تلك الأيام كان محمد رسول الكيلاني، وهو أول مدير لجهاز المخابرات عند تأسيسه، في زيارة للملك الحسين. وطلب منه إعادة فتح ملف التحقيق مع أبو داود؛ لأن لدى الرجل معلومات مهمة. الملك حسين لسبب أو لآخر اقتنع وطلب من مدير المخابرات نذير رشيد أن يسمح لمحمد رسول الكيلاني بالاطلاع على ملف الاعترافات. لم يعجب ذلك المرحوم رشيد؛ لأن الأمر فيه تقليل من شأن الضباط المحترفين الذين حققوا مع أبو داود.
في تلك الأثناء قام والد ووالدة أبو داود بزيارة لمنزل محمد رسول، طالبين منه أن يلتقيا بالملك الحسين، ليطلبا منه العفو عن ولدهما، وفعلاً بعدها جاء الراحل الحسين وقابل أبو داود وسمع اعترافه.
أبو داود اعترف أمام الملك حسين؟
- الملك الحسين قرأ اعترافات أبو داود كاملة وبعدها قابله.
بماذا تحدثنا عن تفاصيل هذه اللحظات الإنسانية؟
- قابل الراحل الملك الحسين والد ووالدة أبو داود في دائرة المخابرات العامة، وقبلها كان الوالدان التقيا ولدهما الذي ظل سجيناً لفترة من الوقت. استجاب الراحل الحسين لاسترحام الأب والأم. وبعدها التقى أبو داود بمفرده.
وبعدما أحيل نذير رشيد إلى التقاعد وأعيد محمد رسول الكيلاني للخدمة مرة ثانية حاول إعادة فتح التحقيق والتوسع، لكنه لم يجد ثغرة تسمح له بإعادة فتح الملف. لكن الملك الحسين كان قد وعد الأب والأم بالإفراج عن ابنهما. وبعد فترة قصيرة تم الإفراج عنه.
وبتقديري، وهذا ما لمسته، بأن أبو داود تأثر من موقف الراحل الحسين ومعاملته الطيبة لوالديه وعفوه عنه. ولم يعد بأي تهديد للأردن أو القيام بأي عمل مستقبلي ضد الأردن.

بالنسبة لمحمد رسول لم يمكث طويلاً بفترته الثانية في إدارة الجهاز. فالمدة التي غاب فيها عن الدائرة شهدت الكثير من التطورات، وقد تقدمنا فنياً في العمل الاستخباري، كما أن التحديات اختلفت عما كان موجوداً في زمنه. كما زاد عدد الضباط زيادة ملحوظة وأصبح في الجهاز فرق وخبراء مختصون، أي أن المناخ اختلف وأصبح هناك احترافية في العمل.
نتيجة لذلك؛ حدث ارتباك في العمل وصرنا قلقين على مصير العمليات الاستخبارية نفسها؛ لأن العقلية القديمة مع الحداثة التي حصلت في الجهاز تسبب بإرباكات كثيرة. وقد حصل جفاء بيننا كضباط وأفراد، ولم نعد مرتاحين في هذه الأجواء، ففكرت مع المرحوم طارق علاء الدين بالاستقالة. وعندما وصل هذا الكلام للراحل الحسين زار دائرة المخابرات بشكل مفاجئ. وكان مكتبي يقع مقابل مكتب محمد رسول، وكان مكتب طارق بعدي مباشرة. دخل الحسين لمكتب محمد رسول وكان معه الشريف زيد بن شاكر. بعد نحو نصف ساعة خرج الحسين وقد استقبلته أمام مكتبي، فسلم عليّ وعلى وطارق علاء الدين. وقف معنا وجاملنا بكلمات لطيفة وغادر.
بعد أسبوع صدرت الإرادة الملكية بإحالة محمد رسول الكيلاني - رحمه الله - على التقاعد، وتعيينه مستشاراً للأمن القومي في الديوان الملكي، كما صدرت الارادة الملكية بتعييني مديراً للمخابرات في الأول من سبتمبر 1974.
هل كان الملك الحسين حريصاً على زيارة الجهاز واللقاء مع كبار ضباطه؟
- كانت علاقته بالدائرة علاقة مباشرة، ويجتمع بنا باستمرار ويستمع ليس لمعلوماتنا، بل لآرائنا الشخصية كذلك.
ثم بعد ذلك أصبحت علاقة الراحل مع الجهاز من خلال المدير، وهو الذي يرفع التقرير للملك مباشرة، كما يقدم التقرير الأمني لرئيس الوزراء بموجب أحكام القانون.
بالنسبة لي كنت أقدم تقارير لرئيس الحكومة وأقابل الملك أيضاً. لكن أمام الملك قد يكون من الواجب التوسع في شرح بعض القضايا شفاهة؛ حتى لا يتم تداول تلك المعلومات بين الموظفين. وكنت أقابل الملك باستمرار.
عندما يُطلب مني تقديم عرض أمني أمام الملك، كان الراحل الحسين يستدعي وقتها ولي عهده الأمير الحسن، كما يحضر مستشارو الملك وقيادات الجيش والأمن العام ورئيس الديوان ورئيس الحكومة. وطبعاً يكون العرض للتقرير الأمني فيه شرح للأوضاع الأمنية وأي تحديات خارجية أو داخلية.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريحات هاكابي.. توظيف ديني لفرض الهيمنة على المنطقة

د. حسن أيوب: إسرائيل لم تعد تخفي أطماعها الإقليمية أو خطط التهجير مستفيدة من نفوذ النخبة المؤثرة في واشنطن لتنفيذ ما تسعى إليه
خليل شاهين: هاكابي ينتمي للصهيونية المسيحية التي عارضت تاريخياً حل الدولتين واعتبرت أي انسحاب من الضفة وغزة "خيانة للنبوءات"
محمد الرجوب: تصريحاته تغادر قاموس الدبلوماسية التقليدية وتعيد تعريف الصراع من نزاع سياسي قانوني إلى "وعد إلهي" ما يعقّد فرص التسوية
د. حسين الديك: حديث هاكابي موجه لجمهور اليمين المسيحي في أمريكا ما يعني قبولاً صريحاً بفكرة امتداد إسرائيل "من النيل إلى الفرات"
فراس ياغي: غياب الإجراءات والاكتفاء فقط بالبيانات رغم الإجماع العربي على رفض تصريحات هاكابي يمنحان إسرائيل فرصة لتعزيز نفوذها
عريب الرنتاوي: تصريحات استفزازية وتتبنى بشكل صريح فكراً استيطانياً توسعياً لكنها تمنح الرواية الفلسطينية والمواقف العربية مصداقية أكثر



رام الله – خاص بـ"القدس"- لا تزال تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي تثير موجة واسعة من الانتقادات، بعد حديثه عن "أحقية تاريخية ودينية" لإسرائيل تمتد إلى فضاء إقليمي أوسع، في طرح اعتبره مراقبون خروجاً عن اللغة الدبلوماسية التقليدية وتبنياً لرؤية أيديولوجية صريحة وإظهار أطماع إسرائيل في الدول العربية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن مواقف هاكابي لا يمكن فصلها عن نفوذ تيار الصهيونية المسيحية داخل دوائر القرار في واشنطن، ولا سيما في ظل تقاطعها مع توجهات إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي اتخذت قرارات اعتُبرت داعمة للرؤية الإسرائيلية في ملفات القدس والاستيطان. ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن هذا الخطاب يمنح غطاءً معنوياً لمشاريع الضم وتوسيع المستوطنات، بل وإظهار أطماع ممتدة إلى الإقليم، ويعيد تعريف الصراع من نزاع سياسي قانوني إلى سردية دينية مغلقة.
ويحذر من أن توقيت التصريحات، في ظل تصعيد إقليمي وحراك استيطاني متسارع، يعكس مناخاً سياسياً يتعزز داخل إسرائيل والولايات المتحدة معاً، بينما يقتصر الرد العربي حتى الآن على بيانات إدانة دون خطوات عملية تتناسب مع خطورة الطرح.


الانتماء إلى "سلالة سياسية" داخل النخبة الأمريكية

يوضح أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسن أيوب أن تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي بشأن أحقية إسرائيل في فلسطين وعدد من الدول العربية لا يمكن التعامل معها بوصفها موقفاً عابراً أو تعبيراً دينياً فردياً، بل تعكس توجهاً متجذراً داخل نخبة أمريكية مؤثرة في صناعة القرار، ولا سيما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية تجاه إسرائيل.
ويشير أيوب إلى أن هاكابي، وإن لم يكن ضمن الدائرة الضيقة المباشرة لصنع القرار في البيت الأبيض، ينتمي إلى "سلالة سياسية" داخل النخبة الأمريكية ذات تأثير بنيوي على توجهات الإدارة، مشيراً إلى أن الرئيس دونالد ترمب أحاط نفسه، خلال ولايته الأولى والحالية، بشخصيات معروفة بانتمائها لما يُسمى تيار "المسيحيين-الصهاينة"، الذين يتبنون فكرة "الخلاص" ذات الجذور التوراتية.
ويشير أيوب إلى أن هذا التوجه سبق أن تجلى خلال الولاية الأولى لترمب عبر دور السفير الأمريكي الأسبق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، الذي عبّر عن قناعات مشابهة لما طرحه هاكابي في مقابلته معه.
ويلفت أيوب إلى مشاركة فريدمان في افتتاح نفق أسفل المسجد الأقصى برفقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حينها، وبدعم من شخصيات بارزة في الإدارة آنذاك، معتبراً أن هؤلاء "يتصرفون كصهاينة متحمسين أكثر من كونهم مسيحيين".
ويوضح أيوب أن ترمب يحيط نفسه أيضاً بدائرة مقربين مؤثرين في ملف إسرائيل، مثل الداعية لورا لومر، والمليارديرة ميريام أدلسون، أرملة قطب المال الصهيوني شيلدون أديلسون، وجميعهم من المؤمنين بعمق بالمواقف التي عبّر عنها هاكابي، الذي كان قد استهل مهمته بالقول إنه "لا وجود للضفة الغربية، بل يهودا والسامرة".

التقاء يميني أمريكي إسرائيلي متشدد

ويرى أيوب أن خطورة توقيت تصريحاته تكمن في التقاء إدارة أمريكية يمينية مسيحانية-بيضاء، بالمعنى الأيديولوجي المتشدد، مع حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، ما يمنح الأخيرة زخماً للمضي في مشروع "أرض إسرائيل الكبرى".
ويعتبر أيوب أن عدم صدور أي توضيح أو تعقيب من الإدارة الأمريكية على تصريحات هاكابي يمنح شرعية غير مسبوقة لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإعادة تسميتها رسمياً.

مواقف فلسطينية وعربية دون المطلوب

وعلى الصعيد الفلسطيني، يشدد أيوب على ضرورة تقييم الموقف العملي لا الخطابي، مشيراً إلى ضرورة عدم إجراء لقاءات بين هاكابي وقيادات في السلطة الفلسطينية، وإلى استمرار الإشادة بالرئيس ترمب ومجلس السلام مقابل السماح بإنشاء مكتب ارتباط بشأن غزة، من دون صيغة سياسية واضحة.
أما عربياً، فيعتبر أيوب أن إسرائيل لم تعد تخفي أطماعها الإقليمية أو خطط تهجير الفلسطينيين، بالتوازي مع استمرار عدوانها على غزة ولبنان، ودفعها نحو مواجهة مع إيران مستفيدة من نفوذ النخبة المؤثرة في واشنطن لتنفيذ ما تسعى إليه، محذراً من أن تصريحات هاكابي تعكس مناخاً سياسياً يتعزز داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء.

تاريخ من الطرح العقدي المنسجم مع إسرائيل

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن دعم سيطرة إسرائيل على المنطقة الممتدة "من النيل إلى الفرات"، لا تمثل طرحاً جديداً من حيث المضمون العقائدي، لكنها تكتسب خطورتها من صدورها عن دبلوماسي يمثل الإدارة الأمريكية رسمياً، وبأسلوب "فج ووقح" خلال مقابلة إعلامية.
ويوضح شاهين أن هاكابي، المعروف بانتمائه إلى تيار الصهيونية المسيحية، لطالما عبّر عن هذه المعتقدات، سواء في دعمه للاستيطان في الضفة الغربية أو في مواقفه المبررة للحرب على غزة.
إلا أن الجديد، بحسب شاهين، هو أنه يتحدث هاكابي بهذه اللغة وهو يشغل موقع السفير، ما يمنح تصريحاته بعداً سياسياً يتجاوز القناعة الشخصية.
ويشير شاهين إلى أن الصهيونية المسيحية ليست مجرد تيار ديني، بل تيار سياسي يمزج بين تفسيرات لاهوتية للعهدين القديم والجديد وبين موقف سياسي داعم لإسرائيل وتوسّعها. ويلفت شاهين إلى أن هذا التيار، الذي برز بقوة في الكنائس البروتستانتية الإنجيلية في الولايات المتحدة، سبق أن دعم فكرة إقامة إسرائيل حتى قبل أن يتبلور الدعم اليهودي السياسي لها، انطلاقاً من اعتقاد بأن قيامها وتوسعها تجسيد لوعد إلهي بعودة اليهود إلى "الأرض الموعودة".
ويبيّن شاهين أن أنصار هذا التيار اعتبروا ما جرى عام 1948 ثم عام 1967 محطات تحقق لنبوءات دينية، واحتفلوا بما وصفوه بـ"انتصارات إسرائيل" باعتبارها تمهيداً لعودة المسيح وحكمه الألفي وفق معتقداتهم.
ويؤكد شاهين أن هذه الرؤية انتقلت من الحقل اللاهوتي إلى الممارسة السياسية، وأصبحت مؤثرة في دوائر صنع القرار الأمريكية.

تصريحات منسجمة مع رؤية ترمب

ويرى شاهين أن تعيين هاكابي من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم يكن مفاجئاً، إذ إن ترمب يدرك تماماً خلفياته الأيديولوجية.
ويذكّر شاهين بتصريحات سابقة لترمب شبّه فيها إسرائيل برأس قلم صغير في محيط الشرق الأوسط، معتبراً أنها "صغيرة جداً" مقارنة بمحيطها، في إشارة فُهمت على أنها تبرير لرؤية توسعية.
ويشير شاهين إلى مواقف ترمب الداعمة لتهجير الفلسطينيين من غزة، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان، معتبراً أن رؤية هاكابي تنسجم مع توجهات إدارة ترمب، كما تصريحات مسؤولين أمريكيين آخرين، معتبراً أن هذه المواقف تندرج ضمن التزام عقائدي تجاه ما يسمونه "شعب الله المختار".

التيار الأكثر أصولية وتطرفاً في البيت الأبيض

ويشدد شاهين على ضرورة عدم تعميم موقف الصهيونية المسيحية على جميع الكنائس الإنجيلية، إذ توجد تيارات إنجيلية تعارض الاحتلال وتدعم الحقوق الفلسطينية.
لكن شاهين يؤكد أن التيار الأكثر أصولية وتطرفاً هو الأكثر تأثيراً حالياً في البيت الأبيض والكونغرس.
ويؤكد شاهين أن هذا التيار يلتقي مع مواقف شخصيات إسرائيلية من التيار الديني القومي، بل ويتقاطع مع توجهات عبّر عنها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ورفض قيام دولة فلسطينية.

معارضة حل الدولتين تاريخياً

ويوضح شاهين أن هاكابي ينتمي للصهيونية المسيحية التي عارضت تاريخياً حل الدولتين، واعتبرت أي انسحاب إسرائيلي من غزة أو الضفة الغربية "خيانة للنبوءات"، بل عارضت خطة فك الارتباط التي نفذها ارائييل شارون عام 2005، واعتبرت إصابته بجلطة لاحقاً "عقاباً إلهياً" على إزالة المستوطنات.
ويلفت شاهين إلى أن هذا التيار ينشط بقوة عبر اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة، ويمول حملات انتخابية، ويعمل على إسقاط مرشحين داعمين للقضية الفلسطينية في الانتخابات النصفية، وينفق ملايين الدولارات لدعم مرشحين يتبنون رؤيته، كما ينظم حملات تبرعات لدعم الاستيطان والاقتصاد الإسرائيلي، ويشجع "السياحة المسيحية" لإغداق الأموال على إسرائيل.

بيانات الشجب لا تكفي

أما بشأن الموقف العربي، فيرى شاهين أن بيانات الشجب لا تكفي، مشيراً إلى أن السعودية طالبت بتوضيح من الخارجية الأمريكية، رغم أن التصريحات "واضحة وضوح الشمس".
ويدعو شاهين إلى الانتقال من الإدانة اللفظية إلى الضغط السياسي الفعلي على واشنطن لدعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ومنع تمرير رؤى تتعامل مع غزة كمشروع استثماري، وبلورة استراتيجية عربية وإسلامية لمواجهة نفوذ الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، بما يشمل دعم مرشحين معارضين لهذا التيار، ومواجهة الرواية التوراتية سياسياً وإعلامياً على المستوى الدولي.

خطاب محمّل بإشارات أيديولوجية وسياسية

يعتبر الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بشأن "الأحقية التاريخية والدينية لإسرائيل" في فلسطين وما ألمح إليه حول المجال العربي الأوسع، لا يمكن فهمها باعتبارها زلة لسان أو موقفاً شخصياً معزولاً، بل خطاباً محمّلاً بإشارات أيديولوجية وسياسية، صدر في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية.
ويوضح الرجوب أن هاكابي، المنتمي إلى التيار الإنجيلي المحافظ في الولايات المتحدة، يستند في مقاربته إلى سردية دينية ترى في قيام إسرائيل وتحولاتها الجغرافية جزءاً من رؤية عقائدية كبرى.

مغادرة قاموس الدبلوماسية التقليدية

وعندما يتحدث هاكابي بلغة "الحق التاريخي والديني"، فإنه – بحسب الرجوب – يغادر قاموس الدبلوماسية التقليدية القائم على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويستحضر خطاباً يعيد تعريف الصراع من نزاع سياسي قانوني قابل للتفاوض، إلى مسألة "وعد إلهي" واستحقاق تاريخي، ما ينقل الجدل إلى أرضية مغلقة تعقّد فرص التسوية.

تصريحات موجهة للداخل الأمريكي

ويشير الرجوب إلى أن التصريحات تحمل أيضاً رسالة داخلية موجهة إلى القاعدة المحافظة في واشنطن، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي الأمريكي، حيث يشكل الدعم غير المشروط لإسرائيل أداة تعبئة انتخابية مهمة، وفي هذا السياق، يمكن قراءة خطاب هاكابي كرسالة طمأنة بأن التيار الذي يمثله لن يتراجع أمام الضغوط الدولية.
ويرى الرجوب أن التوقيت ينطوي كذلك على اختبار لردود الفعل العربية، في ظل حالة تفكك استراتيجي وانشغالات داخلية وأزمات اقتصادية وتحولات في أولويات الأمن القومي انعكست على موقع القضية الفلسطينية.

غطاء معنوي لمسار الضم وتوسيع المستوطنات

ويعتبر الرجوب أن الحديث عن "أحقية تاريخية ودينية" يوفر غطاءً معنوياً لمسار الضم وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، ويتجاوز حدود عام 1967، بما يمس جوهر فكرة الدولة الفلسطينية ويهمش مرجعيات القانون الدولي، بما في ذلك القراران 242 و338.
وفي ما يتعلق بإمكانية بلورة موقف عربي موحد، يشكك الرجوب في تبلور موقف فعّال، مستنداً إلى تباين المصالح والتحالفات بعد اتفاقيات التطبيع، وأولوية الاستقرار الداخلي لدى العديد من الدول، فضلاً عن محدودية فاعلية النظام العربي الجمعي.
ويشير الرجوب إلى فجوة بين المزاج الشعبي الغاضب وحسابات الحكومات، التي قد تكتفي ببيانات شجب دون ترجمة سياسية عملية، معتبراً أن جوهر المسألة يكمن في غياب رؤية عربية استراتيجية مشتركة تعيد تعريف القضية الفلسطينية كملف أمن قومي جامع.

استبطان مفهوم "إسرائيل الكبرى"

يعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسين الديك أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بشأن ما وصفه بـ"حق إسرائيل من النيل إلى الفرات"، تنطوي على دلالات سياسية ودينية عميقة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها رأياً شخصياً أو تعبيراً فردياً عن قناعات دينية.
ويوضح الديك أن هاكابي، بصفته الممثل الدبلوماسي الأول للولايات المتحدة في إسرائيل، لا يتحدث بصفته قسيساً سابقاً أو حاكماً سابقاً لولاية أركنساس، بل بصفته ممثلاً لوزارة الخارجية والبيت الأبيض والحكومة الأمريكية، ما يضفي على تصريحاته طابعاً سياسياً رسمياً حتى وإن لم تصدر ضمن إعلان مكتوب.
ويتساءل الديك عمّا إذا كان السفير الأمريكي قد تحدث بدافع قناعاته الشخصية أم استناداً إلى تصور سياسي يعكس توجهاً داخل دوائر صنع القرار.
ويشير الديك إلى أن حديث هاكابي في مقابلته مع إعلامي أمريكي، والموجهة بالأساس إلى جمهور اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، تضمّن قبولاً صريحاً بفكرة امتداد إسرائيل "من النيل إلى الفرات"، بما يشمل أراضي دول عدة هي: مصر، وفلسطين، والأردن، ولبنان، وسوريا، والعراق وأجزاء من السعودية، لافتاً إلى أن هذا الطرح يستبطن مفهوم "إسرائيل الكبرى" بدلالاته الدينية والسياسية.

استناد إلى نصوص الكتاب المقدس

ويبيّن الديك أن الأساس الديني لهذا الموقف يستند إلى نص في الكتاب المقدس، الذي يرد فيه وعد إلهي لإبراهيم بأرض تمتد "من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"، وهو نص يفسره بعض الإنجيليين باعتباره تفويضاً إلهياً بملكية تلك الأرض.
ويلفت الديك إلى أن هاكابي يُعد من أبرز الداعمين لما يُعرف بالصهيونية المسيحية، التي ترى في قيام إسرائيل وتحقيق ازدهارها جزءاً من خطة إلهية تمهد للمجيء الثاني للمسيح، ما يحوّل الصراع من نزاع سياسي إلى قضية خلاصية دينية.
سياسياً، يؤكد الديك أن هذا التوجه يعكس تحالفاً بين التيار الإنجيلي الصهيوني والحزب الجمهوري، حيث يشكل الإنجيليون نحو ربع القاعدة الانتخابية الأمريكية، ويعدّون خزاناً انتخابياً مهماً.

ترجمة البعد الديني إلى قرارات سياسية

ويوضح الديك أن إدارة ترمب ترجمت هذا البعد الديني إلى قرارات سياسية، من بينها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتوفير دعم غير مشروط لإسرائيل في المحافل الدولية.
ويعتبر الديك أن خطورة التصريحات تتضاعف في ظل خطوات إسرائيلية متسارعة لشرعنة الضم وتسجيل الأراضي في المناطق المصنفة "C"، والسماح بتملك إسرائيليين في مناطق "A" و"B" في الضفة الغربية، ما يمنح هذه الأقوال بعداً عملياً يتجاوز الإطار النظري.
ويرى الديك أن تلك التصريحات تشكل انتهاكاً للقانون الدولي ولسيادة الدول العربية المذكورة، وتكرس خطاباً يهدد الأمن الإقليمي.
ويشير الديك إلى صدور إدانات رسمية من جامعة الدول العربية ووزارات خارجية فلسطين ومصر والأردن والعراق، مرجحاً أن تشهد المرحلة المقبلة توضيحات من وزارة الخارجية الأمريكية أو من هاكابي نفسه لتخفيف حدة الجدل، خاصة أن الدول المعنية تُعد حليفة تقليدية لواشنطن، ما يجعل استمرار الغموض عاملاً ضاغطاً على العلاقات الدبلوماسية في المنطقة.

طبيعة الرؤية الأيديولوجية في البيت الأبيض

يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، تعبّر بوضوح عن جوهر الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل الحالية، بل لإسرائيل التي "توسعت وستتوسع"، معتبراً أن مواقفه تكشف بصورة مباشرة طبيعة الرؤية الأيديولوجية الحاكمة داخل البيت الأبيض تجاه ما يجري في الضفة الغربية والقدس.
ويشير ياغي إلى أن هاكابي لا يكتفي بتبرير السياسات الإسرائيلية، بل يمنحها غطاءً دينياً صريحاً، إذ ينطلق من قناعة تعتبر أن الأرض الممتدة في فلسطين التاريخية "وعد إلهي" لنسل إبراهيم من بني إسرائيل، ما يعني – وفق هذا المنظور – أحقية المستوطنين في السيطرة على الأرض والتصرف بها، بما في ذلك طرد سكانها الأصليين.
ويرى ياغي أن هذا الطرح ينسجم مع الممارسات الاستيطانية المتصاعدة في الضفة الغربية والقدس، ويعكس قبولاً أمريكياً ضمنياً بفرض وقائع ميدانية بالقوة.
ويشير ياغي إلى أن هاكابي يُعد، من الناحية العقائدية، أكثر تطرفاً من وزراء في الحكومة الإسرائيلية مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش، لأنه ينطلق من اعتقاد ديني يرى أن قوة إسرائيل وجبروتها يسرّعان من ظهور "المخلّص" وفق الرؤية الإنجيلية الصهيونية. وبحسب ياغي، فإن هذه العقيدة تضع شروطاً لعودة المخلّص، من أبرزها سيطرة اليهود على الضفة الغربية والقدس، وبناء "الهيكل" مكان المسجد الأقصى، إضافة إلى فرض نفوذ إسرائيلي واسع على منطقة المشرق العربي.

لحظة إقليمية شديدة الحساسية

ويشير ياغي إلى أن تصريحات هاكابي تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تقود حكومة الاحتلال الإسرائيلي عمليات عسكرية واسعة في غزة، وتواصل سياسات الإبادة والتطهير العرقي، بالتوازي مع تكريس واقع استيطاني في الضفة والقدس دون رادع دولي. ويلفت ياغي إلى حالة الترقب الإقليمي لاحتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران، معتبراً أن طهران تمثل العقبة الأبرز أمام تحقيق الرؤية التي يتبناها تيار الصهيونية المسيحية.
ويؤكد ياغي أن هاكابي يُعد من أبرز قيادات هذا التيار في الولايات المتحدة، وهو من الداعمين الرئيسيين للرئيس دونالد ترمب، ما يعني أن تصريحاته لا يمكن فصلها عن السياسة الرسمية للإدارة الأمريكية، خاصة في ظل غياب أي موقف تنصلي من البيت الأبيض.
وفي ما يتعلق بالموقف العربي، يشير ياغي إلى صدور بيانات إدانة وتحذير من عدة عواصم، لكنه يتساءل عن جدواها العملية، معتبراً أن الإدانة أفضل من الصمت لكنها غير كافية.
ويدعو ياغي إلى خطوات أكثر جرأة، مثل تجميد المشاركة في أي أطر سياسية ترعاها واشنطن، وربط العودة إليها بتغيّر عملي في الموقف الأمريكي، يشمل وقف الاستيطان وفرض عقوبات على المنظمات الاستيطانية التي تمارس العنف ضد الفلسطينيين.
ويشكك ياغي في استعداد الدول العربية لاتخاذ إجراءات تتجاوز سقف البيانات، رغم وجود شبه إجماع على رفض تصريحات هاكابي، معتبراً أن استمرار هذا الواقع يمنح إسرائيل فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي تدريجياً بدعم أمريكي مباشر.

هاكابي المنتمي إلى مدرسة الاستيطان

يرى مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن التصريحات التي أدلى بها السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، تكشف عن توجه راسخ داخل تيار عميق في الإدارة والمجتمع الأمريكيين، يتمثل في ما يُعرف بالصهيونية الدينية أو المسيحية الصهيونية، معتبراً أن السفير عبّر بصورة صريحة وغير مسبوقة عن مضامين مشروع استيطاني توسعي يستند إلى روايات توراتية حول "إسرائيل الكبرى".
ويوضح الرنتاوي أن هاكابي، المعروف بانتمائه إلى مدرسة الاستيطان سياسياً وفكرياً، سبق أن عبّر عن مواقف مشابهة حيال القضية الفلسطينية، إلا أن تصريحاته الأخيرة جاءت أكثر فجاجة وصراحة، إذ تضمنت تبريراً لحق إسرائيل في التوسع واحتلال أراضٍ تمتد لتشمل كامل فلسطين والأردن وصحراء سيناء، وربما ما بعدها وصولاً إلى حدود النيل، فضلاً عن أجزاء من السعودية وسوريا ولبنان والعراق.

انحياز كامل لأكثر التيارات اليمينية في إسرائيل

ويعتبر الرنتاوي أن هذه المواقف تمثل خروجاً على مقتضيات العمل الدبلوماسي، وتعكس انحيازاً كاملاً لأكثر التيارات اليمينية تطرفاً في إسرائيل، مشدداً على أن السفير بدا وكأنه "سفير لليمين الإسرائيلي – الأمريكي المتشدد" أكثر من كونه ممثلاً رسمياً لسياسات الإدارة الأمريكية المعلنة، التي وإن اتسمت بالانحياز لإسرائيل، إلا أنها لم تبلغ هذا الحد من الطرح التوسعي العلني.

تصريحات ذات طابع استفزازي

ويرى الرنتاوي أن خطورة التصريحات تكمن في طابعها الاستفزازي وما تنطوي عليه من تبنٍ صريح لفكر استيطاني توسعي، لكنه يشير في المقابل إلى أنها تمنح الرواية الفلسطينية، وكذلك مواقف قوى عربية طالما حذّرت من طبيعة المشروع الصهيوني، قدراً أكبر من المصداقية، إذ تؤكد أن المخاوف لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل تطال المنطقة برمتها.

ضرورة التحرك العربي الفاعل

ويدعو الرنتاوي إلى تحرك عربي يتجاوز بيانات الشجب والتنديد التقليدية، مطالباً باستدعاء سفراء الولايات المتحدة في الدول المعنية لمساءلتهم وطلب توضيحات رسمية، والضغط على الإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات واضحة، بما في ذلك عزل السفير أو استبداله بشخص يعبر عن الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية، لا عن توجهات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.
ويتساءل الرنتاوي عن جدوى الشراكة مع الولايات المتحدة في مسارات السلام الإقليمية في ظل صدور مثل هذه التصريحات عن ممثلها الدبلوماسي في إسرائيل، معتبراً أن المرحلة تتطلب موقفاً عربياً مشتركاً أكثر صلابة.
ويشكك الرنتاوي في قدرة الدول العربية على بلورة موقف موحد يتجاوز حدود البيانات الدورية، ويصل إلى مستوى سياسي قادر على إحداث تأثير فعلي في الموقف الأمريكي.

أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

شخصية حزبية لدى موقع مهم


اختيار المهندس عدنان السواعير أمين عام الحزب المدني الديمقراطي الأردني، رئيساً لسلطة إقليم البتراء، مفاجأة سارة لكل الحزبيين في الأردن، فقد فتح هذا التعيين في موقع  القرار الإداري التكنوقراطي، بوابة دالة و مقدمة إيجابية  ستعزز من مكانة الأحزاب وقياداتها كي يكونوا  موضع رهان رسمي وشعبي، ولدى المواقع التي يسعون إليها، ويتطلعوا كي ينفذوا برامجهم وطموحاتهم من خلالها.
الحزب السياسي، يسعى نحو الوصول إلى مؤسسات صنع القرار، عبر الانتخابات العامة: 1- مجالس البلديات، 2- مجالس المحافظات، 3- مجلس النواب، ومن خلالها يشغل المواقع القيادية في إدارة مؤسسات صنع القرار.
لقد أفرزت صناديق الاقتراع المحلية العديد من رؤساء البلديات الذين تحلوا بالرؤية التقدمية الديمقراطية أمثال عماد المومني في الزرقاء، ومحمد عبدالحميد المعايطة في الكرك، وسبقهم عطا الله الحسبان في المفرق، وغيرهم من القيادات على مختلف توجهاتها، التي حققت نجاحات ملحوظة، تستحق التقدير والمتابعة والتكرار.
مقبلون على برلمان ذات أغلبية حزبية، ستنبثق عنه حكومة حزبية، على طريق تدريجي  تراكمي يؤدي الى برلمان وحكومات حزبية، تعتمد على نتائج صناديق الاقتراع، وخيارات شعبنا بهذا الاتجاه.
تعيين عدنان السواعير في هذا الموقع يُسقط التردد في الاختيار لدى صاحب القرار، ويعزز خيار الانتقال الجدي نحو قيادات حزبية تشغل مواقع وإدارات حكومية، من قبل سلطة اتخاذ القرار، وهذا ما يُبشر به اختيار المهندس السواعير وتعينه في موقع يحتاج للعمل والابداع والتفوق.
البتراء عنوان أردني بارز على المستوى الدولي، يحتاج لمواصلة التسويق وتعزيز هذا التسويق كي تكون البتراء في الموقع المتفرد المميز دوليا ، كما أن إقليم البتراء بأهله وسكانه يحتاج الى خدمات وفرص عمل كي تتوفر فيه وسائل التعاون والرقي ليكون أهله  كمواطنين  يستحقون الرعاية والحصول على الخدمات المتنوعة، ليكتمل القرار والاختيار.
المهندس عدنان السواعير شخصية سياسية حزبية منذ أن كان طالباً في إيطاليا حيث انتمى لتيار اليسار، وراقب واقترن وصادق الأحزاب والشخصيات والتجربة الإيطالية عن قرب، وأدرك أهمية تبني مطالب الناس والاستجابة  لاحتياجاتها، ومن هنا كانت مبادرته مع آخرين في تشكيل الحزب المدني الديمقراطي، وهو خيار يعكس تطلع قطاعات شبابية واجتماعية واعدة نحو العمل من أجل: أمن الأردن واستقراره وتقدمه وديمقراطيته وتعدديته.
تحديات عديدة ستواجه نجاح عدنان السواعير، وعليه  اعطاء صاحب القرار الطمأنة في حسن الاختيار، وتشجيعه على مواصلة الاختيار لهذا التيار الوطني التقدمي الديمقراطي، والابتعاد تدريجياً عن التيار المحافظ الذي لا زال يحتل مواقع شائعة ونافذة في بلدنا، وعليه حينما يقع الاختيار على شخصية تقدمية ديمقراطية، فهو خيار يستحق التوقف والانتباه والاهتمام، لعل هذا الاختيار يفتح حقا بوابات لشخصيات مماثلة كي تكون في الإدارات المختلفة لدى مؤسسات صنع القرار.



أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

التلاعب بالجماعات والأقليات


هذا ملخص للمقال الذي نشره الدكتور جون ماكلين بمجلة "سوسيولوجي" التي تصدر في الولايات المتحدة، وتعرض فيه للآليات التي بوساطتها يمكن إقناع أي جماعة إثنية بالمطالبة بكونها أُمة لها حق السيادة على الأرض، وكذلك
الآليات التي يمكن بوساطتها غسيل العقل الجمعي لأي جماعة إثنية:
أولاً: التاريخ يندفع بالأوهام لا بالحقائق، ومن أسهل الأُمور إبراز الأوهام ونفض الغبار عنها، وتقديمها إلى الجماعة عن طريق وسائل الإعلام والمتحمسين وأولئك الذين نوظفهم.
ثانياً: الوهم يحتاج دائماً إلى رجل مهووس يقدمه للناس بشكل هستيري قابل للتأثير، الرجل المهووس هو الزعيم التاريخي الذي يجب أن يُرعى ويراقب بشكل جيد.
ثالثاً: من المهم أن يحقق هذا المهووس عدة انتصارات أمام جماعته، ويجب أن يصمم هذا الانتصار بشكل لا ينكشف فيما بعد.
رابعاً: يجب أن يرافق انبعاث الوهم عدد من الرموز المادية وسياق آخر من الأدبيات والأعمال الفنية.
خامساً: يجب أن يكون لهذا الوهم لغة جديدة وأبجدية جديدة.
سادساً: علينا أن نعترف بهذا الوهم حالاً، وندعمه، ونعتبره علامة من علامات التقدم والتنمية والديمقراطية.
سابعاً: أفضل الأوهام هي التي تُشتق من الدين والتاريخ، ولكن يمكن اشتقاق أوهام أُخرى تتعلق بالجنس واللون والجغرافية.
ثامناً: إن الجماهير حالياً من أكثر الجماهير في التاريخ ليونة ورخاوة، وعليه، فمن السهل جداً التأثير عليها ونشر الوهم بينها.
تاسعاً: يجب علينا أن نقدم للجماعة وهمها بشكل جيد ومقنع وهادئ، أي أن علينا نحن أن نصمم الوهم للجماعة حتى لا تنفلت الأُمور أو تنقلب ضدنا.
عاشراً: من أفضل الأجواء لنشر الوهم وتدعيمه، هي الأجواء التي تشيع فيها المطالبة بالحريات وأفكار المساواة ومطالبة الأقليات بالاعتراف بها.
حادي عشر: إن تصميم الأوهام ونشرها، وتفتيت الناس إلى جماعات تعتقد أنها محور الكون، لهو من أفضل الأجواء المناسبة لنا لحكم العالم والسيطرة عليه.
ثاني عشر: ولتحقيق الهدف السابق، فلا بأس من بعض الحروب هنا وهناك، ولا بأس بتفجير الأزمات هنا وهناك، الحرب عادة ما تساعد في تثبيت الأوهام.
ثالث عشر: يجب أن نَدخل القرن الحادي والعشرين، والعالم منقسم إلى جماعات إثنية صغيرة تحت ظل وهم كبير آخر، إن العالم قرية صغيرة يربط بينها جهاز كمبيوتر، إن وهم القرية الصغيرة مفيد جداً، بحيث تتغلّق الجماعات على نفسها، فيما تنفتح علينا.
رابع عشر: تقع علينا مهمة تقديم النماذج النهائية للعالم في التكنولوجيا والفن والأدب، بحيث نُبهر العالم بهذه الإنجازات من جهة، وتنغلق الجماعات الصغيرة على ثقافتها البدائية من جهة أُخرى، كوسيلة من وسائل الحفاظ على وهمها، وهذه النقطة بالذات تعمل في جميع الاتجاهات، أي أن العولمة التي نقصدها حيلة أُخرى من حيل تفتيت العالم لا توحيده.
خامس عشر: نحن عملياً – بالمال والتكنولوجيا والقوة العسكرية – نستطيع تكوين أي أُمة نريد في أي مكان نريد، فلماذا لا نلعب الجولف بالعالم؟


أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريحات هاكابي غطاء سياسي للاحتلال


من الهراء محاولة تزوير الحقيقة الواضحة وضوح الشمس، ومن غير المنطقي مجادلة الأحمق المصاب بداء الانحياز التام، ومن غير المعقول تدليس الحقائق بهذا الشكل الذي جاء به سفير أمريكا مايك هاكابي، وبدلًا من أن يكون دبلوماسيًا يزن الكلام قبل قوله، خرج كالأحمق يُدلي بترهات الكلام، في محاولة استرضاء اليمين المتطرف وحكومة الاحتلال، ولعل الأمر المحزن هو هذه المواقف الخجولة، سواء الدولية أو العربية، التي راوحت كالعادة بين التنديد والشجب وبيانات الإدانة.
سلوك أمريكي واضح وفاضح، وإن كانت السياسة الأمريكية مغايرة، فكان عليها أن تخرج وزارة الخارجية الأمريكية لاستنكار ما قاله سفيرها في تل أبيب، إلا أن الأمر يثبت من جديد تورط السياسة الأمريكية الخارجية بكل ما حدث ويحدث، وهي تتفق مع سياسات الاحتلال، ولا تكترث لكل الأصوات المنددة، ولا تقيم وزنًا لأحد.
المثير في هذه التصريحات أنها تمنح الاحتلال المزيد من الضوء الأخضر ليواصل عمليات الاستيطان والضم والتهويد، وأن يمضي في سياساته العنصرية التي تتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومواثيقها، كما أن الاحتلال سوف يتخذ من مثل هذه التصريحات غطاءً لكل ممارساته، وسدًا يحتمي خلفه من الهيئات الدولية والأممية، برغم أن ما قاله مايك هاكابي لا يتعدى كونه دفقة من الأكاذيب، واجتزاءً لسرد ديني ودفعه في سياقات سياسية، وهو أمر غاية في الخطورة وخطوة متقدمة في الدعم الأمريكي لسردية عنصرية تقوم على التطهير العرقي والاحتلال.
ادعاء باطل قدمه السفير الأمريكي، واضح وفاضح، لكن مستوى الرد العربي والدولي دون الحد المطلوب، وهذا يعطي الاحتلال فرصة تلو الأخرى في التمادي والتعدي وضرب القرارات الدولية، الأمر الذي يدفع الضفة نحو الانفجار، وهذا ما يسعى له الاحتلال من خلال جملة السياسات والعمليات التي يقوم بها، لإثارة غضبة الضفة والقدس، وبالتالي يكون بإمكانه تصعيد عملياته الرامية إلى التهجير والإبادة.
تصريحات مايك هاكابي في هذا الوقت تمثل درجة عالية من الانحياز وأكذوبة كبرى تحاول تزوير البلاد وحق العباد، ولعلنا في العامين الأخيرين بتنا لا نستغرب مثل هذه الأكاذيب وهذا الانحياز، وقد شهدنا ما هو أكبر من ذلك خلال حرب الإبادة في غزة، وما يحدث هذه الأيام عبر مخيال أوهام الانتداب والوصاية ومزاعم مجلس السلام، تحت ذرائع بسط الاستقرار وإعادة الإعمار.
في قصيدته الشهيرة التي كتبها بعد حصار بيروت عام 1982 وحملت اسم مديح الظل العالي يقول محمود درويش:
هيروشيما هيروشيما
وحدنا نُصغي إلى رعْد الحجارة؛ هيروشيما
وحدنا نُصغي لما في الروحِ من عبثٍ ومن جدوى
وأمريكا على الأسوارِ تهدي كلّ طفل لعبةً للموتِ عنقوديَّةً
يا هيروشيما العاشقِ العربي أمريكا هي الطاعون والطاعونُ أمريكا
نعسنا، أيقظتنا الطائرات وصوتُ أمريكا
وأَمريكا لأمريكا..

أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

نزع السلاح قبل إنقاذ الإنسان...كيف تحوّلت مأساة غزة إلى ملف أمني مشروط


ليس مهماً أن يموت الناس كل يوم،  ليس مهماً أن تقصف البيوت، وليس مهماً أن تتحول المدن إلى ركام، وأن يظل أطفال تحت الأنقاض ينتظرون معجزة لا تأتي، ليس مهماً أن تتفكك منظومة الصحة، أن تُقصف المدارس، أن يُترك الجرحى بلا دواء، والمرضى بلا أجهزة، والطلاب بلا كتب، والعائلات بلا سقف، كل ذلك، في الرواية السياسية السائدة، تفاصيل هامشية.
المهم شيء واحد فقط: نزع السلاح.
هكذا اختُزلت مأساة غزة، من مأساة إنسانية مكتملة الأركان إلى بند أمني واحد، من كارثة تاريخية إلى شرط تقني، من شعب يُباد ببطء إلى ملف يُدار على طاولة مفاوضات باردة، الإعمار مؤجل ومشروط، والانسحاب مؤجل ومشروط، ووقف النار مؤجل ومشروط، وحتى إدخال المساعدات مشروط، لكن نزع السلاح يجب أن يكون فورياً، كاملاً، غير قابل للنقاش.
في هذا المنطق المقلوب، لا يُسأل من دمّر، بل يُسأل من بقي حياً، لا يُحاسب من استخدم أقصى درجات القوة، بل يُطالب الضحية بأن تتجرد من أي قدرة  للدفاع عن نفس ، يُطلب من مدينة مُسحت أحياؤها، ومن شعب جُرّد من الماء والكهرباء والغذاء، أن يوقّع على وثيقة عجز دائم، وأن يسلّم بما تبقى له من قدرة، ولو كانت رمزية .
كأن المطلوب ليس فقط هزيمة غزة، بل إعادة تعريفها، تحويلها من قضية تحرر وحقوق إلى قضية “ضبط أمني”، من شعب يطالب برفع الحصار وإنهاء الاحتلال إلى مساحة منزوعة الإرادة، منزوعة المخالب، منزوعة حتى من حق الغضب.
هنا لا يصبح السلاح مجرد أداة عسكرية، بل رمزاً لفكرة أعمق: فكرة أن للشعب حقاً في أن يرفض وأن يقاوم من يعتدي عليه، ولذلك يُختزل كل شيء في نزعه، لأن نزع السلاح، في جوهره، ليس إجراءً أمنياً فقط، بل إعلاناً عن إعادة هندسة الوعي، وإعادة صياغة ميزان القوة بحيث يبقى طرف واحد مسلحاً حتى الأسنان، وطرف آخر عارياً ينتظر ان يموت بصمت .
المفارقة القاسية أن من يطالب اليوم بنزع السلاح يتحدث بلغة “الاستقرار”، بينما الاستقرار الحقيقي يبدأ بوقف القتل، ورفع الحصار، و إنهاء الاحتلال،  وضمان حياة كريمة، وإعمار ما دُمّر بلا شروط إذلال، أما أن يُطلب من الجائع أن يتخلى عن عصاه قبل أن يُمنح رغيفاً، ومن المحاصر أن يسلم آخر أوراقه قبل أن يُسمح له بالتنفس، فذلك ليس مسار سلام، بل تكريس دائم للخلل .
غزة اليوم لا تُختزل في سلاح، ولا تُختصر في بند أمني، هي شعب يُذبح على الهواء، ومدينة تُمحى من الخرائط، وذاكرة تُستهدف كما تُستهدف الأبنية، ومن يريد معالجة الجذر، فليبدأ بالعدالة قبل المطالبة بالتجريد، وبإنهاء أسباب العنف قبل مصادرة نتائجه، لأن نزع السلاح من شعب جُرّد من كل شيء، ليس حلاً، بل محاولة أخيرة لتجريده من حقه في أن يقول: لا.


أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:32 صباحًا - بتوقيت القدس

المناهج الفلسطينية .. حين يصبح التعليم سؤال سيادة لا بند تفاوض


ليس التعليم في فلسطين نشاطاً محايداً، ولا المناهج نصوصاً تقنية قابلة للتعديل على طاولة المانحين، بل هما موقع اشتباك مفتوح بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إنتاج إنسان حر يمتلك وعيه وسرديته وقدرته على تسمية العالم من موقعه، ومشروع استعماري يعمل على تفريغ الوعي من معناه، وتحويل المعرفة إلى أداة تطبيع مع القهر، وإعادة تشكيل الذات الفلسطينية بوصفها ذاتاً قابلة للتكيّف لا للصمود المعرفي.
ففي السياق الفلسطيني، لا تُكتب المناهج في فراغ، ولا تُقرأ خارج التاريخ، ولا تُدرَّس بمعزل عن الجغرافيا المُستباحة. كل صفحة مدرسية تحمل أثر الحاجز، وكل مفهوم تربوي يمرّ عبر سؤال الوجود، وكل محاولة لـتحييد التعليم هي في جوهرها محاولة لإعادة تعريف الفلسطيني خارج تجربته التاريخية، وفصل المعرفة عن شرطها الأخلاقي والسياسي، وإعادة إنتاج الاستعمار بلغة تربوية ناعمة.
إن ما يجري اليوم ليس نقاشاً تربوياً حول جودة محتوى أو كفايات تعليمية، بل نقل قسري للتعليم من فضاء السيادة إلى منصة التقاضي السياسي، حيث تُستدعى المناهج بوصفها “مشتبهاً به”، ويُستجوب الوعي الفلسطيني أمام محاكم أخلاقية زائفة، تُدار من خارج السياق، وتُغذّى بتحريض الاحتلال، وتُموَّل بشروط تُفرغ الحق من جوهره، وتحوّل التربية من فعل تحرري إلى ملف امتثال.
في هذا الإطار، يصبح الدفاع عن المناهج دفاعاً عن حق تقرير المصير المعرفي، وعن الحدّ الأدنى من التماسك الاجتماعي، لأن التنازل عن هذا الحدّ لا يعني تطويراً، بل تفكيكاً بطيئاً للنسيج الوطني، وإعادة هندسة صامتة للوعي الجمعي، تبدأ من الصف ولا تنتهي عند السياسة.
أولاً: من انصياع المانحين إلى شرعنة التحريض – كيف نُقلت المناهج إلى قفص الاتهام؟
تتجلى الأزمة الراهنة في أن التعليم الفلسطيني لم يعد مجرد مساحة تربوية، بل صار محوراً لمناورة سياسية تُعيد تدوير تحريض الاحتلال داخل أروقة المؤسسات الدولية التي تدّعي الحياد. فحين تُقدَّم الرواية الإسرائيلية بوصفها معطى علمياً، تُفقد سياقاتها الاستعمارية، ويُعاد تكييفها كمعيار لتقييم ما يُكتب عن فلسطين في الصفوف المدرسية. في هذا المشهد، لا يُمحى الانتهاك، بل يُعاد ترميزه: تتحول الإبادة التعليمية إلى ظرف استثنائي، والاعتداء على المدارس إلى مجرد خلفية أمنية، بينما يُلقى على الفلسطيني وحده عبء إثبات وجوده وحقه في تسمية تجربته وجلاده.
هذا الانزلاق المنهجي يعكس قفزاً عن الحقيقة: لا يُسأل الاحتلال عن قتل الطلبة والمعلمين، ولا عن تحويل المدرسة إلى هدف عسكري، ولا عن عسكرة الفضاء التعليمي، ولا عن محو الهوية داخل سياق سيادة وطنية منتهكة. بل يُعاد توجيه السؤال إلى النص الفلسطيني ذاته: هل عبّر بشكل صحيح عن ألمه؟ هل سمّى الفعل باسمه؟ هل تجاوز حدود ما يُسمح به دولياً؟ وهكذا، لا يُحاسب الفعل الاستعماري، بل يُعاد ضبط خطاب الضحية بوصفه مشكلة، فيما تبقى بنية الاحتلال المستمرة من العنف بعيداً عن المساءلة.
يتحوّل التمويل الدولي هنا من دعم إلى أداة ضبط سياسي، تُشترط على المناهج الفلسطينية أن تُعاد صياغتها لتتماشى مع خطاب القوة. وتصبح المدرسة مشروطة، ليس بالإعمار وحده، بل بإعادة بناء الذاكرة وفق مقاييس الخارج. السؤال إذاً لا يعود “كيف نعلّم”، بل: ما الذي يُسمح لنا تذكره؟ وما الذي يجب أن يُمحى لنكون “معتدلين” وجديرين بالدعم؟ هذا المنطق يُفرغ التعليم من مضمونه السيادي، ويحوّله إلى خدمة مشروطة، ويضعف قدرة المجتمع على حماية ذاكرته كركيزة أساسية للصمود الوطني.
ثانياً: المقارنة الغائبة عمداً – لماذا لا تُفحَص مناهج الاحتلال؟
يُطرح المنهاج الفلسطيني باستمرار بوصفه إشكالية، بينما تُستثنى مناهج الاحتلال من أي مساءلة مقارنة جادّة. وهنا لا نتحدث عن غياب أدوات، بل عن غياب إرادة سياسية ومعرفية متعمَّدة. فالمعايير الدولية موجودة، والدراسات المنهجية متاحة، ومبادئ التربية على حقوق الإنسان، ونبذ العنصرية، وبناء السلام، واضحة ومعلنة، لكن تفعيلها يتوقف عندما يتعلق الأمر بمساءلة البنية التعليمية الاستعمارية.
مع ذلك، لا تُطرح دراسة مقارنة شاملة بين المنهاجين الفلسطيني والإسرائيلي بوصفها شرطاً أخلاقياً ومعرفياً. لماذا؟ لأن المقارنة ستفضح أن المشكلة ليست في سردية الضحية، بل في بنية تعليم استعماري يُنتج التفوق الإثني، ويُطبع العنف، ويُجرّم الوجود الفلسطيني رمزياً، ويحوّل الآخر إلى غائب أو تهديد دائم. المقارنة ستنقل النقاش من “لغة كتاب” إلى “مشروع دولة”، ومن “تحريض مزعوم” إلى عقيدة تربوية إحلالية.
غياب المقارنة ليس فراغاً أكاديمياً، بل قرار سياسي واعٍ، يهدف إلى إبقاء الفلسطيني في موقع الدفاع الدائم عن حقه في الذاكرة، وإعفاء الاحتلال من المساءلة، وتحويل التعليم إلى ساحة ضغط إضافية تُستكمل بها أدوات السيطرة التي فشلت عسكرياً وأمنياً، لكن يُعاد إنتاجها تربوياً بمهارة عالية.
ثالثاً: لماذا نتعلّم؟ التعليم بوصفه إنتاج معنى لا تكيّفاً مع القهر
السؤال الجوهري الذي يُراد دفنه هو: لماذا نتعلّم؟ هل نتعلّم لنكون مقبولين في تقارير المانحين؟ أم لنبني إنساناً قادراً على فهم واقعه، وتسمية قهره، وتأويل تاريخه، والدفاع عن كرامته دون أن يتحول إلى نسخة مُروَّضة من ذاته؟
التعليم، في السياق الفلسطيني، هو فعل إنتاج معنى. والمعنى هنا ليس تجريداً فلسفياً، بل صلة حيّة بين الذاكرة والتاريخ والحق. حين يُختزل الأسير إلى “مظلوم” فقط، يُمحى البعد السياسي لجريمة الاعتقال. وحين تُختزل الصهيونية إلى “احتلال”، يُخفى جوهرها كمنظومة إحلالية استعمارية. وحين تُختزل القدس إلى “مدينة سلام”، تُنزَع عنها حقيقتها كعاصمة فلسطينية أبدية ذات سيادة وهوية.
المناهج الفلسطينية، بصيغتها الحالية، ليست مثالية، لكنها الحدّ الأدنى المقبول وطنياً وأخلاقياً وتربوياً. والتفريط بهذا الحدّ لا يفتح باب الإصلاح، بل يفتح باب التفتت، ويُعرّض وحدة الوعي الجمعي لمخاطر عميقة، لأن التعليم هو الخيط الذي يشدّ الذاكرة إلى المستقبل، وأي قطع لهذا الخيط يُربك المجتمع في تعريف ذاته وأولوياته.
ختاماً، التعليم في فلسطين ليس ملفاً تفاوضياً أو بنداً تقنياً، ولا المناهج ورقة قابلة للمقايضة. التعليم هو شرط الوجود في وجه مشروع يريد إتمام الإبادة بالمعنى بعد الإبادة بالجسد. الدفاع عن المناهج ليس دفاعاً عن نصوص، بل عن حق تقرير المصير المعرفي، وعن الذاكرة، وعن المستقبل، وعن قدرة المجتمع على الاستمرار بوصفه جماعة تاريخية لا مجرد أفراد معزولين.
الإصرار على إخضاع التعليم الفلسطيني لشروط سياسية هو إصرار على تفريغ الوعي من قدرته على التحرر. وفي المقابل، فإن التمسك بالمناهج، وتطويرها من داخل الإرادة الوطنية، والدعوة إلى مقارنات عادلة، هو فعل صمود عقلاني وأخلاقي، يؤكد أن المعرفة ليست منحة، بل حق، وأن الوعي ليس ترفاً، بل ساحة المعركة الأخيرة، والأكثر حسماً، ودرعاً أمام محاولات إعادة إنتاج الاحتلال داخل فضاء التربية.

تحليل

الإثنين 23 فبراير 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

على حافة الهاوية: بين دبلوماسية اللحظة الأخيرة واستعراض القوة في المواجهة الأميركية الإيرانية

تحليل إخباري

تتسارع التطورات في المشهد الأميركي الإيراني على نحو يعكس لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازنات الإقليم برمته. ففي 22 شباط 2026، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول أميركي رفيع أن واشنطن مستعدة لعقد جولة جديدة من المفاوضات في جنيف إذا تسلمت خلال 48 ساعة مقترحاً إيرانياً مفصلاً بشأن اتفاق نووي. هذا العرض المشروط لا يبدو مجرد خطوة إجرائية، بل رسالة سياسية مزدوجة: الباب لم يُغلق بعد أمام الدبلوماسية، لكنه لن يبقى مفتوحاً طويلاً. إدارة دونالد ترمب تضع الكرة في الملعب الإيراني، وتربط أي لقاء بإظهار طهران جدية مكتوبة، في إشارة إلى أن زمن البيانات العامة قد انتهى.

اللافت أن المسؤول الأميركي لم يستبعد بحث اتفاق مؤقت قبل التوصل إلى اتفاق شامل، وهو ما يعكس إدراكاً لتعقيد الهوة بين مطلب "عدم التخصيب" الذي تتبناه واشنطن، وإصرار طهران على الاحتفاظ بحقها في التخصيب ولو رمزياً. هذا الطرح المرحلي يكشف عن براغماتية تكتيكية، لكنه يحمل أيضاً مخاطر تكريس حلول مؤقتة قد تتحول إلى أزمات مؤجلة. فالتجربة السابقة مع الاتفاقات المرحلية أظهرت أن غياب الثقة البنيوية يجعل كل تفاهم عرضة للانهيار عند أول اختبار سياسي.

في المقابل، صعّد ترمب لهجته في 20 شباط، ملوحاً بالخيار العسكري إذا فشلت المفاوضات، ومشيراً إلى أن "أحداثاً سيئة" قد تقع، بل ولمّح إلى أن تغيير النظام في طهران قد يكون "أفضل ما يمكن أن يحدث". هذه اللغة تتجاوز إطار منع الانتشار النووي إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية الإيرانية، ما يثير تساؤلات حول الهدف النهائي: هل هو اتفاق نووي مضبوط تقنياً، أم إعادة هندسة التوازن الداخلي الإيراني؟ هذا التداخل بين الأمني والسياسي يضعف رسائل الطمأنة ويعزز الشكوك الإيرانية بأن المسألة أعمق من مجرد أجهزة طرد مركزي.

التصعيد الخطابي تزامن مع أكبر حشد بحري أميركي في المنطقة منذ عام 2003. فقد انتشرت حاملة الطائرات آبراهام لينكولن USS Abraham Lincoln  برفقة مدمرات موجهة بالصواريخ، إضافة إلى الحاملة جيرالد فورد USS Gerald Ford، الأكبر في العالم، مع تعزيزات جوية واسعة شملت مقاتلات متقدمة وطائرات إنذار مبكر وتموين. هذا الانتشار يمنح واشنطن قدرة ردع عالية ومرونة عملياتية، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات ويقلص هامش التراجع دون كلفة سياسية. حين تُحشد حاملتا طائرات، يصبح التراجع من دون مقابل ملموس أقرب إلى خسارة رمزية.

مع ذلك، يلاحظ غياب قوات برية كبيرة، ما يوحي بأن واشنطن لا تستعد لغزو أو احتلال، بل لخيارات جوية وصاروخية محدودة. غير أن مفهوم "الضربة المحدودة" ذاته يظل إشكالياً. فإيران ، وفق الخبراء، راكمت خلال السنوات الماضية أدوات رد غير تقليدية، من الصواريخ الدقيقة إلى الطائرات المسيّرة، فضلاً عن شبكة حلفاء إقليميين قادرين على توسيع مسرح العمليات. أي استهداف مباشر للقيادة، وخصوصاً إذا طال المرشد الأعلى علي خامنئي ، قد يدفع إلى رد يتجاوز الحسابات التكتيكية نحو مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لتعكس مزيجاً من التحدي والانفتاح. فقد أكد أن إيران لا تسعى إلى حرب لكنها لن تقبل التهديد، وأن نافذة الاتفاق لا تزال مفتوحة إذا التزمت واشنطن برفع فعلي للعقوبات، معتبراً أن الحشد العسكري رسالة ضغط سياسي أكثر منه تمهيداً لحرب. هذه المقاربة تكشف عن محاولة إيرانية دقيقة للموازنة بين احتواء التصعيد والحفاظ على صورة الصلابة داخلياً، إذ إن القيادة في طهران تدرك أن التراجع تحت وطأة التهديد قد يُفسَّر ضعفاً يمس شرعيتها، لكنها في الوقت ذاته تعي أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة سيحمل كلفة باهظة اقتصادياً وأمنياً.

ومن هنا تتقاطع الحسابات الداخلية مع المعادلات الإقليمية والدولية في نقطة حساسة: فكل خطوة عسكرية أميركية، حتى لو وُصفت بأنها محدودة أو جراحية، قد تفتح مسارات رد متعددة تتجاوز حدود الضربة ذاتها، سواء عبر أدوات تقليدية أو غير تقليدية، أو من خلال توسيع نطاق الاشتباك جغرافياً. كما أن أي اضطراب واسع سيصيب أمن الخليج وأسعار الطاقة والملاحة في مضيق هرمز، ما يضع الحلفاء الأوروبيين والقوى الكبرى أمام خيارات صعبة بين دعم الردع ومنع الانفجار. 

بذلك، بحسب الخبراء، تصبح الدبلوماسية، على ضيق نافذتها، أقل كلفة من اختبار فرضيات القوة. غير أن نجاحها يتطلب آليات تحقق صارمة وجدولاً زمنياً واضحاً لرفع العقوبات، وإرادة سياسية قادرة على تحويل الرسائل النارية إلى تفاهمات مكتوبة. وبين استعراض القوة وتبادل المقترحات، تبقى المنطقة معلّقة على قدرة الطرفين على إدراك أن أي خطأ في الحساب قد يحوّل الضغط التكتيكي إلى تحول استراتيجي لا يملك أحد السيطرة الكاملة على مآلاته.