شهدت الأشهر الماضية تصعيداً لافتاً في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه المهاجرين والمسلمين، حيث ركزت تصريحاته بشكل مباشر على الجالية الصومالية في الولايات المتحدة. ووصف مراقبون وحقوقيون هذا الخطاب بالعنصري، معتبرين أنه يهدف إلى تأليب الرأي العام ضد فئة محددة من المجتمع الأمريكي.
وفي تطور ميداني خلال ديسمبر 2025، زعم ترامب أمام وسائل الإعلام أن الصوماليين تسببوا في دمار ولاية مينيسوتا وتحويلها إلى ما يشبه الجحيم. وادعى الرئيس الأمريكي أن أفراد هذه الجالية لا يفعلون شيئاً سوى الشكوى، متجاهلاً الإسهامات الاقتصادية والاجتماعية التي يقدمونها للولاية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن ولاية مينيسوتا تحتضن نحو 80 ألف مواطن ومقيم من أصول صومالية، وهو رقم ضئيل مقارنة بإجمالي عدد سكان الولاية البالغ 5.7 ملايين نسمة. ومن المفارقات أن الولاية حلت في المرتبة الرابعة ضمن تصنيف أفضل الولايات الأمريكية لعام 2025، مما يدحض ادعاءات الانهيار التي روج لها ترامب.
ومع بداية عام 2026، ترجمت الإدارة الأمريكية هذا الخطاب إلى إجراءات أمنية مشددة بإرسال 3 آلاف عنصر فدرالي إلى مدينة مينيابوليس. واستهدفت هذه الحملة إنفاذ قوانين الهجرة بشكل مكثف، مما أثار حالة من القلق والترقب داخل أوساط الجالية الصومالية التي تعيش في المنطقة منذ عقود.
وتكشف الإحصاءات الديموغرافية أن الغالبية العظمى من الصوماليين في مينيسوتا هم مواطنون أمريكيون، حيث ولد 58% منهم داخل الولايات المتحدة. كما أن 87% من الذين ولدوا في الخارج حصلوا على الجنسية الأمريكية رسمياً، مما يجعلهم جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني والقانوني للبلاد.
وبحسب تقديرات مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، فإن عدد المهاجرين الصوماليين غير النظاميين في الولاية لا يتجاوز ألف شخص فقط. وتؤكد هذه الأرقام أن حجم المشكلة القانونية التي يثيرها ترامب مبالغ فيه بشكل كبير ولا يستند إلى واقع إحصائي ملموس في سجلات الهجرة.
وعلى صعيد الأمن العام، تظهر البيانات الرسمية أن معدل الجرائم العنيفة في مينيسوتا يقل بنسبة 28.5% عن المتوسط الوطني في الولايات المتحدة. كما سجلت جرائم الممتلكات انخفاضاً بنسبة 8.7%، مما ينفي مزاعم ترامب حول وجود عصابات صومالية تروع السكان وتزعزع استقرار الولاية.
الصوماليون دمروا مينيسوتا، والولاية أصبحت جحيمًا، وكل ما يفعلونه هو الشكوى.
وفيما يتعلق باتهامات الاحتيال المالي، ادعى ترامب أن الصوماليين مسؤولون عن 90% من هذه العمليات في الولاية، وهو ما لم تؤكده وزارة العدل. فرغم توجيه اتهامات لـ 98 شخصاً، إلا أن التحقيقات لم تثبت وجود شبكة منظمة تقودها الجالية، بل ظلت الحالات في إطار الجرائم الفردية المحدودة.
ولم يسلم العمل السياسي من هذا الهجوم، حيث صعد ترامب من استهدافه للنائبة إلهان عمر عبر فتح تحقيقات في مصادر ثروتها في يناير 2026. ورغم أن التقارير المالية أثبتت أن الزيادة في ثروتها ناتجة عن استثمارات تجارية لزوجها، إلا أن ترامب استمر في استخدام لغة مهينة تجاهها.
وخلال منتدى دافوس الاقتصادي 2026، وسع ترامب دائرة هجومه لتشمل الدولة الصومالية نفسها، واصفاً إياها بأنها ليست أمة حقيقية. واعتبر أن استيراد ما وصفها بـ 'الثقافات الفاشلة' يهدد المجتمعات الغربية، في خطاب يعكس رؤية متطرفة تجاه قضايا الاندماج والهوية الثقافية.
ويرى باحثون أن الأزمة السياسية في الصومال هي نتاج تدخلات دولية تاريخية، كان لواشنطن نصيب كبير فيها خلال حقبة الحرب الباردة. فقد ساهم التنافس الأمريكي السوفييتي في السبعينيات في إضعاف بنية الدولة الصومالية، مما مهد الطريق لانهيارها الشامل في مطلع التسعينيات.
وتشير التقارير إلى أن العمليات العسكرية الأمريكية في الصومال منذ عام 1993 كانت سبباً رئيساً في موجات النزوح الكبرى نحو الغرب. فالعنف الذي صاحب تلك التدخلات دفع آلاف العائلات للبحث عن أمان في الولايات المتحدة، وهو ما يفسر وجود الجالية الكبيرة في ولاية مينيسوتا اليوم.
وتستمر إدارة ترامب في نهجها العسكري داخل الصومال، حيث نفذت مئات الضربات الجوية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب ودعم الحكومة المركزية. ووفقاً للمصادر، فإن عدد الضربات في ولايتي ترامب تجاوز بمراحل ما نفذه الرؤساء السابقون مجتمعين، مما يفاقم حالة عدم الاستقرار في القرن الأفريقي.





شارك برأيك
خطاب ترامب ضد الصوماليين: تحريض سياسي يتجاهل الحقائق التاريخية والدور الأمريكي