فلسطين

الخميس 12 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر الحصار الثقافي في هوليوود؟

لطالما واجهت الرواية الفلسطينية تحديات جسيمة للوصول إلى الشاشات العالمية، لا سيما في هوليوود التي ظلت لعقود فضاءً مغلقاً أمام السرديات القادمة من الشرق الأوسط. ومع اقتراب حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين، يبدو أن المشهد السينمائي يشهد تحولاً تاريخياً غير مسبوق بوصول ثلاثة أفلام فلسطينية دفعة واحدة إلى القائمة المختصرة للجوائز.

هذا الحضور المكثف يطرح تساؤلات جوهرية حول بداية انكسار الحصار الثقافي الذي أحاط بالقضية الفلسطينية في السينما العالمية لسنوات طويلة. فبعد مسيرة بدأت بفيلم 'يد إلهية' عام 2003، ومرت بترشيحات هاني أبو أسعد في 'الجنة الآن' و'عمر'، وصولاً إلى فوز 'لا أرض أخرى' في 2025، يبدو أن عام 2026 يمثل ذروة هذا التراكم الإبداعي.

يتصدر المشهد فيلم 'صوت هند رجب' للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو العمل المرشح لجائزة أفضل فيلم دولي. يستند الفيلم إلى مأساة واقعية هزت الضمير العالمي في يناير 2024، حيث يوثق اللحظات الأخيرة للطفلة هند رجب عبر تسجيلات صوتية حقيقية لمكالماتها مع طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني.

وقد استطاعت بن هنية تحويل هذه الذاكرة المؤلمة إلى شهادة سينمائية عالمية تدين العنف وتنتصر للإنسان، مما جعل الفيلم يحظى باستقبال استثنائي في مهرجان فينيسيا. حيث وقف الجمهور مصفقاً للعمل لمدة 23 دقيقة متواصلة، في واحدة من أطول فترات التصفيق في تاريخ المهرجان العريق، تعبيراً عن التأثر العميق بالقصة.

أما الفيلم الثاني 'فلسطين 36' للمخرجة آن ماري جاسر، فيعيد المشاهدين إلى حقبة تاريخية مفصلية وهي الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب البريطاني. ويعد هذا العمل من أضخم الإنتاجات السينمائية الفلسطينية، حيث يسلط الضوء على جذور الصراع والدور الاستعماري في صياغة واقع المنطقة المعاصر.

واجه إنتاج 'فلسطين 36' تحديات ميدانية كبرى، حيث اضطر فريق العمل لنقل التصوير من الضفة الغربية إلى الأردن بسبب اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. ورغم هذه الصعوبات، نجح الفيلم في حصد إشادات دولية واسعة، خاصة في مهرجان تورنتو، رغم محاولات التضييق الإسرائيلية التي وصلت إلى مداهمة عروضه في القدس المحتلة.

الفيلم الثالث في هذا السباق هو 'اللي باقي منك' للمخرجة شيرين دعبيس، والذي يقدم ملحمة إنسانية تمتد عبر ثلاثة أجيال من الفلسطينيين. يتتبع العمل مسار عائلة فلسطينية منذ نكبة عام 1948 وحتى أواخر الثمانينيات، مستعرضاً كيف تنتقل الذاكرة الجماعية والهوية عبر العقود رغم التهجير واللجوء.

وكما هو حال الأفلام الأخرى، اضطرت دعبيس لنقل مواقع التصوير إلى قبرص واليونان والأردن بسبب الظروف الأمنية في فلسطين. واعتبرت المخرجة أن وصول هذه الأفلام مجتمعة إلى منصات الجوائز العالمية يعكس اعترافاً دولياً متأخراً لكنه ضروري بأهمية القصص الفلسطينية وقدرتها على ملامسة الوجدان الإنساني.

وبعيداً عن الجانب الفني، خاضت هذه الأفلام معركة شرسة في أروقة التوزيع داخل الولايات المتحدة، حيث فضلت كبرى شركات هوليوود تجنب هذه الأعمال المثيرة للجدل سياسياً. هذا العزوف دفع صناع الأفلام للتعاون مع شركات توزيع مستقلة مثل 'ويللا' و'ووترميلون بيكتشرز' لضمان وصول الرواية إلى الجمهور الأمريكي.

وتعكس هذه الصعوبات التوزيعية هشاشة حضور السينما الفلسطينية في المنصات الرقمية الكبرى، خاصة بعد واقعة إزالة عشرات الأفلام الفلسطينية من منصة 'نتفليكس' في عام 2024. ومع ذلك، فإن الإصرار على التواجد في دور العرض المستقلة والمهرجانات ساهم في خلق حالة من الوعي السينمائي الجديد تجاه القضية.

وفي مواجهة هذه التحديات، برزت حملات تضامن واسعة من نجوم الصف الأول في هوليوود، الذين قرروا كسر حاجز الصمت ودعم السينما الفلسطينية علناً. حملة 'Talking Palestine 36' شهدت مشاركة أسماء وازنة مثل مارك روفالو وسوزان ساراندون وريز أحمد، مما أعطى زخماً إضافياً لهذه الأفلام في أوساط المصوتين.

هذا الدعم من النجوم العالميين يعكس تحولاً جذرياً في النقاش الداخلي في هوليوود، حيث أصبح الحديث عن الحقوق الفلسطينية أكثر قبولاً وتداولاً. ولم يعد الفنانون يخشون التعبير عن مواقفهم الإنسانية تجاه الشرق الأوسط، وهو ما ساعد في تسليط الضوء على القيمة الفنية والجمالية لهذه الأعمال السينمائية.

إن لغة الأرقام في موسم 2026 تتحدث عن خرق غير مسبوق؛ فوجود ثلاثة أفلام في القائمة المختصرة في عام واحد هو إنجاز يتجاوز كل ما تحقق في العقدين الماضيين. هذا التطور يشير إلى أن الرواية الفلسطينية لم تعد مجرد 'استثناء' عابر في المهرجانات، بل أصبحت صوتاً أصيلاً وراسخاً في قلب الصناعة.

وفي الختام، يظل وصول هذه الأفلام إلى مسرح 'دولبي' في هوليوود انتصاراً بحد ذاته بغض النظر عن النتائج النهائية لتوزيع الجوائز. فمجرد طرح هذه القصص على أرفع منبر سينمائي عالمي يعني أن الحصار الثقافي بدأ يتداعى أمام قوة الفن وقدرته على نقل الحقيقة الإنسانية من قلب المعاناة.

اسرائيليات

الخميس 12 مارس 2026 2:49 مساءً - بتوقيت القدس

إبراهيم ذو الفقاري.. لسان طهران العسكري في مواجهة التصعيد الإقليمي

برز اسم إبراهيم ذو الفقاري كأحد أهم الوجوه الإعلامية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإيرانية في الآونة الأخيرة، خاصة مع تصاعد حدة المواجهة العسكرية التي بدأت في أواخر فبراير الماضي. ويشغل ذو الفقاري منصب المتحدث الرسمي باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي، وهو الكيان الذي يمثل عصب العمليات العسكرية المشتركة في البلاد.

ارتبط صعود نجم ذو الفقاري بحالة من السرية العسكرية التي تحيط بمكانته الفعلية داخل دوائر صنع القرار في طهران، حيث بدا كشخصية محورية في إدارة الأزمة الإعلامية المرافقة للعمليات الميدانية. وتتجاوز مهامه مجرد إلقاء البيانات، لتشمل شرح أبعاد التحركات العسكرية والردود الإيرانية على الهجمات الخارجية.

يعتبر ذو الفقاري لسان حال غرفة العمليات المشتركة التي تتولى مهمة حساسة في تنسيق وإدارة كافة الأنشطة القتالية للقوات المسلحة. ومن خلال منصبه، يقوم بإصدار البلاغات الرسمية التي توضح تفاصيل الاشتباكات، خاصة في فترات التصعيد الحاد والأزمات الإقليمية المتلاحقة التي تشهدها المنطقة.

لفت المتحدث العسكري الأنظار بشكل خاص خلال موجة التوتر الممتدة بين عامي 2025 و2026، حيث تميزت بياناته بنبرة استراتيجية حادة. وقد استخدم ذو الفقاري اللغة العبرية في عدة مناسبات لتوجيه رسائل مباشرة إلى الاحتلال الإسرائيلي، مما عكس تطوراً في أدوات الحرب النفسية والإعلامية الإيرانية.

تضمنت البيانات التي تلاها ذو الفقاري الإعلان عن تنفيذ موجات واسعة من الهجمات باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية. كما شدد في تصريحاته على أن طهران قامت بتوسيع بنك أهدافها ليشمل مصالح حيوية، رداً على ما وصفه بالاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية على السيادة الإيرانية.

يشكل ظهور ذو الفقاري جزءاً أساسياً من استراتيجية الاتصال العسكري الإيراني، التي تهدف إلى إيصال رسائل القوة للرأي العام العالمي والمحلي. فهو لا يكتفي بنشر النتائج الميدانية، بل يسعى لتأطير العمليات العسكرية ضمن رؤية سياسية تخدم المصالح العليا للدولة في مواجهة الضغوط الدولية.

أما عن المؤسسة التي يمثلها، فإن مقر خاتم الأنبياء المركزي يعد الهيئة القيادية الأعلى المسؤولية عن إدارة الحروب الكبرى في إيران. وتتمثل وظيفته الجوهرية في صهر جهود الجيش النظامي والحرس الثوري تحت قيادة موحدة تضمن سلاسة التنفيذ الميداني وتجنب التضارب في القرارات الاستراتيجية.

يعود تاريخ تأسيس هذا المقر إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث استخلصت القيادة الإيرانية حينها ضرورة وجود مركز ثقل عسكري يجمع كافة التشكيلات المسلحة. ومنذ ذلك الحين، تطور المقر ليصبح العقل المدبر الذي يشرف على الدفاع الفسيفسائي والخطط القتالية المعقدة التي تتبناها طهران.

في ظل الظروف الراهنة، يظل إبراهيم ذو الفقاري الشخصية الأكثر ظهوراً للتعبير عن توجهات هذا المقر السيادي، حيث يربط بين الميدان العسكري والساحة الإعلامية. وتعكس تصريحاته المستمرة حول استهداف القواعد والمصالح الإقليمية مدى الجاهزية التي يحاول مقر خاتم الأنبياء إظهارها في مواجهة أي تهديد خارجي.

أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

حملات الابتزاز السياسي: قراءة في استهداف موقف الإخوان من التوترات الإيرانية الخليجية

تشهد الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي تصاعداً ملحوظاً في حملات تستهدف جماعة الإخوان المسلمين، تركز بشكل أساسي على موقفها من الضربات الإيرانية الموجهة نحو دول الخليج العربي. هذه الحملة، التي يصفها مراقبون بأنها تفتقر للبراءة، تأتي في سياق محاولات لابتزاز الجماعة سياسياً عبر استغلال التوترات الإقليمية المتزايدة بين طهران من جهة، والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة أخرى.

تتنوع الأصوات المشاركة في هذه الحملة، حيث ينطلق بعضها من تجارب مريرة ومؤلمة مع السياسات الإيرانية في المنطقة، كما هو الحال مع بعض الأصوات السورية التي عانت من تدخلات أذرع طهران. ومع تفهم الدوافع الإنسانية لهذه الفئة، إلا أن هناك أطرافاً أخرى استغلت هذا الزخم لتوجيه خطاب يتسم بالعنصرية والتحريض المباشر، متجاوزاً حدود النقد السياسي البناء إلى التشويه المتعمد.

تؤكد الوقائع أن الموقف الرسمي للجماعة اتسم بالرفض المزدوج؛ حيث استنكرت البيانات الصادرة عن قياداتها الاعتداءات الصهيونية والأمريكية على إيران، وفي الوقت ذاته أدانت بوضوح أي استهداف إيراني لدول الخليج. هذا التوازن يظهر في تصريحات الدكتور صلاح عبد الحق التي وصفت تلك الضربات بأنها انحراف عن البوصلة الحقيقية للصراع في المنطقة.

وفي سياق متصل، شدد الدكتور محمود حسين في كلمات بثت عبر منصات إعلامية على استنكار الضربات الموجهة للمنشآت المدنية في الخليج، وهو ما يتماشى مع الأدبيات السياسية التي تعلنها الجماعة. ورغم هذا الوضوح، تتجاهل الحملات التحريضية هذه المواقف، وتركز على رواية الصمت المزعوم لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة وإحداث وقيعة مع المجتمعات الخليجية.

المثير للاهتمام هو تجاهل هذه المنصات لبيان 'إخوان سوريا' الذي كان الأكثر حدة في إنكار الضربات الإيرانية، حيث لم يشر البيان السوري حتى إلى العدوان الإسرائيلي على إيران. هذا الانتقاء في النقد يشير إلى أن الهدف ليس تقييم المواقف بناءً على الحقائق، بل توجيه ضربات إعلامية منسقة لخدمة أجندات إقليمية محددة.

برزت في هذه الحملة أسماء معروفة بتوجهاتها العدائية التقليدية للجماعة، حيث شارك فيها مشايخ وإعلاميون من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى دخول شخصيات محسوبة على أجهزة أمنية وصحفيين من جانب الاحتلال الإسرائيلي على خط الأزمة. هذا التقاطع في المصالح يضع علامات استفهام كبرى حول الجهات المحركة لهذه المنصات وتوقيت إطلاقها.

تشير التقارير إلى أن دولة الإمارات تلعب دوراً محورياً في توجيه هذا الخطاب الإعلامي، حيث يتركز نشاطها السياسي والدبلوماسي مؤخراً على محاصرة تحركات الجماعة في السودان واليمن. ويبدو أن الانشغال بملف الإخوان قد طغى على الاهتمام بالرد الفعلي على التهديدات الإيرانية المباشرة، مما يعكس ترتيباً خاصاً للأولويات السياسية.

الحملة لم تكتفِ باستهداف القيادات المقيمة في الخارج، بل امتدت لتشكك في ولاء المواطنين من أبناء دول الخليج الذين قد يتبنون فكراً قريباً من الجماعة. هذا الأسلوب يهدف إلى خلق حالة من الاستقطاب الداخلي وتخوين المكونات المجتمعية، وهو ما يخدم سياسات الأنظمة التي ترى في أي حراك شعبي أو فكري تهديداً لاستقرارها.

من المفارقات التي يسجلها الواقع أن الجهات التي تروج لانتهاء دور الإخوان وفشل تجربتهم، هي نفسها التي تخصص ميزانيات ضخمة لملاحقتهم إعلامياً وأمنياً. هذا التناقض يشير بوضوح إلى أن الجماعة، رغم ما تمر به من ضعف تنظيمي أو تضييق ملاحق، لا تزال تمثل رقماً صعباً في المعادلة السياسية العربية والإسلامية لا يمكن تجاوزه بسهولة.

إن محاولات تصوير الجماعة كحليف لإيران تتناقض مع التاريخ الطويل من الخلافات العقدية والسياسية، خاصة في الملف السوري الذي شكل نقطة قطيعة كبرى. ومع ذلك، فإن الرفض المبدئي للعدوان الأجنبي على أي دولة مسلمة لا يعني بالضرورة القبول بسياسات تلك الدولة التوسعية أو اعتداءاتها على جيرانها، وهو ما تحاول الحملة طمسه.

أفادت مصادر إعلامية بأن التحركات الإماراتية وصلت إلى حد الضغط على الإدارة الأمريكية لتصنيف فروع الجماعة في دول النزاع كمنظمات إرهابية. هذه التحركات تأتي في وقت حساس تمر فيه المنطقة بتحولات كبرى، مما يشير إلى رغبة في استغلال الفوضى الإقليمية لتصفية حسابات سياسية قديمة مع التيارات الإسلامية.

الخطاب الإعلامي الموجه حالياً يعتمد بشكل كبير على 'أنصاف الحقائق' واجتزاء التصريحات من سياقها التاريخي والسياسي. فبينما يتم التركيز على إدانات الجماعة للعدوان الإسرائيلي، يتم إغفال إداناتها الموازية للتدخلات الإيرانية، وذلك لرسم صورة ذهنية محددة تخدم أهداف الممولين لهذه المنصات.

في نهاية المطاف، يبقى الوعي الشعبي هو الحصن أمام محاولات التضليل الإعلامي التي تمارسها أطراف مرتبطة بأجندات خارجية. إن القدرة على التمييز بين الموقف المبدئي الرافض للعدوان وبين التحالف السياسي هي جوهر العقلانية التي يفتقدها خطاب التحريض الحالي، والذي يبدو أنه مدفوع برغبات انتقامية أكثر من كونه بحثاً عن الحقيقة.

إن استمرار هذه الحملات يؤكد أن الصراع في المنطقة ليس مجرد صراع عسكري أو حدودي، بل هو صراع على الرواية والوعي. وتظل محاولات عزل القوى السياسية الفاعلة عبر الابتزاز بالمواقف الإقليمية وسيلة قديمة تتجدد بتغير الأدوات، لكنها تصطدم دوماً بالبيانات الرسمية والمواقف الموثقة التي لا يمكن محوها بجرة قلم أو تغريدة محرضة.

أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

دابة الأرض ومنسأة الحكم: كيف تموت الأنظمة قبل إعلان سقوطها؟

تقدم القصة القرآنية لوفاة نبي الله سليمان عليه السلام نموذجاً معرفياً يتجاوز السرد التاريخي إلى تأمل عميق في سنن التاريخ وتهاوي القوى. فقد ظل الجسد مسنداً إلى عصاه، والجن يعملون في دأبهم ظناً منهم أن الرقابة ما تزال قائمة، بينما كان الموت قد وقع بالفعل ولم يكشفه إلا تآكل المنسأة بفعل دابة الأرض.

هذا المشهد يجسد ظاهرة تتكرر في التاريخ البشري، حيث تبدو الأبنية السياسية قائمة وشامخة، بينما بدأ التآكل ينخر في جوهرها منذ زمن بعيد. يبقى الشكل الخارجي والمؤسسات الرسمية، وتستمر الأوامر في الدوران داخل الجهاز الإداري بفعل العادة، رغم أن الروح السياسية قد فارقت الجسد التنظيمي.

في علم السياسة، يطلق الباحثون على هذه الحالة مسمى 'الجمود المؤسسي'، حيث تكتسب المؤسسات الضخمة في الأنظمة الشمولية نوعاً من القصور الذاتي. تستمر هذه الهياكل في الحركة ليس لقوتها الذاتية، بل بفعل الخوف والبيروقراطية المتجذرة، حتى لو توقف القلب النابض للنظام عن العمل.

يشير عالم الاجتماع بيير بورديو إلى مفهوم 'السلطة الرمزية'، حيث تستمد المؤسسات قدرتها على البقاء من وجود الرمز في المخيال الجماعي. فالسلطة لا ترتكز فقط على القوة المادية الملموسة، بل تعتمد بشكل أساسي على اعتقاد المحكومين بوجود هذه القوة واستمراريتها.

إن ما يصفه بورديو بـ 'العنف الرمزي' يدفع الجماهير لقبول السلطة وإعادة إنتاجها عبر الطقوس الرسمية والخطاب الإعلامي المكرر. هذه الممارسات تحافظ على صورة القوة في الأذهان، حتى بعد أن تفقد معناها الحقيقي وتصبح مجرد قشرة خارجية تخفي فراغاً داخلياً.

لكل عصر 'دوابه' الخاصة التي تنخر عصا السلطة بصمت وبعيداً عن الأعين، فقد تمثل هذه الدابة فساداً مستشرياً أو أزمة اقتصادية خانقة. كما قد يكون التآكل ناتجاً عن فقدان الشرعية السياسية أو تحولات رقمية وإعلامية تكسر احتكار النظام للمعلومة وتكشف هشاشته.

أحياناً يكون الحدث الذي يسقط العصا بسيطاً في ظاهره لكنه يحمل ثقل التراكمات التاريخية التي حدثت في العمق. التاريخ القريب يذكرنا كيف تحولت حادثة البائع المتجول محمد البوعزيزي في تونس إلى شرارة أحرقت هشاشة نظام كان يظن الجميع أنه صلب لا يلين.

لم تكن لحظة البوعزيزي هي بداية التآكل، بل كانت اللحظة التي ظهر فيها للعيان أن المنسأة قد أُفرغت من داخلها تماماً. عند تلك النقطة، يتحول التراكم الكمي الصامت إلى تغير نوعي مفاجئ، ويسقط الجسد الذي كان يظنه الناس حياً يراقب تحركاتهم.

الفيلسوفة السياسية حنة أرندت حللت الأنظمة الشمولية ورأت أنها قد تبدو مستقرة تماماً لفترة طويلة بسبب سطوة الخوف. لكن هذا الاستقرار يظل رهيناً بـ 'الربع ساعة الأخيرة'، وهي اللحظة التي يكتشف فيها الجميع فجأة أن البناء الذي أرعبهم كان متآكلاً.

من الضروري التمييز بين سقوط النظام وسقوط الدولة، فالدولة بمؤسساتها العميقة ومجتمعها قد تنجو من انهيار النظام الحاكم. الدابة في هذا السياق لا تلتهم كيان الدولة، بل تنخر شرعية النظام الذي اتكأ على مؤسساتها لشرعنة وجوده واستمراريته.

إن التأمل في هذه السنن الكونية لا يهدف للمقارنة بين مقام النبوة والواقع السياسي، بل لاستلهام العبرة من القوانين التي تحكم صعود وهبوط القوى. فظاهر القوة غالباً ما يخفي ضعفاً هيكلياً عميقاً لا يظهر إلا حين تنهار الركائز الأساسية التي يستند إليها.

حين تسقط العصا، لا يسمع المراقبون إلا دوي السقوط المفاجئ الذي يثير الدهشة، لكن من كانوا يراقبون 'نخر الدابة' يدركون أن الموت وقع منذ زمن. عندها فقط يدرك الناس أنهم قضوا سنوات في تبعية وخوف لشيء لم يكن موجوداً إلا في أوهامهم الجماعية.

العبرة التاريخية تؤكد أنه ليس كل ما يبدو صامداً هو حي بالضرورة، وليس كل ما يظهر صلباً يمتلك قوة حقيقية. التاريخ يظل يطرح أسئلته المفتوحة حول عدد الأنظمة التي يحكمها 'الموتى' حالياً، بانتظار اللحظة التي تكتمل فيها نخرة دابة الأرض.

ختاماً، يبقى النص القرآني مرجعاً لفهم تقلبات الأمم، حيث يتبين في النهاية أن العلم بالغيب لو كان متاحاً لما لبث الناس في عذاب التبعية المهين. إنها دعوة لليقظة وإدراك أن القوة الحقيقية تنبع من الداخل، وأن الهياكل الجوفاء مصيرها السقوط مهما طال أمد استنادها.

تحليل

الخميس 12 مارس 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق الوسطية في مواجهة الشعبوية: قراءة في أطروحة ليام بيرن الجديدة

تشهد الساحة السياسية الغربية نقاشات فكرية محتدمة مع استمرار صعود التيارات الشعبوية وعودة اليمين إلى صدارة المشهد في عدة دول ديمقراطية. وفي هذا السياق، قدم السياسي العمالي البريطاني ليام بيرن قراءة تحليلية في كتابه الجديد 'لماذا يفوز الشعبويون وكيفية هزيمتهم'، محاولاً فهم الجذور العميقة لهذه الظاهرة التي أعادت تشكيل الخارطة السياسية الدولية.

يعتبر بيرن، الذي شغل منصب وزير في حكومة غوردون براون أن صعود الشعبوية ليس مجرد صدفة عابرة، بل هو نتيجة لتراجع الثقة في النخب التقليدية. ويأتي كتابه كنوع من المراجعة الفكرية لتجربة السياسة الوسطية التي واجهت انتقادات حادة بسبب سياسات التقشف التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، والتي يرى محللون أنها مهدت الطريق للسخط الشعبي.

من المفارقات التي يطرحها الكتاب أن المؤلف نفسه ارتبط اسمه بواحدة من أشهر الأزمات السياسية في بريطانيا، وهي رسالة 'نفاذ السيولة' التي تركها لخلفه في وزارة الخزانة عام 2010. هذه الخلفية تجعل من محاولته لتحليل الشعبوية نوعاً من التكفير عن إرث سياسي ساهم بشكل غير مباشر في تعميق الفجوة بين الجمهور والنخبة الحاكمة.

يركز الكتاب بشكل دقيق على 'اللغة الشعبوية' كأداة رئيسية للسيطرة، حيث يرى بيرن أن السياسيين التقليديين يغرقون في لغة معقدة ومجردة تنفر الناخبين. في المقابل، يبرع الشعبويون في استخدام خطاب بسيط ومباشر يجمع بين الودية والحزم، مما يخلق انطباعاً بالقيادة القوية والقرب من هموم الشارع.

يضرب المؤلف مثالاً بالسياسي نايجل فراج، موضحاً كيف ينجح هذا التيار في صياغة خطاب يشبه أحاديث الأصدقاء في المقاهي لكنه يحمل نبرة عسكرية حاسمة. هذه القدرة على تبسيط القضايا المعقدة تمنح الشعبويين تفوقاً ملحوظاً في فضاءات التواصل الاجتماعي التي تفضل الرسائل القصيرة والمؤثرة عاطفياً.

يتطرق التحليل أيضاً إلى التناقضات البنيوية التي تعيشها هذه الحركات، فهي تدعي محاربة النخب بينما تتلقى تمويلاً من كبار الأثرياء. كما أنها ترفع شعارات الحرية المطلقة في حين تميل ممارساتها نحو السلطوية، خاصة في ملفات الهجرة والأمن القومي، مما يكشف عن هشاشة أخلاقية خلف الستار الجماهيري.

ومن الجوانب الفكرية المثيرة في الكتاب، إشارة بيرن إلى استلهام بعض الحركات الشعبوية لأفكار المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي. فقد وظفت هذه التيارات مفهوم 'الحس المشترك' لإعادة تشكيل الثقافة السياسية السائدة، مما يثبت أن الشعبوية تمتلك أدوات فكرية واعية وليست مجرد رد فعل عاطفي عفوي.

ومع ذلك، يواجه كتاب بيرن انتقادات تتعلق بتركيزه الحصري على الشعبوية اليمينية وتجاهله لتجارب الشعبوية اليسارية التي صعدت في عدة مدن غربية. هذا الاختزال قد يعيق فهم الصورة الكاملة للأزمة، حيث يرى نقاد أن تجاهل دور اليسار الراديكالي يضعف من قدرة الوسط على تقديم بديل شامل.

يشير المحللون إلى أن السياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومات الوسطية في العقود الماضية هي التي عمقت عدم المساواة الاجتماعية. وبدون معالجة هذه الفوارق الاقتصادية الصارخة، سيبقى خطاب الغضب والتمرد الذي يغذيه الشعبويون يجد صدى واسعاً لدى الفئات المهمشة والمتضررة من العولمة.

في محاولة لتقديم مخرج، يقترح بيرن ما يسمى بوصفة 'الوسط الراديكالي' التي تهدف إلى استعادة المبادرة من يد الشعبويين. تتضمن هذه الوصفة خطوات عملية مثل فضح الارتباطات المشبوهة بين القادة الشعبويين والنخب المالية، وتشديد الرقابة على تمويل الأحزاب السياسية لضمان نزاهة العملية الديمقراطية.

كما يدعو الكتاب إلى ضرورة استعادة الناخبين المعتدلين الذين انخرطوا في المعسكر الشعبوي نتيجة الإحباط وليس القناعة الأيديولوجية. ويرى بيرن أن هذا يتطلب خطاباً سياسياً جديداً يلامس تطلعاتهم الحقيقية ويعيد بناء جسور الثقة التي تحطمت خلال سنوات الأزمات المتلاحقة.

تعتبر العدالة الضريبية ركيزة أساسية في استراتيجية بيرن، حيث يطالب بزيادة الضرائب على الأغنياء لتمويل الخدمات العامة المتهالكة. ويؤكد أن النظام الضريبي الحالي لا يعبر عن القيم الأخلاقية للمجتمع، وأن إصلاحه يعد خطوة جوهرية لاستعادة شرعية الدولة في نظر مواطنيها.

رغم طموح هذه المقترحات، يبقى التساؤل قائماً حول مدى كفايتها لإيقاف مد جارف أصبح متجذراً في البنية الاجتماعية والسياسية العالمية. فالشعبوية اليوم لم تعد مجرد ظاهرة انتخابية عابرة، بل هي تعبير عن أزمة وجودية تعصف بالمؤسسات الديمقراطية التي لم تعد قادرة على تلبية احتياجات العصر.

في الختام، يقدم كتاب ليام بيرن مساهمة هامة في فهم آليات الخطاب الشعبوي، لكنه يظل أسيراً لمحدودية الرؤية الوسطية. إن مواجهة الشعبوية تتطلب تحولات هيكلية تتجاوز مجرد الإصلاحات السطحية، نحو بناء مشاريع سياسية بديلة تمتلك القدرة على إقناع الجماهير بمستقبل أكثر عدلاً واستقراراً.

عربي ودولي

الخميس 12 مارس 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

زوارق إيران المسيّرة: استراتيجية استنزاف تضع واشنطن أمام معادلة كلفة معقدة

تبرز كلفة المواجهة العسكرية كعامل حاسم في الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يرى مراقبون أن طهران تتبنى أدوات قتالية غير متكافئة تهدف لجر واشنطن إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تحييد القوى البحرية الإيرانية واستهداف عشرات السفن التابعة للحرس الثوري، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تحول في التكتيكات الإيرانية نحو وسائل أكثر مرونة وأقل كلفة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن العقيدة القتالية للحرس الثوري لا ترتكز على بناء أساطيل بحرية تقليدية ضخمة، بل تعتمد بشكل أساسي على تنويع الوسائل القتالية لتهديد المصالح الحيوية في المنطقة. هذا النمط من الحروب يمنح طهران قدرة على المناورة بعيداً عن التفوق العسكري التقليدي الذي تمتلكه القوات الأمريكية، مما يجعل عمليات الرصد والتحييد الكامل أمراً بالغ الصعوبة.

وفي سياق توسيع رقعة المواجهة، أشار محللون إلى أن استهداف مواقع حيوية مثل ميناء أم قصر، الذي يقع على بعد مئات الكيلومترات من مضيق هرمز، يمثل رسالة سياسية وعسكرية واضحة. هذه التحركات تهدف للتأكيد على أن التهديدات الإيرانية قادرة على الوصول إلى مختلف الممرات البحرية في المنطقة، متجاوزةً نقاط الاشتباك التقليدية المعروفة تاريخياً.

وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية الجديدة على نشر زوارق انتحارية يتم التحكم بها عن بعد، وتتميز بقدرتها على حمل شحنات متفجرة ضخمة تتراوح بين 450 كيلوغراماً وطن كامل. وتفوق هذه الحمولة التدميرية ما تحمله الطائرات المسيّرة الانتحارية، ويمكن إطلاق هذه الزوارق من السواحل أو عبر سفن وسيطة، مما يزيد من تعقيد المهام الدفاعية للقوات البحرية الدولية.

وتكمن الخطورة الحقيقية في الفجوة الاقتصادية بين سلاح الهجوم ومنظومات الدفاع، حيث لا تتجاوز تكلفة الزورق الواحد بضعة آلاف من الدولارات، بينما يتطلب اعتراضه صواريخ دفاعية بملايين الدولارات. وتماثل هذه المعادلة ما واجهته الجيوش في التعامل مع مسيّرات 'شاهد'، حيث تصبح كلفة الاستمرار في التصدي لهذه التهديدات عبئاً مالياً ولوجستياً ثقيلاً على الميزانيات العسكرية.

من جهة أخرى، أكدت طهران استعدادها لخوض مواجهة طويلة الأمد تستهدف المصالح الاقتصادية والمصارف التابعة للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. ويأتي هذا التصعيد بعد نحو اثني عشر يوماً من انطلاق موجة هجمات أمريكية وإسرائيلية، مما أدى إلى تفجير نزاع إقليمي واسع يهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية في الممرات المائية الحساسة.

وفي تطور ميداني متصل، أعلن الحرس الثوري عن تنفيذ هجوم صاروخي مشترك مع حلفائه استهدف مواقع داخل إسرائيل في الساعات الأولى من فجر الخميس. وتأتي هذه الضربات كجزء من استراتيجية 'حرب الأنفس الطويلة' التي تتبعها طهران، والتي تهدف من خلالها إلى زعزعة الأمن الاقتصادي والعسكري لخصومها عبر عمليات متفرقة ومستمرة تستنزف الجاهزية الدفاعية.

عربي ودولي

الخميس 12 مارس 2026 1:52 مساءً - بتوقيت القدس

سلطنة عمان: لن نطبّع مع إسرائيل ولن ندخل "مجلس السلام"

أكد وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي، الأربعاء، أن بلاده لن تطبّع مع إسرائيل ولن تنضم إلى "مجلس السلام"، مشددا على أن الحرب الحالية "هدفها إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة، والدفع بملف التطبيع، ومنع قيام دولة فلسطينية". كما توقع أن تتوقف الحرب قريبا، لكنه شدَّد على "ضرورة الاستعداد لأسوأ الاحتمالات".

وخلال لقاء برؤساء تحرير الصحف المحلية، قال البوسعيدي إن "سلطنة عمان لن تدخل في مجلس السلام، ولن تطبّع مع إسرائيل"، مؤكدا أن موقف بلاده ثابت تجاه قضايا المنطقة، وفق ما نقلته صحيفة عُمان.

وفي قراءته لخلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، رأى البوسعيدي أن الهدف الحقيقي منها "لا يقتصر على الملف النووي بل يتجاوز ذلك إلى إضعاف إيران، وإعادة تشكيل المنطقة، والدفع بملف التطبيع، إضافة إلى منع قيام دولة فلسطينية، وإضعاف كل من يدعم المشروع".

استهداف المنطقة

وأشار الوزير العماني إلى "وجود مخطط أوسع يستهدف المنطقة"، مبيّنا أن إيران ليست الهدف الوحيد فيه، وأن "كثيرا من الأطراف الإقليمية تدرك ذلك، لكنها تراهن على أن مسايرة الولايات المتحدة قد تدفعها إلى تعديل قراراتها وتوجهاتها".

ويرى البوسعيدي أن الولايات المتحدة "لم تكن لتحصل عبر الحرب على تنازلات من إيران أكبر من تلك التي تحققت عبر التفاوض". ولفت إلى أن المفاوضات الأخيرة وصلت إلى مراحل متقدمة، تضمنت "تعهد إيران بعدم امتلاك مادة نووية يمكن أن تُنتج قنبلة، مع الالتزام بعدم تراكم المواد المخصبة أو تخزينها، وتحويل المخزون القائم إلى وقود لا يمكن إعادته إلى حالته السابقة".

وأوضح الوزير العماني أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران "تهدد بإلحاق ضرر بالإطار القانوني الذي وفر الحماية والاستقرار لدول المنطقة لعقود".

كما شدَّد على أن سلطنة عمان "ثابتة على مبادئ سياستها الخارجية رغم التحولات الخطيرة التي تشهدها المنطقة"، لافتا إلى أن مسقط "تواصل العمل من أجل وقف الحرب والعودة إلى مسار الدبلوماسية".

أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

جماعة الإخوان المسلمين وتعثر النهضة العربية: قراءة في تحولات المنهج بين البنا وقطب والهضيبي

انطلقت جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928 كمشروع يهدف لاستعادة الخلافة الإسلامية التي سقطت قبل ذلك بأربعة أعوام، حيث وضع مؤسسها حسن البنا منهجاً يركز على بناء الفرد المسلم بناءً شاملاً يجمع بين الروح والعقل والجسد. وقد تزامنت هذه النشأة مع حراك فكري واسع في العالم الإسلامي ناقش تداعيات غياب المرجعية السياسية الدينية، وكان كتاب محمد رشيد رضا 'الخلافة' أحد أبرز ركائز هذا الحراك.

اتسمت علاقة الجماعة بالسلطة في عهد البنا بالمرونة والمطالبة بالإصلاح المتدرج، حيث انخرط الإخوان في العمل التعليمي والاقتصادي وشاركوا في الانتخابات البرلمانية. وفي الوقت ذاته، لم يتوانَ البنا عن توجيه رسائل حازمة لرؤساء الحكومات، مثل مصطفى النحاس، مطالباً بإلغاء القوانين الربوية وإصلاح النظام المصرفي بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية، محذراً من 'ثورة قرآنية' في حال تجاهل المطالب الشعبية.

حدد البنا خطرين استراتيجيين يواجهان الدولة المصرية، وهما الاحتلال العسكري الإنجليزي والمشروع الصهيوني في فلسطين، مما دفعه لتأسيس 'الجهاز السري الخاص' كذراع عسكري لمواجهة هذه التحديات. وقد نجحت الجماعة في كسب قاعدة شعبية عريضة مكنتها من منافسة حزب الوفد العريق، بل وإجباره على التفاوض معها لعقد تحالفات انتخابية في عدة مناطق.

لعب الإخوان دوراً محورياً في مواجهة تيارات التغريب والنزعات الفرعونية التي قادها مثقفون مثل طه حسين وعباس محمود العقاد، حيث اضطر هؤلاء لاحقاً لاسترضاء التيار الإسلامي الصاعد عبر تأليف كتب تتناول الشخصيات الإسلامية. وتجسد هذا النفوذ بشكل أكبر في المشاركة الميدانية بكتائب مقاتلة خلال حرب فلسطين عام 1948، وهو ما رفع رصيد الجماعة السياسي والشعبي بشكل غير مسبوق.

أدت نتائج حرب 1948 وقيام دولة الاحتلال إلى تحول جذري في تعامل الحكومة المصرية مع الإخوان، حيث بدأت حملات الاعتقال والمصادرة التي توجت باغتيال حسن البنا عام 1949 وحظر الجماعة. ومع تولي حسن الهضيبي منصب المرشد العام في عام 1951، اتخذ قرارات حاسمة بإلغاء الجهاز السري والتأكيد على أن الجماعة دعوية تربوية ترفض العنف والسرية في العمل السياسي.

شهدت مصر مطلع الخمسينيات أحداثاً متسارعة بدأت بإلغاء معاهدة 1936 واندلاع حريق القاهرة، وصولاً إلى انقلاب يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر. ورغم التوافق الأولي، سرعان ما وقع الصدام الكبير بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954، مما أدى إلى زج قيادات الإخوان في السجون وإعدام عدد منهم، وبروز فكر جديد داخل المعتقلات قاده الأديب والمفكر سيد قطب.

جاءت كتابات سيد قطب، وعلى رأسها 'في ظلال القرآن'، كرد فعل مباشر على توجهات النظام الناصري الذي سعى لترسيخ القومية العربية والعلمانية والاشتراكية الماركسية. واعتبر قطب أن هذه الأيديولوجيات تمثل 'جاهلية حديثة' تسعى لإبعاد الدين عن الحياة، مؤكداً أن عقيدة المسلم هي جنسيته الحقيقية، وأن الحكم بما أنزل الله أصبح فرض عين لاستعادة هوية الأمة.

طرح قطب مفهوم 'الطليعة المؤمنة' التي يجب أن تنعزل شعورياً عن المجتمع الجاهلي لتبني قاعدة صلبة قادرة على التغيير، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول فكرة 'تكفير المجتمع'. ويرى محللون أن لغة قطب الأدبية المحلقة ساهمت في غموض بعض مفاهيمه، مما فتح الباب أمام تأويلات متشددة من جماعات خرجت لاحقاً من عباءة الإخوان مثل 'التكفير والهجرة'.

في المقابل، تصدى المرشد حسن الهضيبي لهذه الأفكار عبر كتابه الشهير 'دعاة لا قضاة'، مفنداً حجج التكفير وواضعاً شروطاً فقهية صارمة للحكم على الأفراد. وأكد الهضيبي على ضرورة التمييز بين نقد المنظومة السياسية وبين تكفير المجتمع، مشدداً على أن مهمة الجماعة هي الدعوة والإرشاد وليس إصدار الأحكام القضائية على إيمان الناس.

أحدث هذا التباين الفكري بين قطب والهضيبي انقساماً صامتاً داخل أروقة الجماعة، حيث حدّ هجوم الهضيبي على كتابات قطب من الاستفادة التنظيمية منها داخل الإخوان. ومع ذلك، ظلت أفكار قطب ملهمة للعديد من الحركات الجهادية خارج إطار الجماعة الرسمي، والتي تبنت مفاهيم المفاصلة والجاهلية بشكل أكثر راديكالية وتصادماً مع الدولة والمجتمع.

يرى الكاتب أن تعثر مشروع النهضة لدى الإخوان يعود إلى فشل القيادة اللاحقة في الدمج بين البناء التنظيمي الذي وضعه البنا وبين التشخيص السياسي الدقيق الذي قدمه قطب للواقع الناصري. فبينما تمسك الهضيبي بالعمل الدعوي التقليدي، كان الواقع الجديد يتطلب تطويراً في أدوات المواجهة الفكرية والسياسية مع نظام يتبنى الاشتراكية المادية والقومية العلمانية.

إن استخدام سيد قطب لمصطلح 'المجتمع الجاهلي' بدلاً من 'الأمة' أوقعه في إشكالات لغوية وفقهية، حيث أن الأمة في المفهوم القرآني لا تكفر جملة واحدة. وكان من الممكن تجنب اتهامات التكفير لو ركز الخطاب على 'جاهلية الحكم' كمنظومة سياسية وتشريعية، بدلاً من تعميم المصطلح الذي انسحب في أذهان البعض على الشعوب والأفراد.

لقد نجح سيد قطب في تشخيص الانحرافات التي شابت التجربة الناصرية، خاصة في جوانب الصراع الطبقي ومحاربة ما كان يسمى بـ 'الرجعية الدينية'. إلا أن هذا التشخيص لم يجد مساراً حركياً منضبطاً داخل الجماعة بسبب التخوف من الانزلاق نحو العنف، مما ترك الساحة مفتوحة لاجتهادات فردية وجماعات فرعية تبنت العنف وسيلة للتغيير.

في الختام، تظل تجربة الإخوان المسلمين في مصر نموذجاً للتحولات الكبرى التي عصفت بالحركات الإسلامية في القرن العشرين، بين طموحات التأسيس الشامل وضغوط الملاحقة الأمنية. ويظل الجدل حول إرث سيد قطب ومنهج حسن الهضيبي محوراً أساسياً لفهم أزمة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر وقدرته على التكيف مع الدولة الوطنية الحديثة.

تحليل

الخميس 12 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق النيوليبرالية والتحولات الكبرى: هل يواجه العالم نهاية دورة حضارية؟

يمر العالم المعاصر بمرحلة من التحولات العميقة والشاملة، حيث تتشابك الحروب المستمرة في غزة وأوكرانيا والتوترات المحيطة بإيران لتشكل مشهداً من الزلازل الإمبراطورية التي تهز استقرار السلم العالمي. هذه التحولات تفرض على المراقبين تبني مقاربات مركبة لتحليل ما إذا كانت هذه الأحداث مجرد أزمات عابرة أم أنها تعكس نهاية دورة حضارية استمرت لقرون وفقدت بوصلتها الإنسانية.

تجمع مراكز البحوث والدراسات العالمية على أن ما يشهده الواقع اليوم يرتقي إلى مستوى المأزق التاريخي الشامل، حيث تظهر التناقضات القاتلة في المبادئ الأممية التي شُيدت على مفاهيم التقدم والعقلانية. هذا المأزق لا يكشف فقط عن خلل في النظام الدولي، بل يمتد ليطال جوهر الحضارة المعاصرة وهيكلها البنيوي الذي بات يترنح تحت وطأة الأزمات المتلاحقة.

على الصعيد الاقتصادي، تبرز مؤشرات الأزمة في أفول النيوليبرالية وتصدع فكرة السوق الحرة التي هيمنت لعقود، مما أدى إلى تفاقم اللامساواة الفاحشة بين مراكز القوة والأطراف. وقد تحول الاقتصاد العالمي نحو الحمائية وحروب الرسوم الجمركية، في ظل تصاعد الدين العام واضطراب العملات وصعود اقتصاد المنصات الذي سحق القيم التقليدية للعمل.

سياسياً، تعاني الديمقراطية التمثيلية من أزمة شرعية حادة أدت إلى انهيار ثقة الشعوب في النخب السياسية، مما مهد الطريق لصعود اليمين الشعبوي والفاشيات الجديدة. وتتآكل السيادة الوطنية للدول أمام توغل الشركات الاحتكارية الرقمية، بينما تحولت الأمم المتحدة ومؤسساتها إلى هياكل شكلية فاقدة للقدرة على فرض القانون الدولي أو حماية المواثيق الأممية.

اجتماعياً، تفشت ظواهر تفكك الروابط الإنسانية وصعود الفردانية المتوحشة التي عززت من مشاعر الاغتراب الوجودي والقلق النفسي لدى الأفراد. كما شهدت الدولة الاجتماعية حالة من الشلل المؤسسي، مما أدى إلى انهيار قيم التكافل الاجتماعي وبروز أزمات هوية حادة تفتك بالنسيج المجتمعي في مختلف دول العالم.

ثقافياً ووجودياً، يواجه الإنسان الحديث 'أزمة معنى' حقيقية في ظل انتشار ثقافة النسبية المطلقة التي تفتك بالقيم المشتركة، كما وصفها الفلاسفة بنهاية الروايات الكبرى. لقد تم تشييء الإنسان وتحويله إلى مجرد رقم أو مستهلك في منظومة تقنية، مما أدى إلى اختلال مفهوم الحرية وتحولها من قيمة وجودية إلى مجرد ممارسة استهلاكية.

تشهد قواعد الاشتباك العالمي تغيراً جذرياً، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على المواجهة التقليدية بين الشمال والجنوب، بل تسرب إلى داخل المركز الرأسمالي نفسه. الصدام بين الولايات المتحدة والصين يتخذ اليوم شكل صراع حضاري واقتصادي شامل، بينما تبدو أوروبا تائهة بلا مشروع مستقل وسط هذا الارتباك الجيوسياسي الكبير.

أدت فوضى الأسواق المالية وتضخم المضاربات إلى انهيار الفكرة الكلاسيكية للرأسمالية الإنتاجية، مما زاد من حدة الانقسام الطبقي داخل المجتمعات الغربية. هذا الانقسام يضع النخب المترفة في مواجهة طبقات مسحوقة تفتقد للتمثيل النقابي والسياسي الفعال، مما ينذر بانفجارات اجتماعية قد تغير وجه القارة العجوز والولايات المتحدة على حد سواء.

في ظل هذا الانسداد، يطرح السؤال حول إمكانية عودة 'الإنسان' واستعادة المعنى المفقود في ظل هيمنة المادة والآلة. إن المأزق التاريخي، رغم قسوته، يفتح آفاقاً لإمكانيات جديدة إذا ما توفرت إرادة جماعية لبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والكرامة الإنسانية بعيداً عن توحش السوق.

تكمن ملامح الأفق الممكن في الانتقال نحو نماذج 'الرأسمالية الاجتماعية' أو الاقتصاد التضامني الذي يثمن الاختلاف ويحترم البيئة. هناك حاجة ملحة لثقافة كونية جديدة تتجاوز النموذج الوضعي الذي اختزل الإنسان في قيم الكفاءة والإنتاج فقط، واستعادة البعد الروحي والجماعي للوجود البشري لمواجهة العبثية المعاصرة.

تختزن الحركات الشعبية الصاعدة وتيارات 'ما بعد النمو' إمكانيات للنهوض البشري، حيث تسائل هذه القوى جنون الاستهلاك والتراكم الرأسمالي. كما يمكن استخدام الثورات الرقمية والذكاء الاصطناعي كأدوات لخلق شبكات مقاومة ونماذج تعليمية بديلة تؤسس لسياسات المعنى واقتصاد الرحمة في مواجهة التوحش التقني.

للخروج من حالة 'الفوضى الخلاقة' نحو نظام عقلاني، يتطلب الأمر صياغة فلسفة جديدة للمستقبل تعتمد تصالح الإنسان مع ذاته وتاريخه. يجب إعادة بناء المنظومات السياسية على أساس التعددية التشاركية، وإيجاد تحالفات عالمية بديلة تتجاوز هيمنة القطب الواحد التي أثبتت فشلها في حماية السلم والأمن الدوليين.

يعيش العالم اليوم لحظة تاريخية تشبه تلك التي سبقت التحولات الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يقف البشر بين خيار ولادة حضارة جديدة أو السقوط في بربرية حديثة. هذا الاختيار ليس حتمياً، بل هو رهن بما سيفعله الإنسان اليوم في مواجهة حرب الإبادة في غزة والانهيار الأخلاقي للقانون الدولي.

في هذه اللحظة المشحونة، قد تعود السرديات الكبرى، سواء كانت ماركسية أو إسلامية، كأطر لتفسير الواقع، لكنها لن تعود بصورتها القديمة. إن قدرة هذه الأفكار على الفعالية منوطة بمدى انفتاحها على المشتركات الإنسانية وتطورها المعرفي، وإلا فإنها ستصبح جزءاً من الفوضى الجاثمة على عالم يعيش مخاضاً عسيراً.

عربي ودولي

الخميس 12 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إقليمي غير مسبوق: الهجمات الإيرانية تضع استقرار الإمارات والخليج على المحك

شهدت منطقة الخليج العربي تصعيداً عسكرياً خطيراً هز أركان الاستقرار الذي طالما ميز دول المنطقة، حيث طالت الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ مرافق حيوية في دولة الإمارات. وأفادت مصادر بأن سحباً من الدخان الأسود شوهدت فوق مطار دبي الدولي إثر استهداف منطقة قريبة من مبنى الركاب، بينما هزت انفجارات عنيفة منطقة المارينا نتيجة سقوط حطام مسيرات على أبراج شاهقة.

يأتي هذا التصعيد في أعقاب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي استهدف إيران وأدى إلى مقتل مرشدها الأعلى، مما دفع طهران لشن موجات انتقامية لم تتوقف. وقد وضعت هذه الضربات دول الخليج في موقف حرج، حيث وجدت نفسها مجبرة على الانحياز في صراع إقليمي حاولت مراراً تجنبه عبر سياسات التحوط الدبلوماسي والتوازن بين الشرق والغرب.

تعد مدينة دبي، التي يقطنها نحو 4 ملايين نسمة يشكل الأجانب غالبيتهم العظمى، النموذج الأكثر تأثراً بهذه التطورات نظراً لمكانتها كمركز عالمي للمال والسياحة. وأشار أستاذ العلوم السياسية عبد الخالق عبد الله إلى أن 'العلامة التجارية' التي بنتها دبي كواحة للأمان قد تعرضت لضرر فعلي، معرباً عن قلقه من ديمومة هذا التأثير على ثقة المستثمرين والزوار.

على الصعيد العسكري، كشفت الإحصاءات أن إيران وجهت للإمارات ضعف عدد الهجمات التي شنتها على إسرائيل خلال الأيام التسعة الماضية. وشملت الاستهدافات مجمع الرويس الصناعي، الذي يعد مركزاً استراتيجياً لتكرير البتروكيماويات، بالإضافة إلى مطار دبي ومعالم بارزة أخرى، في محاولة إيرانية واضحة للضغط على حلفاء واشنطن في المنطقة.

أكدت السلطات الإماراتية ثقتها في منظوماتها الدفاعية، مشيرة إلى اعتراض نحو 94% من المقذوفات المعادية بفضل تقنيات 'ثاد' و'باتريوت' الأمريكية. ورغم كثافة النيران، ظلت الخسائر البشرية محدودة نسبياً، حيث سُجلت أربع وفيات وأكثر من مئة إصابة منذ نهاية فبراير الماضي، في وقت تشهد فيه الجبهات الأخرى في إيران ولبنان سقوط آلاف الضحايا.

في المقابل، تعيش بقية دول الخليج مثل البحرين والكويت وقطر والسعودية حالة من التأهب بعد رصد هجمات مماثلة بالمسيرات والصواريخ. ويرى محللون أن سياسة 'التوازن الدقيق' التي انتهجتها هذه الدول مع طهران قد وصلت إلى طريق مسدود، خاصة مع تحول الجارة التاريخية إلى 'عدو مباشر' يهدد البنية التحتية والأمن القومي بشكل يومي.

برز تناقض لافت في الموقف الإيراني، حيث قدم الرئيس مسعود بيزشكيان اعتذاراً علنياً لجيرانه، مشترطاً وقف الهجمات بعدم انطلاق أي ضربات ضد بلاده من أراضي الخليج. ومع ذلك، استمرت الهجمات الميدانية بكثافة، وهو ما أرجعه مراقبون إلى انقسامات داخل هرم السلطة الإيرانية الذي بات يقوده مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل.

حذر مسؤولون خليجيون من أن الاعتماد على الدفاع الجوي وحده لا يكفي لضمان الاستقرار إذا انهار المسار السياسي تماماً في المنطقة. وأوضح مسؤول طلب عدم ذكر اسمه أن بيئة صنع القرار المتشرذمة قد تدفع الإقليم نحو مواجهة شاملة وواسعة النطاق، لا يمكن لأي طرف السيطرة على مآلاتها النهائية أو احتواء تداعياتها الكارثية.

تحاول الإمارات استخدام 'قوتها الناعمة' وقنواتها الدبلوماسية للضغط على النظام الإيراني من خلف الكواليس، ملوحة بفرض عقوبات اقتصادية. ومع ذلك، يرى خبراء في الشأن الإيراني أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى ترسيخ صورة الخليج كمنطقة نزاع في الذاكرة العالمية، مما يقوض سنوات من العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية.

داخل دبي، تدور معركة أخرى حول 'الرواية الرسمية' للأحداث، حيث تسعى الحكومة للسيطرة على تدفق المعلومات ومنع انتشار صور الهجمات. وحذرت السلطات المواطنين والمقيمين من مغبة مشاركة مقاطع الفيديو التي توثق الضربات، معتبرة ذلك تهديداً للأمن القومي وسبباً في إثارة الذعر العام بين السكان والسياح.

في خطوة بدت منسقة، قام عدد من 'المؤثرين' على منصات التواصل الاجتماعي بنشر محتوى يظهرهم وهم يمارسون حياتهم الطبيعية في المنتجعات والحدائق. وتهدف هذه الحملات إلى إرسال رسائل طمأنة للعالم بأن الحياة في دبي لا تزال آمنة، رغم أصوات الانفجارات وصفارات الإنذار التي باتت تتردد في الأفق بين الحين والآخر.

على أرض الواقع، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فبينما يواصل العمال في أحياء دبي القديمة ممارسة أعمالهم المعتادة، تشهد النوادي الشاطئية الشهيرة تراجعاً ملحوظاً في أعداد الرواد. ويعبر بعض المقيمين عن ثقتهم في قدرة الحكومة على حمايتهم، لكنهم لا يخفون قلقهم من المجهول في حال طال أمد الصراع وتوسعت رقعته.

تستضيف دبي جاليات كبيرة فرت من حروب سابقة في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، وهؤلاء يبدون صموداً لافتاً تجاه الأزمة الحالية. ففي مناطق مثل 'شاطئ كايت'، يواصل البعض الاستمتاع بوقتهم رغم تنبيهات الصواريخ التي تصل لهواتفهم، معتبرين أن ما يحدث في دبي لا يقارن بفظائع الحروب التي عاشوها في بلدانهم الأصلية.

يبقى التساؤل القائم حول مدى قدرة البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية لدول الخليج على الصمود أمام استنزاف طويل الأمد. ومع اعتماد المنطقة الكبير على استيراد الغذاء وتحلية المياه، فإن أي تصعيد إضافي قد يمس العصب الحيوي لهذه الدول، مما يضع قادتها أمام خيارات استراتيجية صعبة بين المواجهة أو البحث عن تسوية سياسية عاجلة.

فلسطين

الخميس 12 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

مستوطنون يضرمون النار في مسجد بنابلس والاحتلال يشن حملة اعتقالات واسعة بالضفة

هاجمت مجموعات من المستوطنين المتطرفين، فجر اليوم الخميس، قرية دوما الواقعة جنوب مدينة نابلس، حيث أضرموا النيران في مدخل مسجد القرية وخطوا شعارات عنصرية باللغة العبرية على جدرانه الخارجية. وتأتي هذه الجريمة في سياق تصعيد ممنهج يستهدف المقدسات الإسلامية في الضفة الغربية المحتلة، تزامناً مع حلول شهر رمضان المبارك.

وأفادت مصادر محلية بأن أهالي القرية، وبمساندة من طواقم الدفاع المدني، تمكنوا من السيطرة على الحريق ومنع تمدده إلى داخل قاعة الصلاة الرئيسية في المسجد. وبالرغم من سرعة الاستجابة، إلا أن النيران ألحقت أضراراً مادية واضحة في البوابة الخارجية، كما تسبب الدخان الكثيف في تلف أجزاء من السجاد وتشويه الواجهات الداخلية.

من جانبه، أكد الناشط في مقاومة الاستيطان سليمان دوابشة أن المستوطنين تسللوا تحت جنح الظلام لتنفيذ اعتداءهم، مخلفين وراءهم رسومات لنجمة داود وشعارات تحريضية. وأوضح أن هذا الاعتداء ليس الأول من نوعه، بل يندرج ضمن سلسلة من الانتهاكات التي تهدف إلى ترهيب السكان ودفعهم لترك أراضيهم لصالح التوسع الاستيطاني.

وفي رد فعل رسمي، حذرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية من خطورة تزايد محاولات إحراق المساجد، معتبرة إياها جزءاً من مخطط استراتيجي لتقويض الوجود الفلسطيني. وربطت الوزارة بين هذه الاعتداءات الميدانية وبين استمرار سلطات الاحتلال في إغلاق المسجد الأقصى والتضييق على المصلين منذ أواخر فبراير الماضي بذريعة حالة الطوارئ.

وعلى الصعيد الميداني، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة مداهمات واسعة في عدة مدن بالضفة الغربية، أسفرت عن اعتقال 19 مواطناً على الأقل، بينهم طفل وأسير محرر. وتركزت هذه العمليات في نابلس وطولكرم وقلقيلية والخليل، حيث تخللها اقتحام للمنازل وتخريب لمحتوياتها وإجراء تحقيقات ميدانية مع عشرات الشبان قبل إخلاء سبيل بعضهم.

وفي بلدة بيتا جنوب نابلس، تواصل قوات الجيش عملية عسكرية واسعة منذ ساعات الصباح الأولى، شملت تحويل عدد من المنازل السكنية إلى ثكنات عسكرية ونقاط مراقبة. وأشارت مصادر ميدانية إلى أن جنود الاحتلال أخضعوا عائلات كاملة لتحقيقات قاسية، في خطوة وصفها حقوقيون بأنها تندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي المتبعة ضد القرى والبلدات الفلسطينية.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى تصاعد حاد في وتيرة العنف منذ أكتوبر 2023، حيث أدت اعتداءات المستوطنين وحدها إلى استشهاد 42 فلسطينياً. وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن إجمالي ضحايا اعتداءات الاحتلال والمستوطنين في الضفة تجاوز 1125 شهيداً، في حين بلغت حصيلة الاعتقالات أرقاماً قياسية ناهزت 22 ألف حالة اعتقال.

اسرائيليات

الخميس 12 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

كاتب إسرائيلي يهاجم 'هوس' نتنياهو وترامب: يجران المنطقة إلى حرب مختلة

شن الكاتب الصحافي الإسرائيلي البارز، أوري مسغاف، هجوماً لاذعاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبراً أنهما يقودان المنطقة نحو مواجهة شاملة تتسم بالجنون. وفي مقال نشرته صحيفة 'هآرتس'، وصف مسغاف الزعيمين بأنهما نرجسيان ومثقلان بأزمات سياسية وقضائية عميقة، مما يدفعهما لاتخاذ قرارات منفصلة تماماً عن الواقع الميداني والاستراتيجي.

واعتبر مسغاف أن الحكومة الإسرائيلية الحالية هي الأكثر أصولية وعداءً للديمقراطية في تاريخ البلاد، ورغم ذلك لا يتردد قادتها في إعطاء دروس في الديمقراطية للآخرين. وأشار إلى أن القيادة العسكرية الحالية تحولت إلى أداة تكنوقراطية مطيعة تنفذ الأوامر وتستخدم القوة المفرطة بلا قيود، وفي غياب تام لأي أفق استراتيجي واضح ينهي حالة النزيف المستمرة.

ولم يسلم وزير الدفاع الأمريكي الجديد، بيت هيغسيث، من انتقادات الكاتب الذي وصفه بـ 'وزير الحرب' القادم من مقاعد قناة فوكس نيوز، مشيراً إلى خلفيته المثيرة للجدل وارتباطه باليمين المتطرف. ويرى مسغاف أن وجود شخصيات مثل هيغسيث في واشنطن، ويسرائيل كاتس في تل أبيب، يعكس تدهوراً في معايير الكفاءة الأمنية والسياسية لصالح الولاءات الشخصية والحزبية الضيقة.

ووصف الكاتب العمليات العسكرية الحالية بأنها 'حرب رفاهية' تُدار من السماء عبر القصف الجوي المكثف في ممرات مفتوحة لا تواجه تهديدات حقيقية، لكن ثمنها الباهظ يدفعه المدنيون. وأكد أن القصف الذي يطال منشآت حيوية ومدارس في المنطقة، لا يخدم سوى أجندة التصعيد، بينما يظل 'لحم المدافع' الحقيقي هم سكان المنطقة في إسرائيل ودول الخليج ولبنان وإيران.

وانتقد مسغاف التناقض في الخطاب السياسي لنتنياهو وترامب، اللذين يشجعان الشعب الإيراني على الانتفاض ضد نظامه، وفي الوقت ذاته يمطران بلادهم بالقنابل التي تستهدف خزانات النفط والمنشآت الحيوية. ويرى أن هذا التناقض يعكس غياب الرؤية الحقيقية لما يسمى 'تغيير وجه الشرق الأوسط'، وتحويله إلى شعار فارغ يغطي على الفشل في تحقيق أهداف ملموسة.

وفيما يتعلق بإدارة الحرب، أشار المقال إلى أن الأهداف تتبدل يومياً وفق نزوات ترامب وتصريحاته المرتجلة، بينما يختبئ نتنياهو خلف الرسائل المسجلة ويرفض مواجهة الصحافة الحقيقية. وقد تحولت الوعود من 'تدمير البرنامج النووي' و'القضاء على حزب الله' إلى مجرد 'تأجيل التهديدات' أو 'المساس بالقدرات'، وهي صيغ تعكس العجز عن تحقيق 'النصر المطلق'.

وحذر الكاتب من تكرار سيناريو 'المستنقع اللبناني'، مشيراً إلى أن القيادة الإسرائيلية تبيع الأوهام للجمهور حول إزالة التهديدات لأجيال، ثم تعود لتطالبهم بالبقاء في الملاجئ لشهور طويلة. وانتقد بشدة ضخ مليارات الشواكل من عجز الميزانية لصالح الجيش والمستوطنين والحريديم، على حساب الاقتصاد المنهك والخدمات العامة التي تعاني من الانهيار.

وختم مسغاف مقاله بالتعبير عن تململه من 'كذب القيادة الإسرائيلية' التي تروج لاستمرار الحرب حتى أعياد قادمة دون سقف زمني واضح. وأكد أن هذه المواجهة التي يطلق عليها 'زئير المختلين' لا تهدف إلا لخدمة بقاء القادة في مناصبهم، محذراً من أن الثمن سيكون غرقاً جديداً في أزمات إقليمية لا تنتهي، وضياعاً لفرص الحياة الطبيعية التي يطمح إليها المجتمع.

فلسطين

الخميس 12 مارس 2026 12:49 مساءً - بتوقيت القدس

إندونيسيا تربط إرسال قواتها إلى غزة بفاعلية 'مجلس السلام' ومصالح الفلسطينيين

أكد وزير الدفاع الإندونيسي، شافري شمس الدين أن مشاركة بلاده في أي قوة أمنية دولية داخل قطاع غزة مرهونة بالتطورات القائمة داخل 'مجلس السلام'. وأوضح الوزير في تصريحات صحفية أن جاكرتا أتمت استعداداتها اللوجستية والبشرية للدفع بنحو ثمانية آلاف جندي، سيتم نشرهم على مراحل زمنية محددة، لافتاً إلى أن التزامات الدول الأخرى المشاركة في القوة الدولية جاءت بأعداد أقل من المساهمة الإندونيسية.

وفي سياق متصل، كشف المتحدث باسم الرئاسة الإندونيسية، براستييو هادي، عن وجود جولة من المفاوضات المرتقبة قبل إتمام دفع مبلغ مليار دولار أمريكي، وهي القيمة المطلوبة للحصول على العضوية الدائمة في المجلس. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في وقت تسعى فيه جاكرتا لضمان أن تكون مساهمتها المالية والعسكرية ذات أثر حقيقي في استقرار المنطقة ودعم الحقوق الفلسطينية المشروعة.

وكان الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، قد لوح في وقت سابق بإمكانية الانسحاب الكامل من 'مجلس السلام' الذي أسسته الإدارة الأمريكية، في حال تبين أن هذا الكيان لا يقدم فوائد ملموسة للفلسطينيين. وشدد البيان الحكومي على أن السياسة الخارجية لجاكرتا تضع مصلحة الشعب الفلسطيني والمصالح الوطنية الإندونيسية كأولوية قصوى لا يمكن التنازل عنها مقابل العضوية الدولية.

وتواجه الحكومة الإندونيسية ضغوطاً داخلية متزايدة، حيث عبرت جماعات إسلامية عن معارضتها لقرار الانضمام للمجلس والمشاركة في قوات حفظ السلام بموجب اتفاقات وقف الحرب. وقد سعى الرئيس سوبيانتو لتهدئة هذه المخاوف خلال لقاءاته مع قادة الجمعيات الدينية، مؤكداً أن الهدف من التواجد في المجلس هو السعي لتحقيق سلام دائم وشامل ينهي معاناة سكان القطاع.

من جانبه، دخل مجلس العلماء الإندونيسي، الذي يعد المرجعية الدينية العليا في البلاد، على خط الأزمة بمطالبة الحكومة رسمياً بسحب عضويتها من المجلس الدولي. ويرى مراقبون أن الموقف الإندونيسي يتسم بالحذر الشديد، حيث تحاول الحكومة الموازنة بين دورها كقوة إقليمية صاعدة وبين التزامها التاريخي والديني تجاه القضية الفلسطينية، مما يجعل قرار نشر القوات معلقاً بمدى استجابة الأطراف الدولية للمطالب الإندونيسية.

تحليل

الخميس 12 مارس 2026 11:37 صباحًا - بتوقيت القدس

مجزرة مدرسة ميناب: حين تقتل الضربة الأميركية أكثر من مئة طفلة ثم تبدأ رواية الإنكار

واشنطن – سعيد عريقات -12/3/2026

تحليل إخباري

تثير الضربة التي استهدفت مدرسة ابتدائية للفتيات في مدينة ميناب جنوب إيران في الساعات الأولى من الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط تساؤلات عميقة حول طبيعة إدارة الحرب وحدود المسؤولية السياسية والعسكرية في استخدام القوة. فوفق تحقيق عسكري أميركي أولي وتسريبات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز، يبدو أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية عن قصف المدرسة، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 175 شخصًا، معظمهم من الأطفال.

وتشير المعلومات الأولية إلى أن القيادة المركزية الأميركية اعتمدت على بيانات استخباراتية قديمة لتحديد الهدف. فالمبنى الذي أصيب بالصواريخ كان جزءًا من منشأة للحرس الثوري الإيراني في الماضي، لكنه تحوّل إلى مدرسة بين عامي 2013 و2016. هذا التحول لم ينعكس، على ما يبدو، في قاعدة البيانات الاستخباراتية المستخدمة أثناء تحديد الهدف.

وتكمن خطورة هذه الحادثة في أنها تكشف خللًا بنيويًا في آلية اتخاذ القرار العسكري، وليس مجرد خطأ تكتيكي معزول. فالحروب الحديثة تعتمد بشكل متزايد على الدمج بين الذكاء الاصطناعي والتحليل الاستخباراتي البشري لتحديد الأهداف. غير أن التحقيق الأولي يشير إلى أن الضربة كانت على الأرجح نتيجة “خطأ بشري”، رغم استخدام أنظمة متقدمة للمساعدة في اختيار الأهداف.

وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية التي راجعتها الصحيفة تغيرات واضحة في الموقع، مثل إزالة أبراج المراقبة القديمة، وفتح مداخل عامة للمبنى، وإعادة تهيئة الساحات وتحويلها إلى ملاعب مدرسية. هذه المؤشرات كانت كافية — من حيث المبدأ — لإثارة الشكوك حول الطبيعة العسكرية للموقع، ما يطرح سؤالًا حول مستوى التدقيق الذي سبق تنفيذ الضربة.

وتزداد مأساوية الحادثة مع تقارير تحدثت عن وقوع ضربتين منفصلتين على الموقع. ووفق روايات طبية نقلها موقع ميدل إيست آي، لجأ عدد من الأطفال إلى قاعة الصلاة داخل المدرسة بعد الضربة الأولى، لكن ضربة ثانية أصابت المكان ذاته، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا الذين كانوا يحتمون هناك.

ورغم هذه التقارير، لم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي أميركي بشأن حدوث ضربتين. غير أن تحليل التوقيتات الذي نشرته الصحيفة يشير إلى أن قاعدة الحرس الثوري القريبة استُهدفت مرة أخرى بعد نحو ساعتين من الضربة الأولى، ما يترك الباب مفتوحًا أمام احتمال وقوع هجوم ثانٍ في المنطقة.

سياسيًا، لم تقل تداعيات الحادثة أهمية عن أبعادها الإنسانية. فمنذ اللحظات الأولى، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحميل إيران المسؤولية عن الانفجار، بل ذهب إلى حد الادعاء بأن طهران تمتلك صواريخ “توماهوك”. لكن هذا الادعاء سرعان ما واجه تشكيكًا واسعًا، واضطر الرئيس لاحقًا إلى الاعتراف بأنه لا يملك معلومات كافية لدعم هذا الادعاء.

وعندما سُئل لاحقًا عن تقرير نيويورك تايمز، قال ترمب إنه لم يكن على علم به، ما أثار بدوره تساؤلات حول مستوى الإحاطة التي يتلقاها الرئيس بشأن العمليات العسكرية الجارية. في الوقت نفسه، امتنع وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث عن تأكيد أو نفي مسؤولية الجيش الأميركي، مكتفيًا بالقول إن الحادثة "قيد التحقيق".

لكن تصريحات هيغسيث السابقة خلال الحملة العسكرية تضيف بعدًا مقلقًا إلى المشهد. فقد أكد أن الجيش الأميركي يعمل "دون قواعد اشتباك سخيفة" و"دون رحمة"، وهو خطاب يعكس تحولًا في اللغة السياسية المصاحبة للحرب ويثير مخاوف بشأن تراجع القيود التقليدية المفروضة على استخدام القوة.

وعند وضع هذه الحادثة في سياق أوسع، يتضح أنها تكشف معضلة متزايدة في الحروب الحديثة، تتمثل في الاعتماد المفرط على قواعد بيانات استخباراتية قديمة في بيئة عملياتية تتغير بسرعة. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود معلومات غير محدثة، بل في آلية التحقق منها قبل تنفيذ الضربات. وإذا كان مبنى قد تحول إلى منشأة مدنية منذ ما يقرب من عقد، فإن فشل النظام العسكري في اكتشاف ذلك يعكس خللاً مؤسسياً في دورة جمع المعلومات وتحليلها. مثل هذا الخلل لا يؤدي فقط إلى أخطاء تكتيكية، بل يقوض أيضًا مصداقية الخطاب الأميركي حول ما يسمى “الضربات الدقيقة”.

كما أن طريقة تعامل القيادة الأميركية مع الحادثة بعد وقوعها تثير بدورها أسئلة سياسية حساسة. فبدلاً من فتح تحقيق شفاف منذ البداية، اتجه الخطاب الرسمي أولاً نحو محاولة نقل المسؤولية إلى إيران. هذا النمط من إدارة الأزمات يعكس أولوية حماية السردية السياسية للحرب على حساب الاعتراف بالخطأ. غير أن مثل هذه الاستراتيجيات تبدو قصيرة الأمد في عصر الأقمار الصناعية المفتوحة وتدفق المعلومات بسرعة غير مسبوقة، حيث يصبح من الصعب إخفاء الوقائع لفترة طويلة دون أن ترتد كلفتها السياسية لاحقًا.

أما على المستوى الاستراتيجي الأوسع، فإن حادثة ميناب قد تتحول إلى نقطة تحول في صورة الحرب نفسها. فالحروب لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على قدر من الشرعية الأخلاقية في نظر الرأي العام الدولي. ومقتل أكثر من مئة طفل في ضربة واحدة — حتى لو كان نتيجة خطأ — قد يغير طبيعة النقاش العالمي حول هذه الحرب. وفي تجارب نزاعات سابقة، كانت مثل هذه الحوادث كافية لتحويل الزخم السياسي والدبلوماسي تدريجيًا ضد القوة التي نفذتها، بغض النظر عن أهدافها العسكرية الأصلية.

وفي سياق أوسع، يلاحظ أن نمط التبرير الأميركي الذي ظهر في حادثة ميناب يشبه إلى حد بعيد الأسلوب الذي استخدمته إسرائيل مرارًا خلال حربها على غزة. ففي حالات كثيرة طاول القصف مدارس ومستشفيات ومرافق صحية، وسقط آلاف الأطفال الفلسطينيين ضحايا، بينما جرى تبرير الضربات بالقول إن هذه المواقع كانت تستخدم من قبل مقاتلين فلسطينيين أو تخفي بنى عسكرية. كما تكررت محاولات إلقاء اللوم على الفلسطينيين أنفسهم. إن تشابه الخطاب والتبرير في الحالتين يثير تساؤلات عميقة حول انتقال هذا النموذج في إدارة الحرب وتفسير الخسائر المدنية.

فلسطين

الخميس 12 مارس 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

محلل فلسطيني: مآلات الحرب الإقليمية تحدد مصير 'القطبية الدولية' والقضية الفلسطينية

اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أمير مخول أن نتائج وتبعات المواجهة العسكرية الجارية بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران ستحدد ملامح النظام الدولي المستقبلي. وأوضح مخول أن هذه الحرب، التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، تتجاوز في أهدافها الجغرافيا المباشرة لتصل إلى صراع على ترسيخ نظام القطب الواحد ومنع صعود قوى دولية منافسة.

وأشار مخول إلى أن الولايات المتحدة ترى في إيران حلقة جيوسياسية حاسمة تعيق مشاريع الهيمنة على الممرات المائية وطرق إمدادات الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، تبرز إسرائيل كقوة ضاربة متقدمة مدمجة بالكامل في الاستراتيجية الأمريكية، مما يجعل الحرب الحالية ارتداداً مباشراً لأحداث السابع من أكتوبر وتوسعاً للصراع في غزة إلى نطاق إقليمي شامل.

ميدانياً، دخل توقف الملاحة في مضيق هرمز يومه العاشر، مما أدى إلى اضطرابات حادة في أسعار النفط التي تراوحت بين 86 و119 دولاراً للبرميل. وتأتي هذه التطورات في ظل ردود فعل إيرانية واسعة شملت إطلاق أكثر من 2000 صاروخ وطائرة مسيرة، أسفرت عن خسائر بشرية في صفوف القوات الإسرائيلية والأمريكية، عقب اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.

وحول أمن المنطقة، يرى مخول أن الحرب كشفت زيف الادعاءات بأن القواعد الأمريكية تحمي دول الخليج، بل أثبتت أنها مصدر لعدم الاستقرار واستهداف مباشر. ونبه إلى أن شعوب المنطقة باتت تُستخدم كدروع لهذه القواعد، مما قد يدفع دول المنطقة مستقبلاً إلى إعادة النظر في وجود هذه المنشآت العسكرية على أراضيها.

وفيما يخص العلاقات الإقليمية، توقع مخول أن تدفع هذه الحرب دول الخليج نحو رأب الصدع مع طهران لحماية مصالحها التجارية والنفطية المشتركة في 'أوبك'. وأكد أن التصرفات الإسرائيلية الاستفزازية وضعت 'الاتفاقات الإبراهيمية' في موضع تساؤل وتشكيك، خاصة مع محاولات تل أبيب جر المنطقة إلى صراع لا يخدم استقرارها.

وعلى الصعيد الفلسطيني، حذر مخول من أن القضية الفلسطينية غالباً ما تكون الضحية الأولى للحروب الإقليمية التي تشنها إسرائيل. فقد سجلت الأيام الأخيرة مقتل 6 فلسطينيين في الضفة الغربية، خمسة منهم برصاص المستوطنين الذين صعدوا من اعتداءاتهم لتصل إلى أكثر من 109 هجمات منذ بدء المواجهة مع إيران.

وشدد المحلل السياسي على أن إسرائيل تستغل الانشغال الإقليمي لتقويض مقومات الحياة والكيانية السياسية في الضفة الغربية والقدس المحتلة. وتهدف هذه السياسة، وفقاً لعقيدة نتنياهو، إلى منع الربط الجغرافي بين الأراضي الفلسطينية وبسط السيادة الكاملة لضمان عدم قيام دولة فلسطينية مستقبلاً.

ورغم التحديات، دعا مخول إلى ضرورة التمسك بـ 'حل الدولتين' كونه يحظى بشرعية دولية وقرارات أممية تشكل مصدر قوة قانونية للحق الفلسطيني. واعتبر أن إخفاق الحروب العسكرية في تحقيق أهدافها السياسية يعيد دائماً قضية فلسطين إلى الصدارة كشرط أساسي لتحقيق أي استقرار دائم في الشرق الأوسط.

داخلياً في الولايات المتحدة، أظهرت استطلاعات الرأي معارضة شعبية متزايدة للعمل العسكري، حيث عبر 53% من الأمريكيين عن رفضهم للحرب. ومع ذلك، تواصل واشنطن تعزيز تواجدها العسكري، وطلبت مؤخراً مسيرات اعتراضية وخبراء من أوكرانيا لحماية قواعدها في الأردن من الهجمات الصاروخية المستمرة.

وخلص مخول إلى أن السياسة الإسرائيلية القائمة على الحلول الأمنية والعسكرية لا تنهي الصراعات بل تزيد من ديمومتها وتوسع رقعتها. وأكد أن التحالفات الاستراتيجية التي تبنيها إسرائيل مع قوى خارج المحيط العربي والإسلامي تهدف إلى فرض طوق إقليمي، وهو ما يتطلب استراتيجية فلسطينية وعربية موحدة لمواجهة هذه التحديات الوجودية.

رياضة

الخميس 12 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

صراع أوروبي لضم الموهبة الجزائرية إبراهيم مازة وبرشلونة يترقب

بات النجم الدولي الجزائري إبراهيم مازة مادة دسمة للصحافة الرياضية في ألمانيا وإسبانيا، بعد التقارير التي كشفت عن رغبة نادي برشلونة في ضمه لصفوفه. ويأتي هذا الاهتمام عقب القفزة النوعية في مستوى اللاعب منذ انتقاله من هيرتا برلين إلى باير ليفركوزن، مما جعله مطمعاً لعدد من عمالقة القارة العجوز.

ووفقاً لمصادر إعلامية، فإن الصراع على توقيع الموهبة الجزائرية سيشتد مع نهاية الموسم الحالي، خاصة مع دخول نادي أتلتيكو مدريد الإسباني وإيه سي ميلان الإيطالي على خط المفاوضات. هذه التطورات تشير إلى أن مهمة النادي الكتالوني لن تكون سهلة في ظل المنافسة المالية القوية المتوقعة في الميركاتو الصيفي المقبل.

وكانت الإدارة الرياضية في 'كامب نو' قد بدأت بالفعل خطواتها لمراقبة اللاعب، حيث أرسلت كشافيها إلى المغرب لمتابعة أدائه مع 'محاربي الصحراء' في البطولة الأفريقية الأخيرة. ورغم الانطباعات الإيجابية التي تركها اللاعب الشاب، إلا أن برشلونة لم يتقدم حتى الآن بأي عرض رسمي لكسر عقده مع ناديه الألماني الحالي.

في المقابل، يبدو أن دخول المنافسين قد يدفع إدارة 'البرسا' لتسريع وتيرة التحرك لتجنب الدخول في مزاد علني قد يرفع سعر اللاعب بشكل مبالغ فيه. وتفيد المعلومات بأن إدارة باير ليفركوزن رفضت بالفعل عرضاً من أتلتيكو مدريد بقيمة 35 مليون يورو، مؤكدة تمسكها بمبلغ 45 مليون يورو كحد أدنى للتفاوض.

من جهة أخرى، أبدى نادي إيه سي ميلان الإيطالي مرونة كبيرة في تلبية الشروط المالية للألمان، حيث أبدى استعداده لدفع المبلغ المطلوب فور انتهاء الموسم. ويهدف 'الروسونيري' من هذه الخطوة إلى حسم الصفقة مبكراً وقطع الطريق على برشلونة، خوفاً من ارتفاع قيمة اللاعب السوقية بعد مشاركته المرتقبة في كأس العالم.

وتعيش إدارة باير ليفركوزن حالة من الرضا التام عن تطور مازة الذي انضم للفريق بصفقة لم تتجاوز 12 مليون يورو، ليتحول سريعاً إلى ركيزة أساسية. وقد نجح اللاعب في إثبات جدارته كبديل استراتيجي للنجم فلوريان فيرتس، وهو ما ساهم في تضاعف قيمته السوقية وجعله أحد أبرز المواهب الواعدة في الدوريات الأوروبية.

اسرائيليات

الخميس 12 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

عقاقير اليقظة في سلاح الجو الإسرائيلي: كيف يواجه الطيارون الإرهاق في المهام الطويلة؟

يعتمد سلاح الجو الإسرائيلي استراتيجية طبية وعسكرية لتعزيز أداء طياريه خلال المهام القتالية التي تتطلب ساعات طيران طويلة، وذلك عبر استخدام عقار 'مودافينيل' المحفز لليقظة. تهدف هذه الخطوة إلى ضمان بقاء الطيارين في أعلى درجات التركيز الذهني، خاصة عند تنفيذ عمليات معقدة مثل التزود بالوقود في الجو أو المناورات الليلية التي تتطلب دقة متناهية.

وأفادت مصادر عسكرية بأن هذا العقار يمنح الطيارين قدرة استثنائية على التعامل مع الضغوط المتزايدة في بيئة العمليات النشطة، مما يسرع من عملية اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة. ويعد الحفاظ على الوعي الإدراكي مطلباً أساسياً لتجنب الأخطاء البشرية التي قد تنجم عن الإرهاق البدني والذهني المتراكم خلال الرحلات الجوية الطويلة.

ويواجه الطيارون في الظروف الطبيعية ما يسمى بـ 'الإرهاق الذهني' الذي يؤثر بشكل مباشر على سرعة رد الفعل والقدرة على معالجة البيانات الجوية المتداخلة. ويظهر هذا التأثير بوضوح عند استخدام نظارات الرؤية الليلية لفترات مستمرة، حيث يزداد العبء على الحواس، مما يجعل التدخل الدوائي وسيلة لضمان استمرارية الكفاءة القتالية.

وأشارت المصادر إلى أن استخدام 'مودافينيل' يخضع لضوابط صارمة ومحددة من قبل القيادة الطبية في سلاح الجو، لضمان عدم تجاوز الجرعات الآمنة. وقد أثبتت التجارب التي أجريت في بيئات محاكاة الطيران أن الجرعات المنخفضة تساهم في تحقيق النتائج المطلوبة دون التسبب في آثار جانبية فورية تعيق سير المهمة العسكرية.

ولا تقتصر الدورة العلاجية على التحفيز فقط، بل تشمل أيضاً مرحلة الاستشفاء بعد انتهاء المهمة الجوية، حيث يتم إعطاء الطيارين عقاراً آخر يُعرف باسم 'نوغو بيلز'. يعمل هذا الدواء المضاد على مساعدة الجسم في استعادة توازنه الطبيعي والدخول في حالة من الاسترخاء والنوم، لتعويض فترة اليقظة القسرية التي فرضها العقار الأول.

ورغم الفوائد العملياتية، لفت خبراء إلى وجود مخاطر صحية محتملة مرتبطة بتناول هذه الحبوب، حيث قد يعاني المستخدمون من اضطرابات في معدل نبضات القلب وارتفاع ملحوظ في ضغط الدم. كما تشمل القائمة الطويلة للآثار الجانبية حالات من القلق الحاد والصداع المزمن، بالإضافة إلى صعوبات بالغة في تنظيم ساعات النوم الطبيعية لاحقاً.

تأتي هذه الكشوفات لتسلط الضوء على الجوانب الخفية في إدارة العمليات الجوية الإسرائيلية، وكيف يتم توظيف التكنولوجيا الحيوية لخدمة الأهداف العسكرية. ويظل الجدل قائماً حول الموازنة بين الكفاءة الميدانية للطيارين وبين المخاطر الصحية طويلة الأمد التي قد تترتب على استخدام مثل هذه العقاقير المنشطة للجهاز العصبي.

عربي ودولي

الخميس 12 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

عشرات القتلى والجرحى في غارات أمريكية استهدفت مقار للحشد الشعبي بالعراق

شهدت محافظة الأنبار غربي العراق تصعيداً عسكرياً دامياً، حيث شنت طائرات حربية أمريكية سلسلة غارات استهدفت ثلاثة مقرات تابعة لهيئة الحشد الشعبي. وأفادت مصادر أمنية بأن الهجوم أسفر عن مقتل نحو 30 شخصاً وإصابة 50 آخرين، في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع نظراً لخطورة الإصابات.

وتركزت الضربات الجوية في قضاء القائم الحدودي، حيث دُمرت المواقع المستهدفة بشكل كامل جراء القصف العنيف. وهرعت سيارات الإسعاف إلى أماكن الانفجارات لانتشال الضحايا ونقل الجرحى إلى المستشفيات القريبة، وسط حالة من الاستنفار الأمني الواسع في المنطقة.

وفي تطور متزامن، تعرض مقر آخر للحشد الشعبي في مدينة كركوك شمالي البلاد لضربة جوية فجر الخميس. وأكدت مصادر ميدانية أن القصف أدى إلى مقتل عنصرين على الأقل واندلاع حريق ضخم في الموقع، فيما تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث تحت الأنقاض.

وأشارت المصادر إلى أن القوات الأمنية فرضت طوقاً مشدداً في محيط الموقع المستهدف بكركوك، وتحديداً في المناطق القريبة من مطار المدينة. وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف من تجدد الهجمات أو توسع رقعة الاستهدافات الجوية لتطال مواقع عسكرية أخرى.

وتشير التقارير إلى أن هذا التصعيد يأتي في سياق التوترات المتزايدة التي تشهدها المنطقة منذ أواخر فبراير الماضي. وقد تعرضت عدة مقار تابعة لفصائل عراقية لضربات متفرقة خلال الأسابيع الأخيرة، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوفها.

وبحسب البيانات المتوفرة، فإن عدد القتلى من عناصر الفصائل منذ بدء موجة التصعيد الأخيرة تجاوز 22 عنصراً قبل الهجوم الأخير. وتعكس هذه الأرقام حجم المواجهة المباشرة التي باتت الساحة العراقية مسرحاً لها بين القوى الإقليمية والدولية.

وتعد هيئة الحشد الشعبي جزءاً رسمياً من المنظومة العسكرية العراقية منذ دمجها بقرار حكومي، بعد دورها في المعارك ضد تنظيم الدولة عام 2014. ومع ذلك، فإن بعض الألوية داخل الهيئة تحتفظ بارتباطات وثيقة مع قوى إقليمية وتتحرك ضمن إطار ما يعرف بالمقاومة الإسلامية.

وتتبنى هذه الفصائل تنفيذ هجمات دورية باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، تستهدف ما تصفه بقواعد العدو في المنطقة. وتضع هذه التحركات الحكومة العراقية في موقف حرج، حيث تحاول الموازنة بين التزاماتها الدولية وسيادتها الوطنية على أراضيها.

ويعيش العراق منذ سنوات حالة من التجاذب السياسي والعسكري كونه ساحة رئيسية للتنافس بين واشنطن وطهران. وتسعى بغداد جاهدة للحفاظ على توازن دقيق يجنب البلاد الانزلاق نحو صراع مفتوح لا تملك القدرة على التحكم في نتائجه أو تداعياته.

ومع اشتعال الجبهات الإقليمية، وجدت السلطات العراقية نفسها في قلب نزاع واسع النطاق يتجاوز حدودها الجغرافية. ورغم حجم الدمار والضحايا، غالباً ما تلتزم الأطراف المنفذة للضربات بالصمت الرسمي، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني.

وتؤكد المصادر الطبية في الأنبار أن معظم المصابين في الهجوم الأخير يعانون من جروح بليغة وحروق شديدة. وتعمل الكوادر الطبية بطاقتها القصوى للتعامل مع تدفق الجرحى، في ظل نقص الإمكانيات ببعض المراكز الصحية الحدودية التي استقبلت الحالات الأولى.

ويبقى الترقب سيد الموقف في الشارع العراقي بانتظار ردود الفعل الرسمية من الحكومة والقوى السياسية. ومن المتوقع أن تثير هذه الهجمات موجة جديدة من المطالبات بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في البلاد، وتكثيف الجهود لحماية السيادة الوطنية من الانتهاكات المتكررة.

أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

عندما يُقرر ترمب!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

تتوقف الحرب عندما يُقرر ترمب، وتخبو نارها عندما يُقرر "ربّ البيت الأبيض" إخمادها، فمَن أشعل النار يُطفيها، ومَن بدأ الحرب يُنهيها، فترمب "وحده لا شريك له في حكومته" مَن يُقرر البداية، ويُحدد خط النهاية.
هكذا يُمسد وزراء ترمب ومستشاروه على غرور الرئيس، ويتملقون نرجسيته، ويُغذون ذاته المتضخمة بسيلٍ من المدائح والإطراءات، حتى أنهم يرتدون أحذيةً من ماركةٍ تحمل اسمه؛ لخطب ودّه وتجنّب غضبه.
مَن لا يتملق ترمب يعزله، فقد قيل: إن المكان الأكثر ازدحاماً بالموظفين الأمريكيين هو الكافتيريا في وزارة الخارجية، حيث يحتشد فيها كبار الدبلوماسيين والمستشارين الذين عزلهم ترمب لرفضهم مجاملته والتساوق مع سرديته.
يقول ترمب إنه لم تبقَ في إيران أهدافٌ للقصف، وإن الحرب تشارف على نهايتها، لكن ما يجري على ألسنة مستشاريه، وفي حركة البوارج في المياه الدافئة، والطائرات المقاتلة التي لا تتوقف عن "الرضاعة الطبيعية" بإمدادات الطاقة، في السماوات المحتشدة بأعمدة الدخان فوق الهضبة الفارسية، يناقض كل ما يشيعه ترمب من أجواء يروم منها ضمان استقرار الأسواق والحد من انفلات الأسعار وانهيار البورصات، وهي العوامل التي ستكون سبباً في حمل رجل المال والأعمال للبحث عن مخرجٍ لوقف الحرب… الأيام المقبلة حاسمة.

فلسطين

الخميس 12 مارس 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

الحديث عن اقتراب نهاية الحرب.. خطاب لطمأنة الأسواق وصناعة "سردية النصر"

أحمد رفيق عوض: ترمب حاول من خلال هذا الخطاب تهدئة الأسواق المالية وأسواق الطاقة خاصة بعد التراجع الكبير في أسعار العديد من الأسهم في البورصات
د. سعيد شاهين: دخول أطراف دولية على خط الوساطة يعكس استعداد الولايات المتحدة للتفاوض ليس من منطلق الانتصار بل من مبدأ تقليل الخسائر
د. تمارا حداد: هذه التصريحات قد تُفهم في إطار الضغط كون القوى الكبرى تستخدم خطاب "اقتراب نهاية الحرب" لتهيئة الأجواء أمام مفاوضات محتملة
د. أسامة عبد الله: تصريحات ترمب هي محاولة إعلان نصر مبكر إذ يسعى البيت الأبيض لصناعة سردية النصر قبل انتهاء العمليات العسكرية فعلياً
د. عقل صلاح: استمرار الحرب سيعزز موقف إيران العسكري والسياسي ويقلص قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الحديث عن إنجازات الضربة الأولى
د. رهام عودة: الواقع الميداني لا يتطابق مع خطاب ترمب فالحرب ما زالت في مراحلها الأولى ولم تحقق بعد الهدف المعلن وهو تغيير النظام الإيراني

رام الله – خاص بـ"القدس"–


تثير تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول اقتراب نهاية الحرب على إيران جدلاً بشأن أهدافها الحقيقية وتوقيتها، في ظل استمرار العمليات العسكرية والتصعيد المتبادل، وإن كانت تلك التصريحات تحمل رسائل اقتصادية وسياسية وإمكانية التمهيد لتفاوض محتمل.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه التصريحات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها الإدارة الأمريكية داخلياً وخارجياً، إضافة إلى تأثير الحرب على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ويشيرون إلى أن هذه التصريحات يُنظر إليها على أنها محاولة لتهدئة الأسواق المالية وطمأنة المستثمرين، في ظل المخاوف من استمرار الحرب وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي والتجارة الدولية، خصوصاً مع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز وتداعياتها على حركة الشحن العالمية.
ويرون أن الحديث عن اقتراب نهاية الحرب قد يشكل تمهيداً سياسياً لإيجاد مخرج تدريجي من الصراع، خاصة بعد تعثر الرهانات الأولية على تحقيق أهداف سريعة للحرب، مثل إضعاف النظام الإيراني أو دفعه إلى الانهيار، مشيرين إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى خسائر سياسية واقتصادية متزايدة للولايات المتحدة وإسرائيل، ما يدفع إلى البحث عن تسويات سياسية أو مسارات تفاوضية محتملة، رغم أن المعطيات الميدانية تشير إلى استمرار المواجهة وعدم وجود مؤشرات حاسمة على قرب انتهائها.






تهدئة الجدل الأمريكي حول مشروعية الحرب

يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن أبرز أهداف تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول أن الحرب أشرفت على نهايتها يتمثل في محاولة تهدئة الجدل والاعتراضات المتزايدة داخل الشارع الأمريكي بشأن مشروعية الحرب، خاصة مع وجود أصوات تعتبرها حرباً إسرائيلية لا تخدم المصالح المباشرة للولايات المتحدة، ولا تستند إلى تهديد إيراني مباشر لأمريكا.
ويوضح عوض أن التصريحات تحمل أيضاً بعداً اقتصادياً واضحاً، إذ جاءت في ظل ارتفاع أسعار النفط التي وصلت إلى نحو 110 دولارات للبرميل، ما انعكس سلباً على الأسواق العالمية والاقتصاد الأمريكي.
ويؤكد عوض أن ترمب حاول من خلال هذا الخطاب تهدئة الأسواق المالية وأسواق الطاقة، خاصة بعد التراجع الكبير في أسعار العديد من الأسهم في البورصات، لافتاً إلى أن هذه الخطوة تعكس عقلية تجارية واضحة لدى ترمب في تعامله مع الأزمات السياسية والاقتصادية.
ويرى عوض أن الدلالة الأهم لهذه التصريحات قد تكون محاولة تمهيد الطريق أمام الإدارة الأمريكية للخروج من الحرب، خصوصاً إذا كانت قد تورطت في تصعيد لم تتوقع أن يصل إلى هذا المستوى.

تبرير إعلان النصر

ويشير عوض إلى أن حديث ترمب عن تدمير الصواريخ والقدرات الإيرانية وإضعاف النظام الإيراني قد يكون محاولة لتبرير إعلان النصر والبدء بالبحث عن تسوية سياسية، بما يسمح لواشنطن "بالنزول عن الشجرة" تدريجياً.
ويؤكد عوض أن خطاب ترمب الأخير اتسم بتناقض واضح، إذ جمع بين الحديث عن اقتراب نهاية الحرب وبين الدعوة إلى استسلام النظام الإيراني وطرح أفكار تتعلق بتفكيكه. ويشير عوض إلى أن تصريحات ترمب غالباً ما تتسم بالتقلب وتختلف أحياناً عن مواقف وزرائه، ما يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مواقف نهائية أو مؤشرات حاسمة على مسار الحرب.
ويلفت عوض إلى أن الواقع الميداني لا يدعم هذه التصريحات، في ظل استمرار العمليات العسكرية والتنسيق الأمريكي الإسرائيلي في إدارة الحرب، كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلعب دوراً محورياً في دفع مسار الحرب والضغط باتجاه تسريعها بهدف إضعاف النظام الإيراني أو تفكيكه.
ويرى عوض أن تصريحات ترمب يجب التعامل معها بحذر شديد، لأنها تحمل طابعاً دعائياً وسياسياً وربما اقتصادياً، ولا تعكس بالضرورة تقييماً دقيقاً لمسار الحرب أو مؤشراً مؤكداً على قرب نهايتها.

فشل إسقاط النظام الإيراني

يرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وصل إلى قناعة بأن الحرب على إيران لن تحقق هدفها الرئيسي في تغيير النظام، رغم المراهنة على الطابور الخامس ودفع الشباب الإيراني لإسقاط النظام، على غرار نماذج العراق في عهد صدام حسين وفنزويلا.
ويشير شاهين إلى أن الحرب، بدلاً من تسريع انهيار النظام الإيراني، بدأت تضرب المصالح الأمريكية وقواعدها العسكرية واقتصادها، مع دخول حزب الله على خط المواجهة، ما أربك الحسابات الإسرائيلية والأمريكية.
ويوضح شاهين أن التقديرات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية كانت تشير إلى سقوط النظام الإيراني خلال الأيام الأربعة الأولى، لكن الواقع أثبت بعد ذلك صعوبة تحقيق هذا الهدف، في حين تصاعد الحراك الداخلي في الولايات المتحدة ضد الحرب، مع مطالب بوقفها نظراً لتكاليفها الاقتصادية الكبيرة التي يتحملها دافعو الضرائب الأمريكيون.

تعزيز الموقف الإيراني بالتفاوض

ويشير شاهين إلى أن إيران تصر على مواصلة الحرب لإجبار الطرف المعادي على التفاوض، مما يعزز موقفها لتحقيق اتفاق يضمن حقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية والدفاع الصاروخي، الذي أكدت الحرب عدم قابليته للتفاوض.
ويلفت شاهين إلى أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يخلق معادلة جديدة تؤثر على السياسة الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك تراجع جماهيرية ترمب، الذي لجأ إلى أساليب دعائية لتبرير سياساته، وتراجع جماهيرية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب حجم الخسائر والأضرار الناجمة عن الهجمات الإيرانية وصواريخ حزب الله التي استهدفت العمق الإسرائيلي، وتحويل الإسرائيليين إلى رهائن للسياسات الحكومية المتطرفة.
ويرى شاهين أن دخول أطراف دولية على خط الوساطة يعكس استعداد الولايات المتحدة للتفاوض، ليس من منطلق الانتصار بل من مبدأ تقليل الخسائر، في ظل إدراك ترمب ونتنياهو أن الاستمرار في الحرب لن يكون قابلاً للتحمل. ويشير شاهين إلى أن زيارة صهر ترمب جرايد كوشنير وكبير مستشاريه ستيف ويتكوف إلى إسرائيل تمثل مؤشراً واضحاً على رغبة واشنطن في إخراج إسرائيل من مأزقها بالتنسيق مع طهران لإنهاء الحرب مع الحفاظ على ماء الوجه للجانبين.
ويرى شاهين أن المعطيات الحالية تؤكد فشل الحرب في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وأن استمرارها قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية وجيوسياسية كبيرة، مع إمكانية فرض واقع سياسي جديد في المنطقة يعيد ترتيب الأولويات الأمريكية والإسرائيلية.

محاولة إظهار تفوق أمريكا وإسرائيل ميدانياً

ترى الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول اقتراب نهاية الحرب ترتبط برواية سياسية يسعى من خلالها إلى إظهار تفوق الولايات المتحدة وإسرائيل ميدانياً، خاصة بعد حديثه عن تراجع القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك القدرات البحرية والجوية وشبكات الاتصالات، وهو ما يقدمه كدليل على أن الحرب وصلت إلى مرحلتها الأخيرة بعد تحقيق أهدافها الأساسية.
وتشير حداد إلى أن هذه التصريحات تحمل أيضاً رسالة ضغط مباشرة إلى إيران، مفادها بأن الحسم العسكري الأمريكي الإسرائيلي بات قريباً، مع توجيه ما يشبه التهديد المبطن بأن الوقت قد حان للاستسلام ووقف تدخل طهران في قضايا الشرق الأوسط.

خطاب ذو بعد اقتصادي

وبحسب حداد، فإنه في الوقت نفسه، تشير هذه التصريحات إلى أن الخطاب يحمل بعداً اقتصادياً واضحاً، إذ جاء في ظل ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، مع مخاوف من وصوله إلى 200 دولار في حال استمرار الحرب، وهو ما ينعكس سلباً على المواطن الأمريكي والاقتصاد العالمي عبر ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم.
وتشير حداد إلى أن سعر النفط تراجع بعد هذه التصريحات إلى نحو 88 دولاراً للبرميل، في إشارة إلى تأثير الرسائل السياسية على الأسواق.
وتؤكد حداد أن تصريحات ترمب تحمل رسالة إلى الداخل الأمريكي مفادها بأنه بات قريباً من تحقيق النصر، رغم أن الواقع العسكري لا يشير بوضوح إلى ذلك، خصوصاً في ظل تصريحات تتحدث عن استمرار القتال والسعي للحسم الميداني، مع اعتماد إيران على استراتيجية إدارة الوقت وإطالة أمد الصراع بهدف استنزاف الولايات المتحدة وإسرائيل وحتى دول الجوار.

طمأنة الرأي العام الأمريكي والدولي

وتلفت حداد إلى أن هذه التصريحات تحمل كذلك بعداً نفسياً وإعلامياً يهدف إلى طمأنة الرأي العام الأمريكي والدولي وإظهار أن الصراع تحت السيطرة ولن يتحول إلى حرب إقليمية طويلة.
كما يمكن فهم هذه التصريحات وفق حداد، في إطار الضغط السياسي والتفاوضي، إذ غالباً ما تستخدم القوى الكبرى خطاب "اقتراب نهاية الحرب" لتهيئة الأجواء أمام مفاوضات أو تسويات سياسية محتملة.
ورغم ذلك، تشير حداد إلى أن المعطيات الميدانية والسياسية لا تعطي مؤشرات حاسمة على قرب انتهاء الحرب، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية وتصريحات بعض المسؤولين العسكريين بأن القتال ما زال في بدايته، ما يعكس فجوة بين الخطاب السياسي والتقييم العسكري.
وتشير حداد إلى أن أهداف الحرب نفسها لا تزال غير واضحة بالكامل، فبينما تحدث ترمب عن تحييد البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية، ألمح أيضاً إلى احتمال السعي لتغيير النظام الإيراني، وهو هدف أكبر وأكثر تعقيداً يصعب تحقيقه في حرب قصيرة، لا سيما في ظل تعقيدات الصراعات في الشرق الأوسط وتعدد الأطراف المتدخلة فيها.

كلمات لا تقال عبثاً

يشدد الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله على أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن الحرب "شارفت على نهايتها" يجب قراءتها في سياق الخطاب السياسي الأمريكي، إذ لا تُقال الكلمات عبثاً، وغالباً ما تُستخدم كجزء من المعركة السياسية وليس مجرد وصف للواقع العسكري.
ويشير عبد الله إلى أن عبارة ترمب حول أن العمليات العسكرية "متقدمة جداً على الجدول المتوقع" و"مكتملة إلى حد كبير" لا تعكس نهاية فعلية للحرب، بل تهدف إلى عدة أهداف سياسية واستراتيجية.

سردية النصر قبل انتهاء العمليات العسكرية

ويبين عبد الله أن أولى هذه الدلالات لتصريحات ترمب هي محاولة إعلان نصر مبكر، إذ يسعى البيت الأبيض لصناعة سردية النصر قبل انتهاء العمليات العسكرية فعلياً.
ويشير عبد الله إلى أن ترمب أكد أن القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك البحرية والاتصالات وسلاح الجو، "دُمّرت إلى حد كبير"، لتثبيت صورة تحقيق الهدف العسكري.
ويرى عبد الله أن الخطاب يهدف إلى تهيئة الرأي العام الأمريكي للانسحاب أو تقليص العمليات العسكرية، بما يعكس خبرة تاريخية في استخدام عبارة "الاقتراب من النهاية" كأداة سياسية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة على الإدارة الأمريكية.

رسالة ردع واضحة لإيران

ويشير عبد الله إلى أن تصريحات ترمب تحمل رسالة ردع واضحة لإيران، حيث ربط نهاية الحرب بشروط مثل عدم تعطيل الملاحة النفطية في مضيق هرمز، مهدداً برد "أقسى بكثير" في حال تغير المعادلة.
ويوضح عبد الله أن تصريحات ترمب تحمل بعداً اقتصادياً، إذ انخفضت أسعار النفط مباشرة بعد خطابه، ما يوضح أن الخطاب ليس عسكرياً فقط بل إدارة للرواية الاقتصادية والسياسية للحرب.
وعند مقارنة هذه التصريحات بالواقع الميداني، يؤكد عبد الله وجود تباين كبير: الحرب مستمرة بالضربات المتبادلة والهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وإيران لم تعلن أي استعداد للاستسلام، بينما لا يوجد أي اتفاق سياسي أو هدنة رسمية تشير إلى نهاية الصراع.

خطاب ترمب المتناقض

ويلفت عبد الله إلى أن خطاب ترمب نفسه متناقض، إذ يجمع بين القول بأن الحرب "قريبة من النهاية" وبين التأكيد على أنها لن تنتهي قبل "الهزيمة الحاسمة للعدو"، ما يعكس طبيعة الخطاب السياسي أكثر من وصف دقيق للواقع العسكري.
ويرى عبد الله أن تصريحات ترمب يجب التعامل معها بحذر، إذ هي أداة لإدارة الرواية السياسية والاقتصادية، لتهدئة الأسواق والرأي العام، وإرسال رسائل ردع، وليست مؤشراً حقيقياً على اقتراب نهاية العمليات العسكرية.

رسالة إيرانية بالقدرة على الصمود والمواجهة

يرى الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة، د. عقل صلاح، أن الحرب الحالية على إيران تختلف بشكل واضح عن الصراعات السابقة، بما في ذلك حرب يونيو/حزيران الماضي، التي استمرت 12 يوماً.
ويشير صلاح إلى أن الحرب الحالية أظهرت قدرة إيران على الصمود وتجاوز الصدمة الأولية للضربة الأمريكية الإسرائيلية، التي استهدفت اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين من الصف الأول، وهو ما لم يحقق الهدف المتوقع لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإسرائيل المتمثل في انهيار النظام الإيراني وفوضى داخلية سريعة.
ويبين صلاح أن إيران تمكنت من توجيه ضربات قوية ومدمرة للقواعد الأمريكية في الخليج والوطن العربي، خصوصاً على أنظمة الرادارات، كما استهدفت قلب إسرائيل، بما فيها تل أبيب، مما شكل صدمة سياسية وعسكرية للجانب الإسرائيلي والأمريكي.
ويشير صلاح إلى أن المستوى الشعبي والسياسي في إيران توحد مع النظام ضد التهديد الخارجي، فيما حافظت القيادة العسكرية على انضباطها وقدرتها على الاستمرار، رغم اغتيال القادة، وتم انتخاب مرشد جديد بسرعة، وهو ما يمثل رسالة قوية بأن إيران قادرة على الصمود ومواصلة المواجهة.

تقليص الخسائر الأمريكية والتمهيد للتفاوض

ويؤكد صلاح أن تصريحات ترمب بأن الحرب "شارفت على الانتهاء" تحمل عدة دلالات سياسية واستراتيجية: أولها الدلالة العسكرية، إذ يسعى ترمب إلى تصوير أنه دمر القدرات العسكرية الإيرانية بما في ذلك الأسطول البحري والطيران ومنظومة الاتصالات، وأن القيادة الإيرانية أضعفت.
ويشير صلاح إلى أن هناك دلالة استراتيجية أخرى مبنية على مفهوم "النصر السريع" أو الضربة الخاطفة، وهي محاولة لإنهاء الحرب سريعاً كما حدث في صراعات سابقة لتقليص الخسائر الأمريكية، وتمهيد الميدان للتفاوض وفق شروط أمريكية.

تهدئة الأسواق العالمية

ويلفت صلاح إلى البعد الاقتصادي، إذ تهدف التصريحات إلى تهدئة الأسواق العالمية، خصوصاً أسواق النفط، وإعادة استقرار البورصات، حيث انخفض سعر برميل النفط من 110 دولارات إلى 80 دولاراً بعد تصريح ترمب.
ويشير صلاح إلى التناقض في خطاب ترمب نفسه، الذي يدمج بين القول بأن الحرب شارفت على النهاية والتأكيد على أن النهاية لن تتحقق قبل "الهزيمة الكاملة للعدو"، ما يعكس طبيعة خطاب ترمب المتقلبة الذي يمزج بين التهديد والتطمين النفسي، مع السعي لفرض شروطه على إيران.
 ويرى صلاح أن استمرار الحرب سيعزز موقف إيران العسكري والسياسي، ويقلص قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الحديث عن إنجازات الضربة الأولى، مما يفرض ضرورة التمهيد لوقف الحرب تدريجياً، وفق سياسة "النزول عن الشجرة"، مع الحفاظ على ما يعتبره ترمب إنجازاته السابقة.

ترمب ومواجهة الضغوط الداخلية

توضح الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول اقتراب نهاية الحرب على إيران تعكس في المقام الأول ضغوطاً اقتصادية وتجارية، أكثر من كونها تقييماً ميدانياً للوضع العسكري.
وتشير عودة إلى أن ترمب واجه ضغوطاً متزايدة من الداخل الأمريكي، خصوصاً من شركات النقل والمواصلات التي تأثرت بارتفاع أسعار الوقود والغلاء في خدمات الشحن، مما انعكس سلباً على المواطنين ورجال الأعمال الأمريكيين.
وتلفت عودة إلى أن الحرب أثرت أيضاً على التجارة الدولية بسبب التهديدات الإيرانية لمضيق هرمز، وهو ما دفع ترمب إلى استخدام خطاب تهدئة الأسواق والاقتصاد العالمي، مؤكداً أن الحرب "شارفت على الانتهاء"، بهدف تخفيف التوتر في قطاع النفط وطمأنة شركات الشحن الدولية وأصحاب الشركات الأمريكية، وهو ما ساهم في انخفاض سعر النفط بشكل طفيف عقب تصريحاته.

إعلان نهاية الحرب من جانب واحد ليس ممكناً

ومع ذلك، تؤكد عودة أن الواقع الميداني لا يتطابق مع خطاب ترمب، فالحرب ما زالت في مراحلها الأولى ولم تحقق بعد الهدف المعلن وهو تغيير النظام الإيراني، وقد تستمر حتى نهاية شهر مارس/ آذار الجاري، حتى يتم التوصل لاتفاق بين واشنطن وتل أبيب بشأن إنهاء العمليات بعد الزعم بتدمير معظم الترسانة العسكرية للحرس الثوري والجيش الإيراني.
وتوضح عودة أن إعلان نهاية الحرب من جانب واحد ليس ممكناً، لأن هناك شراكة واضحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه العملية العسكرية، مما يفرض ضرورة التوافق بين الطرفين قبل أي إعلان رسمي.
وتشير عودة إلى أن تصريحات ترمب يجب قراءتها في إطار إدارة الضغوط الاقتصادية والسياسية الدولية وتهدئة الأسواق، وليس كمؤشر حقيقي على انتهاء الصراع العسكري على الأرض، حيث أن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الحرب لا تزال مستمرة وأن نهايتها مرتبطة بتطورات سياسية واستراتيجية لاحقة.

أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب كبيرة ومطالب صغيرة

الحرب بين طهران والأمريكان قائمة ولا حيلة لشعبنا الفلسطيني وقيادته بإحداث تغيير لا في مسارها ولا في الوقوف مع أي طرف فيها، مع التمنيات أن تنتهي اليوم قبل الغد، ولأننا أصحاب قضية وملفات ونحن أصحاب مظلمة عند كل هذا العالم.
فكيف يمكن استثمار ما يجري لأجل فلسطين وشعبها ومن ذلك:
- لماذا لا يتم التحرك لأجل اقامة دولة فلسطين لنزع فتيل الادعاءات العالمية واستخدامها بتوظيف اسم فلسطين في كثير من الأمور بلا انتباه لحقيقة ما يريد الشعب الفلسطيني.  وهنا على المفاوض الفلسطيني وصاحب القرار التعلم من التجربة السابقة ودفع الامور نحو الأفضل وعدم تكرار تجارب كانت سببا في صناعة نظام إلى الخلف در.
- لماذا لا يجري العمل على إدخال المعونات والبيوت الجاهزة الى غزة،  هذا مطلب سياسي واغاثي وانساني.  
- لماذا لا يجري الضغط الكبير على هذا العالم للافراج عن الأسرى خاصة القدماء والاداريين،  وتحسين معيشتهم ووقف تعذيبهم وتقديم الطعام لهم وإنهاء العزل الانفرادي ومنح اهاليهم زيارتهم.
- لماذا لا يجري العمل على رفع الحواجز بين القرى والمدن في الضفة الغربية ومنح السفر عبر معبر الكرامة للناس بكرامة.  
- لماذا لا يجري العمل على وقف استباحة المستوطنين للبلاد شجرها وأرضنا والانسان الفلسطيني.  
- لماذا لا يتم التوجه إلى مصر والأردن والسعودية والإمارات وقطر وكل دولة عربية وشرقية وغربية لها اتصال دبلوماسي مع إسرائيل لممارسة ضغط بهذه الملفات.
إن تحسين الحياة في ظل الاحتلال جزء من صمود شعبنا وليست الحياة الصعبة هي البطولة. فيما اذا كانت خيارا. اما جبرا فشعبنا صامد صابر. إنما صبره وصموده وهو يعيش حياة فيها بعض الوسع والحياة القابلة للعطاء فهو الأفضل والاقدر على الاستمرار.  

اشياء صغيرة في نظر العالم لكنها شرايين الحياة لكل فلسطيني وفلسطينية.  
“في زمن الحرب الكبرى.. فلسطين تطالب بالصغير الذي يصنع لنا الكثير"

أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الأونروا في مرمى التصفية: المعركة على حقوق اللاجئين وحماية حق العودة

تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أخطر أزمة في تاريخها منذ تأسيسها عقب نكبة عام 1948. فالأزمة التي تعصف بالوكالة اليوم لم تعد مجرد عجز مالي عابر أو صعوبات تشغيلية يمكن تجاوزها، بل باتت جزءاً من معركة سياسية أوسع تستهدف دورها ورمزيتها القانونية، بوصفها الشاهد الدولي الحي على استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين وعدم حلّها وفق قرارات الشرعية الدولية.
لقد نشأت الأونروا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 302 لتقديم الإغاثة والخدمات الأساسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين إلى حين إيجاد حل عادل لقضيتهم. ومنذ ذلك الحين أصبحت الوكالة أكثر من مجرد مؤسسة إنسانية، إذ ارتبط وجودها مباشرة بالاعتراف الدولي بقضية اللاجئين وبالحقوق التي أقرتها الشرعية الدولية، وفي مقدمتها الحق في العودة والتعويض كما نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194. ولهذا فإن استهداف الأونروا اليوم لا يمكن فصله عن محاولة المساس بالأساس القانوني والسياسي لقضية اللاجئين نفسها.
إن ما يجري ضد الأونروا يأتي في سياق لحظة فلسطينية شديدة الخطورة، حيث تتعرض القضية الفلسطينية بمجملها لضغوط غير مسبوقة تهدف إلى إعادة صياغتها على نحو يتجاوز الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وفي القلب منها حق العودة. فالهجمة على الوكالة تتزامن مع حرب مدمرة على قطاع غزة، ومع تصاعد السياسات الاستيطانية في الضفة الغربية، ومع محاولات فرض وقائع سياسية جديدة تسعى إلى تصفية جوهر القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية شعب اقتُلع من أرضه إلى مجرد أزمة إنسانية قابلة للإدارة أو الاحتواء.
في هذا السياق، تتخذ الأزمة التي تواجه الأونروا طابعاً مركباً. فمن جهة تعاني الوكالة من عجز مالي خطير نتيجة تقليص أو تجميد مساهمات عدد من الدول المانحة تحت تأثير ضغوط سياسية واضحة، ما يهدد استمرارية خدماتها الحيوية لملايين اللاجئين الذين يعتمدون عليها في التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الغذائية. ومن جهة أخرى، تتصاعد حملات التحريض والتشكيك التي تقودها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بدعم من دوائر سياسية في الولايات المتحدة، في محاولة واضحة لنزع الشرعية عن الوكالة وتقويض ولايتها الأممية.
وقد تجاوزت هذه الحملة حدود الضغط السياسي لتأخذ طابعاً ميدانياً مباشراً، تمثل في إغلاق مقار الأونروا في القدس ومحاولات تعطيل عملها في قطاع غزة، في خطوة تعكس سعياً منظماً لإنهاء دور الوكالة أو استبداله بترتيبات بديلة تُفرغ قضية اللاجئين من مضمونها السياسي والقانوني. فوجود الأونروا بحد ذاته يذكّر العالم بأن قضية اللاجئين لم تُحل بعد، وأن ملايين الفلسطينيين ما زالوا يعيشون في المخيمات بانتظار تنفيذ حقهم في العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها عام 1948.
وتتضاعف خطورة هذه التطورات في ظل الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة نتيجة الحرب المستمرة، حيث أصبحت الأونروا العمود الفقري للعمل الإغاثي والإنساني. ففي الوقت الذي تتزايد فيه احتياجات السكان إلى الغذاء والدواء والمأوى والتعليم، تتعرض الوكالة نفسها لضغوط مالية وإدارية خانقة، انعكست حتى على موظفيها، حيث جرى فصل مئات العاملين وخصم جزء من رواتبهم، الأمر الذي يهدد قدرة الوكالة على الاستمرار في أداء مهامها الأساسية.
إن إضعاف الأونروا أو تقليص دورها لن يكون مجرد إجراء إداري أو مالي، بل سيحمل انعكاسات عميقة على حياة اللاجئين الفلسطينيين ومستقبلهم. فالملايين الذين يعتمدون على خدمات الوكالة قد يجدون أنفسهم فجأة من دون مدارس أو عيادات أو مساعدات غذائية، الأمر الذي يهدد بتفاقم الفقر والبطالة وبتدهور الأوضاع الاجتماعية داخل المخيمات في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.
لكن الأخطر من ذلك أن تقويض دور الأونروا قد يُستخدم مدخلاً سياسياً لمحاولة تجاوز قضية اللاجئين نفسها، عبر طرح بدائل أو صيغ تسعى إلى إنهاء وضع اللجوء من دون معالجة جذوره السياسية والقانونية. فغياب الوكالة أو إضعافها قد يُفسَّر على أنه تراجع في الاعتراف الدولي باللاجئين الفلسطينيين وبحقوقهم التي أقرتها الأمم المتحدة.
لهذا السبب، فإن المعركة الدائرة اليوم حول الأونروا ليست معركة مالية أو إدارية فحسب، بل هي معركة على الذاكرة السياسية والقانونية للقضية الفلسطينية. فالوكالة تمثل، في جوهرها، اعترافاً دولياً مستمراً بأن قضية اللاجئين لم تُحل بعد، وأن المجتمع الدولي ما زال يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه ملايين الفلسطينيين الذين شُردوا من أرضهم.
ومن هنا تبرز أهمية التحرك السياسي والدبلوماسي الواسع لحماية الوكالة وضمان استمرار عملها، بما يشمل حشد الدعم الدولي لتأمين التمويل اللازم لها، والتأكيد على التمسك بولايتها الأممية إلى حين التوصل إلى حل عادل وشامل لقضية اللاجئين وفق المرجعيات الدولية. كما تكتسب الجهود الشعبية والرسمية أهمية خاصة في الدفاع عن الأونروا ورفض أي محاولات لتقليص خدماتها أو استبدالها بآليات بديلة تنتقص من حقوق اللاجئين.
إن الدفاع عن الأونروا هو في جوهره دفاع عن قضية اللاجئين الفلسطينيين وعن حقهم التاريخي والقانوني في العودة إلى ديارهم. فالوكالة ليست مجرد مؤسسة إغاثة، بل هي شاهد أممي على واحدة من أكبر مآسي القرن العشرين التي ما تزال فصولها مفتوحة حتى اليوم. ولذلك فإن الحفاظ على دورها واستمرار عملها يمثلان جزءاً أساسياً من معركة حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية ومنع طمس قضية اللاجئين أو تحويلها إلى مجرد مسألة إنسانية قابلة للتجاوز.
وإلى أن يتحقق الحل العادل القائم على تنفيذ حق العودة، سيبقى وجود الأونروا ضرورة سياسية وقانونية وإنسانية، وشاهداً دولياً على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم ولن تسقط بالتقادم.

أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

رحيل عبد الوهاب دراوشة

لم يكن مجرد نائب منتخب من المجتمع العربي الفلسطيني أبناء مناطق الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة.
كان قائدا سياسيا، حقيقيا وجادا، إنه عبد الوهاب دراوشة ابن قرية إكسال، شمال مرج ابن عامر، المحاذية لجبال الناصرة. بدأ حياته مدرساً، ومن ثم مديراً للمدرسة، ومن ثم مفتشاً للتربية.
انتمى في بداية نشاطه السياسي لحزب العمل الإسرائيلي، متوهماً مثل الكثيرين آنذاك أن حزب العمل مؤسس مشروع الصهيونية على أرض فلسطين، والذي صاغ الوثيقة السياسية الأولى، وهي بمثابة الدستور، أورد فبها أن المشروع الصهيوني "دولة لكل مواطنيها" على خلاف الواقع والممارسة، ولذلك توهم  بعض القادة من الفلسطينيين، أنهم يستطيعون تحقيق متطلبات الحياة الكريمة لشعبهم، فانخرط العديد منهم في صفوف حزب العمل، من أجل متطلبات شعبهم في المساواة، رغم إدراكهم للممارسة العملية ونهج التمييز السائد.
في عام 1984، نجح الدراوشة عن قائمة حزب العمل لعضوية البرلمان- الكنيست، ولكن على إثر الانتفاضة الاولى، وسياسة " تكسير العظام" دفعته للاستقالة من حزب العمل عام 1988، وشكل أول حزب عربي في مناطق 48، مع صديقه ورفيقه ابن النقب المحامي طلب الصانع، ونجحا لعضوية الكنيست عام 1992.
عرفني عليه القائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في غزة، واصطحبني معه إلى  قريته اكسال، وأكرمني بدعوة قيادات المجتمع العربي الفلسطيني على شرف زيارتي، بهدف التعرف المتبادل، ومنها وبعدها توطدت العلاقة الأخوية بيننا، والتعاون من أجل القضية التي نعمل معا لأجلها.
دعوته إلى الأردن مع وفد الحزب الديمقراطي العربي، واستقبلنا الراحل الكريم الملك حسين بالترحاب والتقدير، وبناء على طلب الدراوشة ومبادرته، استجاب الراحل صاحب الأفق وسعة الصدر والانحياز القومي الملك حسين، بفتح أبواب الجامعات الأردنية للطلبة الفلسطينيين من أبناء مناطق 48، وحصل الحزب على منحة ملكية بخمسة عشر مقعداً، وكانت تلك بداية نالت بسببها الأحزاب العربية، من بعده، بمكرمة ملكية مماثلة لكل حزب عربي، بصرف النظر عن فكره ومواقفه: يسارية او قومية او إسلامية، المهم ان يكون في الخندق الوطني ضد الاحتلال.
تخرّج أولاد قيادات المجتمع العربي الفلسطيني من الجامعات الأردنية: عبد الوهاب دراوشة، محمد بركة، أحمد الطيبي، وغيرهم العشرات من رؤساء البلديات ونواب الكنيست.
الذين تخرجوا من الجامعات الأردنية تقريباً عام 2000، أطباء ومهندسون ومحامون ومدرسون يشكلون اليوم بعد 25 سنة، قادة المجتمع العربي الفلسطيني، حيث انعكس ذلك على تعزيز توجهاتهم الوطنية والقومية والاسلامية، وتعميقها وتصليبها.
وهذا الذي جعل أبناء المجتمع العربي الفلسطيني يصوت منهم عام 1992 حوالي 56 % لصالح الاحزاب الصهيونية، والتراجع  نحو آخر انتخابات لم يتجاوز 13%، وهذا التراحع  يعود الفضل فيه أولاً إلى الحزب الشيوعي وجبهته الديمقراطية، وثانيا إلى الحزب الديمقراطي العربي الذي رفع شعاراً منذ تأسيسه: الصوت العربي للحزب العربي.
عام 1996، شكل القائمة الموحدة مع الحركة الإسلامية وقائدها العبقري الراحل عبد الله نمر درويش، ونجحا معا بأربعة مقاعد مناصفة، وسجلا أول تحالف جدي بين الأحزاب العربية، لخوض انتخابات الكنيست، وأصبحت ظاهرة ومطلب المجتمع العربي الفلسطيني.
ولذلك، وعبر هذه المبادرات: 1. تشكيل أول حزب عربي، 2. بناء العلاقة مع الأردن التي شكلت مقدمة نحو العلاقة مع سوريا واليمن وليبيا، وكنت شريكا في تلك الزيارات ومعدّاً لها،3. فتح أبواب الجامعات الاردنية لطلبة مناطق 48، 4. بناء تحالفات انتخابية في مواجهة الاحزاب الصهيونية، سجل عبد الوهاب دراوشة أنه قائد حقيقي وجاد لشعبه، حاملاً مضامين وتطلعات الشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاثة، حاملاً أهدافه المثلثة: 1- المساواة، 2- الاستقلال، 3- العودة.
 رحيل عبد الوهاب دراوشة خسارة لأسرته وشعبه، ولكن الأثر الذي تركه والذي أنجزه، حقق لنفسه ولأسرته ولشعبه الافتخار والاحترام ومسار النضال من أجل مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني رغم الظروف الصعبة القاسية، ورغم ما يتعرض له من مآسٍ ومجازر وبطش من قبل المستعمرة وفريقها الحاكم الأكثر تطرفاً سياسياً ودينياً.



أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

هل تقترب الحرب مع إيران من نهايتها أم من فصل جديد؟


يتزايد في الآونة الأخيرة صدور تصريحات عن مسؤولين ومحللين في الولايات المتحدة وإسرائيل توحي بأن الحرب الدائرة مع إيران قد تقترب من نهايتها أو على الأقل من مرحلة البحث عن مخرج سياسي يوقف التصعيد العسكري المباشر. هذه التصريحات لا تزال متناقضة ومبهمة في كثير من الأحيان، لكنها تشي بأن مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب بدأت تفكر في حدود القوة وفي كلفة الاستمرار في حرب مفتوحة مع دولة بحجم إيران وإمكاناتها الجغرافية والعسكرية والبشرية. ومع ذلك فإن السؤال الأكثر تعقيدا لا يتعلق فقط بإمكانية أن تقرر الولايات المتحدة وإسرائيل إنهاء الحرب أو تخفيف حدتها، بل يتعلق بما إذا كانت إيران ستقبل بذلك أو ستواصل هجماتها الصاروخية على إسرائيل وعلى القواعد والمصالح الأميركية المنتشرة في المنطقة. هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة الصراع وللذاكرة التاريخية والسياسية التي تحكم سلوك الأطراف المتصارعة.
في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية سادت سردية رسمية تقول إن الحرب تسير وفقا لخطة مدروسة وإن إسرائيل تحقق إنجازات استراتيجية كبيرة ضد إيران. غير أن هذه السردية بدأت تتعرض في الآونة الأخيرة لتشكيك متزايد من قبل خبراء عسكريين إسرائيليين ومحللين أمنيين يرون أن الصورة أكثر تعقيدا مما يقدمه الخطاب الرسمي. فقد بدأ بعض هؤلاء الخبراء بطرح رواية مختلفة تشير إلى أن الحرب لا تسير بالسهولة التي يروج لها رئيس الحكومة الإسرائيلية، وأن الحديث عن تحقيق أهداف استراتيجية كبرى قد يكون مبالغا فيه أو سابقا لأوانه. ويرى هؤلاء أن الحرب مع دولة بحجم إيران ليست معركة قصيرة يمكن حسمها بضربات محدودة، بل هي صراع طويل يتطلب موارد هائلة وقدرة على التحمل الاقتصادي والعسكري والنفسي.
هذه القراءة الجديدة داخل إسرائيل تتقاطع مع تصريحات صدرت عن مسؤولين أميركيين تعكس بدورها نوعا من التردد أو إعادة التقييم لمسار الحرب. فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصريح لوسائل إعلام أميركية إنه يعتقد أن الحرب تكاد تكون انتهت، مضيفا أن إيران فقدت الكثير من قدراتها العسكرية وأنها لم تعد تمتلك أسطولا بحريا فعالا أو شبكة اتصالات متماسكة أو قوة جوية قادرة على تغيير موازين الصراع. كما أشار إلى أن الولايات المتحدة متقدمة بفارق كبير عن الجدول الزمني الأصلي للحرب الذي كان يقدر بنحو أربعة إلى خمسة أسابيع. غير أن ترامب نفسه عاد لاحقا ليقول في تصريحات نقلتها شبكة سي بي إس ووسائل إعلام دولية أخرى إن الحرب الإيرانية انتهت إلى حد كبير، وهي صيغة مختلفة تحمل قدرا من الغموض وتوحي بأن الصراع لم ينته تماما بل دخل مرحلة مختلفة.
هذه التناقضات في التصريحات الأميركية دفعت عددا من المحللين إلى الاعتقاد بأن الإدارة الأميركية تحاول تهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لإمكانية الخروج من الحرب بطريقة تحفظ ماء الوجه السياسي. فالحروب الحديثة لا تنتهي دائما بهزيمة واضحة لطرف وانتصار كامل لطرف آخر، بل كثيرا ما تنتهي بإعلان سياسي يفسر الوقائع العسكرية بطريقة تخدم أهداف كل طرف. وفي هذا السياق يرى بعض المحللين أن الولايات المتحدة التي تخوض الحرب فعليا بالنيابة عن إسرائيل قد تسعى إلى إيجاد مخرج تدريجي يوقف النزيف الاقتصادي المتزايد الذي بدأ ينعكس على الاقتصاد الأميركي وعلى الاقتصاد العالمي.
إن استمرار الحرب لفترة طويلة يعني بالضرورة ارتفاعا كبيرا في تكاليف العمليات العسكرية وفي أسعار الطاقة وفي اضطراب حركة التجارة الدولية، وهو ما يشكل ضغطا إضافيا على الاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف بعد من أزمات السنوات الأخيرة. ولهذا فإن جزءا من التصريحات الأميركية قد يكون موجها لإرسال إشارات سياسية تفيد بأن واشنطن لا ترغب في حرب طويلة مفتوحة مع إيران وأنها مستعدة للبحث عن مسار خروج إذا توفرت الظروف المناسبة.
وتعزز هذا الانطباع تصريحات نقلتها صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول إسرائيلي رفيع قال إن من الممكن البحث عن مسار للخروج من الحرب إذا تحقق عدد من الأهداف العسكرية الأساسية. مثل هذه التصريحات توحي بأن تل أبيب بدأت بدورها تفكر في حدود القوة العسكرية وفي صعوبة الاستمرار في مواجهة مفتوحة مع دولة تمتلك قدرات صاروخية واسعة وشبكة حلفاء إقليميين يمكن أن يوسعوا نطاق الصراع في أي لحظة.
لكن التفكير في إنهاء الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لا يعني بالضرورة أن إيران ستتوقف عن الرد العسكري. فإيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بسرعة أو دفعها إلى الاستسلام تحت الضغط العسكري المباشر. على العكس من ذلك تمتلك إيران خبرة طويلة في الحروب الممتدة، وأبرز مثال على ذلك الحرب الطويلة التي خاضتها مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي والتي استمرت ثماني سنوات كاملة. خلال تلك الحرب واجهت إيران ظروفا عسكرية واقتصادية قاسية لكنها تمكنت من الصمود والتكيف مع حرب استنزاف طويلة، وهو ما شكل جزءا أساسيا من الذاكرة الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية الإيرانية.
إلى جانب هذه الخبرة التاريخية تمتلك إيران ميزات جغرافية تجعل من الصعب إخضاعها في حرب قصيرة. فمساحة البلاد الشاسعة وتنوع تضاريسها بين جبال وصحارى وسهول ساحلية يمنحانها عمقا استراتيجيا كبيرا يسمح بتوزيع المنشآت العسكرية وتحصينها في مناطق مختلفة. كما أن هذا التنوع الجغرافي يمنح القوات الإيرانية قدرة أكبر على المناورة وعلى امتصاص الضربات العسكرية دون انهيار سريع للبنية العسكرية للدولة.
ولا تقتصر عوامل الصمود الإيراني على الجغرافيا والخبرة العسكرية فقط، بل تمتد أيضا إلى البعد الثقافي والسياسي داخل المجتمع الإيراني. فمنذ بداية التصعيد العسكري حرصت القيادة الإيرانية على استنهاض الشعور القومي الفارسي الذي يقوم على سردية تاريخية عميقة ترى في إيران حضارة قديمة قاومت عبر قرون طويلة محاولات الغزو الخارجي. هذا الشعور القومي يتداخل مع البعد الديني الشيعي الذي يحمل بدوره ذاكرة تاريخية مشبعة بسرديات الاضطهاد والمعاناة التي تعرض لها الشيعة عبر نحو أربعة عشر قرنا من التاريخ الإسلامي.
إن هذا التداخل بين القومي والديني يمنح الخطاب السياسي الإيراني قدرة كبيرة على تعبئة المجتمع في مواجهة ما يوصف بأنه عدوان خارجي تقوده قوى أجنبية. وفي مثل هذه الظروف يصبح مفهوم الانتقام جزءا من الهوية الجماعية وليس مجرد رد فعل عسكري محدود. فالثأر في المخيال السياسي الإيراني لا يرتبط فقط برد الاعتبار العسكري بل يتصل أيضا بفكرة الكرامة الوطنية والدينية التي يجب الدفاع عنها مهما كانت الكلفة.
ويزداد هذا العامل حساسية إذا كان الصراع قد أدى إلى مقتل شخصية تمثل أعلى رأس في الهرم الروحي والعسكري والسياسي الإيراني. ففي مثل هذه الحالة يصبح مطلب الثأر متجذرا في الوعي الجمعي للمجتمع الإيراني ويصعب على القيادة السياسية تجاهله أو التراجع عنه دون تحقيق شكل من أشكال الرد الذي يعيد التوازن الرمزي والمعنوي. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستقرران وقف الحرب، بل يتعلق أيضا بما إذا كانت إيران ستعتبر أن الرد الذي قامت به حتى الآن كافيا لاستعادة التوازن أم أنها ستواصل ضرباتها الصاروخية لفترة أطول.
في سيناريو محتمل قد تحاول الولايات المتحدة إنهاء الحرب بطريقة أحادية عبر إعلان تحقيق أهدافها العسكرية الأساسية. فقد تشير بعض التحركات العسكرية الأميركية إلى هذا الاتجاه، ومن بينها استدعاء القاذفات الاستراتيجية الضخمة ذات القدرة التدميرية الهائلة إلى ساحة المعركة. مثل هذه القاذفات تستخدم عادة لتوجيه ضربات شديدة القوة ضد منشآت محصنة أو أهداف استراتيجية عالية القيمة. وإذا نجحت الولايات المتحدة في توجيه ضربة قاصمة لما تبقى من الإمكانات النووية الإيرانية فقد تعلن بعد ذلك أنها حققت الهدف الأساسي للحرب.
في هذه الحالة قد يخرج ترامب ليعلن أن النظام الإيراني أصبح ضعيفا وأن الكرة باتت في ملعب الشعب الإيراني الذي يجب أن يقرر مستقبله بنفسه. هذا النوع من الخطاب يتيح لواشنطن إعلان الانتصار سياسيا دون الدخول في مرحلة أكثر خطورة من الصراع قد تتطلب تدخلا بريا أو مواجهة إقليمية واسعة. لكنه في الوقت نفسه لا يضمن أن تقبل إيران بهذه الرواية أو أن تتوقف عن استخدام أدواتها العسكرية للرد على الضربات التي تعرضت لها.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية في هذا الصراع. فالحروب يمكن أن تنتهي بقرار سياسي من طرف واحد، لكن آثارها النفسية والاستراتيجية لا تختفي بسهولة. وإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تبحثان فعلا عن مخرج يوقف الحرب قبل أن تتحول إلى استنزاف طويل، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحا هو ما إذا كانت إيران ستتعامل مع هذا المخرج بوصفه نهاية للصراع أم مجرد محطة في صراع أطول لم يصل بعد إلى نهايته.

فلسطين

الخميس 12 مارس 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس

"الألكسو" تختار الفنان الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026

 رحبت وزارة الثقافة باختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري من قبل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" رمزاً للثقافة العربية للعام 2026 وذلك في إطار الاحتفاء بالدورة الثانية عشرة لليوم العربي للشعر وتكريم رموز الثقافة العربية، استناداً إلى قرارات مؤتمر وزراء الثقافة العرب وآراء أعضاء اللجنة الدائمة للثقافة العربية.
وأكدت وزارة الثقافة أن هذا الاختيار يأتي تتويجاً لمسيرة فنية وثقافية حافلة للفنان الراحل، الذي شكل على مدار عقود أحد أبرز الأصوات الإبداعية الفلسطينية في المسرح والسينما، وأسهم من خلال أعماله الفنية في نقل السردية الفلسطينية إلى العالم، مجسداً قضايا شعبه وهويته الوطنية عبر لغة الفن والإبداع.
وأوضحت الوزارة أن ترشيح الفنان الراحل جاء من قبل وزارة الثقافة، تقديراً لإسهاماته الكبيرة في إثراء المشهد الثقافي والفني العربي، ولدوره الريادي في الدفاع عن الثقافة الفلسطينية وتعزيز حضورها في المحافل العربية والدولية.
وأشارت الوزارة إلى أن هذا التكريم العربي يخلد ذكرى الفنان الراحل، ويعكس المكانة الرفيعة التي يحظى بها المبدع الفلسطيني في الوجدان الثقافي العربي، كما يؤكد أهمية الدور الذي يضطلع به الفنانون والمثقفون في حماية الذاكرة الثقافية وصون السردية الفلسطينية.
كما استحضرت الوزارة محطات بارزة من مسيرة الفنان البكري الراحل، الذي قدم عشرات الأعمال المسرحية والسينمائية المميزة، وكان من أبرزها فيلم "جنين جنين" الذي شكل علامة فارقة في السينما المعاصرة، إلى جانب مشاركاته الفنية المتعددة التي جعلت منه أحد أهم الوجوه الثقافية المؤثرة عربياً ودولياً.
وجددت وزارة الثقافة تهنئتها لدولة فلسطين وللأسرة الثقافية والفنية بهذا التكريم المستحق، مؤكدة أن إرث الفنان الراحل سيبقى جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية الفلسطينية والعربية، ومصدر إلهام للأجيال القادمة من المبدعين.

أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

الشرق الأوسط: صراع مستمر أم توازن دقيق؟


لا يسهل قراءة ما يجري في الشرق الأوسط قراءة مباشرة. فالمشهد الذي تتناوله العناوين الكبرى- توتر، تهديدات، ضربات متبادلة، وتصعيد لغوي يكاد يلامس حافة الحرب- لا يقدّم دائماً الحقيقة كاملة. هذه المنطقة، منذ عقود طويلة، لم تعد مجرد جغرافيا للصراع، بل أصبحت فضاءً معقداً تُدار فيه التوازنات بقدر ما تُخاض فيه المواجهات.
منذ أن تضع حرب أوزارها تشتعل أخرى، وكأن الشرق الأوسط محكوم بدوامة لا تهدأ. المنطقة، التي انطلقت منها رسالات الأنبياء، لم تعرف سكينة حقيقية منذ أكثر من قرن، إذ ظل العالم العربي يعيش شعوراً ثقيلاً بالهزيمة والمهانة، تتولد منه توترات وصراعات وتيارات سياسية وفكرية مختلفة ترفض هذا الواقع وتنازع عليه. غير أن جوهر الصراع يتجاوز الخطابات الدينية أو الأيديولوجية التي تُستدعى أحياناً لتأجيج المشاعر؛ فالمسألة في عمقها صراع على النفوذ والسيادة وإدارة العالم، في منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا الاستراتيجية مع الثروات الطبيعية، فتتحول إلى ساحة تنافس دائم بين القوى الكبرى.
حين يشتد الحديث عن مواجهة كبرى بين قوى إقليمية متنافسة، تبدو الصورة للوهلة الأولى وكأنها تتجه نحو لحظة انفجار. غير أن التمعن في مسار الأحداث يكشف في كثير من الأحيان عن نمط مختلف: صراع يتقدم خطوة ويتراجع خطوة، يتصاعد في الخطاب ثم ينخفض في الفعل، ويظل في النهاية محكوماً بسقف غير معلن من الضبط والاحتواء.
هذا النمط ليس جديداً في تاريخ العلاقات الدولية. فكثير من الصراعات الكبرى لم تكن تسير دائماً نحو الحسم، بل نحو إدارة التوتر. وفي مثل هذه الحالات يتحول الصراع ذاته إلى أداة سياسية؛ أداة تُعيد تشكيل الاصطفافات الداخلية، وتُنتج شرعيات جديدة، وتبرر سياسات أمنية واقتصادية قد يصعب تمريرها في ظروف طبيعية.
على مستوى الخطاب السياسي، يؤدي الإحساس بالخطر الخارجي دوراً معروفاً في توحيد المجتمعات خلف السلطة أو خلف سرديات وطنية كبرى. كما أن الإحساس الدائم بالتهديد يخلق بيئة تسمح بتوسيع الإنفاق العسكري، وتكريس أولويات أمنية طويلة الأمد. وفي المقابل، يتيح هذا المناخ للقوى الدولية أن تعيد تثبيت حضورها الاستراتيجي تحت عناوين الحماية أو الاستقرار أو موازنة القوى.
بهذا المعنى، يصبح التوتر ذاته جزءاً من بنية المشهد السياسي، لا مجرد نتيجة عابرة له. فالتصعيد المحدود، والضربات المحسوبة، والرسائل العسكرية الرمزية، كلها أدوات تُستخدم أحياناً لإدارة المجال السياسي الإقليمي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ولعل ما يجعل هذه المعادلة ممكنة هو إدراك معظم الفاعلين أن الحرب الكبرى في هذه المنطقة ستكون حدثاً مختلفاً تماماً عن كل ما سبقها. فالشرق الأوسط اليوم ليس مجرد مسرح لصراع ثنائي أو إقليمي محدود؛ بل عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها طرق الطاقة، والتجارة العالمية، والتحالفات العسكرية، والتوازنات الدولية.
ومن هنا فإن أي مواجهة واسعة قد تمتد آثارها بسرعة إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وخطوط الملاحة، وربما إلى بنية النظام الدولي نفسه. لهذا السبب تبدو كثير من التحركات العسكرية في المنطقة وكأنها تسير على حافة دقيقة: حافة التصعيد دون الانفجار.
غير أن التركيز على توازنات القوى وحدها قد يحجب سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بطبيعة المكان الذي تُدار فيه هذه التوازنات. فالملاحظة اللافتة في تاريخ المنطقة الحديث هي أن كثيراً من صراعات النفوذ الكبرى تُدار فوق جغرافيتها، بينما تُصاغ معادلاتها النهائية في مراكز أخرى من العالم.
لقد تحولت المنطقة، بدرجات متفاوتة، إلى مساحة اختبار للقوة الاستراتيجية: قوى إقليمية تسعى إلى توسيع مجال نفوذها، قوى أخرى تعمل على تثبيت تفوقها العسكري أو السياسي، وقوى دولية تحرص على إبقاء التوازن ضمن حدود تخدم مصالحها الأوسع.
وفي خضم هذه المعادلات المعقدة، تبدو المجتمعات المحلية - رغم كونها الأكثر تأثراً - أقل حضوراً في عملية صنع القرار الإقليمي. فالصراع غالباً ما يُدار بلغة الأمن والقوة والنفوذ، بينما تبقى الأسئلة المرتبطة بالتنمية والاستقرار الإنساني والهويات الثقافية في مرتبة ثانوية.
غير أن التاريخ يعلّمنا أن الصراعات التي تُدار طويلاً دون معالجة جذورها لا تبقى ثابتة إلى الأبد. فالمعادلات التي تبدو مستقرة قد تختل بفعل تغيرات صغيرة في موازين القوى، أو تحولات داخلية في الدول، أو أخطاء في تقدير ردود الفعل.
وفي مثل هذه اللحظات، قد ينتقل الصراع من طور الإدارة إلى طور الانفجار، ذلك أن التوازنات الدقيقة، مهما بدت محكمة، تبقى في النهاية توازنات مؤقتة. أما التاريخ، فهو أقل صبراً من الحسابات الاستراتيجية الطويلة.
ولهذا يبقى السؤال الحقيقي معلقاً: هل سيظل الشرق الأوسط مجرد ساحة لإدارة الصراعات الدولية، أم سينجح يوماً في التحول إلى فضاء تُصاغ فيه مصالحه، وتوازناته ذاتياً، من داخله لا من الخارج؟


أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

القدس الحزينة


تمشّى صديقي في شوارع القدس قاطعًا مسافةً من الود على قدميه بعد أن ترجل من الحافلة التي أقلّته من بيت لحم، وعندما التقاني في صباح اليوم التالي راح يخبرني عن وجع المدينة وحالها البائس، وما رأت عيناه في الوقت القصير الذي شاهدها فيه. مثل مدينة يتيمة، فارغة شوارعها وأسواقها، ومغلقة مساجدها وكنائسها، وممنوعة عن محيطها بعد أن لفّها جدار الفصل العنصري، والقرارات الأخيرة الرامية إلى جعلها مدينة منسية. مدينة نكبها الأعداء والأصدقاء، متروكة لوحدها تصارع وقتها وزمانها، وتواجه النكبات والأزمات بمفردها.
القدس على غير عادتها في مثل هذا الشهر الفضيل، حيث كانت تزدهر طيلة أيام شهر رمضان، وتزدحم طرقها وأحياؤها وحاراتها بالزائرين والمصلين، وكان ليلها كنهارها مشبعًا بالحياة بوجوه المارة وتزاحم خطى المؤمنين والسائرين من الزائرين، ونداءات القلوب التي تنبض فرحًا كلما جاءت لزيارتها.
القدس هذه الأيام تعيش واقعًا منكوبًا، ويعيش أهل المدينة بين عذابات العزلة وعثرات الحصار والجدار وسياسات التهويد وفرض واقع مختل، لا يشبه طابع المدينة، ولا يشبه ناسها وأهلها وأصحابها.
كان صديقي قد حظي بتصريح لأغراض طبية، ولو لم يحصل عليه لما شاهد القدس هذه الأيام وهي تئن من وجع الوحدة والفراغ، ولما حدثني عن واقع المدينة الصعب الذي رآه في الدقائق القليلة التي استطاع فيها مصافحة المدينة وعناقها.
أن ترى القدس على هذا الحال يعني تجدد النكسة وتتابع النكبة، كما يعني نذير بؤس أكبر من أي شيء آخر، قالها صديقي ومشى تاركًا وراءه هذه الصورة الحزينة لمدينة ما كان لها أن تكون بهذا الحال الذي صارت عليه.
ثم ما أن غادرني الصديق تذكرت بعض الأبيات من قصيدة الشاعر العربي السوري نزار قباني "القدس"، والتي يقول فيها:
يا قدس.. يا مدينتي
يا قدس.. يا حبيبتي
غداً.. غداً.. سيزهر الليمون
وتفرح السنابل الخضراء والزيتون
وتضحك العيون..
وترجع الحمائم المهاجرة..
إلى السقوف الطاهرة
ويرجع الأطفال يلعبون
ويلتقي الآباء والبنون
على رباك الزاهرة..
يا بلدي..
يا بلد السلام والزيتون


أقلام وأراء

الخميس 12 مارس 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

الشرق الأوسط بين صراع القوى ... وسؤال فلسطين الغائب


في خضم التحولات العاصفة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتعدد القراءات لما يجري في المنطقة، وتتباين التفسيرات بين من يرى المشهد من زاوية الصراع الدولي الواسع، وبين من يركز على سياسات القوى الإقليمية ودورها المباشر في تفجير الأزمات. وبين هاتين المقاربتين يتشكل جدل فكري وسياسي يعكس في جوهره محاولة لفهم ما إذا كانت المنطقة تقف أمام مشروع إعادة تشكيل شامل، أم أمام نتيجة طبيعية لتراكم سياسات إقليمية متصارعة. غير أن هذا الجدل، على أهميته، يظل ناقصًا ما لم يُطرح السؤال الأعمق: أين تقف القضية الفلسطينية في خضم هذه التحولات الكبرى؟
تذهب قراءة أولى إلى أن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الصراعات التقليدية، وأن المنطقة قد تكون أمام مرحلة إعادة ترتيب استراتيجي تقودها القوى الكبرى. فالحروب المتصاعدة، والتوترات العسكرية، والتحالفات التي تتبدل بسرعة، كلها مؤشرات على أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة رسم لموازين النفوذ. ووفق هذا المنظور، فإن ما يجري ليس مجرد صراعات منفصلة، بل حلقات ضمن سياق أوسع يسعى إلى صياغة نظام إقليمي جديد، قد يختلف كثيرًا عن النظام الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.
هذه القراءة ترى أن التنافس بين القوى الدولية الكبرى، والبحث عن السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وضمان أمن الطاقة، وإعادة ضبط التوازنات العسكرية، كلها عوامل تدفع باتجاه إعادة تشكيل المشهد الإقليمي. وفي ظل هذا السياق، تصبح بعض الحروب أو الأزمات جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب المجال الجيوسياسي في المنطقة.
في المقابل، تركز قراءة أخرى على أن تفسير كل ما يجري باعتباره مؤامرة دولية كبرى قد يحجب جانبًا مهمًا من الحقيقة، وهو دور السياسات الإقليمية نفسها في إنتاج الأزمات. فالتدخلات المتبادلة بين القوى الإقليمية، والصراعات بالوكالة، وتوظيف الانقسامات الداخلية في عدد من الدول العربية، كلها عوامل أسهمت بشكل مباشر في تعقيد المشهد الإقليمي. كما أن الصراع على النفوذ والزعامة الإقليمية أدى إلى تحويل عدد من الدول إلى ساحات مفتوحة للتنافس والصراع.
ومن هذا المنطلق، فإن كثيرًا من التوترات التي تشهدها المنطقة لا يمكن فهمها فقط من خلال صراع القوى الكبرى، بل ينبغي النظر أيضًا إلى طبيعة السياسات الإقليمية التي سعت خلال العقود الماضية إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري خارج حدودها، ما أدى إلى تراكم الأزمات وإشعال بؤر توتر متعددة.
غير أن هاتين القراءتين، على اختلافهما، لا تستبعد إحداهما الأخرى بالضرورة. فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط يظهر بوضوح أن التفاعلات المحلية والإقليمية كثيرًا ما تداخلت مع حسابات القوى الدولية. فالقوى الكبرى لطالما سعت إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، سواء المرتبطة بالطاقة أو بالممرات البحرية أو بالاعتبارات الأمنية والعسكرية. وفي الوقت نفسه، حاولت القوى الإقليمية توظيف هذه التوازنات الدولية لتعزيز مواقعها وتوسيع نفوذها.
لكن وسط هذا المشهد المعقد، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أين تقف القضية الفلسطينية في خضم هذه التحولات؟
لقد كانت فلسطين تاريخيًا محورًا رئيسيًا في معادلات الشرق الأوسط، ليس فقط بوصفها قضية وطنية لشعب يسعى إلى الحرية والاستقلال، بل أيضًا بوصفها عنصرًا مؤثرًا في استقرار المنطقة أو اضطرابها. ومع ذلك، تبدو القضية الفلسطينية اليوم وكأنها تتعرض لمحاولة تهميش تدريجي تحت ضغط الأزمات الإقليمية والحروب المتلاحقة، في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي فرض وقائع جديدة على الأرض عبر الاستيطان والضم والتوسع والسيطرة على الأراضي.
لقد كشفت السنوات الأخيرة، وخاصة ما شهده قطاع غزة من حروب مدمرة وحصار وتجويع وتهجير، أن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية لا يؤدي فقط إلى استمرار المأساة الإنسانية للشعب الفلسطيني، بل يبقي المنطقة بأسرها رهينة توترات دائمة قابلة للاشتعال في أي لحظة. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي ضمن ملفات الشرق الأوسط، بل هي في جوهرها أحد مفاتيح الاستقرار أو الانفجار في المنطقة.
إن أي مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط أو بناء نظام إقليمي جديد لن يكون قابلًا للحياة ما لم يتضمن معالجة حقيقية للقضية الفلسطينية. فالتجارب السابقة أثبتت أن تجاوز هذه القضية أو محاولة القفز فوقها لا يؤدي إلى إنهائها، بل إلى تعقيدها وتأجيل انفجارها إلى مرحلة لاحقة.
ومن هنا، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بنتائج الحروب الجارية أو بالتوازنات العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، بل سيتحدد أيضًا بمدى القدرة على إنهاء أقدم صراع في المنطقة عبر حل عادل وشامل يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس.
فمن دون ذلك، سيبقى أي نظام إقليمي جديد هشًا ومعرضًا للاهتزاز مع كل جولة توتر جديدة. وسيظل الشرق الأوسط يدور في حلقة مفرغة من الصراعات التي تتغير أشكالها، لكنها تعود في كل مرة إلى الجذر نفسه.
إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف ستنتهي الحروب الدائرة في المنطقة؟ بل أيضًا: أي شرق أوسط يمكن أن يولد من رماد هذه الصراعات، إذا بقيت فلسطين خارج معادلة الحل؟
وفي النهاية، قد تتغير التحالفات، وتتبدل موازين القوى، وتُعاد رسم خرائط النفوذ، لكن حقيقة واحدة ستبقى راسخة في وجدان المنطقة وتاريخها: لا استقرار حقيقي في الشرق الأوسط من دون عدالة لفلسطين.

اسرائيليات

الخميس 12 مارس 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تحركات إسرائيلية لإنشاء قاعدة عسكرية في أرض الصومال لمواجهة الحوثيين

كشفت مصادر دولية عن تحركات إسرائيلية مكثفة لتعزيز الوجود العسكري في منطقة البحر الأحمر، من خلال دراسة إنشاء قاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال. تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في إطار مساعي تل أبيب لمواجهة جماعة الحوثي في اليمن، وتأمين ممرات الملاحة الدولية التي شهدت اضطرابات واسعة نتيجة التصعيد العسكري الأخير في المنطقة.

ووفقاً لتقارير صحفية، فإن الاحتلال الإسرائيلي يخطط لإنشاء هذه المنشأة على ساحل أرض الصومال المطل على خليج عدن، لتكون منطلقاً لعمليات استخباراتية وعسكرية ضد الأهداف المرتبطة بإيران في المنطقة. وقد تعززت هذه التوجهات بعد اعتراف حكومة بنيامين نتنياهو رسمياً بأرض الصومال في ديسمبر الماضي، مما مهد الطريق لتعاون أمني ودبلوماسي غير مسبوق.

وأكد وزير شؤون الرئاسة في أرض الصومال، خضر حسين عبدي، وجود تفاهمات استراتيجية مع الجانب الإسرائيلي تشمل جوانب أمنية متعددة. وأشار عبدي إلى أن مسألة تحويل هذا التعاون إلى قاعدة عسكرية دائمة لم تُحسم بشكل نهائي بعد، لكنها تظل خياراً مطروحاً للدراسة والتحليل الفني في المستقبل القريب.

وتشير المعلومات إلى أن وفداً أمنياً إسرائيلياً أجرى زيارة سرية للإقليم في يونيو الماضي، حيث قام باستطلاع المواقع الساحلية الاستراتيجية لتحديد المكان الأنسب للمنشأة العسكرية. وتركزت الأنظار على منطقة مرتفعة تقع غرب مدينة بربرة، نظراً لقربها الجغرافي من السواحل اليمنية التي لا تبعد سوى 260 كيلومتراً.

وتكتسب مدينة بربرة أهمية خاصة لوجود ميناء حيوي تديره شركة إماراتية، بالإضافة إلى امتلاكها واحداً من أطول مدارج الطائرات في القارة الأفريقية. هذا الموقع الجغرافي يمنح إسرائيل قدرة عالية على مراقبة حركة السفن والتدخل السريع لمواجهة أي تهديدات صاروخية أو هجمات بطائرات مسيرة قد ينفذها الحوثيون.

في غضون ذلك، بدأت ملامح التعاون الأمني تتبلور من خلال تدريبات عسكرية مكثفة، حيث سافر وفد يضم أكثر من عشرة مسؤولين عسكريين من أرض الصومال إلى إسرائيل لتلقي تدريبات متقدمة. كما بدأت تل أبيب في تجهيز مقر دبلوماسي محتمل في العاصمة هرجيسا، مع اتخاذ إجراءات أمنية مشددة تشمل تركيب نوافذ مضادة للانفجارات.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك الإسرائيلي يأتي رداً على تنامي قدرات الحوثيين الذين باتوا يمتلكون مئات الصواريخ القادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة. ومع تراجع نفوذ حلفاء إيران الآخرين في المنطقة، أصبح الحوثيون التحدي الأبرز للأمن البحري الإسرائيلي، مما دفع تل أبيب للبحث عن قواعد انطلاق بديلة وقريبة.

وعلى الصعيد الإقليمي، أثار التقارب الإسرائيلي مع أرض الصومال موجة من القلق والرفض، حيث عبرت 21 دولة عربية وإسلامية عن مخاوفها من تداعيات هذه الخطوة على استقرار القرن الأفريقي. وتخشى هذه الدول من أن يؤدي الوجود العسكري الإسرائيلي إلى تحويل المنطقة إلى ساحة للصراعات الدولية وتصفية الحسابات الإقليمية.

وتبرز تركيا كأحد أبرز المعارضين لهذا التوجه، حيث وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم بأنه خطوة غير قانونية. وتمتلك أنقرة حضوراً قوياً في الصومال من خلال أكبر قاعدة تدريب عسكرية لها في مقديشو، مما يضعها في حالة تنافس مباشر مع النفوذ الإسرائيلي المتصاعد.

من جانبها، تحاول حكومة أرض الصومال استغلال هذا التقارب للحصول على اعتراف دولي أوسع، لا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تعاقدت هرجيسا مع شركات ضغط في واشنطن للتأثير على إدارة الرئيس دونالد ترامب، مستغلة رغبة الأخير في تقليص الوجود العسكري التقليدي والاعتماد على شراكات استراتيجية جديدة.

ويؤكد خبراء أمنيون أن أرض الصومال تمتلك قيمة استراتيجية لا تضاهى في المنطقة، مما يجعلها مطمعاً للقوى الدولية الساعية للسيطرة على مدخل البحر الأحمر. ومع ذلك، فإن هذا الانخراط في المحاور العسكرية يحمل مخاطر جسيمة للإقليم، الذي قد يجد نفسه هدفاً لهجمات من جماعات مسلحة تعارض الوجود الإسرائيلي.

وحذرت تقارير استخباراتية من أن حركة الشباب وتنظيم الدولة في الصومال قد يستهدفان المنشآت الحيوية في الإقليم رداً على التعاون مع تل أبيب. هذا التهديد الأمني يضع سلطات أرض الصومال أمام تحدي الموازنة بين طموحات الاعتراف الدولي وبين الحفاظ على الاستقرار الداخلي في بيئة إقليمية متفجرة.

وفي سياق متصل، أدت التوترات العسكرية في المنطقة إلى اضطرابات اقتصادية شملت ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التأمين على الشحن البحري. ويرى محللون أن السعي الإسرائيلي لتأمين وجود عسكري في خليج عدن يهدف بالأساس إلى حماية مصالحها الاقتصادية وضمان تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز وباب المندب.

ختاماً، يبدو أن منطقة القرن الأفريقي تتجه لتكون مركز ثقل جديد في الصراع الإقليمي بين إسرائيل وحلفاء إيران. وبينما تمضي تل أبيب في تثبيت أقدامها في أرض الصومال، تظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة هذا التحالف الجديد على الصمود أمام الضغوط الدبلوماسية والتهديدات الأمنية المتزايدة.

اسرائيليات

الخميس 12 مارس 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة استنزاف في الشمال: صواريخ حزب الله تلاحق المستوطنين وتعرقل الحياة اليومية

تشير تقديرات قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى أن حزب الله اللبناني يسعى بشكل حثيث لصياغة معادلة ميدانية جديدة على طول خط المواجهة الشمالي. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى دفع سكان المستوطنات الحدودية نحو إخلاء منازلهم مجدداً عبر تكثيف الرشقات الصاروخية الموجهة، مما يحول دون استقرار الحياة اليومية في تلك المناطق الحساسة أمنياً.

وأفادت مصادر إعلامية بأن قيادة المنطقة الشمالية استنتجت من وتيرة المواجهات الأخيرة أن الحزب يعتمد تكتيك الإطلاق المتواصل للنار لخلق حالة من عدم اليقين. وبالتوازي مع ذلك، يحاول الجيش الإسرائيلي استهداف منصات الإطلاق وفرق العمليات في جنوب لبنان، ضمن ما يُعرف بجهود 'مطاردة المنصات'، للحد من القدرات الصاروخية التي تجاوزت 850 صاروخاً منذ بدء التصعيد.

وتؤكد المعطيات الميدانية أن أهداف حزب الله تتوزع على شقين أساسيين؛ الأول يستهدف القوات الإسرائيلية التي تنفذ عمليات برية داخل الأراضي اللبنانية، والثاني يركز على ممارسة ضغط نفسي وعملي على المستوطنين. هذا الضغط يهدف في جوهره إلى تحويل المستوطنات الشمالية إلى مناطق غير قابلة للسكن، مما يضع الحكومة الإسرائيلية أمام مأزق سياسي واجتماعي متزايد.

وعلى الرغم من التصعيد العسكري الواسع، إلا أن أعداد النازحين الجدد لا تزال محدودة نسبياً حتى اللحظة، لكن القلق يسود أوساط رؤساء السلطات المحلية في الشمال. هؤلاء المسؤولون يحذرون من أن استمرار القصف قد يؤدي إلى انهيار الصمود النفسي للسكان، حيث بدأت بعض البلديات بالفعل في وضع خطط طوارئ لاحتمالية المغادرة الجماعية إذا لم يتوقف التهديد.

وتعكس الأرقام المسجلة في الأيام الأخيرة حجم المعاناة التي يعيشها المستوطنون، حيث اضطر سكان مستوطنة 'شلومي' لقضاء نحو 154 دقيقة داخل الملاجئ في يوم واحد. كما سجلت مستوطنات 'المطلة' و'كريات شمونة' و'نهاريا' فترات زمنية طويلة تحت الأرض، مما يعكس شلل الحركة التجارية والتعليمية والاجتماعية في هذه المراكز الحيوية.

وفي بعض المناطق الحدودية، بات من المستحيل عملياً ممارسة أي نشاط خارج الملاجئ بسبب ما يُعرف بـ'وقت الإنذار الصفري'، حيث تسقط الصواريخ فور انطلاق صفارات الإنذار. هذا الواقع جعل من 'الحياة الطبيعية' ضرباً من الخيال، وزاد من حدة الانتقادات الموجهة للجيش الذي لم ينجح بعد في تحييد خطر النيران المباشرة والصواريخ المضادة للدبابات.

وبالتزامن مع النشاط البري الإسرائيلي في جنوب لبنان، لا تزال صفارات الإنذار تدوي في 'كريات شمونة' ومحيطها، وسط تحليق مكثف للطيران المروحي ونشاط مدفعي لا يتوقف. ورغم الهجمات العنيفة التي يشنها الاحتلال على الضاحية الجنوبية ومناطق لبنانية مختلفة، إلا أن القدرة على منع إطلاق النار باتجاه المستوطنات تظل المهمة الأكثر تعقيداً وفشلاً حتى الآن.