بينما كان العالم يترقب مخرجات عقلانية من أطراف اتسمت بالتهور، وجد السكان الذين طالهم القصف أنفسهم مجبرين على التعايش مع الإرهاب كواقع يومي مفروض. إن القدرة البشرية على تحمل الألم والفقر، كما وصفتها الأدبيات العالمية، تحولت في سياق الصراع الحالي إلى أداة لتطبيع الحرب وجعلها أمراً واقعاً لا يمكن الفكاك منه.
تجلت هذه الحالة بوضوح في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث سادت لشهور ضربات متفرقة وخطابات متقلبة ووعود بنهاية وشيكة للأعمال العدائية لم تتحقق. وقد أدت هذه الأزمة السياسية الحادة إلى معاناة إنسانية واضطرابات اقتصادية عميقة مست حياة الشعوب في المنطقة بشكل مباشر وغير مسبوق.
رغم إعلان دونالد ترامب عن 'تسوية كبرى' لإنهاء الحرب، إلا أن الأيام التي سبقت هذا الإعلان شهدت تصعيداً خطيراً شمل أوامر بضربات على العمق الإيراني. كما برزت رغبة واشنطن في السيطرة على جزيرة خارك الاستراتيجية، التي تعد الشريان الرئيسي لتصدير 90% من النفط الخام الإيراني، مما عكس حجم التهديد الاقتصادي.
استجابت الأسواق العالمية بتقلبات حادة لإعلان الاتفاق، لكن الشارع العام استقبل الوعود بفتور نتيجة تكرارها عشرات المرات دون أثر ملموس على الأرض. فقد كان ترامب يطالب الجميع بالهدوء بدعوى قرب انتهاء الحرب، في وقت كانت فيه الصواريخ والطائرات المسيرة تعيد رسم خارطة الألم في المنطقة.
امتدت آثار الصراع لتطال دولاً عربية اعتبرتها طهران حلفاء أو وكلاء لواشنطن، حيث تعرضت الأردن والكويت والبحرين لقصف إيراني عقب انهيار تفاهمات سابقة. ولم تكن الإمارات والسعودية وقطر بمعزل عن هذا الاستهداف الذي طال البنية التحتية للطاقة وأودى بحياة مدنيين، مما حطم شعوراً بالأمان سيستغرق ترميمه سنوات.
على الصعيد الاقتصادي، تسببت الحرب في نقص حاد بإمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمي بنسبة وصلت إلى 17% بسبب تأثر المنشآت القطرية. كما أدى استخدام مضيق هرمز كسلاح في الحرب إلى دفع السعودية لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، وتوجيه استثمارات ضخمة نحو بناء موانئ بديلة ومراكز بيانات لضمان الاستدامة.
في دبي، عاش قطاع الطيران والتجارة تحت ضغوط هائلة مع استمرار تعليق الرحلات الجوية الدولية وتوقعات بانكماش اقتصادي حاد. هذه التبعات المادية، وإن كانت قابلة للقياس، إلا أنها لا تعكس حجم الزعزعة النفسية والاجتماعية التي أصابت الملايين ممن ارتبطت حياتهم المهنية والشخصية باستقرار المنطقة.
البشر يتحملون الكثير من القتل، لكن الجانب المظلم لهذا الصمود هو مدى قدرة الأنظمة على تطبيع الإرهاب كجزء من الحياة اليومية.
يرى مراقبون أن الشراكة بين ترامب وبنيامين نتنياهو كانت المحرك الأساسي لهذه التحولات السريعة والعدائية، حيث سعى الطرفان لتحقيق أجندات خاصة دون اعتبار للعواقب. هذا التنسيق أدى إلى إعادة تعريف مفهوم الحرب نفسه، حيث تستمر عمليات القتل والتهجير حتى في ظل ما يسمى بـ 'وقف إطلاق النار'.
في قطاع غزة، تظهر الأرقام فظاعة الواقع، حيث سقط نحو ألف شهيد منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، مما يؤكد زيف التهدئة. أما في لبنان، فقد تواصلت الغارات الإسرائيلية منذ أبريل، مما أسفر عن استشهاد المئات ونزوح نحو مليون شخص من منازلهم، خاصة في بيروت والجنوب.
تشير الإحصائيات إلى أن ثلث ضحايا التصعيد الأخير في لبنان هم من الأطفال، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية تجاه 'هدن' لا توفر الحماية. وقد ظهر قاموس سياسي جديد يصف هذه الاتفاقيات بأنها 'هشة' أو 'تخضع للاختبار'، بينما تستمر الطائرات المسيرة في حصد الأرواح.
تظل القضايا الشائكة مثل تخصيب اليورانيوم الإيراني والبرنامج الصاروخي وإدارة مضيق هرمز عقبات كبرى أمام أي سلام حقيقي ومستدام. إن غياب اليقين في هذه العملية يجعلها أشبه بلعبة شطرنج دموية، حيث يتم تبادل التهديدات بالانسحاب من المحادثات فور وقوع أي تصعيد ميداني جديد.
على الأرض، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على نحو 20% من الأراضي اللبنانية، وسط مؤشرات على رغبة نتنياهو في استغلال الوضع لفرض واقع جديد. ويبدو أن رئيس وزراء الاحتلال يميل لتحدي الإدارة الأمريكية عبر شن هجمات أحادية تهدف لتقويض أي استقرار قد ينتج عن اتفاق مع طهران.
إن إطالة أمد الحرب خلقت أجندات معقدة يصعب تفكيكها أو العودة بالمنطقة إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الصراع الحالي. فبينما يعد ترامب بالسلام، يواصل التهديد بتدمير البنية التحتية الإيرانية بالكامل، مما يكشف عن حالة من التخبط في إدارة الأزمة الإقليمية الأكثر خطورة في التاريخ المعاصر.
في نهاية المطاف، لن يحل توقيع الاتفاقيات الأزمات المتراكمة في لبنان وغزة والخليج بين عشية وضحاها، فالجروح لا تزال مفتوحة والنازحون لم يجدوا طريق العودة. سيبقى التوازن المستحيل بين واشنطن وطهران وتل أبيب يحكم مصير الدول العربية، في واقع يثبت أن البشر، للأسف، يتحملون الكثير من القتل.





شارك برأيك
ما وراء 'التسوية الكبرى': كيف أعادت الحرب صياغة واقع الشرق الأوسط؟