عربي ودولي

الجمعة 27 مارس 2026 7:28 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة صواريخ تلوح في الأفق.. استنزاف مخزون 'توماهوك' الأمريكي خلال الحرب على إيران

تصاعدت حدة القلق داخل أروقة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) نتيجة الاستهلاك الكثيف وغير المسبوق لصواريخ 'توماهوك' الجوالة خلال العمليات العسكرية الجارية ضد إيران. وأفادت مصادر مطلعة بأن الأسابيع الأربعة الأولى من المواجهة شهدت إطلاق ما يزيد عن 850 صاروخاً، مما وضع ضغوطاً هائلة على الاحتياطيات الاستراتيجية لهذا السلاح الحيوي.

تعتبر صواريخ 'توماهوك' العمود الفقري للقدرات الهجومية البحرية الأمريكية منذ عقود، حيث تمنح السفن والغواصات قدرة على ضرب أهداف بدقة عالية من مسافات تتجاوز ألف ميل. هذا الاعتماد المفرط يهدف بالأساس إلى تحييد الدفاعات الجوية وتقليل المخاطر التي قد يتعرض لها الطيارون الأمريكيون في الأجواء المعادية.

أشارت مصادر مسؤولة إلى أن استمرار وتيرة الاستخدام الحالية سيجبر القيادة العسكرية على فتح نقاشات عاجلة وحساسة بشأن إعادة توزيع المخزون العالمي. وقد يتضمن ذلك نقل تعزيزات صاروخية من مناطق استراتيجية أخرى، مثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لتغطية العجز المتزايد في جبهة الشرق الأوسط.

تواجه واشنطن معضلة حقيقية في تعويض ما تم فقده، حيث تُنتج هذه الصواريخ بكميات محدودة سنوياً لا تتجاوز بضع مئات في أفضل الظروف. وتؤكد البيانات أن عملية تصنيع الصاروخ الواحد تستغرق نحو عامين، مما يجعل الاستجابة السريعة لمتطلبات الحرب أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد.

بالرغم من التحديات اللوجستية، يرفض البنتاغون الإفصاح عن الأرقام الدقيقة للمخزون المتبقي، معتبراً أن هذه المعلومات تمس بالأمن القومي. وصرح المتحدث باسم الوزارة، شون بارنيل، بأن الجيش يمتلك القدرات الكافية لتنفيذ المهام التي يوكلها الرئيس، منتقداً ما وصفه بتركيز الإعلام على تصوير القوة العسكرية الأمريكية بمظهر الضعف.

تعد التكلفة المالية عائقاً إضافياً، إذ تصل تكلفة النسخة الأحدث من 'توماهوك' إلى نحو 3.6 مليون دولار للوحدة الواحدة. وبالنظر إلى ميزانية الدفاع للعام الماضي، يظهر التباين الواضح بين الاستهلاك والإنتاج، حيث لم يتم شراء سوى 57 صاروخاً فقط، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بما أُطلق في شهر واحد.

تكنولوجيا 'توماهوك' التي تطورت بشكل كبير منذ عام 2004، تتيح للقادة التحكم بالمسار عبر الأقمار الصناعية وتغيير الأهداف أثناء التحليق. كما توفر الكاميرات المدمجة في الصواريخ بيانات فورية عن حجم الدمار في المواقع المستهدفة، مما يساعد في تقييم نتائج الضربات الجوية بدقة متناهية.

في سياق العمليات الميدانية التي أطلقت عليها إدارة ترمب اسم 'الغضب الملحمي'، برزت تقارير عن وقوع ضحايا مدنيين جراء الضربات الصاروخية. وأكدت مصادر أن أحد الصواريخ سقط بالقرب من منشأة تعليمية في مدينة ميناب الإيرانية، مما تسبب في وقوع ضحايا بين الأطفال، وهو ما دفع واشنطن لفتح تحقيق رسمي في الحادثة.

من جانبه، أوضح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أن الاستراتيجية العسكرية ركزت في بدايتها على تدمير منظومات الدفاع الجوي الإيرانية بشكل مبكر. هذا التكتيك سمح لاحقاً للطائرات الحربية بالتحليق بحرية أكبر واستخدام أنواع أخرى من الذخائر المتوفرة بكثرة، لتقليل الضغط على صواريخ كروز الاستراتيجية.

لم يقتصر الاستنزاف على الأسلحة الهجومية فحسب، بل امتد ليشمل منظومات الدفاع الجوي الاعتراضية مثل 'باتريوت' و'ثاد'. فقد أطلقت القوات الأمريكية أكثر من ألف صاروخ اعتراضي للتصدي للهجمات الإيرانية، مما يضع أعباءً إضافية على سلاسل التوريد العسكرية التي تعاني أصلاً من بطء الإنتاج.

يرى مراقبون عسكريون أن الوضع الراهن يعكس فجوة بين الطموحات الاستراتيجية والقدرات الإنتاجية للمصانع الحربية الأمريكية. فالمخزون الذي تم بناؤه على مدار سنوات يتآكل بسرعة فائقة، مما يثير تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على خوض صراعات طويلة الأمد في جبهات متعددة في آن واحد.

اتخذت البحرية الأمريكية إجراءات استثنائية لضمان استمرارية العمليات، شملت تسريع بعض عقود الصيانة وإعادة تدوير القطع القديمة. ومع ذلك، تبقى هذه الحلول مؤقتة ولا تعالج جوهر الأزمة المتمثل في الحاجة إلى خطوط إنتاج قادرة على مواكبة وتيرة الحروب الحديثة عالية الكثافة.

ختاماً، تضع هذه الأزمة صانع القرار في واشنطن أمام خيارات صعبة بين الاستمرار في التصعيد العسكري أو البحث عن مسارات دبلوماسية لتجنب نفاد الترسانة. إن التوازن بين الحفاظ على الردع العالمي وتلبية احتياجات الحرب الحالية بات يمثل التحدي الأكبر للقيادة العسكرية الأمريكية في الوقت الراهن.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 6:57 مساءً - بتوقيت القدس

سارة نتنياهو تشتكي 'معاناة' أبنائها في واشنطن وتتجاهل مأساة أطفال غزة

أثارت سارة نتنياهو، زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي، موجة من الانتقادات بعد ظهورها في قمة دولية بالعاصمة الأمريكية واشنطن، وهي تشتكي مما وصفته بـ 'المعاناة' التي يواجهها أبناؤها. وقد ركزت في حديثها على ما يتعرضون له من إهانات، متجاهلةً بشكل كامل المأساة الإنسانية التي يعيشها آلاف الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.

جاءت هذه التصريحات خلال كلمة ألقتها في قمة استضافتها السيدة الأمريكية الأولى ميلانيا ترامب، والتي خصصت لمناقشة سبل تمكين الأطفال من خلال التعليم. وبدلاً من التطرق للأوضاع الكارثية والتحذيرات الدولية المتصاعدة بشأن حقوق الطفل في الأراضي المحتلة، اختارت نتنياهو التركيز على التحديات الشخصية التي تواجه عائلتها في ظل الواقع السياسي المتغير.

وقالت سارة نتنياهو في كلمتها إن أبناءها تعرضوا للعنف اللفظي والإهانة لمجرد كونهم أبناء رئيس الحكومة، مشيرة إلى أن تربية الأبناء في هذا المناخ جعلتها تدرك سرعة تغير الواقع وتحدياته. وشددت على ضرورة إدانة كافة أشكال الهجمات الشخصية التي تستهدف الأطفال، سواء كانت تلك الهجمات مباشرة أو عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وفي محاولة لتعزيز موقفها، زعمت زوجة نتنياهو أنها تمارس مهنة الأخصائية النفسية للأطفال في مدينة القدس المحتلة منذ أكثر من عشرين عاماً. وادعت أنها تلتقي بشكل مستمر بالأطفال والمراهقين الذين يعانون من القلق والتوتر، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، مؤكدة أنها تستمع لمخاوفهم وصمتهم وأحلامهم يومياً.

وتابعت نتنياهو حديثها بالقول إنها تشعر بآلام هؤلاء الأطفال وقوتهم في آن واحد، معتبرة أن صفتها كأم تجعلها تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق القيادات النسائية. ودعت إلى تعزيز الروابط بين الدول والاستثمار في الأطفال كأفضل وسيلة لبناء مستقبل أقوى، وهو ما اعتبره مراقبون تناقضاً صارخاً مع السياسات التي تنتهجها حكومة زوجها تجاه أطفال فلسطين.

ويرى محللون أن حديث سارة نتنياهو عن 'معاناة' أبنائها يتناقض مع الواقع الميداني، حيث يواجه نجلها الأكبر يائير (34 عاماً) انتقادات حادة داخل المجتمع الإسرائيلي. ويُعرف يائير بنشاطه المثير للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث دخل في صدامات عديدة مع شخصيات عامة ومعارضين، مما أدى إلى رفع دعاوى قضائية ضده في عدة مناسبات.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تشير فيه التقارير الدولية إلى تدهور غير مسبوق في الحالة النفسية والجسدية لأطفال غزة نتيجة القصف المستمر والحصار. وقد أفادت مصادر حقوقية بأن تجاهل هذه الحقائق في محفل دولي يعكس انفصالاً عن الواقع الإنساني المرير الذي تسببت فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في القطاع والضفة.

ختاماً، حاولت سارة نتنياهو تصوير عائلتها في ثوب الضحية أمام المجتمع الدولي، مستغلةً منصة القمة في واشنطن لتسويق رواية شخصية. ورغم محاولاتها إظهار التعاطف مع الأطفال من خلال مهنتها المزعومة، إلا أن غياب أي إشارة للضحايا من الأطفال الفلسطينيين وضع كلمتها في إطار الدعاية السياسية البعيدة عن المعايير الإنسانية الشاملة.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 6:57 مساءً - بتوقيت القدس

بزي سجان وفي وقت متأخر.. تفاصيل جولة بن غفير التنكرية داخل سجون الاحتلال

ضجت الأوساط الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي بمجموعة من الصور والمقاطع المصورة التي تظهر وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، المتطرف إيتمار بن غفير، وهو يجري جولة ميدانية 'تنكرية' داخل أحد السجون. وظهر بن غفير في اللقطات المسربة وهو يرتدي الزي الرسمي لمصلحة السجون، متخفياً بين الحراس في ساعة متأخرة من الليل، في خطوة وصفت بالاستفزازية وغير المسبوقة من مسؤول حكومي بهذا المستوى.

وأفادت مصادر بأن هذه التحركات تهدف بشكل أساسي إلى إجراء فحص مفاجئ للتأكد من تنفيذ الإجراءات التعسفية التي أقرها بن غفير ضد الأسرى منذ توليه منصبه. ويسعى الوزير المتطرف من خلال هذه الجولة إلى التحقق من عدم وجود أي تسهيلات أو ما يصفه بـ 'الرفاهية' داخل الزنازين، وذلك عبر مراقبة ظروف الاحتجاز بشكل مباشر ودون إبلاغ مسبق لإدارة السجن بتوقيت الزيارة.

وأثارت هذه الخطوة موجة واسعة من السخرية والانتقادات حتى داخل مجتمع الاحتلال نفسه، حيث اعتبرها معارضون سياسيون مجرد 'حركات بهلوانية' تهدف إلى كسب شعبية رخيصة لدى تيار اليمين المتطرف. ورأى منتقدوه أن تقمص دور السجان لا يليق بوزير مسؤول، ويعكس حالة من التخبط في إدارة الملفات الأمنية الحساسة واللجوء إلى الاستعراض الإعلامي بدلاً من السياسات الرصينة.

وعلى الصعيد الحقوقي، حذر مراقبون من التبعات الخطيرة لتواجد بن غفير الشخصي داخل غرف الأسرى وزنازينهم، مؤكدين أن مثل هذه التصرفات قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع داخل السجون في أي لحظة. وأشار الحقوقيون إلى أن استخدام زي السجانين لأغراض سياسية ودعائية يمثل انحداراً في التعامل مع ملف الأسرى، ويزيد من حالة الاحتقان والمواجهة المباشرة مع المعتقلين.

وتأتي هذه الجولة في سياق سلسلة من التضييقات التي يقودها بن غفير ضد الأسرى الفلسطينيين، والتي شملت تقليص كميات المياه والطعام وإلغاء الزيارات ومنع الكانتين. وتؤكد هذه الممارسات إصرار الوزير المتطرف على تحويل السجون إلى أدوات للضغط السياسي والتنكيل الممنهج، وسط صمت دولي تجاه الانتهاكات المستمرة لاتفاقيات جنيف المتعلقة بمعاملة الأسرى.

تحليل

الجمعة 27 مارس 2026 6:38 مساءً - بتوقيت القدس

فانس وبخ نتنياهو ويعيد ضبط التوقعات الإسرائيلية بشأن إيران

رسالة واشنطن


واشنطن - سعيد عريقات - 27/3/2026

أفاد موقع "أكسيوس" بأن مكالمة هاتفية وُصفت بالمتوترة جرت هذا الأسبوع بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في لحظة حساسة من تطورات الحرب المرتبطة بإيران. وبحسب التقرير، لم تكن المكالمة بروتوكولية أو عابرة، بل حملت نبرة توبيخ واضحة من جانب فانس، الذي عبّر عن استيائه من التقديرات التي قدّمها نتنياهو بشأن مسار الحرب وإمكاناتها. وتركّزت الانتقادات تحديداً على ما اعتبره الجانب الأميركي مبالغة في تصوير فرص تحقيق اختراق استراتيجي سريع، بما في ذلك الحديث عن إمكانية تغيير النظام في إيران، وهو طرح بدا، وفق التقييم الأميركي، أقرب إلى الرغبة السياسية منه إلى القراءة الواقعية لمعطيات الميدان.

ويشير التقرير إلى أن نتنياهو، قبل اندلاع المواجهة، قدّم تصورات للرئيس الأميركي دونالد ترمب توحي بإمكانية تحقيق أهداف واسعة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، مستنداً إلى تقدير مفاده أن الضغوط العسكرية قد تُفضي إلى نتائج سياسية داخل إيران. غير أن هذه الرؤية، وفق ما نقل عن مسؤولين أميركيين، لم تحظَ بإجماع داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، حيث تبنّى فانس موقفاً أكثر حذراً، ينطلق من خبرة سياسية ترى أن إسقاط الأنظمة أو تغييرها عبر الضغط الخارجي غالباً ما يكون مساراً معقداً ومكلفاً وغير مضمون النتائج. ومن هنا، جاءت ملاحظاته لنتنياهو بوصفها محاولة لإعادة ضبط سقف التوقعات، وليس فقط تسجيل موقف اعتراضي.

وفي موازاة ذلك، يلعب فانس دوراً متقدماً في المسار التفاوضي المرتبط بوقف إطلاق النار، إلى جانب عدد من المسؤولين الأميركيين المعنيين، ما يمنحه ثقلاً إضافياً في تحديد اتجاه السياسة الأميركية. ويُنظر إلى فانس، منذ فترة، على أنه من الأصوات التي تعارض الانخراط في حروب خارجية مفتوحة، وهو ما ينعكس على مقاربته للملف الإيراني، حيث يفضّل الجمع بين الضغط والاحتواء، بدلاً من الذهاب نحو رهانات كبرى قد يصعب التحكم بمآلاتها. هذا التباين في الرؤى بينه وبين نتنياهو لا يعكس فقط اختلافاً شخصياً، بل يكشف عن تباين أعمق في تقدير طبيعة الصراع وحدوده.

التقرير يذهب أبعد من ذلك، إذ ينقل عن مسؤول أميركي اتهامات لإسرائيل بمحاولة تقويض مكانة فانس داخل المشهد السياسي والإعلامي، عبر تسريب روايات تفيد بأن إيران تفضّله كمحاور أكثر مرونة واستعداداً للتوصل إلى اتفاق. ورغم أن الموقع يشير بوضوح إلى غياب أدلة قاطعة تثبت وجود مثل هذه الحملة، فإن مجرد تداول هذا الاتهام يعكس مستوى من التوتر والشكوك داخل العلاقة الثنائية. كما يسلّط الضوء على حساسية موقع فانس، الذي يجد نفسه في قلب توازن دقيق بين كونه مفاوضاً رئيسياً، وكونه أيضاً عرضة للتجاذبات السياسية والإعلامية.

وفي هذا السياق، نقل التقرير عن مسؤول أميركي رفيع قوله إن فانس قد يكون الخيار الأكثر واقعية للتوصل إلى اتفاق مع إيران، بل ذهب إلى حد القول إن فشل التوصل إلى اتفاق عبره قد يعني غياب أي فرصة لاتفاق من الأساس. هذه العبارة، على ما تحمله من دلالة دعم، تعكس أيضاً حجم الرهان الموضوع على شخصية واحدة في إدارة ملف بالغ التعقيد، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، وتتقاطع الضغوط السياسية مع الاعتبارات الأمنية.

وفي قراءة أوسع لهذه المعطيات، تبدو الواقعة كاشفة عن فجوة بنيوية في الرؤية الإستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، تتجاوز الخلاف التكتيكي إلى مستوى تعريف الأهداف نفسها. فبينما يميل نتنياهو إلى تبنّي خطاب يقوم على فرضية إمكانية إعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر القوة، يعكس فانس توجهاً أميركياً أكثر حذراً، يتعامل مع الصراع بوصفه شبكة معقدة من التفاعلات لا يمكن حسمها بضربة واحدة. هذا التباين يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً حول حدود القوة العسكرية، ودورها في تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى.

كما أن الاتهامات المتعلقة بمحاولة تقويض مكانة فانس تضيف بعداً آخر للتوتر، يرتبط بإدارة النفوذ داخل واشنطن بقدر ما يرتبط بالعلاقة مع إسرائيل. فطرح فكرة وجود "عملية" إعلامية أو سياسية تستهدف نائب الرئيس يشير إلى تصاعد الشكوك بين الحلفاء، وربما إلى اختلاف في الرهانات على من يقود المرحلة المقبلة. وفي الوقت ذاته، لا يمكن استبعاد أن تكون هذه السرديات جزءاً من صراع داخلي أميركي، يُستخدم فيه الملف الإيراني لتعزيز مواقع سياسية متنافسة داخل الإدارة.

في المحصلة، يبرز فانس كشخصية محورية في لحظة تتسم بقدر عالٍ من الحرج الإستراتيجي، حيث لم تتبلور بعد ملامح نهاية الصراع ولا شكل التسوية المحتملة. غير أن تقديمه كـ"الخيار الأفضل" يحمل في طياته تحدياً مزدوجاً: فمن جهة، يرفع سقف التوقعات من أدائه، ومن جهة أخرى يعرّضه لانتقادات داخلية قد تتهمه بتقديم تنازلات. وبين هذين الحدّين، سيكون على فانس أن يوازن بين الواقعية السياسية ومتطلبات الصلابة، في بيئة شديدة التعقيد والتقلب.

أحدث الأخبار

الجمعة 27 مارس 2026 6:27 مساءً - بتوقيت القدس

الهلال الأحمر الإيراني: تضرر أكثر من 92 ألف وحدة مدنية في الهجمات الأخيرة

أعلن رئيس جمعية الهلال الأحمر الإيراني، بير حسين كوليفاند، عن إحصائيات صادمة لحجم الدمار الذي لحق بالبنى التحتية المدنية في البلاد، جراء الهجمات الجوية الأخيرة التي نفذتها القوات الإسرائيلية والأمريكية. وأكد كوليفاند في مؤتمر صحفي أن هذه الاعتداءات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، نظراً لتركيزها المتعمد على الأعيان المدنية والمناطق المأهولة بالسكان.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الجمعية، فقد بلغ إجمالي الوحدات المدنية المتضررة نحو 92,662 وحدة، شملت دماراً واسعاً في 71,256 وحدة سكنية، بالإضافة إلى تضرر 20,392 منشأة تجارية. وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الغارات، مما أدى إلى تشريد آلاف العائلات وفقدان مصادر الرزق للعديد من المواطنين.

ولم تقتصر الأضرار على المباني السكنية، بل طالت بشكل مباشر القطاعات الخدمية الحيوية، حيث تم إحصاء تضرر 290 منشأة صحية و600 مدرسة، من بينها مدرسة 'ميناب' التي تعرضت لإصابات بليغة. كما كشف التقرير عن استهداف 17 موقعاً تابعاً للهلال الأحمر الإيراني، وهو ما يعد خرقاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تمنح الحماية لفرق الإغاثة.

من جانبها، أوضحت نائبة الشؤون الدولية والإنسانية في الجمعية، راضية عاليشوندي أن فرقاً قانونية وفنية مختصة بدأت عملية توثيق يومية وشاملة لكافة هذه الانتهاكات. وتهدف هذه الخطوة إلى إعداد ملفات قانونية متكاملة لتقديمها إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمحكمة الجنائية الدولية، سعياً لمحاسبة المسؤولين عن انتهاك اتفاقيات جنيف.

وشددت عاليشوندي على أن استهداف مراكز الرعاية الصحية والإغاثة يمثل ضربة للقانون الإنساني الدولي، مشيرة إلى أن تعمد ضرب البنى التحتية الحيوية يهدف إلى مفاقمة المعاناة الإنسانية. وأكدت أن إيران لن تتنازل عن حقها في ملاحقة المعتدين أمام المحافل القضائية الدولية لضمان عدم الإفلات من العقاب.

ميدانياً، أفادت مصادر إعلامية في طهران بأن غارة جوية عنيفة استهدفت فجر اليوم حياً سكنياً في المنطقة الجنوبية من العاصمة، مما أدى إلى انهيار عدد من المباني فوق رؤوس ساكنيها. ووقعت الغارة في حدود الساعة الرابعة والنصف فجراً، مما تسبب في حالة من الذعر الشديد بين السكان الذين هرعوا إلى الشوارع وسط دمار هائل.

ولا تزال فرق الإنقاذ والدفاع المدني تعمل بجهود حثيثة لرفع الأنقاض والبحث عن ناجين محتملين تحت الركام، حيث أكد شهود عيان أن المنطقة المستهدفة ذات طابع سكني خالص ولا تحتوي على أي مقار عسكرية. وأشارت المصادر إلى أن الحي يضم خليطاً من المواطنين والعمال الأجانب، لا سيما من الجالية الأفغانية، الذين سقط عدد منهم بين قتيل وجريح.

وفي سياق متصل، أصدر الحرس الثوري الإيراني تحذيراً شديد اللهجة من مغبة الاستمرار في استهداف المناطق المدنية والمنشآت الحيوية في البلاد. ودعا الحرس الثوري شعوب المنطقة إلى توخي الحذر والابتعاد عن المواقع التي تتمركز فيها القوات الأمريكية، في إشارة واضحة إلى احتمالية اتساع رقعة المواجهة رداً على هذه الاعتداءات.

عربي ودولي

الجمعة 27 مارس 2026 6:27 مساءً - بتوقيت القدس

تصدع في جدار التحالف: انتقادات إماراتية حادة لموقف القاهرة من المواجهة مع إيران

كشفت السجالات الإعلامية الأخيرة بين شخصيات نافذة في أبوظبي والقاهرة عن شرخ عميق في العلاقات الاستراتيجية التي ربطت البلدين لسنوات طويلة. ورغم الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات في منتصف مارس الجاري، إلا أن لغة العتاب الخليجية تحولت إلى هجوم علني يتهم القاهرة بالتقاعس عن أداء دورها القومي في حماية أمن الخليج.

بدأت شرارة الأزمة بتصريحات أدلى بها أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أشار فيها إلى وجود تباين بين الدول التي قدمت دعماً صادقاً وتلك التي اكتفت بالشعارات. واعتبر قرقاش أن وقت الشدائد يتطلب مواقف واضحة لا لبس فيها، مؤكداً أن بلاده قادرة على الصمود لكنها تحتاج لمعرفة من يمكن الاعتماد عليه فعلياً في الميدان.

ولم يتوقف الأمر عند التلميحات السياسية، بل امتد ليشمل انتقادات اقتصادية وأمنية لاذعة وجهها إعلاميون مقربون من دوائر صنع القرار في الإمارات. حيث اعتبر الصحفي هاني مسهور أن مصر أثبتت عجزها عن حماية مصالحها الحيوية بعد خسارتها مليارات الدولارات نتيجة عسكرة الحوثيين لمضيق باب المندب، واصفاً الدول التي لا تجرؤ على معاقبة المليشيات بأنها دول غير قادرة على حماية سيادتها.

من جانبه، شن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله هجوماً وصف فيه بعض القوى الإقليمية بـ 'الدول الهشة' التي تعيش أزمات داخلية خانقة وتفشل في الدفاع عن نفسها. ورفض عبد الله بشكل قاطع مقترحات مصرية لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، معتبراً أن دول الخليج لم تعد بحاجة لتحالفات ورقية لم ترَ النور منذ عقود، مفضلةً تعزيز شراكاتها الأمنية المباشرة مع واشنطن.

في المقابل، ردت أوساط سياسية مصرية بحذر ممزوج بالاستياء، حيث طالب باسل عادل، رئيس حزب الوعي، الجانب الإماراتي بالكف عن إثارة الفتن والتعلم من حكمة الدول الكبرى. وأكدت مصادر مصرية أن القاهرة تفضل العمل بصمت بعيداً عن ضجيج المنصات الاجتماعية، مشددة على أن خطوات الدولة المصرية دائماً ما تكون أعمق وأوسع من مجرد تصريحات إعلامية عابرة.

ويرى مراقبون أن هذا التوتر الوظيفي يعود إلى تباين الحسابات الاستراتيجية تجاه الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران التي اندلعت في فبراير الماضي. فبينما تنتظر الإمارات انخراطاً عسكرياً مصرياً مباشراً، تخشى القاهرة أن يؤدي أي صدام مسلح مع طهران إلى إغلاق كلي للملاحة في قناة السويس، مما سيعمق جراح اقتصادها المنهك أساساً.

وتشير التقارير إلى أن مصر تعاني من ضغوط اقتصادية هائلة، حيث تراجعت إيرادات قناة السويس بمعدل 800 مليون دولار شهرياً منذ بدء الاضطرابات في البحر الأحمر. هذا الوضع جعل صانع القرار في القاهرة يتحرك في منطقة وسطى، محاولاً الحفاظ على شعرة معاوية مع الحلفاء الخليجيين دون التورط في حرب استنزاف إقليمية لا يملك أدواتها المالية أو غطاءها الشعبي.

وعلى الصعيد الإقليمي، زاد التعاون المصري السعودي في ملف اليمن من حنق أبوظبي، التي ترى في التقارب بين القاهرة والرياض بملفات الممرات البحرية تهديداً لنفوذها في جنوب اليمن. وتعتبر مصادر أن الإمارات باتت تقرأ أي تنسيق مصري سعودي خارج مظلتها بمثابة اختيار لتموضع سياسي جديد يبتعد عن الأجندة الإماراتية الخاصة في المنطقة.

ورغم حدة التصريحات، يستبعد خبراء حدوث قطيعة نهائية بين السيسي وابن زايد بسبب تداخل المصالح الاقتصادية البنيوية، وعلى رأسها مشروع 'رأس الحكمة'. فالاستثمارات الإماراتية الضخمة في مصر، والتي تجاوزت 35 مليار دولار، تعمل كصمام أمان يمنع انهيار التحالف بالكامل، لكنها قد تتحول إلى ورقة ضغط سياسي عبر إبطاء التنفيذ أو تشديد شروط التمويل.

وتواجه مصر حالياً اختباراً صعباً لشرعيتها الإقليمية داخل معسكر 'الثورات المضادة'، حيث بدأت تتحول من صفة 'الحليف المدلل' إلى 'الحليف المربك'. ومع استمرار الحرب وتصاعد المطالب الإيرانية بالسيادة على مضيق هرمز، تجد القاهرة نفسها مطالبة بدفع أثمان سياسية وعسكرية باهظة مقابل استمرار الدعم المالي الخليجي الذي اعتادت عليه منذ عام 2013.

وفي سياق متصل، تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الحرب الإقليمية أثرت على المنطقة بأكملها، حيث سجلت احتياطيات الذهب التركية تراجعاً حاداً، بينما نزفت الأسواق مبيعات ضخمة من العملات الأجنبية. هذه البيئة المضطربة تزيد من تعقيد الموقف المصري، حيث تسعى الحكومة لسداد متأخرات شركات النفط الأجنبية في ظل ارتفاع تكلفة الطاقة وتراجع الصادرات.

وزارة الإعلام المصرية حاولت تهدئة الأجواء عبر بيان أكدت فيه أن العلاقات العربية أسمى من أن يعكر صفوها 'هرج ومرج' على وسائل التواصل الاجتماعي. ودعت الوزارة إلى تغليب لغة العقل ووقف محاولات إثارة الفتنة، مشددة على رفضها للإساءات التي تصدر من بعض الكتاب العرب بحق الدولة المصرية ورموزها.

ويرى الباحث عصام حريرة أن العلاقة بين النظامين استراتيجية وأيديولوجية في جوهرها، خاصة فيما يتعلق بالموقف من الإسلام السياسي، مما يجعل انهيارها الكامل أمراً مستبعداً. ومع ذلك، فإن الفتور الحالي يعكس إعادة تفاوض قاسية على 'ثمن التحالف'، حيث لم يعد الشيك الخليجي المفتوح متاحاً دون مقابل عسكري وأمني ملموس على الأرض.

ختاماً، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات مع استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية، حيث تلعب القاهرة لعبة 'شد الحبل' للحصول على مكاسب مرحلية. فبينما يشعر ابن زايد بالخذلان من غياب الدعم العسكري المصري، يراهن السيسي على أن ثقل مصر الإقليمي يجعلها 'أكبر من أن تُترك لتسقط'، مهما بلغت درجة التوتر مع الحلفاء.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 6:27 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يطرد عائلة بصبوص من منزليها في سلوان لصالح المستوطنين

أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الجمعة، على تنفيذ عملية تهجير قسري بحق عائلة بصبوص الفلسطينية في حي بطن الهوى ببلدة سلوان، الواقعة جنوب المسجد الأقصى المبارك. وجاءت هذه الخطوة تنفيذاً لقرار قضائي جائر يقضي بتسليم عقارين سكنيين لجمعيات استيطانية تنشط في قلب الأحياء الفلسطينية بالقدس المحتلة.

وأفادت مصادر محلية بأن قوة عسكرية كبيرة من جيش وشرطة الاحتلال اقتحمت المنطقة معززة بالكلاب البوليسية، حيث شرعت في إخراج أفراد العائلة من منازلهم تحت تهديد السلاح والقوة. وقد سادت حالة من الحزن والغضب الشديدين بين الأهالي الذين رددوا هتافات تؤكد تمسكهم بالأرض وحقهم في العودة، مشددين على أن هذه الإجراءات لن تكسر إرادتهم.

وشهدت عملية الإخلاء توتراً ميدانياً كبيراً، حيث وثقت كاميرات النشطاء لحظات التنكيل بالعائلة واعتقال الشاب أنس رأفت بصبوص واقتياده إلى جهة مجهولة. وتأتي هذه الممارسات في سياق ضغوط مستمرة تمارسها أجهزة الاحتلال لتفريغ حي بطن الهوى من سكانه الأصليين واستبدالهم بالمستوطنين عبر إجراءات قانونية معقدة ومنحازة.

وتستند الجمعيات الاستيطانية في دعواها إلى ادعاءات بملكية الأرض لصالح يهود من أصول يمنية منذ عقود طويلة، وهي مزاعم ترفضها عائلة بصبوص وكافة العائلات المهددة في الحي. وتؤكد العائلات الفلسطينية أن هذه القضايا ليست إلا غطاءً قانونياً لمخطط استراتيجي يهدف إلى تطويق البلدة القديمة بالمستوطنات وعزل المسجد الأقصى عن محيطه الجغرافي الفلسطيني.

يُذكر أن بلدة سلوان، وخاصة حي بطن الهوى، تتعرض لهجمة استيطانية شرسة وغير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، حيث تواجه عشرات العائلات خطر الإخلاء والتهجير. وتعتبر المؤسسات الحقوقية أن ما يحدث في القدس هو جريمة تطهير عرقي ممنهجة تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي للمدينة المقدسة لصالح المشروع الاستيطاني.

تحليل

الجمعة 27 مارس 2026 6:27 مساءً - بتوقيت القدس

من كيسنجر إلى عصر المسيّرات.. هل تغيرت استراتيجية واشنطن تجاه إيران والمنطقة؟

تترقب الأوساط السياسية الإقليمية والدولية الخطوات المقبلة للإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، وسط تساؤلات حول طبيعة التحركات المرتقبة تجاه الملف الإيراني. ومع ذلك، تشير القراءات الاستراتيجية إلى أن الثوابت الأمريكية لم تتغير جوهرياً، خاصة مع صدور وثيقة الأمن القومي (NSS 2025) التي أكدت رغبة واشنطن في الحفاظ على هيمنتها الدولية.

إن فهم التحركات الأمريكية الراهنة يتطلب العودة إلى الجذور التاريخية للتفكير الاستراتيجي في واشنطن، والذي لم يتشكل وليد اللحظة بل عبر تراكم طويل. وتقوم هذه الرؤية على إدارة منطقة الشرق الأوسط من خلال منع تماسك قواها البنيوية، وضمان عدم تحول أي قوة إقليمية إلى كتلة صلبة تتحدى النفوذ الخارجي.

لقد وضع هنري كيسنجر اللبنات الأولى لفكرة 'توازن القوى المُدار'، وهي المقاربة التي تضمن بقاء القوى الإقليمية ضمن حدود مرسومة لا تسمح بالهيمنة المطلقة. وتطورت هذه الأفكار لاحقاً مع أطروحات برنارد لويس التي قدمت مبررات جيوسياسية لإعادة رسم الهويات والحدود على أسس فرعية تخدم المصالح الأمريكية.

تظهر المواجهة الحالية مع طهران كاختبار عملي لعقيدة استراتيجية متجددة في أدواتها التكنولوجية لكنها ثابتة في أهدافها السياسية. وتعتمد واشنطن اليوم مبدأ 'السلام من خلال القوة'، حيث تهدف الضربات العسكرية المكثفة إلى إضعاف الخصم قبل الجلوس على طاولة المفاوضات لفرض شروط جديدة.

إن استهداف البنى التحتية والقدرات القيادية الإيرانية يعكس توجهاً نحو إدارة الصراع بالقوة المحسوبة بعيداً عن الحروب الشاملة. وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذا النهج إلى صياغة معادلة ردع تضمن تفوقها دون الانزلاق إلى استنزاف طويل الأمد كما حدث في تجارب سابقة.

يبرز البعد الاقتصادي كركيزة أساسية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث يرتبط الأمن القومي ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة العالمي. وقد أعاد التوتر في مضيق هرمز تسليط الضوء على هشاشة نقاط الاختناق البحرية وقدرتها على هز استقرار الأسواق الدولية وتوليد موجات تضخمية عابرة للحدود.

تحاول واشنطن في استراتيجيتها الجديدة تفادي تكرار أخطاء التدخل العسكري المباشر في العراق وأفغانستان. وبدلاً من ذلك، تتبنى نمط 'القوة الحاسمة قصيرة الأمد' التي تعتمد على التفوق التكنولوجي والضربات الجراحية الدقيقة لتقليص الحاجة إلى الانخراط البري الواسع.

يعد مفهوم 'تقاسم الأعباء' مع الحلفاء الإقليميين جزءاً لا يتجزأ من هذه الرؤية، حيث تسعى واشنطن لتوزيع الأدوار العسكرية واللوجستية بما يخفف عنها الكلفة المادية والبشرية. ومع ذلك، تبرز تحديات تتعلق بتباين الأولويات بين واشنطن وحلفائها، مما قد يؤثر على سلاسة التنسيق الميداني والسياسي.

إن الهدف الأعمق من إضعاف النفوذ الإيراني يتجاوز مجرد الردع العسكري، ليصل إلى إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية للمنطقة برمتها. وترغب الولايات المتحدة في إبقاء الشرق الأوسط في حالة من التوازن الهش الذي يسهل إدارته والتحكم في مساراته بما يخدم مصالحها القومية العليا.

تشهد الحروب الراهنة تحولاً نوعياً مع دخول التقنيات الحديثة مثل الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية كأدوات حسم أساسية. وتضع الاستراتيجية الأمريكية 'السيادة التكنولوجية' وتوظيف البيانات في صلب تنافسها العالمي، معتبرة إياها سلاحاً لا يقل أهمية عن الترسانة التقليدية.

رغم دقة التخطيط، فإن الانتقال من التنظير إلى التطبيق يكشف عن فجوات بنيوية ناتجة عن تعقيد الواقع الإقليمي وتداخل الجبهات. ففكرة 'الحرب المحدودة' قد تصطدم بواقع ميداني يدفع نحو توسع غير محسوب للصراع، مما يهدد الاستقرار المالي العالمي الذي تحرص واشنطن على حمايته.

تؤكد الدراسات الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط تظل مطلباً حيوياً للأمن القومي في القرن الحادي والعشرين. وتستخدم هذه الدراسات كإطار لتبرير التدخلات المستمرة تحت غطاء الحفاظ على النظام الدولي ومنع ظهور أقطاب إقليمية مستقلة تماماً عن الإرادة الأمريكية.

إن الخيط الناظم للسياسة الأمريكية، من زمن كيسنجر وصولاً إلى عصر المسيّرات، يظل متمثلاً في تفكيك مراكز القوة وإعادة توزيعها. وهذا المسار التاريخي المستمر يهدف إلى ضمان بقاء المنطقة مجزأة وغير قادرة على تشكيل كتلة جيوسياسية موحدة قد تهدد المصالح الغربية في المستقبل.

في الختام، تمثل المواجهة الحالية تطبيقاً متقدماً لعقيدة واشنطن الجديدة التي تدمج بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والتفوق التقني. ولكن يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة هذه الاستراتيجية على الصمود أمام التحولات الكبرى في النظام الدولي وبروز فواعل جدد يرفضون الهيمنة الأحادية.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 6:27 مساءً - بتوقيت القدس

أغلبية أعضاء مكتب الجنائية الدولية يتجهون لتأييد تبرئة كريم خان

أفادت مصادر صحفية دولية بأن أغلبية الدول الأعضاء في المكتب التنفيذي للمحكمة الجنائية الدولية، والبالغ عددها 21 دولة، تميل نحو المصادقة على نتائج لجنة قضائية برأت المدعي العام كريم خان. وتأتي هذه الخطوة بعد مراجعة دقيقة للاتهامات التي وجهت لخان بارتكاب مخالفات وسوء سلوك، حيث تشير التقارير إلى رغبة واسعة في اتباع استنتاجات القضاة المستقلين.

وذكرت مصادر دبلوماسية أن التوجه العام داخل المكتب التنفيذي يسير نحو إغلاق هذا الملف بناءً على تقرير الهيئة القضائية الثلاثية. ومع ذلك، لا يزال هناك انقسام محدود، حيث تعارض أقلية من الدول هذه النتائج وتدعو إلى اتخاذ قرارات منفصلة بعيداً عن توصيات اللجنة القضائية التي نظرت في التحقيقات الأممية.

وكانت هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة قد خلصت في وقت سابق إلى أن التحقيقات التي أجراها مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة لم تثبت أي إخلال بالواجب من جانب خان. وأكدت الهيئة أن الأدلة المتاحة لا تدعم مزاعم سوء السلوك الجنسي التي أثيرت ضد المدعي العام للمحكمة الدولية خلال العام الماضي.

في المقابل، تضغط مجموعة من الدول الأعضاء داخل جمعية الدول الأطراف لتجاهل تقرير القضاة والمطالبة باستنتاجات خاصة للجمعية الحاكمة للمحكمة. ويرى هؤلاء المعارضون ضرورة فحص تقرير مكتب الرقابة الداخلية بشكل مباشر، وهو ما يثير مخاطر قانونية وإجرائية داخل أروقة المحكمة الجنائية.

وتأتي هذه التطورات الحساسة في وقت يواصل فيه مكتب المدعي العام تحقيقاته في جرائم حرب محتملة ارتكبها مسؤولون إسرائيليون في قطاع غزة. ويربط مراقبون بين توقيت إثارة هذه الادعاءات وبين الضغوط السياسية الكبيرة التي يتعرض لها خان منذ إعلانه السعي لإصدار مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين.

وقد عقد مكتب رابطة الدول المستقلة اجتماعين مكثفين خلال الأسبوعين الماضيين لمناقشة التقرير القضائي وتحديد الخطوات القانونية المقبلة. ومن المقرر أن تنتهي المهلة الممنوحة للمكتب لاتخاذ قراره النهائي في الثامن من نيسان/ أبريل القادم، وسط ترقب دولي لما سيؤول إليه القرار.

وحذر خبراء في القانون الجنائي الدولي من أن تجاهل استنتاجات القضاة قد يهدد مصداقية المحكمة الجنائية الدولية وسيادة القانون بشكل عام. وأشار الخبير سيرغي فاسيليف إلى أن الهيئة القضائية كانت حاسمة في تبرئة خان، وأن أي محاولة لتجاوز هذا القرار قد تعطي انطباعاً بوجود دوافع سياسية خلف العملية برمتها.

وكان مكتب خدمات الرقابة الداخلية (OIOS) قد كُلف بالتحقيق رسمياً في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بعد تقارير إعلامية عن اتهامات بالاعتداء الجنسي. وشمل التحقيق مراجعة شاملة لأكثر من 5000 صفحة من الأدلة والشهادات التي قُدمت للجنة القضائية لضمان أعلى مستويات الشفافية والنزاهة.

يُذكر أن القضاة حصلوا على تمديدات زمنية متعددة لدراسة حجم الأدلة الضخم قبل تقديم تقريرهم النهائي للمكتب التنفيذي. وتتمثل المهمة الأساسية للجنة في تقديم مشورة قانونية مستقلة بناءً على الحقائق، لتحديد ما إذا كان هناك سوء سلوك جسيم يستوجب اتخاذ إجراءات تأديبية بحق المدعي العام.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 5:57 مساءً - بتوقيت القدس

سيف الله الأعظم.. قصة الطيار البنغالي الذي قهر سلاح الجو الإسرائيلي في 72 ساعة

لم يكن سيف الله الأعظم مجرد طيار عابر في سجلات القوات الجوية، بل تحول إلى رمز استثنائي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. فخلال حرب يونيو عام 1967، نجح هذا الطيار البنغالي في تدوين اسمه بأحرف من نور بعدما تمكن من إسقاط أربع طائرات حربية إسرائيلية في غضون 72 ساعة فقط. هذا الإنجاز العسكري النادر جعله الطيار الوحيد الذي يحقق هذا الرقم القياسي في تلك الحرب، مما منحه مكانة مرموقة في الذاكرة العسكرية الآسيوية والعربية على حد سواء.

بدأت الملحمة البطولية للأعظم في الأردن، حيث كان يعمل مستشاراً معاراً إلى سلاح الجو الملكي الأردني إبان اندلاع الحرب. وأثناء التصدي لغارة جوية استهدفت قاعدة المفرق الجوية، أظهر مهارة فائقة في المناورة والاشتباك، حيث أسقط طائرة إسرائيلية وأصاب أخرى إصابة مباشرة منعتها من العودة إلى قاعدتها وسقطت لاحقاً داخل الأراضي المحتلة. كانت هذه المواجهة هي الشرارة الأولى التي كشفت عن قدرات قتالية فذة يمتلكها الطيار القادم من شرق آسيا.

لم تتوقف مسيرة الأعظم عند الحدود الأردنية، بل انتقل لاحقاً للخدمة في صفوف سلاح الجو العراقي لمواصلة التصدي للعدوان. وفي سماء العراق، واصل تميزه القتالي بإسقاط طائرتين إسرائيليتين إضافيتين، ليرفع رصيده إلى أربع طائرات في زمن قياسي لم يتجاوز ثلاثة أيام. ويرى مؤرخون عسكريون أن هذه العمليات الجوية أسهمت بشكل مباشر في حماية قواعد جوية حيوية في الأردن والعراق من تدمير محقق كان يخطط له الاحتلال.

قبل انخراطه في الجبهات العربية، كان للأعظم سجل حافل في شبه القارة الهندية، حيث شارك في حرب عام 1965 ضمن سلاح الجو الباكستاني. وخلال تلك المعارك، تمكن من إسقاط طائرة حربية هندية، وهو ما أهله للحصول على وسام 'ستارة جُرأت'، وهو ثالث أرفع وسام عسكري في باكستان. وبذلك، حقق الأعظم تفوقاً جوياً نادراً ضد سلاحين جويين مختلفين هما الهندي والإسرائيلي في فترات زمنية متقاربة.

وُلد سيف الله الأعظم في عام 1941 بمنطقة بابنا في بنغلادش الحالية، ونشأ في بيئة شهدت تحولات سياسية كبرى عقب تقسيم شبه القارة الهندية. التحق بأكاديمية سلاح الجو الباكستاني في عام 1958، حيث بدأ مسيرته المهنية التي صقلها لاحقاً بتدريبات متقدمة في الولايات المتحدة الأمريكية. وتحديداً في عام 1963، تلقى تدريباً مكثفاً في قاعدة 'لوك' الجوية بولاية أريزونا، مما منحه الخبرة التقنية اللازمة للتعامل مع أحدث الطائرات المقاتلة في ذلك العصر.

عقب استقلال بنغلادش في عام 1971، عاد الأعظم إلى وطنه الأم ليساهم في بناء سلاح الجو البنغلادشي الجديد. وتولى خلال سنوات خدمته مناصب قيادية رفيعة، شملت إدارة أمن الطيران والعمليات الجوية، وظل يخدم بجدية واحترافية حتى تقاعده في عام 1980. وبعد مغادرته السلك العسكري، لم يتوقف عطاؤه بل انخرط في العمل المدني والسياسي، وظل مرجعاً ملهماً للأجيال الجديدة من الطيارين في بلاده.

حظي الأعظم بتكريم دولي وعربي واسع تقديراً لشجاعته المنقطعة النظير، حيث منحته دولتا الأردن والعراق أوسمة عسكرية رفيعة تقديراً لدوره في الدفاع عن أراضيهما. وفي مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً بين عامي 2000 و2001، أُدرج اسمه ضمن قائمة 'النسور الأحياء' العالمية، وهي قائمة تضم نخبة الطيارين المقاتلين الذين تركوا أثراً تاريخياً في المعارك الجوية. هذا الاعتراف الدولي أكد أن مهارات الأعظم تجاوزت الحدود الإقليمية لتصبح جزءاً من التراث العسكري العالمي.

رحل سيف الله الأعظم عن عالمنا في الرابع عشر من يونيو عام 2020 في العاصمة دكا، تاركاً وراءه إرثاً من البطولة والفخر. ونعته في ذلك الوقت جهات فلسطينية وعربية رسمية، واصفة إياه بأنه أحد الأبطال الذين جسدوا وحدة المصير والتعاون العسكري العابر للحدود. سيبقى اسم الأعظم محفوراً في التاريخ كنموذج للطيار الذي لم تمنعه المسافات من الدفاع عن القضايا العادلة، محققاً إنجازات جوية لا تزال تُدرس في الأكاديميات العسكرية حتى اليوم.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 5:57 مساءً - بتوقيت القدس

مخطط 'الخط الأصفر'.. الاحتلال يكرس سيطرته على نصف قطاع غزة بجدار عازل و32 موقعاً عسكرياً

كشفت تقارير صحفية عبرية، استناداً إلى تحليل دقيق لصور أقمار صناعية حديثة، عن استراتيجية جديدة ينفذها جيش الاحتلال لتعميق تموضعه العسكري داخل قطاع غزة. وتتمحور هذه التحركات حول ما يُعرف بـ 'الخط الأصفر'، الذي استحال إلى حدود ميدانية تفصل بين مناطق العمليات العسكرية والمناطق السكنية المكتظة، مما يعزز السيطرة الإسرائيلية الدائمة على مساحات شاسعة.

وأظهرت الصور التي التقطتها شركة 'بلانيت لابز' المتخصصة أن الاحتلال لم يكتفِ بالوجود العسكري العابر، بل شرع في بناء بنية تحتية متكاملة تشمل جداراً عازلاً يمتد لعدة كيلومترات. ويهدف هذا المشروع الهندسي إلى تثبيت وقائع جديدة على الأرض، حيث تم نقل معدات ثقيلة ومنشآت ثابتة لضمان استمرارية السيطرة على أكثر من نصف مساحة القطاع الكلية.

ووفقاً للمعطيات الميدانية والخرائط التي نشرتها مصادر عسكرية، فإن الاحتلال بات يسيطر فعلياً على نحو 54% من مساحة قطاع غزة، بينما تتقلص المساحة المتبقية للفلسطينيين بشكل مستمر. وتتضمن هذه السيطرة عمليات هدم واسعة للمباني السكنية وتشريداً ممنهجاً للسكان لتوسيع نطاق 'الخط الأصفر' وجعله منطقة عازلة محصنة.

ورصدت التقارير إنشاء سبعة مواقع عسكرية جديدة منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حيث جرى تعبيد الطرق المؤدية إليها لتسهيل حركة الآليات الثقيلة. وتوزعت هذه المواقع في نقاط استراتيجية تتيح للجيش مراقبة واسعة النطاق، مع تزويدها بشبكات كهرباء وأبراج اتصالات متطورة لخدمة الأهداف العملياتية طويلة الأمد.

ويصل عدد المواقع العسكرية المتقدمة التي يديرها الاحتلال حالياً إلى 32 موقعاً، تنتشر في شمال وشرق وجنوب القطاع، وبعضها أقيم فوق أنقاض منشآت مدنية حيوية. وشملت عمليات التجريف مساجد ومقابر وأراضي زراعية شاسعة، حيث تم تحويل هذه المساحات إلى ثكنات عسكرية ومراكز مراقبة مزودة بأحدث التقنيات الأمنية.

وعلى الصعيد الإنساني، أدى هذا التوسع العسكري إلى حشر نحو 2.1 مليون فلسطيني في مساحة تقل عن نصف مساحة القطاع الأصلية، مما فاقم من معاناة النازحين. ويعيش مئات الآلاف حالياً في خيام مؤقتة أو بين حطام المباني المتضررة، في ظل انعدام شبه كامل للخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إلى مصادر المياه والطاقة.

وأفادت مصادر طبية دولية، من بينها منظمة 'أطباء بلا حدود'، بأن فرقها تعاملت مع إصابات عديدة ناتجة عن إطلاق النار والانفجارات بالقرب من هذا الخط الفاصل. وأكدت المصادر أن المدنيين يتعرضون لاستهداف مباشر أثناء محاولاتهم تأمين احتياجاتهم اليومية البسيطة مثل جمع الحطب أو البحث عن مياه صالحة للشرب في المناطق القريبة من التماس.

وتشير البيانات إلى أن الاحتلال أقام حواجز ترابية ضخمة بطول يتجاوز 17 كيلومتراً، وهو ما يعادل نحو 40% من إجمالي طول الخط البالغ 45 كيلومتراً. وتعمل هذه الحواجز كعائق مادي يمنع عودة السكان إلى أراضيهم، ويؤكد نية الاحتلال في تحويل هذا الخط المؤقت إلى حدود أمنية دائمة يصعب اختراقها أو تجاوزها.

ورغم الحديث الدولي عن خطط لإنهاء الحرب، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى غياب أي آلية واضحة لانسحاب قوات الاحتلال من هذه المناطق المحصنة. وتربط القيادة الإسرائيلية أي تحرك مستقبلي بشروط معقدة تتعلق بنزع سلاح المقاومة، دون وضع جداول زمنية محددة، مما يوحي بأن الوجود العسكري قد يمتد لسنوات طويلة.

وفي ظل تعثر الجهود الدبلوماسية لإنشاء قوة دولية أو إيجاد بدائل إدارية، يبدو أن التركيز الإسرائيلي قد انتقل كلياً نحو تثبيت الوقائع الميدانية وفرض سياسة الأمر الواقع. ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة توترات إقليمية متزايدة، مما يجعل من ملف 'الخط الأصفر' أداة ضغط سياسية وعسكرية في يد الاحتلال.

تحليل

الجمعة 27 مارس 2026 5:57 مساءً - بتوقيت القدس

تحديات الموقف السوري: هل تنجح دمشق في النأي بنفسها عن الصراع الإقليمي؟

يفرض الموقع الجيوسياسي لسوريا عبئاً ثقيلاً على صانع القرار في دمشق مع اشتعال نيران الحرب في المنطقة، والتي تدور رحاها بين أطراف تسعى لاستخدام كافة أوراقها لإعادة تشكيل موازين القوى. وتركز السلطات السورية حالياً على إدارة التداعيات المباشرة لهذه الحرب عبر إجراءات ميدانية مكثفة.

نفذ الجيش السوري عمليات انتشار واسعة على الحدود مع العراق ولبنان بهدف معلن وهو ضبط الحدود ومنع عمليات التسلل ونقل السلاح. وتأتي هذه الخطوات لسد أي ذرائع قد تتذرع بها إسرائيل لخلط الأوراق وتحقيق أهداف جيوسياسية داخل الأراضي السورية تحت غطاء عملياتها العسكرية.

تتخوف دمشق من مساعي إسرائيلية لتوسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان لتشمل أجزاء من جنوب سوريا، وتحديداً المنطقة الممتدة من جبل الشيخ وصولاً إلى ريف دمشق الغربي. هذا التوسع المحتمل يمثل تهديداً مباشراً للسيادة السورية ويزيد من تعقيد المشهد الميداني المشتعل أصلاً.

لا يقتصر القلق السوري على التحركات الإسرائيلية فحسب، بل يمتد لاستشعار مخاطر أمنية قد تسببها أذرع إيران في المنطقة. وتخشى السلطة في دمشق من قيام حزب الله بالتنسيق مع أطراف داخلية لتنفيذ أعمال أمنية تهدد استقرار النظام الحالي وفرض واقع جديد على الحدود.

من الناحية النظرية، يبدو من غير المرجح أن تتبنى دمشق دوراً هجومياً في هذه المرحلة نظراً لهشاشة المؤسسات العسكرية والأمنية التي لا تزال قيد البناء. الانخراط في حرب خارجية قد يؤدي إلى انهيار الترتيبات الداخلية التي أقامتها السلطة بصعوبة بالغة خلال الفترة الماضية.

تبرز تركيا كلاعب أساسي يسعى لضبط إيقاع التوتر في الإقليم ومنع خروج التداعيات عن السيطرة. وقد أفادت مصادر بأن أنقرة وجهت نصائح وتحذيرات لدمشق بضرورة عدم الانجرار وراء أي عمل عسكري تجاه لبنان أو حزب الله في الوقت الراهن.

رغم التحذيرات، قد تجد السلطة السورية في الحرب الحالية فرصة استراتيجية لإنهاء شبح النفوذ الإيراني الذي يمثله حزب الله وامتداداته العراقية. فالتفكير الاستراتيجي قد يحتم انتهاز لحظة ضعف المحور الإيراني عسكرياً ونفسياً للانقضاض على شبكاته المتبقية في البلاد.

تتعزز هذه التوجهات برغبة دمشق في إثبات كونها جزءاً من المحيط العربي الذي يستهدفه نفوذ الأذرع الإيرانية. وترى السلطة السورية أن القضاء على مفاعيل حزب الله قد يكون وسيلة لرد الدين للدول الخليجية التي تدعم استقرار الدولة السورية ومؤسساتها.

هناك مخاوف حقيقية من تورط دمشق في الصراع اللبناني الداخلي، خاصة مع تصاعد التوتر بين الطوائف اللبنانية. وتحاول بعض الأطراف في بيروت الاستقواء بالورقة السورية كأداة ردع ضد حزب الله، مما قد يجر الجيش السوري لمواجهة غير مباشرة.

إن حالة السيولة الأمنية على الحدود تفرض على دمشق اتخاذ قرارات حاسمة بشأن هويتها الإقليمية القادمة. فإما الاستمرار في سياسة النأي بالنفس التي تضمن بقاء المؤسسات الهشة، أو المغامرة بالانخراط في صراع قد يغير وجه المنطقة بالكامل.

تشير القراءات السياسية إلى أن دمشق باتت على أعتاب الانخراط الفعلي في الجانب اللبناني من الحرب، مدفوعة بضغوط فاعلين دوليين وإقليميين. هذه الخطوة، رغم مخاطرها، تحمل إغراءات كبيرة لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية كانت بعيدة المنال قبل اندلاع المواجهة.

يبقى التحدي الأكبر أمام صانع القرار السوري هو كيفية الموازنة بين الحفاظ على السردية السياسية أمام الرأي العام وبين الضرورات الأمنية الملحة. فالدخول في مواجهة مع حزب الله قد يفسر كخدمة مجانية لإسرائيل، وهو ما تحاول دمشق تجنبه إعلامياً.

إن استعادة الدولة السورية لوظيفتها السيادية بعيداً عن سيطرة الميليشيات العابرة للحدود تتطلب السيطرة الكاملة على الممرات اللوجستية. وهذا الهدف يصطدم مباشرة مع استراتيجية إيران التي تعتبر سوريا جسراً حيوياً لإمداد حلفائها في المنطقة بالعتاد والسلاح.

في الختام، يظل الموقف السوري رهناً بتطورات الميدان في لبنان وغزة، وبمدى قدرة الأطراف الدولية على صياغة اتفاق شامل. وبدون هذا الاتفاق، ستظل دمشق تتأرجح بين خيار الصمت الحذر وبين الانخراط الاضطراري في حرب قد تعيد رسم حدود النفوذ في الشرق الأوسط.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 5:57 مساءً - بتوقيت القدس

شهيدان في مخيم قلنديا إثر عدوان متواصل واستهداف للمشيعين

شهد مخيم قلنديا الواقع شمال مدينة القدس المحتلة تصعيداً ميدانياً خطيراً منذ ساعات فجر اليوم الجمعة، حيث أعلنت مصادر طبية عن ارتفاع حصيلة الشهداء في المخيم إلى اثنين. وجاء ذلك عقب سلسلة من الاقتحامات التي نفذتها قوات الاحتلال، والتي تخللها إطلاق نار عشوائي ومكثف استهدف المواطنين العزل في مناطق متفرقة من المخيم، مما أدى إلى حالة من التوتر الشديد في المنطقة.

وأفادت مصادر محلية بأن الشهيد سفيان أحمد صالح أبو ليل، البالغ من العمر 46 عاماً، ارتقى متأثراً بجراحه البالغة التي أصيب بها في منطقة الرأس. وأوضحت المصادر أن قوات الاحتلال فتحت نيران أسلحتها الرشاشة صوب المواطنين أثناء مغادرتهم مقبرة المخيم عقب انتهاء مراسم تشييع جثمان الشهيد مصطفى حمد، الذي كان قد ارتقى هو الآخر برصاص الاحتلال عند مدخل المخيم في وقت مبكر من فجر اليوم.

ولم تكتفِ قوات الاحتلال بعمليات إطلاق النار، بل أقدمت على اقتحام منزل الشهيد مصطفى حمد وتفتيشه والعبث بمحتوياته فور انتهاء مراسم الجنازة، في خطوة استفزازية زادت من غضب الأهالي. كما انتشرت وحدات من القناصة على أسطح البنايات المرتفعة والمقابلة لمدخل المخيم الرئيسي، حيث شرعوا بمراقبة تحركات المواطنين واستهداف كل من يتحرك في المحيط، مما أسفر عن وقوع إصابات إضافية بين الشبان.

وتأتي هذه الاعتداءات في ظل حصار عسكري مشدد يفرضه جيش الاحتلال على مخيم قلنديا، حيث يتم إغلاق المداخل الرئيسية ومنع حركة التنقل بشكل شبه كامل. وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد وتيرة المداهمات في مختلف مدن الضفة الغربية، مما ينذر بانفجار الأوضاع الميدانية بشكل أوسع في ظل استمرار سياسة القتل الممنهج واستهداف المشيعين والمدنيين داخل أحيائهم السكنية.

عربي ودولي

الجمعة 27 مارس 2026 5:36 مساءً - بتوقيت القدس

الهجمات الإيرانية على دول الجوار والخليج دمرت جسور التعاون والثقة…الأمير فيصل بن فرحان: الثقة التي أعادت إيران بناءها مع جيرانها العرب قد تحطمت بالكامل

الرياض – تقرير خاص ب" القدس" 

في تطور نوعي غير مسبوق، كشفت المعطيات الرسمية الصادرة عن وكالة الأنباء السعودية (واس) والبيانات العسكرية السعودية عن تحول جذري في طبيعة التهديدات التي تواجهها المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي. فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، وجهت إيران نحو 83% من مجمل هجماتها الصاروخية والمسيّرة إلى دول الجوار العربي، في مقابل 17% فقط استهدفت إسرائيل.

هذه الأرقام، التي تضع الدول العربية في دائرة الاستهداف المباشر رغم عدم انخراطها في النزاع، دفعت كبار المسؤولين السعوديين إلى إطلاق تصريحات حازمة غير مسبوقة، أعلنوا فيها انهيار الثقة مع إيران، واحتفاظ المملكة بحق الرد العسكري، ووصفوا الهجمات بأنها "عدوان سافر" و"عمل جبان" لا يمكن السكوت عنه.

استناداً إلى البيانات الرسمية التي أعلنتها وزارة الدفاع السعودية عبر الناطق الرسمي اللواء الركن تركي المالكي، وإلى تقارير وكالة الأنباء السعودية (واس)، فإن حصيلة الهجمات الإيرانية حتى مساء الأربعاء بلغت:

 

  • توزيع الهجمات الإيرانية على الدول العربية


 

تفاصيل الهجمات على المملكة العربية السعودية

أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع السعودية، اللواء الركن تركي المالكي، أن إجمالي ما استهدفت به إيران المملكة منذ بدء العدوان بلغ:

729 طائرة مسيّرة تم اعتراضها وتدميرها.

58 صاروخاً باليستياً وكروز (51 باليستياً و7 كروز).

وفي تصعيد لافت، أعلن الدفاع السعودي عن اعتراض أربعة صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه الرياض في أحدث الهجمات، مما يؤكد استمرار الاستهداف رغم التحذيرات المتكررة.

في تصريحات حاسمة أدلى بها عقب اجتماع وزراء الخارجية العرب والإسلاميين في الرياض، أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ما يلي:

انهيار الثقة:"الثقة التي أعادت إيران بناءها مع جيرانها العرب من خلال الدبلوماسية الحديثة قد تحطمت بالكامل بسبب الاعتداءات المستمرة" .

رسالة إيران اليوم واضحة للغاية... استهداف الرياض في وقت يجتمع فيه عدد من الدبلوماسيين، لا أستطيع اعتباره مصادفة. إيران لا تؤمن بالحوار مع جيرانها، بل تحاول الضغط عليهم. وما يمكنني قوله بشكل قاطع: هذا لن ينجح. السعودية لن تخضع للضغط" .

الحق في الرد العسكري:"تحتفظ السعودية بالحق في اتخاذ إجراءات عسكرية، إذا دعت الحاجة، وإذا حان الوقت، فإن قيادة المملكة ستتخذ القرار اللازم. لن نتردد في حماية بلدنا ومواردنا الاقتصادية".

إعادة تقييم الموقف الإيراني:"إيران لم تفهم الرسالة بوضوح – ولا تريد فهم الرسالة – التي ينقلها جيرانها الخليجيون. إيران لم تتعامل مع جيرانها بروح الأخوة، بل بنظرة عدائية" .

مندوب السعودية لدى الأمم المتحدة عبد المحسن بن خثيلة قال في كلمة ألقاها أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وفي مداخلات متعددة أمام المحافل الدولية، صعّد بن خثيلة اللهجة بشكل لافت:"هذه الاعتداءات تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول وسلامة أراضيها، ومخالفة واضحة للمواثيق الدولية والقانون الدولي" .

وصف استهداف الجار:"استهداف الجار عمل جبان، وانتهاك صارخ لأبسط مبادئ حسن الجوار"، ووصف:"استهداف الوسيط خيانة لجهود السلام، وتقويض متعمد لأي مسار للتهدئة، خاصة عندما تستهدف الهجمات دولاً ليست طرفاً في النزاع" .

وأوضح أن ما تقوم به إيران يعكس نهجاً قائماً على الابتزاز ورعاية الميليشيات واستهداف دول الجوار وزعزعة استقرارها"، مؤكداً أن"استمرار هذا النهج لن يحقق لإيران أي مكاسب، بل سيكلفها ثمناً سياسياً واقتصادياً باهظاً، ويزيد من عزلتها" .

ودعا طهران إلى "مراجعة حساباتها الخاطئة" محذراً من أن مواصلة الاعتداءات "ستؤدي إلى نتائج عكسية تفاقم أوضاعها وتعمّق عزلتها" .

المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع اللواء الركن تركي المالكي أعلن في قراءة ميدانية وإحصاءات دقيقة، عن اعتراض وتدمير 729 طائرة مسيّرة و58 صاروخاً باليستياً وكروز استهدفت المملكة .

وأظهرت منظومات الدفاع الجوي السعودية كفاءة عالية في التصدي للهجمات، مما حال دون وقوع إصابات واسعة أو أضرار كبيرة في المنشآت الحيوية .

الموقف الخليجي الموحد – بيان الـ12 دولة

في خطوة غير مسبوقة، أصدر وزراء خارجية 12 دولة عربية وإسلامية (أذربيجان، البحرين، مصر، الأردن، الكويت، لبنان، باكستان، قطر، السعودية، سوريا، تركيا، والإمارات العربية المتحدة)، بياناً مشتركاً أدانوا فيه الهجمات الإيرانية.

وأدان البيان استهداف إيران لـ "المناطق السكنية والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المنشآت النفطية ومحطات التحلية والمطارات والمباني السكنية والمقرات الدبلوماسية".

ودعت الدول الـ 12 إيران إلى "الاحترام الفوري للقانون الدولي" ووقف الهجمات.

 


عربي ودولي

الجمعة 27 مارس 2026 5:28 مساءً - بتوقيت القدس

تقرير أممي يوثق مقتل 1700 شخص في السويداء ويحذر من جرائم حرب

أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا تقريراً صادماً كشفت فيه عن حصيلة دموية لموجة العنف التي ضربت محافظة السويداء في يوليو 2025. وأكد التقرير أن المواجهات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1700 شخص، محذراً من أن الانتهاكات المرتكبة من قبل مختلف الأطراف قد تُصنف قانونياً كجرائم حرب.

وأوضحت اللجنة الأممية في تقريرها المكون من 85 صفحة أن الصراع تسبب في نزوح قرابة 200 ألف مدني، ولا يزال نحو 155 ألفاً منهم يعيشون في ظروف قاسية بعيداً عن منازلهم. وأشار التقرير إلى أن غياب الحلول المستدامة يمنع هؤلاء النازحين من العودة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في جنوب البلاد رغم وقف إطلاق النار الهش.

وتوزعت حصيلة الضحايا بين المدنيين من الأقلية الدرزية وأبناء العشائر، بالإضافة إلى توثيق مقتل 225 عنصراً من القوات الحكومية على الأقل. وشددت المصادر الدولية على أن العنف لم يستثنِ أحداً، حيث طالت عمليات القتل المنهجية الفئات الأكثر ضعفاً مثل النساء والأطفال وكبار السن في مشهد يعكس انهيار القيم الإنسانية.

وفي سياق متصل، أظهرت بيانات صادرة عن لجنة تحقيق حكومية تقارباً في أرقام الضحايا، حيث سجلت مقتل 1760 شخصاً وإصابة أكثر من ألفين آخرين. وأقرت المصادر الرسمية بحدوث انتهاكات جسيمة شملت القتل العمد والتعذيب، محملة المسؤولية لمزيج من الجماعات المسلحة المحلية وعناصر مرتبطة بتنظيمات متطرفة وأفراد من الأمن.

وبحسب التحقيقات، فإن العنف اندلع عبر ثلاث موجات متتالية في منتصف يوليو 2025، تلت مرحلة من التقلبات السياسية في سوريا. واتهم التقرير القوات الحكومية والمجموعات الموالية لها بتنفيذ عمليات اعتقال تعسفي وعنف جنسي استهدف المكون الدرزي، مما أشعل فتيل ردود فعل مسلحة وانتقامية.

وردت فصائل مسلحة درزية باستهداف تجمعات البدو عبر عمليات قتل وتشريد قسري واسعة النطاق، وفقاً لما وثقه المحققون الدوليون. وأدت هذه الهجمات إلى إخلاء شبه كامل للمناطق التي كانت تقطنها العشائر، مما يعزز فرضية التطهير العرقي أو الطائفي في تلك المناطق المتنازع عليها.

وشهدت المرحلة الثالثة من التصعيد زحف آلاف المقاتلين من العشائر نحو قرى السويداء، حيث نفذوا عمليات نهب وحرق منظمة. وطالت هذه الاعتداءات قرابة 35 قرية، حيث دمرت المنازل والممتلكات بشكل شبه كلي، مما جعل العودة إليها في الوقت الراهن أمراً مستحيلاً للسكان الأصليين.

ورصدت اللجنة الدولية ظاهرة خطيرة تتمثل في قيام الجناة بتوثيق جرائمهم من تعذيب واعتداءات على دور العبادة ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي. واعتبر التقرير أن هذا السلوك يهدف إلى ترهيب الخصوم ونشر الرعب بين المدنيين، وهو ما يزيد من تعقيد جهود المصالحة المجتمعية في المستقبل.

وحذرت اللجنة من أن استمرار المناوشات والاشتباكات المتفرقة يعكس هشاشة الوضع الأمني في الجنوب السوري بشكل عام. وأكدت أن الاستقرار الحقيقي يظل رهناً بتفعيل مسارات المحاسبة الجنائية والعدالة الانتقالية، لضمان عدم إفلات المتورطين في هذه الفظائع من العقاب الدولي والمحلي.

وفي ختام توصياتها، دعت اللجنة الأممية إلى ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل يعالج الجذور العميقة للنزاع في سوريا. وشددت على أهمية إعادة بناء الثقة بين المكونات المجتمعية المختلفة لمنع تجدد الاقتتال الطائفي، مؤكدة أن جبر ضرر المتضررين هو الخطوة الأولى نحو سلام دائم.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 5:28 مساءً - بتوقيت القدس

خطة أمريكية من 5 مراحل لنزع سلاح غزة وتدمير الأنفاق خلال 8 أشهر

كشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل وثيقة أعدها "مجلس السلام" الذي شكله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تتضمن خطة شاملة لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة وتدمير شبكة الأنفاق بالكامل. وتستهدف الخطة، التي سُلمت لنسخة منها لحركة حماس مؤخراً، إنهاء المظاهر المسلحة في القطاع عبر جدول زمني محدد يمتد لثمانية أشهر، يبدأ بتشكيل لجنة وطنية لإدارة الشؤون الأمنية والمدنية.

وتقوم الرؤية الأمريكية المقترحة على مبدأ "سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد"، حيث تنص الوثيقة على حصر حيازة السلاح في يد الأفراد المخولين من اللجنة الوطنية لإدارة غزة فقط. ووفقاً للمقترح، ستتوقف كافة الفصائل، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي، عن ممارسة أي أنشطة مسلحة، على أن تخضع عملية جمع السلاح لإشراف دولي مباشر ودعم من قوة استقرار دولية لضمان التنفيذ.

وتنقسم الخطة إلى شقين أساسيين؛ الأول يتضمن 12 نقطة إجرائية لاستكمال تنفيذ رؤية ترمب للسلام، والثاني يحدد خمس مراحل زمنية للتنفيذ الفعلي. وتبدأ المرحلة الأولى خلال 15 يوماً بتولي اللجنة الوطنية كامل الصلاحيات الإدارية، بينما تشهد المرحلة الثانية تفكيك إسرائيل لأسلحتها الثقيلة في المناطق التي تسيطر عليها بالتزامن مع نشر قوات دولية.

أما المرحلة الثالثة، والتي تمتد من اليوم الثلاثين وحتى التسعين، فتشترط قيام حركة حماس بتسليم كافة أسلحتها الثقيلة ومعداتها العسكرية للجنة الوطنية. كما تتضمن هذه المرحلة بنداً حساساً يقضي بالسماح بتدمير كافة الأنفاق والمواد غير المتفجرة المتبقية، وهو ما يمثل أحد أكبر التحديات الميدانية والسياسية التي تواجه الفصائل في غزة.

وفيما يخص الأسلحة الخفيفة والشخصية، تخصص المرحلة الرابعة (من اليوم 91 إلى 250) لتشكيل لجنة أمنية متخصصة لتسجيلها وجمعها بشكل نهائي. وبحسب الوثيقة، سيبدأ انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع بشكل تدريجي خلال هذه الفترة، ويكون مرتبطاً بمدى التقدم المحرز في عمليات التحقق من إخلاء المناطق من السلاح والمظاهر العسكرية.

وتختتم الخطة بالمرحلة الخامسة التي أُطلق عليها "فترة التحقق النهائي"، حيث ينسحب الجيش الإسرائيلي بالكامل من القطاع باستثناء محيط أمني محدد، لتبدأ بعدها عمليات إعادة الإعمار الشاملة. وتربط الخطة دخول مواد البناء والتعافي المبكر، خاصة تلك ذات الاستخدام المزدوج، باعتماد المناطق كـ "مناطق منزوعة السلاح" تدار فعلياً من قبل اللجنة الوطنية.

من جانبه، سيتولى نيكولاي ملادينوف، بصفته الممثل السامي لمجلس السلام، مهمة تشكيل لجنة التحقق الدولية التي ستشرف على حصر وجمع السلاح. ورغم أن حركة حماس أكدت دراستها للوثيقة دون إبداء موقف نهائي، إلا أن فصائل أخرى، من بينها حركة الجهاد الإسلامي، انتقدت المقترح بشدة معتبرة أنه ينحاز للمطالب الأمنية الإسرائيلية على حساب حقوق الفلسطينيين.

ويأتي هذا المقترح في ظل واقع ميداني معقد، حيث تسيطر إسرائيل على مساحات واسعة من القطاع منذ اتفاق أكتوبر الماضي، بينما تفتقر الخطة الحالية لأي إشارة واضحة لإقامة دولة فلسطينية أو منح استقلال سياسي. ويرى مراقبون أن اشتراط نزع السلاح قبل البدء في إعادة الإعمار الشاملة سيظل نقطة الخلاف المركزية التي قد تعيق تنفيذ هذا المسار السياسي الجديد.

أحدث الأخبار

الجمعة 27 مارس 2026 5:27 مساءً - بتوقيت القدس

بنيامين وود: كيف تعيد الأبوة صياغة علاقتنا بالأدب والقراءة؟

بالنسبة للروائي البريطاني بنيامين وود، لا تتوقف القراءة عند حدود التسلية العابرة، بل هي تجربة وجودية عميقة صاغت ملامح شخصيته ووعيه العاطفي والاجتماعي. يرى وود أن الكتب تمثل أداة جوهرية لاستكشاف الذات وفهم تعقيدات العلاقات الإنسانية، حيث ترافقه النصوص في محطات حياته الكبرى.

وفي حديث أدبي موسع، كشف وود عن قدرة الأدب على إحداث هزات عاطفية لا تُمحى من الذاكرة، مستحضراً تجربته الأولى مع رواية «الحصان الأحمر» لجون ستاينبك. تلك الرواية كانت الشرارة الأولى التي جعلته يدرك قوة الكلمات في تجسيد المشاعر والمشاهد الطبيعية بدقة مذهلة أبكته طويلاً.

تعلم الكاتب البريطاني من خلال رحلته المبكرة أن القصص ليست مجرد حكايات، بل هي مختبرات حقيقية للتجارب البشرية ومرايا تعكس واقع الحياة. هذه الرؤية جعلته يؤمن بأن الأدب يمتلك القدرة الفريدة على غرس قيم التعاطف وإعادة تعريف إدراكنا للمحيط الذي نعيش فيه.

وعن التحولات التي طرأت على ذائقته، أوضح وود أن تجربة الأبوة كانت نقطة تحول مفصلية في تعامله مع النصوص الأدبية. فقد منحه دور الأب قدرة متجددة على الاستيعاب العاطفي، مما جعله يرى أبعاداً خفية في الكتب التي قرأها سابقاً ولم يدرك عمقها حينها.

ويضرب وود مثالاً برواية «جليد» للمؤلفة مارلين روبنسون، التي أعاد قراءتها بعد أن أصبح أباً، ليكتشف فيها شحنات عاطفية هائلة في رسائل الأب لابنه. هذا التواصل الوجداني مع النص لم يكن متاحاً له قبل خوض تجربة الأبوة، مما يؤكد أن القراءة تتطور بتطور الإنسان.

لم تقتصر اهتمامات وود على الروايات الطويلة، بل وجد ضالته في القصص القصيرة التي تبرع في تكثيف التعقيد الإنساني. وأشاد بمجموعة «شرب القهوة في مكان آخر» للكاتبة زد زد باكر، معتبراً إياها نموذجاً للحساسية النفسية العالية في تناول علاقات الآباء والأبناء.

وفي جانب يتسم بالصراحة النقدية، لم يتردد وود في الحديث عن خيبات الأمل الأدبية، مشيراً إلى رواية «الساحر» لجون فاولز. فقد أثارت نهايتها غضبه لدرجة دفعته لرمي الكتاب على الحائط، في مفارقة تعكس حبه الشديد للكتاب وإحباطه من مساره في آن واحد.

ومع نضجه الأدبي، استمر وود في اكتشاف عوالم روائية جديدة لم تكن مألوفة لديه في السابق، مثل أعمال غايل جونز. فقد توقف طويلاً عند رواية «كورجوريدا» التي تستعرض ببراعة أثر الصدمات الموروثة عبر الأجيال، متنقلة بين الماضي والحاضر بأسلوب سردي مؤثر.

كما لفت الكاتب إلى رواية «سلوكيات سيئة» لأغنس أوينز، التي كانت بوابته لاستكشاف مؤلفين جدد في مرحلة متأخرة من مسيرته. هذه الاكتشافات المستمرة تؤكد أن المكتبة الإنسانية تظل مفتوحة دائماً على مفاجآت تغير مسار التفكير الأدبي لدى القارئ والكاتب معاً.

وفي لحظات البحث عن السكينة، يلجأ بنيامين وود إلى ما يسميه «البطانية الأدبية»، وهي كتب تمنحه الطمأنينة والراحة النفسية. وخص بالذكر أعمال توبياس وولف مثل «المدرسة القديمة»، وجيمس م. كين في روايته الشهيرة «ميلدريد بيرس»، حيث يجد فيهما ملاذاً من ضغوط الحياة.

تظهر تجربة وود أن العلاقة بين الإنسان والكتاب هي علاقة نمو متبادل، حيث يسهم الأدب في تشكيل النضج العاطفي للفرد. القراءة هنا ليست ترفاً، بل هي رحلة فكرية متواصلة تندمج فيها الذكريات الشخصية مع الخيال لتصيغ فهماً أعمق للذات وللآخرين.

هذه الرؤية العميقة للقراءة لا تبدو غريبة عن التراث الأدبي العربي، حيث تتقاطع مع أفكار كبار الأدباء مثل طه حسين. فقد آمن الرواد العرب بأن الكتابة والقراءة هما أداتان لفهم المجتمع ومواجهة التحديات النفسية والعاطفية التي تفرضها الحياة اليومية.

إن الربط بين التجربة الحياتية اليومية والعمل الأدبي هو ما يمنح القصص خلودها وتأثيرها العابر للحدود. فالروايات في نهاية المطاف هي مساحات لاستيعاب العالم، وتعليم البشر كيف يتعاطفون مع بعضهم البعض من خلال مشاركة الآلام والآمال الإنسانية.

يُعرف بنيامين وود في الأوساط الثقافية بأسلوبه الناقد والعميق، وقدرته الفائقة على سبر أغوار الشخصيات المعقدة. وباعتباره صوتاً مهماً في المشهد الأدبي المعاصر، تظل شهادته حول القراءة مرجعاً ملهماً لفهم التداخل الوثيق بين الفن والواقع والتجربة الإنسانية.

اسرائيليات

الجمعة 27 مارس 2026 5:27 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات إسرائيلية من تشكل 'نادٍ إقليمي' ينهي الهيمنة ويعزل الاحتلال

تتصاعد المخاوف داخل الأوساط الإسرائيلية من تداعيات التغيرات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، خاصة مع بروز مؤشرات على تشكل تحالفات جديدة قد تضر بمصالح الاحتلال الاستراتيجية. ويرى مراقبون أن التوجه الأمريكي الأخير لفتح قنوات تفاوض مع إيران بوساطة إقليمية يعكس تراجعاً في القدرة على الحسم العسكري، مما يدفع دول المنطقة للبحث عن ترتيبات أمنية مستقلة بعيداً عن المظلة الإسرائيلية.

وأشار إيلي فودا، الأستاذ في الجامعة العبرية وعضو ائتلاف الأمن الإقليمي، إلى أن الوساطة التي قادتها تركيا ومصر وباكستان لتعليق خطط الهجوم على المنشآت الإيرانية ليست مجرد حدث عابر. وأوضح فودا أن هذه التحركات تشير إلى نشوء ترتيب إقليمي جديد يقوم على المصالح المشتركة لهذه القوى، وهو ما يثير قلقاً عميقاً في تل أبيب بشأن مستقبل نفوذها في الشرق الأوسط.

وقد بدأت ملامح هذا التحول منذ قمة الرياض في نوفمبر 2023، التي أدت لتشكيل 'مجموعة الثماني' بهدف تنسيق المواقف تجاه الحرب في غزة. ورغم التغيرات في عضوية المجموعة بانضمام باكستان والإمارات، إلا أنها استمرت كمنصة سياسية تهدف لتعزيز الاستقرار الإقليمي بعيداً عن التصعيد العسكري الذي تنتهجه إسرائيل في المنطقة.

وأفادت مصادر بأن جولتي المواجهة العسكرية مع إيران في عامي 2025 و2026 ضاعفت من مخاوف الدول المجاورة من انهيار الاستقرار الاقتصادي والأمني، لا سيما خطر إغلاق مضيق هرمز. هذا القلق دفع 12 وزير خارجية من دول عربية وإسلامية للاجتماع في الرياض مؤخراً، حيث صدر بيان يرفض الطموحات التوسعية الإسرائيلية ويدين الهجمات التي تستهدف سيادة دول المنطقة.

وفي سياق متصل، ناقشت قوى كبرى مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان إمكانية إنشاء منصة أمنية مشتركة لتعزيز التعاون في الصناعات العسكرية ومواجهة التحديات الإقليمية. هذا التوجه نحو 'الاعتماد على الذات' أمنياً يمثل تحولاً جوهرياً قد يؤدي إلى تقليص الدور الإسرائيلي الذي كان يسوق نفسه كحليف أمني وحيد لبعض دول المنطقة.

وتشير التقارير إلى أن العلاقات الثنائية بين هذه الدول شهدت قفزات نوعية، مثل الاتفاقية الدفاعية بين السعودية وباكستان، والتقارب التركي المصري السعودي الذي توج بزيارات رفيعة المستوى في فبراير 2026. هذه التحالفات لا تهدف فقط لمواجهة النفوذ الإيراني، بل تسعى أيضاً للحد من الهيمنة الإسرائيلية التي باتت توصف في العواصم الإقليمية بأنها 'قوة متسلطة'.

ويرى المحللون أن الكتلة البشرية والعسكرية لهذه الدول، التي تضم نحو نصف مليار نسمة وتمتلك قدرات نووية ونفطية هائلة، تشكل ضغطاً هائلاً على إسرائيل. فباكستان بقوتها النووية، والسعودية بمكانتها الاقتصادية والدينية، وتركيا بقدراتها التصنيعية العسكرية، يمثلون معاً نادياً إسلامياً قادراً على فرض أجندة سياسية جديدة في المنطقة.

وعلى الرغم من صمود اتفاقيات التطبيع الحالية، إلا أن تدهور العلاقات مع دول 'السلام التقليدي' مثل مصر والأردن يضعف من جدوى أي توسع مستقبلي في هذا المسار. وتخشى إسرائيل من أن يؤدي ضعف إيران النسبي إلى بروز تركيا كقائد وحيد للمنطقة الإسلامية، وهي التي تتبنى مواقف حادة تجاه السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وخلصت التحليلات الإسرائيلية إلى أن المرحلة التي تلي الحرب ستشهد مطالبة دولية وإقليمية واسعة بحل القضية الفلسطينية كشرط أساسي للاستقرار. وسيكون هذا 'النادي العربي الإسلامي' الجديد هو المحرك الرئيسي لهذه الضغوط، مما قد يضع إسرائيل في مواجهة عزلة ديبلوماسية غير مسبوقة إذا استمرت في سياساتها اليمينية المتطرفة في الضفة وغزة.

تحليل

الجمعة 27 مارس 2026 4:44 مساءً - بتوقيت القدس

مآلات الأسبوع الخامس للحرب: ترامب بين فخ الابتزاز وخيارات التصعيد

مع اقتراب الحرب من طي صفحة أسبوعها الرابع والدخول في الأسبوع الخامس، شهدت الساحة الدولية تصعيداً دراماتيكياً تمثل في تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف مراكز الطاقة المدنية. جاء هذا التهديد رداً على إعلان إيران سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز، وهو القرار الذي وصف بأنه زلزال أصاب مفاصل الاقتصاد العالمي وأثار مخاوف دولية واسعة.

الرد الإيراني على التهديدات الأمريكية لم يتأخر، حيث تبنت طهران مبدأ المعاملة بالمثل، مؤكدة أن أي اعتداء سيواجه برد موازٍ في القوة والتأثير. هذا التراشق الكلامي والميداني جعل نهاية الأسبوع الرابع تنذر بمستويات غير مسبوقة من التصعيد، متجاوزة الصدمات الأولى التي رافقت اندلاع العمليات العسكرية.

عاش العالم حالة من الترقب دامت نحو ثمان وأربعين ساعة، بانتظار تنفيذ ترامب لوعيده العسكري ضد المنشآت الإيرانية. إلا أن المشهد اتخذ منحى مغايراً حين أعلن الرئيس الأمريكي عن وجود قنوات تفاوض مفتوحة مع مسؤول إيراني رفيع، واصفاً إياه بالشخصية المحترمة، في محاولة لتهدئة الأجواء مؤقتاً.

من جانبها، سارعت طهران إلى نفي وقوع أي اتصالات أو مفاوضات مع الجانب الأمريكي، مما وضع مصداقية التصريحات البيت الأبيض على المحك. هذا التضارب دفع ترامب إلى إعلان تأجيل تنفيذ تهديداته لمدة خمسة أيام إضافية، متذرعاً بضرورة منح فرصة للجهود الدبلوماسية والاتصالات المستمرة.

يرى مراقبون أن استخدام ترامب لمصطلح التفاوض قد يكون مجرد غطاء لممارسة الخداع الاستراتيجي قبل شن عمليات عسكرية غادرة. وتستند هذه الرؤية إلى تجارب سابقة في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتم استغلال المهل الزمنية لإعادة ترتيب الصفوف وتحديد أهداف جديدة بعيداً عن الأضواء.

رغم مهلة الأيام الخمسة، لم تتحول هذه الفترة إلى هدنة حقيقية لوقف إطلاق النار على الأرض، بل ظلت مجرد تمديد للتهديدات اللفظية. فقد استمر القصف المتبادل والعمليات القتالية على مختلف الجبهات، لا سيما في الساحتين الإيرانية واللبنانية، مما يؤكد أن الحرب لا تزال في ذروتها.

في قطاع غزة، استمرت حالة ما يمكن وصفه بـ 'نصف الحرب'، حيث واصلت حكومة نتنياهو سياسات الاغتيال الممنهج وحصار المساعدات الإنسانية. وفي المقابل، عملت فصائل المقاومة على تعزيز قبضتها الأمنية والميدانية، في محاولة لفرض واقع جديد يمنع الاحتلال من تحقيق أهدافه السياسية.

سجلت وقائع الأسبوع الرابع فشلاً ملموساً في تحقيق الأهداف التي شنت من أجلها الحرب العدوانية على إيران، وفقاً لتقديرات سياسية. فقد كان الرهان الأمريكي قائماً على دفع القيادة الإيرانية للاستسلام غير المشروط، وهو ما قوبل برفض قاطع وإصرار على خوض حرب دفاعية طويلة الأمد.

أثبتت التطورات الميدانية أن إيران مستعدة تماماً لحرب استنزاف تتجاوز مجرد الصمود السلبي، لتصل إلى مرحلة التأثير في موازين القوى الإقليمية. وتشير المعطيات إلى أن طهران هي من سيمتلك زمام المبادرة في تحديد كيفية نهاية هذه الحرب وشكل الخارطة السياسية التي ستليها.

على الصعيد الداخلي الإيراني، خابت التوقعات الغربية التي راهنت على حدوث ثورة شعبية ضد نظام الحكم نتيجة الضغوط العسكرية والاقتصادية. وبدلاً من ذلك، شهدت المدن الإيرانية تظاهرات مليونية حاشدة عبرت عن دعم شعبي واسع للتوجهات الدفاعية للدولة ورفض التدخلات الخارجية.

يكشف هذا التلاحم الشعبي مرة أخرى عن قصور في فهم الاستشراق الغربي والصهيوني لطبيعة المجتمعات في المنطقة وعمق تمسكها بكرامتها الوطنية. فالتاريخ يثبت أن الضغوط الخارجية غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تتوحد الجبهة الداخلية في مواجهة التهديدات الوجودية.

يبقى السؤال المطروح حول طبيعة القرار الذي سيتخذه ترامب بعد انقضاء مهلة الأيام الخمسة، وهو سؤال يصعب الإجابة عليه نظراً لتقلب مواقفه. وتلعب الضغوط الداخلية والابتزازات السياسية دوراً كبيراً في توجيه بوصلة القرار الأمريكي، مما يجعل التنبؤ بالخطوة القادمة أمراً معقداً.

تشير بعض التحليلات إلى أن ترامب يواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية هائلة، سواء من داخل الولايات المتحدة أو من حلفائه الدوليين. هذه الضغوط، تزامناً مع استحالة تحقيق حسم عسكري سريع، تضع الإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي يتطلب مراجعة شاملة للاستراتيجية المتبعة.

في الختام، يبدو أن فشل الخيارات العسكرية الحالية سيفرض نفسه على طاولة القرار في واشنطن، ما لم يحدث تحول مفاجئ في موازين القوى. إن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح سيزيد من استنزاف كافة الأطراف، ويجعل من الأسبوع الخامس محطة مفصلية في تاريخ الصراع بالمنطقة.

تكنولوجيا

الجمعة 27 مارس 2026 4:43 مساءً - بتوقيت القدس

سلطة الخوارزميات: هل يواجه الإبداع البشري عصر 'الرقابة الرقمية' الناعمة؟

شهد الوسط الثقافي والفكري مؤخراً هزة نوعية بصدور كتاب فلسفي أنتجه الذكاء الاصطناعي بالكامل تحت عنوان 'حكم التنويم المغناطيسي'، متناولاً شخصيات مثل ترامب وماسك. لم يعد هذا الحدث مجرد استعراض تقني، بل أضحى علامة فارقة تشير إلى تحول عميق في علاقة الإنسان بالآلة التي صنعها بيديه.

يبدو أن هذا 'العقل الموازي' تجاوز مرحلة المحاكاة البسيطة ليبدأ في التأثير المباشر على أنماط التفكير البشري، مما يضع وظيفة الإنسان الأساسية في التفكير الحر على المحك. هذا التحول يفرض تساؤلات ملحة حول مدى امتلاك المبدع المعاصر لزمام اختياراته في فضاء يبدو موجهاً سلفاً.

تاريخياً، انحصرت قيود الإبداع بين مطرقة الرقابة العامة والقوانين، وسندان الرقابة الذاتية النابعة من القيم الاجتماعية. إلا أن المشهد الراهن كشف عن بروز سلطة ثالثة أكثر تعقيداً وتخفياً، وهي سلطة الخوارزميات التي باتت تتحكم في تدفق المعرفة وتوجيه الوعي.

تُعرف الخوارزميات علمياً بأنها مجموعة من الخطوات المنطقية المصممة لحل المشكلات، وقد استلهمت تطورها من الشبكات العصبية للدماغ البشري. ومع ظهور تقنيات التعلم العميق والبيانات الضخمة، تحولت هذه الأدوات من مجرد وسائل حسابية إلى منظومات توجيهية شاملة.

تتجلى خطورة الخوارزميات في قدرتها على تحديد ما يظهر للمبدع وما يحجب عنه، مما يؤثر بشكل مباشر على مخزونه المعرفي ومصادر إلهامه. هذا التوجيه يدفع المنتجين الثقافيين، بوعي أو بدونه، إلى صياغة محتوى يتوافق مع معايير الانتشار الرقمي لضمان التفاعل.

في منصات التواصل الحديثة، يُلاحظ تفضيل المحتوى السريع والمكثف على حساب العمق الفكري، مما يضطر المبدعين لاختزال أفكارهم وتبسيطها. هذا النمط يؤدي إلى تنميط غير معلن للإبداع، حيث تصبح الأنماط الجمالية المهيمنة هي تلك التي تحظى بأكبر قدر من المشاهدات.

تمارس هذه الأنظمة نوعاً من 'التوجيه الناعم' الذي يعيد تشكيل الذوق العام دون صدام مباشر مع المبدع. ومن خلال تحليل السلوكيات، تقوم الخوارزميات ببناء عالم رقمي يشبه المستخدم تماماً، مما يحصره في دائرة ضيقة من القناعات المسبقة.

يبرز هنا مفهوم 'غرف الصدى'، حيث يجد الفرد نفسه محاطاً بآراء تماثل رؤيته للعالم، بينما تُغيب وجهات النظر المختلفة تماماً. هذا الانغلاق لا يهدد السلم المجتمعي فحسب، بل يقتل العملية الإبداعية التي تتغذى أساساً على التنوع والاختلاف والاحتكاك بالآخر.

تكمن المعضلة الكبرى في أن هذه المنظومات توهم المستخدم بالحرية الكاملة في الاختيار، بينما هو يتحرك في فضاء مرسوم بدقة. إن الشعور بالحرية داخل نظام مبرمج يطرح إشكالات فلسفية حول ماهية الإرادة البشرية في العصر الرقمي الحالي.

بالعودة إلى فلسفة العقل، يرى جون سيرل أن الحواسيب تظل أنظمة لمعالجة الرموز تفتقر للوعي الحقيقي الذي يمنح المعنى. ومع ذلك، فإن قدرة هذه الأنظمة على إعادة توجيه انتباهنا وتشكيل بيئتنا المعرفية تظل حقيقة واقعة لا يمكن تجاهلها.

دعا فلاسفة مثل توماس نيغل إلى ضرورة إحداث ثورة في فهمنا للوعي تتجاوز التفسيرات المادية والتقنية البحتة. كما حذرت أبحاث أكاديمية، مثل ما قدمته كاثي أونيل، من الثقة المطلقة في الخوارزميات التي قد تعمق اللامساواة وتؤثر في مصائر البشر.

إن تحدي الإبداع اليوم لم يعد يقتصر على مواجهة الرقابة التقليدية، بل في إدراك آليات التوجيه غير المرئي التي تمارسها التكنولوجيا. يتطلب ذلك انتقالاً من مفهوم الحرية كغياب للقيود إلى وعي كامل بالشروط التقنية التي تنتج اختياراتنا اليومية.

المبدع المعاصر مطالب بامتلاك وعي مزدوج؛ وعي بما ينتجه من فن أو فكر، ووعي بالبيئة الرقمية التي تحتضن هذا الإنتاج. فالخوارزميات لم تلغِ الحرية، لكنها وضعت لها شروطاً جديدة تتطلب يقظة فكرية مستمرة لمواجهة التنميط الآلي.

في نهاية المطاف، يظل الإبداع ساحة صراع بين منطقين متناقضين: منطق الآلة القائم على التوقع والتكرار، ومنطق الإنسان القائم على الابتكار. وفي هذه المساحة الفاصلة بين التوقع والمفاجأة، تتحدد ملامح الحرية الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 4:43 مساءً - بتوقيت القدس

لبنان على حافة الانهيار: الحرب تعمق الانقسامات الطائفية وصدام سياسي غير مسبوق بين الحكومة وحزب الله

تواجه الدولة اللبنانية الهشة اختباراً مصيرياً مع تصاعد وتيرة الحرب بين إسرائيل وحزب الله، حيث يرى مراقبون أن الصراع الحالي هو الأكثر زعزعة للاستقرار منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990. وتسببت العمليات العسكرية في تعميق الشروخ الطائفية والسياسية، خاصة مع نزوح مئات الآلاف من بيئة حزب الله نحو مناطق تقطنها طوائف أخرى تبدي توجساً من تبعات هذا الوجود.

ميدانياً، أدت الغارات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء المتكررة إلى نزوح ما يزيد عن مليون شخص، وهو ما يمثل نحو خُمس سكان البلاد. وتتركز حركة النزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، وهي مناطق نفوذ شيعية، باتجاه مناطق مسيحية ودرزية، مما خلق حالة من التوتر الاجتماعي المشحون بالخلافات السياسية القديمة حول جدوى انخراط الحزب في حروب إقليمية.

على الصعيد السياسي، اتخذت السلطة التنفيذية خطوات غير مسبوقة، حيث أعلن الرئيس جوزاف عون والحكومة برئاسة نواف سلام حظر الجناح العسكري لحزب الله. ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل شملت الدعوة لإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل ومطالبة السفير الإيراني بمغادرة بيروت، في تحول جذري لموازين القوى الداخلية.

ورد حزب الله بلهجة تصعيدية على هذه القرارات، حيث شبه القيادي في الحزب محمود قماطي الحكومة الحالية بـ 'حكومة فيشي' التي تعاونت مع الاحتلال النازي في فرنسا. وأكد قماطي في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً قدرة الحزب على 'قلب البلد والحكومة'، رغم إشارته لاحقاً إلى أن الحزب يفضل الهدوء والصبر في التعامل مع الداخل اللبناني.

من جانبه، حذر النائب الدرزي وائل أبو فاعور من أن الخطاب العدائي المتزايد بين الأطراف اللبنانية يهدد الاستقرار الداخلي بشكل جدي. وأشار إلى أن التوترات الناتجة عن ملف النزوح والانقسام حول قرار الحرب والسلم تحولت إلى مادة دسمة للسجالات السياسية التي قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة.

وفي السياق الميداني، كشفت مصادر عسكرية أن الجيش الإسرائيلي يعتمد استراتيجية تهدف إلى عزل المكونات الطائفية، حيث صدرت أوامر الإخلاء للقرى الشيعية فقط في الجنوب. وأكد مسؤول عسكري إسرائيلي أن القرى المسيحية لا تزال مأهولة ولم تستهدف، وهو ما يراه سياسيون لبنانيون محاولة متعمدة لإثارة الفتنة الطائفية ودفع النازحين نحو مناطق الصدام.

ووصف مسؤولون أجانب أزمة النزوح بأنها 'قنبلة موقوتة' قد تنفجر في حال طال أمد الحرب ومنع النازحون من العودة إلى ديارهم. وتزداد المخاوف من سعي إسرائيل لإنشاء منطقة أمنية دائمة تصل إلى نهر الليطاني، مما يعني تهجيراً طويل الأمد لمئات الآلاف من السكان، وهو ما لا تملك البنية التحتية اللبنانية القدرة على استيعابه.

النائب المسيحي المعارض نديم الجميل دعا الحكومة إلى ضرورة نزع سلاح حزب الله فوراً لإنهاء الحرب وحماية ما تبقى من الدولة. وأعرب الجميل عن قلقه من أن بقاء القوات الإسرائيلية لفترة طويلة في الجنوب سيؤدي إلى كارثة وطنية، مشدداً على أن لبنان لم يعد قادراً على تحمل تبعات سياسات الحزب المرتبطة بالأجندات الخارجية.

في المقابل، يرى النائب عن حزب الله حسن فضل الله أن بعض الأطراف اللبنانية تتعامل مع الأزمة الإنسانية للنازحين بـ 'منطق طائفي' ضيق. وأكد فضل الله أن هذه المرحلة مؤقتة وسيتجاوزها الحزب بمجرد وقف العدوان وعودة السكان إلى قراهم، معتبراً أن الأولوية القصوى الآن هي لمواجهة الهجوم الإسرائيلي قبل الالتفات للملفات الداخلية.

وشهدت مناطق شمال بيروت احتكاكات ميدانية، حيث طالب سكان في مناطق ذات أغلبية مسيحية النازحين بالمغادرة عقب سقوط شظايا صواريخ اعتراضية. كما واجهت محاولات إقامة مراكز إيواء في حي الكرنتينا اعتراضات سياسية حادة، مما دفع رئاسة الحكومة لتحويل الموقع إلى مخزن للمساعدات بدلاً من مأوى للنازحين لتجنب الصدام.

وفي أحياء أخرى مثل الدكوانة، تحاول السلطات المحلية موازنة الجانب الإنساني مع الهواجس الأمنية عبر إجراءات تدقيق صارمة في هويات المستأجرين الجدد. وأفادت مصادر محلية بأن البلديات تقوم بإرسال بيانات النازحين إلى الأجهزة الأمنية للتحقق من عدم وجود ملاحقين أو أهداف محتملة للغارات الإسرائيلية بينهم.

وتشير تقارير دبلوماسية إلى وجود مقترح أمريكي يتألف من 15 نقطة يهدف لإنهاء الصراع، ويتضمن بنوداً تتعلق بقطع التمويل الإيراني عن الفصائل المسلحة. ويبدو أن هذا المقترح يتقاطع مع رغبة حكومية لبنانية في استعادة سيادة الدولة على قرار الحرب والسلم، وهو ما يرفضه حزب الله جملة وتفصيلاً في الوقت الراهن.

ويرى النائب آلان عون أن الصيغة التي حكمت لبنان لعقود، والقائمة على التعايش بين الدولة وسلاح الحزب، قد وصلت إلى نهايتها المسدودة. وأوضح أن نتائج الحرب الحالية هي التي ستفرض الشروط النهائية للنظام السياسي القادم، وسط ترقب دولي وإقليمي لما ستسفر عنه المواجهات الميدانية في الجنوب.

ختاماً، يبقى لبنان معلقاً بين مطرقة الغارات الإسرائيلية المدمرة وسندان الانقسام الداخلي الذي يهدد بتفكك النسيج الاجتماعي. ومع استمرار سقوط الضحايا وتزايد أعداد المشردين، تبدو الحلول السياسية بعيدة المنال في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الجذرية تجاه سلاح المقاومة ودور الدولة.

اقتصاد

الجمعة 27 مارس 2026 4:43 مساءً - بتوقيت القدس

ممرات برية بديلة لتأمين الغذاء والدواء للخليج بعد شلل الملاحة في مضيق هرمز

تواصل شركة 'إيه. بي. مولر – ميرسك' العالمية جهودها لتأمين تدفق السلع الأساسية إلى دول الخليج، في ظل اضطرابات غير مسبوقة أصابت حركة الشحن البحري. وتأتي هذه التحركات عقب اندلاع مواجهات عسكرية أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في شلل شبه كامل للنقل البحري وأثار مخاوف دولية بشأن استقرار سلاسل الإمداد.

وأكد المدير الإقليمي للشركة في الشرق الأوسط، تشارلز فان دير ستينه أن ميرسك نجحت في الحفاظ على خطوط إمداد الغذاء والدواء من خلال الاعتماد على مسارات برية بديلة. وأشار في تصريحات صحفية إلى أن الشركة تمتلك القدرة على التكيف مع الأزمة الراهنة عبر إعادة توجيه عملياتها اللوجستية لضمان وصول الشحنات الحيوية.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع في إيران أواخر فبراير الماضي، وما تبعها من ردود فعل إيرانية واسعة شملت إغلاق مضيق هرمز. ويعد هذا المضيق شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية، حيث تمر عبره حصة كبرى من إمدادات النفط والغاز والسلع التجارية المتجهة إلى المنطقة.

وأدى التصعيد العسكري إلى توقف شبه تام لحركة السفن التجارية من وإلى موانئ الخليج، مما كشف عن هشاشة النظام اللوجستي الدولي أمام الصراعات الجيوسياسية. وتعتمد دول المنطقة بشكل كثيف على الاستيراد لتلبية احتياجات سكانها، مما جعل البحث عن بدائل سريعة ضرورة استراتيجية ملحة.

وفي مواجهة هذه التحديات، اعتمدت ميرسك نموذج 'الجسر البري' الذي يقوم على تفريغ البضائع في موانئ بديلة خارج منطقة الصراع ثم نقلها براً. وتشمل هذه المنظومة موانئ رئيسية مثل جدة في السعودية، وصلالة وصحار في سلطنة عمان، بالإضافة إلى ميناء خورفكان في دولة الإمارات.

وأوضح المسؤول الإقليمي أن الشركة تعمل بالتنسيق الوثيق مع حكومات دول الخليج لتسهيل الإجراءات الجمركية وتسريع عمليات التخليص في الموانئ البديلة. وقد ساهمت هذه التسهيلات في تقليل زمن الشحن الإجمالي رغم التعقيدات الأمنية واللوجستية التي فرضتها ظروف الحرب الدائرة في المنطقة.

وتمنح ميرسك الأولوية القصوى للسلع الحيوية مثل الأدوية والمواد الغذائية، بما في ذلك الشحنات التي تتطلب تبريداً خاصاً لضمان سلامتها. وأكدت الشركة وجود طاقة استيعابية فائضة في المسارات البرية، مما يعكس مرونة الشبكة البديلة وقدرتها على تعويض النقص الناتج عن توقف الملاحة البحرية.

وتشير البيانات الإحصائية إلى ارتفاع حجم الشحنات الواصلة إلى ميناء جدة بنسبة 4% منذ اندلاع الأزمة، ما يؤكد التحول الفعلي نحو الموانئ المطلة على البحر الأحمر وبحر العرب. وكانت ميرسك تنقل نحو 35 ألف حاوية أسبوعياً قبل الحرب، وهي كميات تسعى الشبكة البرية لاستيعابها حالياً.

وبالتوازي مع ذلك، فعلت الحكومات الخليجية ما يعرف بـ'المسار الأخضر' لتسريع عبور البضائع الأساسية عبر الحدود البرية وتقليل فترات الانتظار. وتهدف هذه الآلية إلى ضمان استقرار الأسواق المحلية وتجنب أي نقص في المواد الغذائية التي تستورد دول الخليج نحو 85% منها من الخارج.

من جهة أخرى، حذرت قيادات في قطاع الشحن من أن اضطراب الإمدادات يمثل تحدياً ملحاً يتطلب حلولاً مستدامة نظراً للاعتماد الكبير على الاستيراد. وأشار خبراء إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والوقود المرتبطة بالمسارات البرية الطويلة.

وفي سياق متصل، كشفت شركة 'هاباج لويد' عن تكبدها خسائر أسبوعية تتراوح بين 40 و50 مليون دولار نتيجة الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط. وأكدت الشركة أن استمرار احتجاز ست من سفنها في الخليج يمثل عبئاً مالياً وتشغيلياً كبيراً لا يمكن تحمله لفترات زمنية طويلة.

ولتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، أعلنت الخطوط الحديدية السعودية (سار) عن إطلاق ممر لوجستي دولي جديد يربط الموانئ الشرقية بمنفذ الحديثة على الحدود الأردنية. ويهدف هذا المشروع إلى تقليص زمن نقل البضائع إلى النصف، حيث يمكن للقطار الواحد نقل أكثر من 400 حاوية في الرحلة الواحدة.

وتسهم هذه الممرات السككية في تخفيف الضغط على الطرق البرية وتحسين معايير السلامة، فضلاً عن دورها في خفض الانبعاثات الكربونية. وتأتي هذه الخطوة ضمن رؤية السعودية لتطوير القطاع اللوجستي وربط مناطق الإنتاج والموانئ بشبكة نقل متطورة تمتد لأكثر من 5500 كيلومتر.

ختاماً، تعكس هذه التطورات تحولاً عميقاً في استراتيجيات الشحن العالمية، حيث تفرض الأزمات الجيوسياسية ضرورة ابتكار مسارات مرنة تتجاوز الممرات المائية التقليدية. وتبقى قدرة هذه البدائل البرية والسككية على الصمود هي الضمانة الوحيدة لاستقرار أسواق المنطقة في ظل استمرار التوترات العسكرية.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 4:43 مساءً - بتوقيت القدس

غزة: المساعدات الغذائية الفاسدة تلاحق النازحين وتحذيرات من سياسة التجويع

تفاقمت الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مع تحول المساعدات الغذائية الشحيحة إلى مصدر خطر يهدد حياة آلاف النازحين، حيث وصلت شحنات من المواد التموينية منتهية الصلاحية أو تالفة نتيجة ظروف التخزين السيئة. وأفادت مصادر ميدانية بأن النازحين اكتشفوا عند فتح المعلبات الأساسية مثل الفول والحمص تغير خصائصها الطبيعية وظهور علامات الفساد عليها، مما يعكس واقعاً معقداً يتقاطع فيه الجوع مع تدهور جودة الغذاء المتاح.

وتشير شهادات من داخل مراكز الإيواء إلى أن بعض المعلبات والزيوت التي يتم توزيعها تجاوزت تاريخ صلاحيتها بفترات طويلة تصل إلى عام كامل، ومع ذلك يضطر البعض لاستهلاكها في ظل انعدام البدائل. وأوضحت المصادر أن بقاء الشحنات لفترات زمنية ممتدة تحت أشعة الشمس المباشرة عند المعابر الحدودية قبل السماح بدخولها، يساهم بشكل مباشر في تلف محتوياتها قبل وصولها إلى مستحقيها.

وعلى صعيد الخسائر المادية والغذائية، كشف تجار محليون عن إتلاف ما يزيد عن 4 آلاف طن من اللحوم المجمدة مؤخراً بعدما ثبت فسادها وعدم صلاحيتها للاستهلاك البشري نتيجة التأخير المتعمد في التوريد. وأكد هؤلاء أن استمرار إغلاق المعابر والقيود المفروضة على حركة البضائع يحول دون وصول المواد الطازجة، مما يجعل السكان رهينة للمعلبات التي باتت هي الأخرى غير آمنة.

وفي ظل هذا الوضع، يواجه النازحون صعوبات إضافية عند محاولة استبدال هذه السلع التالفة، حيث يرفض أصحاب المتاجر تسلمها أو التعامل بها حفاظاً على السلامة العامة ومنعاً لانتشار الأمراض. ويؤكد تجار أن فتح المعابر بشكل دائم هو الحل الوحيد لضمان تدفق سلع صالحة وتجنب الخسائر الهائلة في الشحنات الغذائية التي ينتظرها مئات الآلاف من الجوعى.

من جانبه، دخل المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان على خط الأزمة، محذراً من أن ما يحدث يندرج ضمن سياسة ممنهجة لتوظيف التجويع كسلاح في إطار جريمة الإبادة الجماعية ضد المدنيين. وأشار المرصد إلى أن التحكم في كمية ونوعية المواد الغذائية وتقليص تدفقها يهدف إلى تعميق هشاشة الحياة اليومية للفلسطينيين في القطاع المحاصر.

ويعاني سكان غزة من رفوف فارغة في الأسواق وارتفاع جنوني في أسعار الخضروات واللحوم إن وجدت، مما جعل المعلبات هي الملاذ الأخير للبقاء على قيد الحياة رغم مخاطرها الصحية. وتصل الروائح الكريهة من بعض الطرود الغذائية التي تحتوي على بقوليات ولحوم، مما يضع رب الأسرة أمام خيارين أحلاهما مر: إما الجوع الشديد أو إطعام أطفاله طعاماً قد يسبب لهم التسمم.

وتستمر المعاناة اليومية في مخيمات النزوح المكتظة، حيث لا تلبي المساعدات الواصلة الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، بل تزيد من الأعباء النفسية والجسدية على السكان. ويبقى المطلب الأساسي للمنظمات الحقوقية والأهالي هو كسر الحصار وفتح المعابر لضمان دخول إمدادات إنسانية وتجارية منتظمة ومنقذة للحياة بعيداً عن سياسات التقطير والتعطيل.

تحليل

الجمعة 27 مارس 2026 4:12 مساءً - بتوقيت القدس

مواجهة الإرادات في الشرق الأوسط: هل تنجح الآلة العسكرية في كسر النفوذ الإيراني؟

تقف المنطقة اليوم أمام لحظة مفصلية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية العابرة، حيث تُختبر في قلب الشرق الأوسط قدرات القوى الإقليمية والدولية في صراع إرادات مفتوح. إن الحرب الدائرة ليست مجرد ضربات جوية، بل هي رسائل قوة متبادلة بين طهران وتل أبيب وواشنطن، تهدف لإعادة رسم خريطة النفوذ والأمن السياسي للأجيال القادمة.

تتجلى استراتيجية طهران في كونها محوراً ممتداً من الخليج إلى لبنان واليمن وفلسطين، مما يجعل أي محاولة لفرض إرادة خارجية عليها مهمة مكلفة ومعقدة. وقد أثبتت الأحداث أن الآلة العسكرية وحدها لا تستطيع فرض النتائج النهائية، خاصة وأن الرهانات تتعلق بالتحكم في مسارات الطاقة العالمية واستقرار المنطقة بأكملها.

منذ انطلاق الشرارة الأولى للهجمات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير الماضي، بدا واضحاً أن الرهان كان يقوم على توجيه ضربة قاصمة تفقد إيران القدرة على المبادرة. ومع ذلك، اصطدم هذا التصور بواقع معقد، حيث أعادت إيران توزيع أوراقها ووسعت مساحة الاشتباك لتتحول المعركة إلى صراع متعدد الجبهات عسكرياً وإعلامياً.

تستخدم إيران في هذه المواجهة ترسانة متنوعة تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بالتوازي مع تفعيل دور وكلائها الإقليميين في العراق وسوريا ولبنان. هذه المعادلة تقوم على موازنة الخسائر ورفع كلفة الحرب على الخصوم، مما يجعل أي حساب تكتيكي يعتمد على التفوق الجوي وحده منقوصاً ولا يحقق النتائج المرجوة.

على الصعيد الدبلوماسي، برز اشتراط طهران إدخال الملف اللبناني في أي اتفاق لوقف إطلاق النار كإعلان قوة صريح، وهو ما يشير إلى أن اللعبة تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة. إنها حرب على النفوذ في المفاصل الحيوية للشرق الأوسط، بما في ذلك السيطرة على مضيق هرمز وتأمين أسواق الطاقة العالمية.

رغم التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، تظهر فجوة واضحة في الأهداف النهائية؛ فالولايات المتحدة تسعى لكبح البرنامج النووي دون الانزلاق لحرب شاملة. في المقابل، تصر إسرائيل على تدمير القدرة العسكرية الإيرانية بالكامل، معتبرة أن أي تسوية جزئية ستسمح لطهران بالعودة بشكل أقوى في المستقبل القريب.

هذا التباين في الرؤى يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب قد يمتد ليشمل دول الخليج والعراق وصولاً إلى شمال أفريقيا، مما يهدد الاقتصاد العالمي بشكل مباشر. إن التداخل بين الحسابات العسكرية والسياسية يجعل من الصعب التنبؤ بنهاية قريبة للصراع دون تفاهمات استراتيجية كبرى تشمل كافة الأطراف.

ميدانياً، تشير التقارير إلى أن الحرب تركت آثاراً اقتصادية حادة تجاوزت حدود الدول المتحاربة، حيث سجلت احتياطيات الذهب التركية تراجعاً هو الأكبر منذ عام 2018. فقد انخفض الاحتياطي بمقدار 50 طناً ليصل إلى 772 طناً، في ظل مبيعات عملات أجنبية بلغت 26 مليار دولار منذ اندلاع المواجهة.

وفي سياق المحاولات الدبلوماسية، نُقل مقترح أمريكي مكون من 15 بنداً إلى طهران عبر وساطة باكستانية، يتضمن خطة لوقف إطلاق نار مؤقت لمدة شهر. إلا أن الرد الإيراني جاء متمسكاً بمطالب سيادية تشمل وقف الاغتيالات والاعتراف بالسيادة الكاملة على الممرات المائية الحيوية في المنطقة.

تتركز نقاط الخلاف الإسرائيلية حول برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وآلية نقل اليورانيوم المخصب، وسط مخاوف من سعي الإدارة الأمريكية لدفع مفاوضات سريعة. ويخشى المسؤولون في طهران من تعرضهم للخداع السياسي مجدداً، مما يدفعهم للتمسك بمطالب مرتفعة السقف قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.

المعطيات الراهنة تشير إلى أن الحرب قد لا تنتهي بنصر حاسم لأي طرف، بل قد تتحول إلى سلسلة من المواجهات المتقطعة وحروب الوكالة المستمرة. هذا السيناريو يضع الشرق الأوسط أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، حيث تظل خطوط الملاحة والطاقة في حالة تأهب دائم لمواجهة أي تصعيد مفاجئ.

إن ما يجري اليوم هو اختبار حقيقي لمقاومة الشعوب وقدرتها على الصمود أمام محاولات الهيمنة، حيث أثبت الدهاء السياسي الإيراني قدرة على إعادة التوازن. فالقوة العسكرية، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة عن حسم الصراعات التي تتعلق بالسيادة والكرامة الوطنية والإرادة السياسية المستقلة.

في نهاية المطاف، لن تُكتب صفحات هذا الفصل الجديد من تاريخ المنطقة إلا عبر التوازن بين القوة والعقل، وبعيداً عن أوهام النصر السريع بالآلة الحربية. إن تداعيات هذه الحرب ستمتد لسنوات طويلة، لتشكل توازنات جديدة يصعب التنبؤ بملامحها النهائية في ظل تشابك المصالح الدولية والإقليمية.

يبقى فخ التصعيد هو التحدي الأكبر أمام القوى الكبرى، حيث يجد الجميع أنفسهم بين خيارات مكلفة استراتيجياً أو تراجعات مهينة سياسياً. ومن هنا، تظل الحرب على إيران واحدة من أكثر النزاعات تعقيداً في العصر الحديث، محملة برسائل حاسمة لكل من يظن أن مستقبل المنطقة يمكن صياغته بالقوة وحدها.

عربي ودولي

الجمعة 27 مارس 2026 3:42 مساءً - بتوقيت القدس

هجمات إيرانية واسعة تطال موانئ كويتية ومنشآت خليجية وسط تصعيد إقليمي غير مسبوق

شهدت المنطقة الخليجية فجر اليوم الجمعة موجة عنيفة من الهجمات الجوية التي استهدفت منشآت حيوية وموانئ استراتيجية، حيث أعلنت السلطات الكويتية عن تعرض ميناءين رئيسيين لأضرار مادية جراء ضربات نفذتها طائرات مسيرة وصفت بالمعادية. وتأتي هذه التطورات في ظل إعلان طهران استهداف ما تسميه المصالح الأمريكية في المنطقة، مما أدى إلى استنفار عسكري واسع في مختلف العواصم الخليجية.

وأوضحت مؤسسة الموانئ الكويتية في بيان رسمي أن ميناء الشويخ التجاري، الذي يعد الشريان الاقتصادي الأقدم للعاصمة، تعرض لهجوم مباشر بالمسيرات أحدث أضراراً في مرافقه. وأكدت المؤسسة تفعيل كافة إجراءات الطوارئ القصوى بالتنسيق مع الجهات الأمنية، مشيرة إلى أن الحادثة لم تسفر عن وقوع أي إصابات بشرية بين العاملين في الميناء حتى اللحظة.

وفي سياق متصل، كشفت وزارة الأشغال العامة الكويتية عن تعرض ميناء مبارك الكبير الواقع في جزيرة بوبيان شمال البلاد لهجوم مزدوج استخدمت فيه الصواريخ والطائرات المسيرة. وأدى الهجوم إلى وقوع أضرار في البنية التحتية للميناء الاستراتيجي، فيما أكد الجيش الكويتي أن دفاعاته الجوية نجحت في اعتراض وإسقاط طائرتين مسيرتين كانتا تحاولان اختراق الأجواء في مناطق المسؤولية العسكرية.

وعلى صعيد الجبهة السعودية، أعلنت مصادر رسمية عن اعتراض صاروخين باليستيين وتسع طائرات مسيرة في سماء العاصمة الرياض، بالإضافة إلى تدمير 13 مسيرة أخرى استهدفت المنطقة الشرقية منذ فجر اليوم. وتأتي هذه التصديات استكمالاً لجهود الدفاع الجوي السعودي الذي دمر ما مجموعه 33 طائرة مسيرة في المنطقة الشرقية خلال الساعات الأخيرة لمنع وصولها إلى أهدافها الحيوية.

وفي مملكة البحرين، كشفت الإحصائيات الرسمية عن حجم التصعيد الكبير، حيث تم اعتراض وتدمير 154 صاروخاً و362 طائرة مسيرة منذ بدء الاعتداءات في أواخر فبراير الماضي. وأفادت تقارير ميدانية باندلاع حريق في إحدى المنشآت بمحافظة المحرق جراء الهجمات الأخيرة، إلا أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة عليه دون تسجيل خسائر في الأرواح.

أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد تعاملت الدفاعات الجوية مع تهديدات صاروخية استهدفت إمارة الشارقة، وسط دعوات رسمية للسكان بالالتزام بالتعليمات الأمنية والبقاء في أماكن آمنة. وسبق هذا التصعيد سقوط شظايا صاروخ باليستي في شارع سويحان بأبو ظبي، مما أدى في وقت سابق إلى مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة.

وفي دولة قطر، أعلنت وزارة الداخلية عن عودة الأوضاع إلى طبيعتها وزوال التهديد الأمني الذي استدعى في وقت سابق رفع حالة التأهب وتحذير المواطنين من الاقتراب من النوافذ أو الأماكن المكشوفة. وتعكس هذه التحركات حالة القلق الإقليمي من اتساع رقعة المواجهة العسكرية المباشرة التي بدأت تفرض واقعاً أمنياً معقداً على الملاحة والتجارة في الخليج.

ويربط مراقبون هذا التصعيد الخطير بدخول الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران يومها السابع والعشرين، وهي المواجهة التي اندلعت في 28 فبراير الماضي وأسفرت عن خسائر بشرية هائلة في الداخل الإيراني. ومع تواتر الأنباء عن مقتل قيادات سياسية وأمنية رفيعة في طهران، تواصل الأخيرة ردودها العسكرية عبر استهداف دول الجوار التي تتهمها باستضافة مصالح أمريكية.

فلسطين

الجمعة 27 مارس 2026 3:42 مساءً - بتوقيت القدس

للأسبوع الرابع.. الاحتلال يواصل إغلاق الأقصى ويقمع المصلين في شوارع القدس

فرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الجمعة، قيوداً مشددة حالت دون إقامة صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك للأسبوع الرابع على التوالي. وانتشرت قوات الشرطة بكثافة عند مداخل البلدة القديمة وأبواب المسجد، مانعةً المواطنين من الدخول، مما اضطر المئات لأداء الصلاة في الشوارع القريبة.

ويأتي هذا الإغلاق المستمر منذ نهاية شهر فبراير الماضي، في ظل إجراءات أمنية غير مسبوقة تزامنت مع إعلان حالة الطوارئ. وأفادت مصادر بأن الاحتلال يتذرع بتعليمات الجبهة الداخلية التي تمنع التجمعات، وهو ما أدى إلى حرمان آلاف المصلين من ممارسة شعائرهم الدينية في المسجد الأسير.

ولم تقتصر إجراءات التضييق على المسلمين فحسب، بل طالت المقدسات المسيحية حيث استمر إغلاق كنيسة القيامة أمام المصلين والزوار. وتعد هذه الكنيسة من أقدس المواقع الدينية في العالم، ويمثل إغلاقها جزءاً من سياسة شاملة لعزل المدينة المقدسة عن محيطها وتفريغها من الوجود الفلسطيني.

وفي شوارع القدس المحتلة، لاحقت قوات الاحتلال المصلين الذين حاولوا التجمع في شارع صلاح الدين والمناطق المحاذية لأسوار المدينة القديمة. واستخدمت القوات الإسرائيلية القوة لتفريق التجمعات وإجبار المواطنين على إخلاء الساحات العامة، في محاولة لمنع أي مظهر من مظاهر الصلاة الجماعية خارج أسوار المسجد.

وأكد شهود عيان أن حراس المسجد الأقصى وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية هم الوحيدون الذين سُمح لهم بالتواجد داخل باحات المسجد. وتجري الصلوات داخل المصليات المسقوفة بأعداد محدودة جداً، بينما تظل الساحات الخارجية خالية تماماً من المصلين الذين اعتادوا الزحف للأقصى في أيام الجمع.

ورغم القمع الإسرائيلي، تمكنت مجموعات من المواطنين من أداء صلاة الجمعة في شوارع حي رأس العامود ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى. وجاءت هذه الخطوة استجابة لدعوات مقدسية بضرورة الرباط في أقرب نقطة ممكنة من المسجد، تأكيداً على الحق في الوصول إلى المقدسات ورفضاً لسياسة الإغلاق الممنهجة.

من جانبه، أشار مركز معلومات وادي حلوة الحقوقي إلى أن الاحتلال كثف من تواجده العسكري في النقاط الحساسة بالقدس لمنع أي احتجاجات على استمرار الإغلاق. وأوضح المركز أن القوات الإسرائيلية تتبع سياسة الملاحقة الميدانية للمصلين، وتفرض غرامات أو تقوم بعمليات احتجاز مؤقتة لعرقلة وصولهم إلى محيط البلدة القديمة.

وكانت الحكومة الإسرائيلية قد اتخذت قراراً قبل يومين بتمديد حالة الطوارئ في البلاد حتى منتصف شهر أبريل المقبل. هذا التمديد يعني استمرار القيود المفروضة على دور العبادة، وهو ما يثير مخاوف جدية من استمرار منع الصلاة في الأقصى خلال الفترة القادمة، بما يشمل المناسبات الدينية الوشيكة.

يُذكر أن هذا العام شهد سابقة خطيرة بمنع صلوات التراويح وصلاة عيد الفطر في المسجد الأقصى تحت الذرائع الأمنية ذاتها. وتعتبر هذه الإجراءات هي الأشد منذ احتلال شرقي القدس عام 1967، حيث لم يسبق أن أُغلق المسجد بهذا الشكل الطويل والمتواصل أمام المصلين رغم كافة الإدانات العربية والدولية.

اسرائيليات

الجمعة 27 مارس 2026 3:12 مساءً - بتوقيت القدس

تآكل النشوة وتصاعد الشكوك: كيف تغير المزاج العام في إسرائيل بعد شهر من المواجهة؟

مع اقتراب الحرب الإسرائيلية من إنهاء شهرها الأول، يبرز تحول ملموس في المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث انتقلت المشاعر من نشوة الضربات الأولى إلى حالة من القلق والتشكك. وتتجلى هذه التغيرات في استطلاعات الرأي الأخيرة وكتابات المحللين، التي تعكس تزايد الانتقادات لطريقة إدارة المواجهة وتصاعد التململ في الجبهة الداخلية.

عبرت صحيفة هآرتس عن هذا الواقع برسم كاريكاتيري يظهر مواطنة تحاول الاحتماء بمظلة بسيطة من وابل الصواريخ الذي يهطل كالمطر، في إشارة إلى عجز الوسائل الدفاعية عن توفير حماية كاملة. ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الهجمات الصاروخية والمسيرات القادمة من لبنان وإيران، مما أدى إلى شلل شبه كامل في عجلة الاقتصاد والتعليم في مناطق واسعة.

أفادت مصادر بأن الفجوة تزداد اتساعاً بين الوعود التي يطلقها القادة السياسيون والعسكريون وبين الواقع الميداني الذي يعيشه المستوطنون يومياً في الملاجئ. هذا التناقض خلق حالة من التنافر المعرفي، حيث يجد الإسرائيليون أنفسهم أمام رواية رسمية تتحدث عن انتصارات، بينما تسقط الصواريخ العنقودية على مدن كبرى مثل تل أبيب وديمونا.

أظهر استطلاع حديث نشرته صحيفة معاريف أن 53% من الإسرائيليين يعبرون عن عدم رضاهم تجاه إدارة الحرب على جبهة حزب الله، وهي نسبة تعكس تراجع الثقة في الاستراتيجية المتبعة. وترتكز هذه المعارضة بشكل أساسي في مناطق الشمال وحيفا، حيث يعاني السكان من نزوح مستمر وضغوط معيشية هائلة نتيجة القصف المتواصل.

فيما يخص المواجهة مع إيران، كشف الاستطلاع أن نسبة التأييد المطلق التي بلغت 90% في الأيام الأولى قد بدأت بالتراجع، حيث يكتفي الآن 54% فقط بالتعبير عن رضاهم. هذا الانخفاض يشير إلى إدراك متزايد لكلفة الحرب الباهظة، سواء على صعيد الخسائر البشرية في صفوف الجيش أو الأضرار المادية الجسيمة في البنية التحتية.

تتزايد التساؤلات حول دقة التقديرات الاستخباراتية، خاصة بعد فشل الموساد في تقدير قدرة النظام الإيراني على الصمود والاستمرار في توجيه ضربات موجعة. وتواجه القيادة الإسرائيلية اتهامات بالتعالي وتجاهل قدرات الخصم، الذي أثبت قدرته على إطلاق أكثر من مئة صاروخ يومياً من لبنان وحده، متجاوزاً منظومات الدفاع الجوي في حالات عديدة.

حذر قائد جيش الاحتلال زامير من وضع مأساوي داخل المؤسسة العسكرية، مشيراً إلى ما وصفه بـ 'عشر رايات حمراء' تنذر بانهيار الجيش تحت وطأة الأعباء المتزايدة. وتأتي هذه التحذيرات في ظل أزمة تجنيد الحريديم وتشتت القوات بين جبهات القتال الخارجية وحماية البؤر الاستيطانية المتزايدة في الضفة الغربية.

على الصعيد السياسي الدولي، يسود القلق في الشارع الإسرائيلي من تقلبات السياسة الأمريكية، خاصة مع احتمال عودة ترامب أو تأثير مزاجيته على مسار الحرب. وأشار المحلل ناحوم بارنياع إلى مخاوف من وقف مفاجئ للعمليات العسكرية دون تحقيق الأهداف المعلنة، مثل إسقاط النظام الإيراني أو تدمير المشروع النووي بشكل كامل.

أظهرت استطلاعات القناة 12 أن 51% من الإسرائيليين لا يثقون بقدرة واشنطن على إنهاء الحرب بما يضمن مصالح إسرائيل الاستراتيجية. هذا التشكك يمتد ليشمل تعريف 'الانتصار' نفسه، حيث تتباين الآراء بين من يراه في تدمير مخزون اليورانيوم، ومن يطمح لتغيير النظام السياسي في طهران، وهي أهداف تبدو بعيدة المنال حالياً.

نقلت مصادر أمنية رفيعة في اجتماعات مغلقة أن إيران تمتلك مخزوناً صاروخياً ومنصات إطلاق تمكنها من الاستمرار في استنزاف إسرائيل لأسابيع طويلة. هذا التقييم يتناقض مع الوعود الحكومية بقرب حسم المعركة، ويزيد من حالة الإحباط لدى الجمهور الذي كان يتوقع حرباً خاطفة وحاسمة.

في الشمال، يعيش المستوطنون حالة من الغضب تجاه نتنياهو وحكومته، متهمين إياهم ببيع الأوهام حول القضاء على قدرات حزب الله منذ عام مضى. ويؤكد النازحون من مناطق الجليل أن صافرات الإنذار تدوي أحياناً بعد وقوع الانفجارات، مما يعكس ثغرات تقنية وعملياتية تزيد من حالة الرعب اليومي.

تتحدث تقارير إعلامية عن خطط أمريكية محتملة لما يسمى 'الضربة الختامية'، والتي قد تشمل عمليات برية أو حصاراً بحرياً لمضيق هرمز وجزيرة خرج. ومع ذلك، تبقى هذه السيناريوهات محفوفة بالمخاطر، وتثير تساؤلات حول مدى استعداد المجتمع الإسرائيلي لتحمل تبعات تصعيد إقليمي شامل وغير مضمون النتائج.

يشير المحللون إلى أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح يساهم في تآكل التماسك الداخلي، خاصة مع تزايد الأعباء الاقتصادية وتوقف قطاعات حيوية عن العمل. وتبرز الفوارق الطبقية والسياسية بوضوح في الاستطلاعات، حيث يميل مؤيدو الائتلاف الحاكم للاستمرار في الحرب، بينما يطالب العلمانيون وسكان المدن المتضررة ببحث سبل للتهدئة.

ختاماً، يبدو أن إسرائيل تدخل الشهر الثاني من الحرب وهي مثقلة بالتحديات الداخلية والخارجية، وسط تراجع واضح في سقف التوقعات الشعبية. إن التحول من 'النشوة' إلى 'الشك' يمثل التحدي الأكبر أمام حكومة نتنياهو، التي تجد نفسها مطالبة بتحقيق إنجازات ملموسة في ظل واقع ميداني يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

أقلام وأراء

الجمعة 27 مارس 2026 3:09 مساءً - بتوقيت القدس

العدالة الانتقالية بوابة إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني

في ظل الانقسام الفلسطيني المستمر منذ سنوات، لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي بين فصائل، بل تحولت إلى حالة مركبة أثّرت في مختلف جوانب الحياة اليومية للفلسطينيين، من الاقتصاد والخدمات إلى الثقة بالمؤسسات الوطنية. ومع استمرار هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة تتجاوز الحلول التقليدية القائمة على تقاسم السلطة أو الاتفاقات المؤقتة، نحو معالجة أعمق لجذور الأزمة، وهو ما يفتح المجال أمام التفكير في تبني مسار العدالة الانتقالية كمدخل وطني شامل للمصالحة.

العدالة الانتقالية، كما أثبتت تجارب دول عديدة، ليست مجرد أداة قانونية، بل إطار متكامل يهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات والصراعات من خلال كشف الحقيقة، والاعتراف بالأخطاء، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات. وقد نجحت دول مثل المغرب عبر تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات العدالة والاستقرار، من خلال اعتماد مقاربة شمولية لم تعتمد على المحاكمات الواسعة بقدر ما ركزت على الاعتراف وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

غير أن إسقاط هذه التجارب على الحالة الفلسطينية لا يمكن أن يتم بشكل حرفي، ففلسطين لا تعيش مرحلة “ما بعد النزاع” كما في معظم تجارب العدالة الانتقالية، بل تعيش واقعًا مزدوجًا يجمع بين الانقسام الداخلي واستمرار الاحتلال. هذا التعقيد يفرض تحديات إضافية، أبرزها ضعف السيادة، وازدواجية المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب سردية وطنية موحدة حول أحداث الانقسام، فضلًا عن تراجع الثقة بين الفاعلين السياسيين، وتأثير العوامل الإقليمية والدولية.

ورغم هذه التحديات، فإن العدالة الانتقالية تظل إطارًا واعدًا إذا ما جرى تكييفه مع الخصوصية الفلسطينية. فالمصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت خلال سنوات الانقسام، سواء على المستوى السياسي أو المؤسساتي أو المجتمعي. كما أن تجاهل هذه المرحلة أو القفز فوقها لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة في أشكال جديدة، حتى لو جرت انتخابات أو اتفاقات سياسية.

ولا يمكن إغفال أن الانقسام لم يعد مجرد حالة طارئة، بل أصبح مرتبطًا ببنى مصالح سياسية واقتصادية نشأت خلال سنواته، وهو ما يجعل تجاوزه أكثر تعقيدًا. فبعض الفاعلين قد لا يرون في المصالحة مصلحة مباشرة، الأمر الذي يفرض التفكير في آليات تحفيز واقعية تشجع على الانخراط في هذا المسار، بدل الاكتفاء بالدعوة إليه.

في المقابل، فإن استمرار الانقسام لا يعني فقط بقاء الوضع على ما هو عليه، بل ينطوي على كلفة متزايدة سياسيًا واجتماعيًا، تتمثل في تآكل شرعية المؤسسات، وتعميق الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي، وتراجع القدرة على مواجهة التحديات الخارجية، ما يجعل المصالحة ليست خيارًا مثاليًا، بل ضرورة وجودية.

بعد فشل القيادات من جميع الأطياف في تجاوز الانقسامات، أصبح لزامًا على الشعب الفلسطيني الوقوف، ومراجعة الذات، ومساءلة الماضي، مع التطلع إلى بناء سياسي واجتماعي واقتصادي صلب، قادر على التحمل والمواجهة. فالشعب، بوصفه الحاكم والمتضرر معًا، هو من يملك الشرعية لمحاسبة الماضي، وتوجيه الحاضر، وصياغة مستقبل يعكس مصالحه وحقوقه، بعيدًا عن الانتماءات الفئوية والحسابات الضيقة.

واحدة من أهم أدوات العدالة الانتقالية هي إنشاء إطار وطني مستقل لكشف الحقيقة، يتيح للمجتمع الفلسطيني بجميع أطيافه رواية تجاربهم والمساهمة في بناء ذاكرة جماعية مشتركة. فغياب رواية موحدة يجعل كل جهة أسيرة سرديتها الخاصة، مما يعمق الانقسام بدل تجاوزه. الاعتراف المتبادل لا يعني بالضرورة الإدانة القانونية الشاملة، بل يهدف إلى تفكيك رواسب الماضي وبناء أساس أخلاقي جديد للعلاقات الوطنية، يعكس أن الشعب هو الحاكم الحقيقي والمتضرر الذي يجب أن تُبنى المصالحة من أجل مصلحته وشرعيته.

إلى جانب ذلك، يشكل جبر الضرر عنصرًا محوريًا في أي مسار مصالحة. فالآثار التي خلفها الانقسام لم تكن سياسية فقط، بل إنسانية أيضًا، حيث تضرر آلاف المواطنين على المستويين الفردي والجماعي. ومن هنا، فإن التعويض لا ينبغي أن يقتصر على الجانب المادي، بل يجب أن يشمل أبعادًا معنوية ونفسية، تعيد للمتضررين شعورهم بالإنصاف والكرامة، وتسهم في إعادة دمجهم في الحياة العامة.

أما على المستوى المؤسسي، فلا يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية دون إصلاح البنى التي ساهمت في تكريس الانقسام. ويتطلب ذلك إعادة هيكلة المؤسسات السياسية والأمنية والقضائية على أسس مهنية ووطنية، بعيدًا عن الانتماءات الفصائلية، بما يضمن حيادها وفعاليتها. فاستمرار المؤسسات بشكلها الحالي يعني بقاء أسباب الانقسام قائمة، حتى لو تم التوصل إلى اتفاق سياسي.

ومع ذلك، تبرز إشكالية أساسية تتعلق بكيفية التوفيق بين العدالة والمصالحة. فالدعوة إلى المساءلة قد تثير مخاوف من فتح باب الصراعات، في حين أن تجاهلها قد يؤدي إلى شعور بالإفلات من العقاب. لذلك، يمكن اعتماد مقاربة مرنة تقوم على مبدأ “الاعتراف مقابل التخفيف”، بحيث يتم التركيز على المسؤولية الأخلاقية والسياسية، دون الانزلاق إلى محاكمات واسعة قد تعيق المسار برمته. الهدف هنا ليس الانتقام، بل التعلم من الماضي ومنع تكرار الأخطاء.

كما أن نجاح أي مسار للعدالة الانتقالية يتطلب إشراك المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته، وعدم حصره في اتفاق بين النخب السياسية. فالمصالحة الحقيقية تبدأ من المجتمع، عبر مبادرات الحوار المحلي، وتعزيز ثقافة التسامح، وإشراك الشباب والمرأة والفئات المهمشة في صياغة المستقبل. وفي هذا السياق، يلعب المجتمع المدني دورًا مهمًا في خلق مساحات للحوار، ومراقبة تنفيذ أي اتفاق، وضمان استمراريته.

كما أن جيلًا فلسطينيًا كاملًا نشأ في ظل الانقسام، دون أن يعيش تجربة الوحدة الوطنية، ما يهدد بترسيخ الانقسام كواقع دائم في الوعي الجمعي، وهو ما يضاعف أهمية التحرك العاجل لإعادة بناء سردية وطنية جامعة.

من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل تأثير الاحتلال على هذا المسار، إذ يشكل عاملًا ضاغطًا يحد من قدرة المؤسسات على العمل بحرية، ويؤثر على مجمل البيئة السياسية. ومع ذلك، فإن ربط المصالحة الداخلية بزوال الاحتلال قد يؤدي إلى تعطيلها إلى أجل غير معلوم. لذلك، يبدو من الضروري العمل على مسارين متوازيين: معالجة الانقسام الداخلي من جهة، والاستمرار في مواجهة الاحتلال عبر الأدوات السياسية والقانونية من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الانتخابات كحل سحري للأزمة، إذ إن أي عملية ديمقراطية لا تستند إلى قاعدة مصالحة وطنية حقيقية قد تعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه، مما يجعل العدالة الانتقالية شرطًا ممهّدًا، لا بديلًا، لأي مسار ديمقراطي ناجح.

إن تبني مسار العدالة الانتقالية في فلسطين لا يعني الوصول إلى حلول سريعة، بل يتطلب نهجًا تدريجيًا يقوم على بناء الثقة أولًا، ثم الانتقال إلى خطوات أكثر عمقًا. فقد تبدأ العملية بحوارات غير رسمية وإجراءات لخفض التوتر، قبل الانتقال إلى مراحل كشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي. هذا التدرج يسمح بتقليل المخاطر، ويمنح الأطراف فرصة لاختبار النوايا وبناء أرضية مشتركة.

في المحصلة، لا تتعلق المصالحة الفلسطينية بإغلاق ملف الماضي فحسب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والمجتمع، وبين السلطة والمواطن. إنها لحظة اختبار لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على التحول من إدارة الانقسام إلى بناء الوحدة، ومن الصراع على السلطة إلى الشراكة في المشروع الوطني. وبين هذين الخيارين، يتحدد شكل المستقبل الفلسطيني، مع التأكيد الدائم على أن الشعب هو الحاكم والمتضرر، وأن كل مسار مصالحة يجب أن يُبنى لمصلحته وشرعيته.


عربي ودولي

الجمعة 27 مارس 2026 2:58 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إيراني: نشر خريطة أهداف حيوية في الإمارات والتهديد بضرب منشآت الطاقة والنووي

كشفت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن تحديد قائمة من الأهداف الاستراتيجية داخل الأراضي الإماراتية، محذرة من أن القوات المسلحة الإيرانية وضعت البنية التحتية للطاقة تحت المجهر العسكري. ونشرت وكالة أنباء فارس، المقربة من الحرس الثوري، تقريراً مفصلاً يتضمن خريطة توضح مواقع محطات توليد الكهرباء والمنشآت النووية ومراكز الطاقة الشمسية كأهداف مشروعة في حال انطلاق أي عمل عسكري ضد طهران من القواعد الإماراتية.

وحدد التقرير الإيراني خمسة أهداف رئيسية تتصدرها محطة براكة للطاقة النووية في أبوظبي، ومجمع جبل علي للطاقة وتحلية المياه في دبي، بالإضافة إلى محطة الطويلة. وأشار خبراء عسكريون إيرانيون إلى أن استهداف هذه المنشآت لن يقتصر أثره على انقطاع التيار الكهربائي فحسب، بل سيمتد ليشل الحركة التجارية والاقتصادية في منطقة الخليج بأكملها، مما يهدد استقرار سلاسل التوريد العالمية.

يأتي هذا التهديد العلني في أعقاب تصريحات حادة لرئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي حذر من تعاون أي دولة إقليمية مع من وصفهم بـ 'الأعداء' للسيطرة على الجزر الإيرانية. وأكد قاليباف أن الرد الإيراني سيكون 'بلا حدود'، وسيستهدف بشكل مباشر كافة المرافق الحيوية للدولة التي تقدم تسهيلات عسكرية لمهاجمة السيادة الإيرانية أو احتلال أراضيها.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، كشفت تقارير دولية أن دولة الإمارات أبلغت الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين بجاهزيتها للمشاركة في قوة مهام بحرية متعددة الجنسيات. وتهدف هذه القوة المقترحة إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية، بعد أن تسببت التحركات الإيرانية في إغلاق الممر المائي الحيوي الذي يتدفق عبره نحو خمس إنتاج العالم من النفط والغاز المسال.

وتسعى أبوظبي، بالتعاون مع المنامة، إلى حشد دعم دولي واسع لتشكيل 'قوة أمن هرمز'، حيث تجري مشاورات مع عشرات الدول لتوفير حماية للسفن التجارية ومرافقتها عبر المضيق. وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف من معارضة روسية وصينية داخل مجلس الأمن الدولي لأي قرار يمنح تفويضاً عسكرياً لاستخدام القوة في المنطقة، رغم استمرار المفاوضات حول مسودة قرار بحرينية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الإمارات تعرضت خلال الفترة الماضية لهجمات وصفت بأنها الأكثر كثافة في المنطقة، حيث طالت منشآت وموانئ حيوية خارج منطقة الخليج. وتزامن ذلك مع تقارير عن اندلاع حريق ضخم قرب مطار دبي الدولي، نُسب إلى قصف إيراني استهدف المنطقة في منتصف شهر مارس الجاري، مما رفع مستوى التأهب الأمني في البلاد.

من جانبها، أعلنت فرنسا عن إجراء مباحثات مكثفة مع نحو 35 دولة لبحث سبل تأمين الملاحة في مضيق هرمز، لكنها ربطت البدء الفعلي لهذه المهمة بانتهاء العمليات العسكرية الجارية في المنطقة. وتعكس هذه التحركات الدولية حجم القلق من تداعيات إغلاق المضيق على أسعار الطاقة العالمية وتفاقم معدلات التضخم التي بدأت تضرب الاقتصادات الكبرى نتيجة توقف إمدادات الغاز والنفط.

وتعتبر الإمارات مضيق هرمز شريان الحياة الرئيسي لاقتصادها، كونه المنفذ الأساسي لصادراتها النفطية ومركزاً تجارياً عالمياً يربط الشرق بالغرب. وأكد مسؤول إماراتي رفيع أن بلاده قد تنضم رسمياً إلى الجهود التي تقودها واشنطن لحماية الملاحة، خاصة بعد أن أصبحت التهديدات الإيرانية تمس صلب الأمن القومي والمنشآت الاقتصادية الكبرى.

وفي سياق متصل، بدأت الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي مناقشة مشاريع قرارات تهدف إلى حماية الملاحة التجارية، وسط انقسام واضح في المواقف الدولية تجاه كيفية التعامل مع التصعيد الإيراني. ويتضمن المشروع البحريني المقترح بنوداً تجيز اللجوء إلى 'كافة الوسائل اللازمة' لضمان حرية المرور في المضيق، وهو ما تعتبره طهران تهديداً مباشراً لسيادتها البحرية.

التقرير الإيراني الذي نشرته وكالة فارس لم يكتفِ بالتهديد العسكري، بل تضمن تحليلاً اقتصادياً يوضح مدى هشاشة البنية التحتية في حال تعرضها لضربات صاروخية منسقة. وزعم التقرير أن الاعتماد الكبير على محطات تحلية المياه وتوليد الطاقة يجعل من هذه الأهداف نقاط ضعف استراتيجية يمكن استغلالها لتحقيق ردع عسكري في أي مواجهة قادمة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران بدأت بالفعل في تنفيذ استراتيجية 'المضيق المغلق'، مما أدى إلى ارتباك كبير في حركة الشحن البحري وارتفاع تكاليف التأمين على السفن. هذا الوضع دفع دولاً إقليمية إلى البحث عن بدائل لتصدير النفط، إلا أن الموانئ البديلة لم تسلم هي الأخرى من التهديدات والهجمات الصاروخية التي استهدفت أرصفة التحميل.

وفي ظل هذا التوتر، يرى مراقبون أن المنطقة تقف على حافة مواجهة شاملة، خاصة مع إصرار طهران على ربط أمن الملاحة بوقف الضغوط العسكرية والسياسية الممارسة ضدها. وتظل محطة براكة النووية، التي تعد فخراً للصناعة الإماراتية، أحد أكثر النقاط حساسية في بنك الأهداف الإيراني المعلن، لما قد يسببه استهدافها من كارثة بيئية وإنسانية.

وتستمر الإمارات في تعزيز دفاعاتها الجوية والتعاون مع الشركاء الدوليين لصد أي هجمات محتملة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية والدولية لإيجاد حل دبلوماسي يجنب المنطقة ويلات الحرب. ومع ذلك، فإن نشر خرائط الأهداف الحيوية يشير إلى أن مرحلة 'الحرب الكلامية' قد تجاوزت حدودها التقليدية نحو التحضير الفعلي لسيناريوهات الصدام المسلح.

ختاماً، يبقى الملف الإماراتي الإيراني مرتبطاً بشكل وثيق بالتوازنات الدولية الكبرى وصراع النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية المعقدة. ومع استمرار التحشيد البحري في مضيق هرمز، تترقب العواصم العالمية ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تطورات قد تغير وجه المنطقة الجيوسياسي بشكل جذري.

أقلام وأراء

الجمعة 27 مارس 2026 2:58 مساءً - بتوقيت القدس

نحو منظومة أمنية إسلامية: هل ينجح العالم الإسلامي في سد فراغ الميثاق والقوة؟

تواجه الأمة الإسلامية في الوقت الراهن تحدياً وجودياً لا يتمثل في كثرة بؤر التوتر فحسب، بل في الافتقار التام لإطار ناظم يضبط هذه الخلافات ويحول دون انفجارها. إن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب منظومة مشتركة تحكم العلاقات البينية وتفرض قواعد سلوك واضحة عند نشوب النزاعات.

هذا الفراغ المؤسسي لا يعود لنقص في المبادئ أو القيم، بل يعكس عجزاً في تحويل الثوابت الدينية المستقرة إلى التزامات سياسية وقانونية. فرغم امتلاك العالم الإسلامي لمرجعيات تحرم الاقتتال وتدعو للصلح، إلا أنها ظلت حبيسة الخطاب النظري ولم تترجم إلى واقع مؤسسي ملزم.

وتبرز المفارقة في أن الأدوات التنظيمية موجودة بالفعل، وعلى رأسها منظمة التعاون الإسلامي والمجالس الوزارية المشتركة، لكنها بقيت في إطار شكلي وتنسيقي محدود. هذه المؤسسات لم تتحول بعد إلى آليات حقيقية لإدارة الأزمات الكبرى أو منع التدخلات الخارجية التي تستغل حالة التشرذم.

إن بناء مشروع إسلامي للأمن والاستقرار يتطلب الاعتراف بأن الفراغ الحالي هو نتاج تغليب الحسابات السياسية الضيقة على المصالح الجماعية العليا. هذه السيولة في العلاقات جعلت الانتقال من التعاون إلى القطيعة أمراً سهلاً، في ظل غياب مرجعية حاكمة تعيد الأمور إلى نصابها.

يتمثل المخرج الاستراتيجي في صياغة ميثاق إسلامي جديد للعلاقات، لا يكتفي بكونه إعلاناً أخلاقياً، بل يتحول إلى إطار قانوني وسياسي يضبط السلوك. يجب أن يتضمن هذا الميثاق حظراً صريحاً لاستخدام القوة بين الدول الأعضاء، مع فرض إلزامية التحكيم والوساطة في أي نزاع.

بيد أن الميثاق وحده لا يكفي، إذ يظل أي اتفاق هشاً ما لم تسنده قوة تحميه وتضمن تنفيذه على أرض الواقع. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لتأسيس قوة إسلامية مشتركة للاستقرار، تكون مهمتها الأساسية منع الحروب لا خوضها، والفصل بين المتنازعين عند الضرورة.

وظيفة هذه القوة المقترحة يجب أن تركز على الضبط الاستباقي للصراعات وتثبيت التهدئة وحماية الممرات الحيوية في المنطقة. إنها تمثل انتقالاً جوهرياً من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق المنع الوقائي، مما يعزز المناعة الجماعية ضد الأزمات المفاجئة.

لا يمكن لهذا المشروع أن يرى النور دون وجود نواة صلبة من الدول التي تمتلك ثقلاً عسكرياً وجغرافياً وسياسياً وازناً. دول مثل مصر وتركيا والسعودية والجزائر وباكستان يمكنها أن تشكل حجر الزاوية في بناء هذا التوازن الإقليمي المنشود.

إن وجود تنسيق عالي المستوى بين هذه القوى المركزية سيبعث برسالة قوية حول قدرة العالم الإسلامي على إنتاج أدواته الذاتية لحفظ الأمن. هذا التوجه من شأنه تقليص حالة التشظي والحد من ظاهرة تعدد مراكز التأثير غير المنضبطة التي تغذي الانقسامات.

كما أن بناء هذه القوة سيسهم في إرساء معادلة ردع متوازن تمنع الاستفراد بأي طرف، وتحد من توظيف الخلافات الداخلية لصالح مشاريع الهيمنة الدولية. الهدف النهائي هو نقل المنطقة من حالة التشتت إلى حالة القدرة على إدارة الخلافات ضمن سياق مؤسسي منضبط.

قد يرى البعض في هذا الطرح طموحاً زائداً في ظل الواقع المعقد، لكن البديل هو الاستمرار في دوامة الصراعات المفتوحة والاستنزاف المستمر للموارد. التجارب الدولية تؤكد أن الأنظمة الإقليمية المستقرة تبدأ دائماً بفكرة تتحول تدريجياً إلى ميثاق ثم إلى آليات تنفيذية.

يمكن البدء بخطوات صغيرة ولكنها ذات دلالة عميقة، مثل إعلان مبدئي لعدم الاقتتال بين مجموعة من الدول، يتبعه بناء آليات للتنسيق الأمني. المشروعات الكبرى لا تولد مكتملة، بل تنمو وتتطور كلما توفرت الإرادة السياسية الصادقة لتجاوز حالة الفراغ.

يقف العالم الإسلامي اليوم أمام مفترق طرق، فإما البقاء في دائرة إدارة الأزمات داخل فراغ تنظيمي، أو الشروع في بناء مشروعه الخاص. هذا المشروع يجب أن يرتكز على ركيزتين متلازمتين: ميثاق يحكم العلاقات وفق المقاصد الشرعية، وقوة تحمي هذا الميثاق من الانهيار.

في ختام القول إن قوة الأمم لا تقاس فقط بمواردها الطبيعية أو العسكرية، بل بقدرتها على تنظيم هذه الموارد ضمن نظام يحميها. وفي ظل تآكل المنظومات الدولية، يبقى التحدي الأكبر هو امتلاك المشروع الذي يحمي العالم الإسلامي من تداعيات انقساماته الداخلية قبل أطماع خصومه.