تواجه الأمة الإسلامية في الوقت الراهن تحدياً وجودياً لا يتمثل في كثرة بؤر التوتر فحسب، بل في الافتقار التام لإطار ناظم يضبط هذه الخلافات ويحول دون انفجارها. إن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب منظومة مشتركة تحكم العلاقات البينية وتفرض قواعد سلوك واضحة عند نشوب النزاعات.
هذا الفراغ المؤسسي لا يعود لنقص في المبادئ أو القيم، بل يعكس عجزاً في تحويل الثوابت الدينية المستقرة إلى التزامات سياسية وقانونية. فرغم امتلاك العالم الإسلامي لمرجعيات تحرم الاقتتال وتدعو للصلح، إلا أنها ظلت حبيسة الخطاب النظري ولم تترجم إلى واقع مؤسسي ملزم.
وتبرز المفارقة في أن الأدوات التنظيمية موجودة بالفعل، وعلى رأسها منظمة التعاون الإسلامي والمجالس الوزارية المشتركة، لكنها بقيت في إطار شكلي وتنسيقي محدود. هذه المؤسسات لم تتحول بعد إلى آليات حقيقية لإدارة الأزمات الكبرى أو منع التدخلات الخارجية التي تستغل حالة التشرذم.
إن بناء مشروع إسلامي للأمن والاستقرار يتطلب الاعتراف بأن الفراغ الحالي هو نتاج تغليب الحسابات السياسية الضيقة على المصالح الجماعية العليا. هذه السيولة في العلاقات جعلت الانتقال من التعاون إلى القطيعة أمراً سهلاً، في ظل غياب مرجعية حاكمة تعيد الأمور إلى نصابها.
يتمثل المخرج الاستراتيجي في صياغة ميثاق إسلامي جديد للعلاقات، لا يكتفي بكونه إعلاناً أخلاقياً، بل يتحول إلى إطار قانوني وسياسي يضبط السلوك. يجب أن يتضمن هذا الميثاق حظراً صريحاً لاستخدام القوة بين الدول الأعضاء، مع فرض إلزامية التحكيم والوساطة في أي نزاع.
بيد أن الميثاق وحده لا يكفي، إذ يظل أي اتفاق هشاً ما لم تسنده قوة تحميه وتضمن تنفيذه على أرض الواقع. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لتأسيس قوة إسلامية مشتركة للاستقرار، تكون مهمتها الأساسية منع الحروب لا خوضها، والفصل بين المتنازعين عند الضرورة.
وظيفة هذه القوة المقترحة يجب أن تركز على الضبط الاستباقي للصراعات وتثبيت التهدئة وحماية الممرات الحيوية في المنطقة. إنها تمثل انتقالاً جوهرياً من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق المنع الوقائي، مما يعزز المناعة الجماعية ضد الأزمات المفاجئة.
المشكلة في العالم الإسلامي ليست في تعدد الصراعات، بل في غياب النظام المؤسسي الذي يمنع تحولها إلى اقتتال مفتوح.
لا يمكن لهذا المشروع أن يرى النور دون وجود نواة صلبة من الدول التي تمتلك ثقلاً عسكرياً وجغرافياً وسياسياً وازناً. دول مثل مصر وتركيا والسعودية والجزائر وباكستان يمكنها أن تشكل حجر الزاوية في بناء هذا التوازن الإقليمي المنشود.
إن وجود تنسيق عالي المستوى بين هذه القوى المركزية سيبعث برسالة قوية حول قدرة العالم الإسلامي على إنتاج أدواته الذاتية لحفظ الأمن. هذا التوجه من شأنه تقليص حالة التشظي والحد من ظاهرة تعدد مراكز التأثير غير المنضبطة التي تغذي الانقسامات.
كما أن بناء هذه القوة سيسهم في إرساء معادلة ردع متوازن تمنع الاستفراد بأي طرف، وتحد من توظيف الخلافات الداخلية لصالح مشاريع الهيمنة الدولية. الهدف النهائي هو نقل المنطقة من حالة التشتت إلى حالة القدرة على إدارة الخلافات ضمن سياق مؤسسي منضبط.
قد يرى البعض في هذا الطرح طموحاً زائداً في ظل الواقع المعقد، لكن البديل هو الاستمرار في دوامة الصراعات المفتوحة والاستنزاف المستمر للموارد. التجارب الدولية تؤكد أن الأنظمة الإقليمية المستقرة تبدأ دائماً بفكرة تتحول تدريجياً إلى ميثاق ثم إلى آليات تنفيذية.
يمكن البدء بخطوات صغيرة ولكنها ذات دلالة عميقة، مثل إعلان مبدئي لعدم الاقتتال بين مجموعة من الدول، يتبعه بناء آليات للتنسيق الأمني. المشروعات الكبرى لا تولد مكتملة، بل تنمو وتتطور كلما توفرت الإرادة السياسية الصادقة لتجاوز حالة الفراغ.
يقف العالم الإسلامي اليوم أمام مفترق طرق، فإما البقاء في دائرة إدارة الأزمات داخل فراغ تنظيمي، أو الشروع في بناء مشروعه الخاص. هذا المشروع يجب أن يرتكز على ركيزتين متلازمتين: ميثاق يحكم العلاقات وفق المقاصد الشرعية، وقوة تحمي هذا الميثاق من الانهيار.
في ختام القول إن قوة الأمم لا تقاس فقط بمواردها الطبيعية أو العسكرية، بل بقدرتها على تنظيم هذه الموارد ضمن نظام يحميها. وفي ظل تآكل المنظومات الدولية، يبقى التحدي الأكبر هو امتلاك المشروع الذي يحمي العالم الإسلامي من تداعيات انقساماته الداخلية قبل أطماع خصومه.





شارك برأيك
نحو منظومة أمنية إسلامية: هل ينجح العالم الإسلامي في سد فراغ الميثاق والقوة؟