د. دلال عريقات: إذا تمكنت المؤسسات الأمريكية من امتصاص الغضب بضبط الخطاب والسياسات فقد تُحتوى هذه الموجة مرحلياً دون أن يعني ذلك نهايتها
محمد جودة: الاحتجاجات لا تُسقط ترمب لكنها قد تضرب قوته السياسية بإضعاف حلفائه وفقدانه السيطرة على الكونغرس وتجعله رئيساً مقيّداً ومحاصراً تشريعياً
د. حسين الديك: إدارة ترمب حاولت التقليل من أهمية التظاهرات غير أن حجمها ومكانتها يكشفان عن قاعدة شعبية واسعة لا يمكن تجاهلها
نهاد أبو غوش: الخطر على النظام السياسي الأمريكي كان أحد أبرز المحركات للاحتجاجات وهو ما برز بالشعار الذي اتخذته التظاهرات "لا للملوك"
د. عبد المجيد سويلم: الاحتجاجات ربما تتحول لمعول حقيقي لا يكتفي بإسقاط الترمبية في الانتخابات النصفية بل قد يقود لانقلاب سياسي شامل قبل موعدها
محمد الرجوب: المجتمع الأمريكي بات مقتنعاً بأن أي مواجهة مع إيران ستكون طويلة ومعقدة ما دفع شرائح واسعة إلى الشارع رفضاً لفتح جبهة حرب جديدة
رام الله – خاص بـ"القدس" – على وقع ازمة تشهدها الولايات المتحدة جاءت الاحتجاجات الأخيرة، لتكشف عن حالة توتر داخلي متصاعدة تجاه سياسات الرئيس دونالد ترمب وإدارته وتوجهاته في الحكم، والتي جاءت تحت شعار"No Kings" (لا للملوك)، لتعيد فتح النقاش حول مستقبل النظام السياسي الأمريكي وحدود السلطة التنفيذية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه الاحتجاجات تتغذى من مجموعة متشابكة من الأزمات، أبرزها الضائقة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب تراجع ثقة الأمريكيين بالأداء الحكومي.
ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن الحرب على إيران، وما تحمله من مخاطر عسكرية واقتصادية، تحولت إلى عامل مركزي في تأجيج الشارع، مع اعتقاد متزايد بأن مسار التصعيد لا ينسجم مع أولويات الأمريكيين، وهي عوامل جميعها يمكن أن تؤثر على ترمب وإدارته في الانتخابات المقبلة.
لحظة كاشفة لأزمة أعمق
ترى أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د. دلال عريقات أن موجة الاحتجاجات المتصاعدة في الولايات المتحدة لا يمكن النظر إليها بوصفها حدثاً عابراً، بل لحظة كاشفة لأزمة أعمق في بنية النظام السياسي الأمريكي.
وتبين عريقات أن شعار المتظاهرين "No Kings" لا يُقرأ بمعناه الحرفي، وإنما كدلالة على حالة رفض مجتمعي متنامٍ لأي شعور بأن القرار السيادي لم يعد ينبع بشكل كامل من الإرادة الوطنية، بل بات يتأثر بعوامل وضغوط خارجية، لا سيما ما يُنظر إليه كهيمنة في ملف السياسة الخارجية المرتبط بإسرائيل.
هكذا تتغذى الاحتجاجات
وتشير عريقات إلى أن جذور هذا الغضب الشعبي تتغذى من ثلاثة مسارات متقاطعة: الاستقطاب الداخلي الحاد الذي يعمّق الانقسام المجتمعي، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية، إضافة إلى إحساس متزايد لدى المواطن الأمريكي بأن أولويات السياسة الخارجية لحكومته لا تعكس احتياجاته الاقتصادية والمعيشية.
وتلفت عريقات إلى أن حركات مثل MAGA تستثمر هذا المناخ لإعادة طرح أسئلة تتعلق بالسيادة والهوية السياسية، وإن كان ذلك من منظور قومي وشعبوي.
إمكانية إعادة تشكيل الخطاب السياسي
وتؤكد عريقات أن تداعيات هذه الاحتجاجات لا تنحصر في الشارع، بل تمتد نحو إعادة تشكيل الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، إذ تفرض هذه الموجة ضغوطاً على النخب السياسية لإعادة التموضع وتعديل مقاربتها للملفات الداخلية والخارجية.
وتشدد عريقات على أن الحديث عن تأثير مباشر لهذه الاحتجاجات يمكن أن يُطيح بالرئيس دونالد ترمب في الانتخابات النصفية يبقى مبالغاً فيه، نظراً لأن نتائج الانتخابات تُحسم عبر شبكة معقدة من العوامل، أبرزها أداء الاقتصاد، وقدرة الأحزاب على التنظيم، ومدى نجاح كل طرف في تعبئة قاعدته الانتخابية.
مسار اتجاه الاحتجاجات
وتوضح عريقات أن مستقبل هذه الحركة الاحتجاجية لا يُقاس بحجم التجمهر فقط، بل بالاتجاه الذي تتخذه، فإذا استمرت الفجوة بين القرار السياسي والإرادة الشعبية -خصوصاً في قضايا تمس السيادة والإنفاق الخارجي- فإن الاحتجاجات مرشحة للاتساع وربما للتحول إلى حالة سياسية منظمة أكثر تأثيراً.
وتشير عريقات إلى أنه إذا تمكنت المؤسسات الأمريكية من امتصاص الغضب عبر إعادة ضبط الخطاب والسياسات، فقد يجري احتواء هذه الموجة مرحلياً، دون أن يعني ذلك نهايتها.
وتؤكد عريقات أن الولايات المتحدة تعيش مرحلة إعادة تعريف لعقدها الاجتماعي والسياسي، وأن هذه الاحتجاجات تعيد طرح سؤال جوهري: من يملك القرار في الديمقراطية الأمريكية؟ موضحة أن الإجابة لن تُحسم في الشارع وحده، بل في صناديق الاقتراع وفي قدرة النظام على إعادة إثبات توازنه.
ظاهرة تكشف أزمة بنيوية للنظام الديمقراطي الأمريكي
يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التظاهرات التي تعمّ عشرات الولايات الأمريكية ليست مجرد احتجاجات مطلبية أو ردود فعل آنية، بل ظاهرة سياسية واجتماعية تكشف أزمة بنيوية تضرب صميم النظام الديمقراطي الأمريكي.
ويؤكد جودة أن ما يجري يشكل مواجهة مفتوحة بين رؤيتين متناقضتين لأمريكا: واحدة ليبرالية تعددية تسعى للحفاظ على تقاليد الديمقراطية، وأخرى قومية محافظة ترى في سياسات الرئيس دونالد ترمب استعادة لـ"النظام والانضباط".
ويشير جودة إلى أن التظاهرات التي اندلعت على خلفية سياسات ترمب، سواء المتعلقة بالهجرة أو تجاوزات السلطة التنفيذية، تعبّر عن شعور متنامٍ لدى شرائح واسعة بأن توازنات النظام الديمقراطي تتعرض لاختبار غير مسبوق.
وبحسب جودة، يقابل هذا شعورٌ مضاد لدى شريحة أخرى تعتبر هذه السياسات ضرورة لفرض الاستقرار في ظل ما تراه تهديدات داخلية وخارجية، حيث أن هذا الانقسام هو جوهر اللحظة السياسية الحالية.
الاتساع الجغرافي للتظاهرات
ويرى جودة أن أهمية هذه التظاهرات ليس بحجمها الكبير فقط، بل اتساعها الجغرافي، إذ تحولت من ظاهرة تتركز في المدن الكبرى إلى حالة احتجاجية تشمل أطرافاً ومناطق ريفية وطبقات اجتماعية كانت تاريخياً أقل انخراطاً في الحراك الشعبي، ما يمنحها وزناً انتخابياً لافتاً لأنها باتت تشمل الفئات التي ترجّح الكفة في الانتخابات.
ويرى جودة أن تأثير هذه الاحتجاجات سيكون أوضح في المجال الانتخابي، إذ يمكن أن تتحول إلى أداة تعبئة قوية تدفع المعارضة للنزول بكثافة إلى صناديق الاقتراع.
ويشير جودة إلى احتمال أن تزيد هذه الاحتجاجات تماسك القاعدة المؤيدة لترمب، خاصة إذا رُوّج لخطاب يعتبر المشهد "فوضوياً" أو "تهديداً للاستقرار"، لذلك، فإن تأثيرها الانتخابي مزدوج وغير محسوم.
احتجاجات قد تضرب قوة ترمب السياسية
أما بشأن قدرتها على الإطاحة بترمب في الانتخابات النصفية، فيوضح جودة أن الاحتجاجات لا تُسقط ترمب كرئيس بشكل مباشر ضمن النظام الأمريكي، لكنها قد تضرب قوته السياسية عبر إضعاف حلفائه وفقدانه السيطرة على الكونغرس، ما يجعله رئيساً مقيّداً ومحاصراً تشريعياً، وهنا، تتحول قوة الشارع إلى تأثير مؤسساتي.
ويقدّر جودة أن هذه الموجة الاحتجاجية مرشحة للاستمرار في المدى القريب، نظراً لوجود ثلاثة عناصر مغذّية لها: قضية رمزية قوية، ودعم سياسي من شخصيات مؤثرة، وانتشار اجتماعي واسع خارج المدن.
ويرجّح جودة أنه على المدى المتوسط قد يتكرر النمط الأمريكي المعروف: موجات تصاعد تتبعها فترات انحسار مرتبطة بسخونة الأحداث.
الاحتجاجات والحرب على إيران
ويشدّد جودة على أن فهم المشهد لا يكتمل دون ربطه بالسياسة الخارجية، خصوصاً التوتر مع إيران.
ويوضح جودة أن هذه المواجهة تدخل في الحسابات الداخلية من بوابتين: فالمعارضة ترى أن التصعيد قد يستخدم لتشديد القبضة السياسية، فيما يعتبر مؤيدو ترمب أن الحزم تجاه إيران يجسّد قوة القيادة، ولذلك، فإن العلاقة بين الحرب والاحتجاجات تفاعلية وليست سببية: التصعيد قد يزيد الاحتجاجات أو يعزز دعم ترمب، بحسب موقع كل طرف.
ويرى جودة بأن الولايات المتحدة تعيش لحظة استقطاب حاد تجعل أي أزمة خارجية —وخاصة مع إيران— قادرة على تعميق الانقسام الداخلي بدل أن توحده، ما يجعل هذه الاحتجاجات إحدى أكثر الظواهر تأثيراً في السياسة الأمريكية المعاصرة.
حراك شعبي غير مسبوق
يؤكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي، د. حسين الديك، أن التظاهرات الأخيرة التي شهدتها الولايات المتحدة تمثل حراكاً شعبياً غير مسبوق احتجاجاً على سياسات الرئيس دونالد ترمب، وتعكس انقساماً عميقاً وسياسياً في المجتمع الأمريكي قد يكون له تداعيات كبيرة على الانتخابات الأمريكية المقبلة.
ويوضح الديك أن هذه الحركة الاحتجاجية، التي عُرفت بشعار "لا للملوك" و"لا للحرب"، ليست حزباً سياسياً، بل تحالف من منظمات حقوقية ونقابات وناشطين متعددين، معتبراً أن معظم الاحتجاجات سلمية، وإن حدثت بعض الاحتكاكات المحدودة في عدد من المدن الأمريكية.
قاعدة شعبية واسعة للاحتجاجات
ويوضح الديك أن إدارة ترمب حاولت التقليل من أهمية هذه التظاهرات ووصفتها بأنها مبالغ فيها إعلامياً، غير أن حجمها ومكانتها يكشفان عن قاعدة شعبية واسعة لا يمكن تجاهلها.
ويشير الديك إلى أن أبرز دوافع الاحتجاجات تشمل رفض الحرب على إيران والتصعيد العسكري، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية المجتمع الأمريكي معارضة لأي تورط عسكري جديد، إلى جانب اتهام ترمب بالنزعة السلطوية وتصرفاته الفردية بما يشبه الحكم الديكتاتوري، إضافة إلى سياسات الهجرة الصارمة والقيود المشددة التي فرضتها إدارته.
ويؤكد الديك أن الوضع الاقتصادي الصعب والغلاء المستمر وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية كانت من بين الأسباب الأساسية التي دفعت المواطنين الأمريكيين إلى الشوارع.
ويشير الديك إلى أن قطاعاً كبيراً من المتظاهرين أعربوا عن مخاوفهم بشأن الديمقراطية الأمريكية والحقوق الفردية للمواطنين، معتبرين أن هذه القضايا تمثل خطراً على النظام السياسي إذا استمر العبث بها.
ويوضح الديك أن الاحتجاجات لم تقتصر على الولايات المعروفة بتوجهها الليبرالي، بل شملت ولايات رئيسية مثل نيويورك، وواشنطن العاصمة، وإلينوي، وكاليفورنيا، وفلوريدا، ومينيسوتا، وتقدّر مشاركة المتظاهرين بنحو تسعة إلى عشرة ملايين شخص في أكثر من 3300 موقع في الولايات الخمسين، ما يجعلها واحدة من أكبر الاحتجاجات في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في العصر الحديث.
الاحتجاجات والانتخابات النصفية
ويتطرق الديك إلى انعكاسات هذه الاحتجاجات على الانتخابات النصفية المقبلة، مبيناً أن هذه الانتخابات ستشهد انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ بالكامل وأعضاء مجلس النواب (435 عضواً)، موضحاً أن الانتخابات النصفية لن تؤثر على رئاسة ترمب مباشرة، لكنه يتوقّع فقدان الحزب الجمهوري للأغلبية في مجلس النواب لصالح الديمقراطيين، مع احتمال تحقيق تقدم نسبي للديمقراطيين في مجلس الشيوخ، وهو ما سيعقد إدارة ترمب ويحدّ من قدرة تنفيذ سياساته الداخلية والخارجية.
تاريخ الاحتجاجات الشعبية الأمريكية
ويشير الديك إلى أن هذه الاحتجاجات تمثل استمراراً لتاريخ الاحتجاجات الشعبية في الولايات المتحدة، مقارناً الحراك الحالي بحركات المعارضة ضد حرب فيتنام وحرب العراق 2003، مؤكداً أن الاحتجاجات الحالية تأتي ضمن أدوات الضغط الدستورية والقانونية للتأثير على سياسة الإدارة الأمريكية، لكنها تختلف من حيث الحجم والانتشار الجغرافي وشمولية القضايا المطروحة.
ويرى الديك أن الاحتجاجات مرشحة للتوسع والاستمرار، لافتاً إلى أن ظهورها في ولايات محافظة تقليدياً، مثل فلوريدا وجورجيا ونورث كارولاينا، يشير إلى أن المعارضة لترمب لم تعد محصورة في الولايات الليبرالية فقط، بل امتدت إلى مناطق كانت تقليدياً داعمة للرئيس الجمهوري، ما يمثل مؤشراً كبيراً على تزايد الرفض الشعبي وسياسات الضغط ضد إدارة ترمب في المستقبل القريب.
"No Kings – لا للملوك"
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن الموجة الاحتجاجية غير المسبوقة التي شهدتها الولايات المتحدة، والتي امتدت لمئات المدن والمواقع، مثلت فرصة استثنائية لتوحيد صفوف مجموعات من القوى السياسية والاجتماعية المعارضة للرئيس دونالد ترمب. ويشير أبو غوش إلى أن الاحتجاجات لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل نتيجة تراكمية لسلسلة من السياسات التي أثارت استياء فئات واسعة من المجتمع الأمريكي.
ويوضح أبو غوش أن التظاهرات شهدت تحالفات واسعة شملت الحزب الديمقراطي وقواعده مع مجموعات عرقية واثنية ودينية، إضافة إلى الفئات الأكثر تضرراً من الآثار الاقتصادية لسياسات ترمب، إلى جانب مجموعات حقوقية ونسائية وشبابية.
رفض للسياسات الخارجية للولايات المتحدة
ويرى أبو غوش أن أهم العوامل التي دفعت هذه الجموع إلى الشوارع تشمل السياسات الخارجية للولايات المتحدة، خاصة إقحام البلاد في حروب غير ضرورية.
ويعتبر أبو غوش أن الرئيس الأمريكي ورط في هذه الحروب بناءً على ضغوط إسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، رغم توفر خيارات أخرى أقل كلفة وأكثر فعالية، مثل العقوبات والحصار أو الاستراتيجيات الدبلوماسية والاحتواء.
الخطر على النظام السياسي الأمريكي
ويشير أبو غوش إلى أن الخطر على النظام السياسي الأمريكي كان أحد أبرز المحركات للاحتجاجات، مشيراً إلى الشعار الرئيسي الذي اتخذته التظاهرات وهو "No Kings – لا للملوك"، يعكس رفض قطاعات واسعة من المجتمع لنزعة ترمب لتثبيت حكمه الفردي وتجاوز المؤسسات الدستورية.
ويؤكد أبو غوش أن قرارات الحرب اتخذت خارج نطاق الكونغرس، وبعيدة عن توصيات هيئات الاستخبارات، مع اعتماد ترمب على دائرة ضيقة من المقربين مثل صهره جاريد كوشنير، وصديقه ستيف ويتكوف، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير آخر ذو خبرة محدودة، مما أثار جدلاً حول خلفيات هذه القرارات ومصالح بعض أفراد العائلة في جني أرباح مالية.
ويسلط أبو غوش الضوء على السياسات الاقتصادية والداخلية التي أثارت الاحتجاجات، بما في ذلك القرارات المتخبطة بشأن الرسوم الجمركية، وإفساد العلاقات مع حلفاء تاريخيين للولايات المتحدة مثل كندا وبريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى تصريحات مسيئة لقادة هذه الدول، واستفزاز الجماهير الأمريكية بفعل مواقف عنصرية واضحة تجاه المهاجرين والجاليات الأفريقية، والمسلمين والعرب، فضلاً عن استهدافه اليساريين والمنظمات النسوية والحقوقية.
توسيع الاحتجاجات وفظاظة ترمب وفضائحه
ويوضح أبو غوش أن الفظاظة العامة في خطاب ترمب، بما في ذلك الشتائم والعبارات النابية ضد الزعماء الأجانب، والرئيس السابق جو بايدن، وصحفيين وشخصيات عامة، إلى جانب الفضائح المالية والأخلاقية المرتبطة باسم ترمب وأفراد عائلته، ساهمت في توسيع قاعدة الغضب الشعبي.
ويؤكد أبو غوش أن طريقة قمع الاحتجاجات السابقة، خاصة تلك المتضامنة مع الفلسطينيين، باتت الآن غير فعالة بسبب اتساع دائرة الاحتجاجات وتعدد دوافعها، بما في ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، ومحاولات ترمب العبث بالنظام الانتخابي وتقسيم الدوائر.
ويعتقد أبو غوش أن استمرار تطورات الحرب في إيران سيزيد من الكلفة على المواطن الأمريكي وعلاقات الولايات المتحدة الدولية، مما سيعزز فرص توسع الاحتجاجات وتوسيع دائرة المعارضة لسياسات ترمب، ويعجل في احتمالات خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية بعد انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر.
لحظة فارقة قد تعيد رسم مستقبل الإدارة الحالية
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د.عبد المجيد سويلم أن موجة التظاهرات العارمة التي تشهدها الولايات المتحدة ليست حدثاً عابراً، بل نتيجة تراكم معقّد لأزمات اقتصادية واجتماعية ودستورية وسياسية دفعت المجتمع الأمريكي إلى حالة غير مسبوقة من الاحتجاج الواسع. ويرى سويلم أن ما يجري يمثل لحظة فارقة قد تعيد رسم مستقبل الإدارة الحالية وربما مستقبل الحزب الجمهوري بأكمله.
ويشير سويلم إلى أن السبب الأول خلف هذا الانفجار الشعبي الأمريكي هو الارتفاع الحاد في التضخم وتفاقم الأزمات الاقتصادية التي باتت تضرب ملايين الأمريكيين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى.
العجز عن الإيفاء بالالتزامات المعيشية الأساسية
ويؤكد سويلم أن قطاعات واسعة من الأمريكيين أصبحت عاجزة عن الإيفاء بالالتزامات المعيشية الأساسية، بما في ذلك أقساط البيوت والديون المتراكمة على بطاقات الائتمان، إضافة إلى الارتفاع غير المسبوق في أسعار الوقود، ما جعل الغلاء واقعاً خانقاً يضغط مباشرة على الحياة اليومية للأسر الأمريكية.
ويشير سويلم إلى أن الأزمة ليست اقتصادية فقط، فهناك تجاوزات دستورية واضحة يمارسها الرئيس دونالد ترمب عبر الالتفاف المستمر على المؤسسات والضوابط الدستورية، وهو ما ولّد شعوراً عاماً بأن الإدارة الحالية تهدد أسس النظام السياسي الأمريكي.
ويشير سويلم إلى أن ذلك ترافق ذلك مع تبعات الحرب الجارية مع إيران ومخاوف الأمريكيين من الانجرار نحو عمليات عسكرية أوسع، تحمل في طياتها كوارث محتملة وكلفة بشرية واقتصادية لا يريدها الشارع الأمريكي.
كثافة الاحتجاجات غير المسبوقة
ويرى سويلم أن ما يميز موجة الاحتجاجات الأخيرة هو كثافتها غير المسبوقة، إذ تشير التقديرات إلى مشاركة تتراوح ما بين 9 إلى 10 ملايين متظاهر تحت شعار "لا ملوك" أو "No King"، ما يجعلها واحدة من أكبر التظاهرات في تاريخ البلاد.
ويعتبر سويلم أن هذا الزخم يعكس "نهضة جماهيرية" حقيقية، ويبرهن على أن الرهان على ضعف الشارع في مواجهة سياسات ترمب لم يعد قائماً.
ويرى سويلم أن هذه الاحتجاجات قد تؤدي إلى سقوط ترمب قبل الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن المجتمع الأمريكي يعيش لحظات مواجهة مباشرة مع "الترمبية" التي يعتبرها خطراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، خاصة مع ما تسببت به من عزلة أمريكية دولية وتفكك في التحالفات التقليدية واستهتار بالقانون الدولي.
احتجاجات قد تطاول الحزب الجمهوري
ويشير سويلم إلى أن مظاهر الحرج داخل المجتمع الأمريكي تجاه سلوك الإدارة الحالية أصبحت واسعة ومؤثرة، ما ينذر بتداعيات سياسية كبيرة قد تمتد لتشمل الحزب الجمهوري نفسه.
ويشدد سويلم على أنه لا إمكانية لاحتواء هذه التظاهرات أو المراهنة على تراجعها، لأن التطورات الجارية—خصوصاً التصعيد العسكري المحتمل والتفكير في عمليات برية—ستضيف مزيداً من الوقود إلى الشارع الغاضب.
ويلفت سويلم إلى أن الشعب الأمريكي بات أكثر حساسية من التورط في الحروب، استناداً إلى تجارب فيتنام والعراق وأفغانستان، وأن شريحة متزايدة تعتقد بأن الحرب الحالية لا تخاض دفاعاً عن المصالح القومية الأمريكية بقدر ما تخدم "طغمة" مرتبطة بتحالف وثيق مع اليمين العنصري الإسرائيلي، الأمر الذي فاقم الشعور بأن القرار السياسي لم يعد يعكس المصلحة الوطنية.
ويرى سويلم أن الاحتجاجات مرشحة للتوسع والتعمق، وربما تتحول إلى المعول الحقيقي الذي لا يكتفي بإسقاط الترمبية في الانتخابات النصفية، بل قد يقود إلى انقلاب سياسي شامل قبل موعدها، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المجتمع المدني الأمريكي.
تعريف الدولة الأمريكية واتجاهها
يؤكد الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب الموجة الاحتجاجية المتصاعدة في الولايات المتحدة، تتجاوز كونها تعبيراً احتجاجياً عابراً، لتصبح جزءاً من معركة أوسع حول تعريف الدولة الأمريكية واتجاهها في مرحلة شديدة الاستقطاب داخلياً وخارجياً.
ويرى الرجوب أن الشارع الأمريكي يشهد اليوم لحظة سياسية مكثفة تتقاطع فيها الضغوط الشعبية مع التحولات الانتخابية وتداعيات السياسة الخارجية، خصوصاً ملف الحرب مع إيران الذي حوّل الأزمة من صراع خارجي إلى عامل احتقان داخلي مباشر.
ويشير الرجوب إلى أن أكبر يوم احتجاجي في تاريخ الولايات المتحدة، الذي شهد خروج آلاف المتظاهرين في أكثر من 3300 موقع، لم يكن موجهاً ضد قرار واحد، بل ضد شعور عام بأن توازن النظام السياسي الأمريكي ينحرف بفعل "نزعة سلطوية" تتعاظم في أداء الإدارة بقيادة دونالد ترمب.
وبحسب الرجوب، فقد برزت في الاحتجاجات شعارات مثل "لا ملوك" (No King) التي تعبر عن مخاوف من توسع السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات، إضافة إلى رفض سياسات الهجرة وتشديد الإجراءات التي ارتبطت بحوادث قتل مدنيين على يد عناصر الهجرة.
التصعيد ضد إيران خيار أيديولوجي محفوف بالمخاطر
ويشير الرجوب إلى أن العامل الخارجي، وتحديداً التوتر مع إيران، كان المحرك الأكبر لاندلاع موجة الغضب، إذ يرى جزء واسع من الأمريكيين أن اتجاه ترمب نحو التصعيد العسكري ليس ضرورة استراتيجية، بل خيار أيديولوجي محفوف بالمخاطر وقد يحمل كلفة اقتصادية وسياسية هائلة داخل الولايات المتحدة.
ويؤكد الرجوب أن المجتمع الأمريكي بات مقتنعاً بأن أي مواجهة مع إيران ستكون طويلة ومعقدة، بالنظر إلى قدرات طهران غير المتماثلة ونفوذها الإقليمي، وهو ما دفع شرائح واسعة إلى الشارع رفضاً لفتح جبهة حرب جديدة.
أما داخلياً، فيوضح الرجوب أن الاحتجاجات تزامنت مع ارتفاع التضخم وتزايد تكاليف المعيشة وشعور الطبقة الوسطى بأن الدولة لم تعد تعمل لمصلحتها، وهو ما عمّق أزمة الثقة بين الإدارة والمواطن.
تراجع الدعم الجمهوري في بعض المناطق
ويشير الرجوب إلى وجود تقارير تتحدث عن تراجع الدعم الجمهوري في بعض المناطق، إلا أن التظاهرات لا تسقط رئيساً بشكل مباشر، بل تُضعف البيئة السياسية التي يتحرك بها، وقد تعبّئ المعارضة بقدر ما تستفز مؤيدي ترمب إلى التمسك به تحت شعار "مواجهة الفوضى".
ويبرز الرجوب دور الإعلام الأمريكي في تعميق الانقسام، موضحاً أن المشهد لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل سرديتان متصارعتان: إعلام محافظ يقدم الاحتجاجات كفوضى تهدد الأمن القومي، وإعلام ليبرالي يصورها كمعركة دفاع عن الديمقراطية.
ويؤكد الرجوب أن هذا الانقسام الإعلامي أسهم في توسيع الشرخ داخل المجتمع الأمريكي، بحيث بات كل طرف يعيش واقعاً مختلفاً بالكامل.
احتمال توسع الاحتجاجات
وبشأن مستقبل الاحتجاجات، يرى الرجوب أنها مرشحة للاستمرار وربما التوسع، خاصة مع انتقالها من المدن الكبرى إلى المناطق الريفية، ما يعكس أن الغضب لم يعد نخبوياً أو محدوداً جغرافياً.
ويشير الرجوب إلى أن السلطات الأمريكية بدأت بالفعل بتشديد الملاحقات والاتهامات بحق النشطاء، وهو ما قد يقود إما إلى احتواء تدريجي أو إلى تصعيد أكبر إذا تحولت الإجراءات الأمنية إلى عامل استفزاز إضافي.
ويعتقد الرجوب أن ما يجري في الولايات المتحدة هو مواجهة على شكل ومستقبل السلطة نفسها، وهي مواجهة لا تبدو عابرة ولا مرتبطة بحادث واحد.
ويرى الرجوب أن مسار الحرب مع إيران سيبقى عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الاحتجاجات: تصعيد قد يفتح باب التوسع، أو احتواء قد يخفف الزخم دون إنهاء أسباب الغضب.
ويعتقد الرجوب أن هذه الموجة الاحتجاجية تمثل فصلاً جديداً في صراع طويل حول هوية الولايات المتحدة ودورها في العالم.