يشكل خطاب ترمب تجلياً لما يمكن تسميته في الإسهامات الفكرية بـ"بالتناقض البنيوي في الخطاب السياسي"، حيث لا يفهم التباين في التصريحات على أنه اختلال في التسلسل المنطقي، بل كآلية مقصودة متعدد الطبقات تسعى لإنتاج المعنى داخل سياق القوة التفاوضية. لذلك إن الجمع بين اسلوب التصعيد والتهدئة لا يعكس ازدواجية غير واعية، بل يعكس قدرة على توظيف التعدد الدلالي كأداة للتحكم في نطاق التأويل، بما يسمح لترمب بالتحرك دون التقيد بمواقف نهائية مغلقة.
ضمن هذا الإطار، يمكننا القول إن التناقض والغموض الاستراتيجي أداة مركزية في هذا النمط الخطابي، الذي يهدف إلى إضعاف قدرة الطرف الآخر على بناء توقعات شاملة، وبالتالي الحد من قدرته على اتخاذ قرارات محسوبة. وبهذا المعنى، يصبح التناقض مصدر للقوة يستخدم لإعادة ترتيب وتوزيع مستويات عدم اليقين بين الأطراف الفاعلة. ولكن رغم أن الطابع الملتبس للخطاب يوحي بإدخال إيران في حالة من اللايقين الإدراكي، إلا أنها تدرك هذا التلاعب وتتعامل معه بوعي كامل.
من ناحية أخرى، وعلى مستوى البنية الداخلية للخطاب، يمكن الحديث عن ازدواجية شعبية مقصودة، حيث تصاغ التصريحات بطريقة تسمح بتعدد قراءاتها تبعاً لاختلاف الجمهور المتلقي للخطاب السياسي الاعلامي. حيث نجد أن التصريحات التصعيدية بـ"ضرب مصادر الطاقة والتدخل البري المحدود" تستجيب لتوقعات قاعدة شعبية كبيرة تبحث عن إظهار القوة والحسم، على النقيض من ذلك تنتج نبرة التفاوض والتهدئة خطاباً عقلانياً موجهاً إلى النخب والمؤسسات الاقتصادية والدولية. مما يوفر إمكانية التفاعل والتكيف مع عدة سياقات إدراكية في آن واحد.
في سياق متمم، يمكن القول إن التراجع عن المواقف أو تأجيلها وتعديلها لا يعد تناقضاً بالمعنى التقليدي، بل يدخل ضمن نسق خطابي يرتكز على المرونة والتعديل المستمر للاستراتيجيات ومواقع القوة، فلا ينظر إلى التصريحات من زاوية ثباتها أو دقتها الواقعية، بل بوظيفتها وتأثيرها الاستراتيجي سياسياً واقتصادياً، وقدرتها على إعادة تشكيل الإدراك الجماعي.
غير أن هذا الأسلوب، رغم ما يوفره من مرونة استراتيجية، يطرح مشكلات أساسية تتمثل في: اولاً إضعاف القيمة الإلزامية للخطاب وبالتالي يفقد وظيفته ومصداقيته كأداة إحالة إلى الواقع، ما يضعف الثقة بالقدرة على تحقيق الأهداف. وثانياً يقوض إمكانية بناء سيناريوهات مستقرة، مما يزداد معه احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي.
لكل ما سبق، لا يمكن فهم هذا الخطاب على أنه مجرد تناقضات غير مترابطة، بل يجب قراءته كنسق خطابي يقدم قراءة جديدة لدور اللغة في بلورة السلطة وممارستها بالرغم من تعدد أو اختلاف تأويلاتها. فهو خطاب قد يوظف لكسب الوقت ويستثمر عنصر المفاجأة كأداة استراتيجية، أو يعكس حذراً مقصوداً خشية التداعيات الاقتصادية والعسكرية.





شارك برأيك
التناقض البنيوي في خطاب ترمب