اسرائيليات

الخميس 04 يونيو 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة ثقة في الشمال: تراجع حاد لشعبية نتنياهو ومطالب بضربات أقسى ضد لبنان

يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحديات سياسية متصاعدة في المناطق الشمالية، حيث أظهرت أحدث استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في شعبيته وشعبية حزبه 'الليلكود'. ويأتي هذا التراجع في وقت تزداد فيه الضغوط الشعبية لاتخاذ موقف عسكري أكثر تشدداً ضد حزب الله، خاصة مع استمرار سقوط الصواريخ والمسيرات على المستوطنات الحدودية.

ووفقاً لنتائج استطلاع أجراه مختبر 'أجام' التابع للجامعة العبرية، فإن سكان الشمال بدأوا بالتخلي عن دعم الائتلاف الحاكم بوتيرة أسرع بكثير من بقية المناطق. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس حالة من الإحباط العميق تجاه السياسات الأمنية المتبعة، والتي يصفها المستوطنون هناك بأنها غير كافية لضمان عودتهم الآمنة إلى منازلهم.

ويبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي تم التوصل إليه مع لبنان لم ينجح في تهدئة مخاوف الناخبين في الشمال، بل زاد من حدة الانتقادات الموجهة للحكومة. فبالنسبة لهؤلاء، لا يمثل الاتفاق حلاً جذرياً للتهديد الذي يشكله حزب الله، بل يعتبرونه مجرد تأجيل لمواجهة يراها الكثيرون حتمية وضرورية لتفكيك قدرات الجماعة العسكرية.

وتشير الأرقام الصادرة عن الاستطلاع إلى أن 23% فقط من الناخبين في الشمال يعتزمون التصويت لليكود في الانتخابات المقبلة، وهي نسبة منخفضة جداً مقارنة بـ 35% حصل عليها الحزب في انتخابات 2022. هذا التراجع الحاد يضع نتنياهو في موقف محرج، خاصة وأن الشمال يمثل ثقلاً انتخابياً كبيراً ومؤشراً مهماً لتوجهات الرأي العام الإسرائيلي.

وفي مدينة كريات شمونة، التي كانت تعد معقلاً تقليدياً لليمين، يعبر السكان عن شعورهم بالخذلان من قبل القيادة السياسية. ويقول موشيه يفراح، أحد سكان المدينة إن الانفجارات لا تتوقف طوال الليل، معتبراً أن أي اتفاق لا يضمن تدمير قدرات حزب الله هو اتفاق هش ولن يحمي عائلته من التهديدات المستقبلية.

ويعتقد قطاع واسع من الناخبين في الشمال أن نتنياهو بات يرضخ بشكل متزايد للضغوط الخارجية، وتحديداً من قبل دونالد ترامب، لخفض التصعيد في المنطقة. هذا الشعور بالتبعية للإدارة الأمريكية يثير غضب القواعد اليمينية التي كانت تتوقع من الحكومة الحالية موقفاً أكثر استقلالية وحزماً في إدارة الصراع العسكري.

من جهة أخرى، يستغل الخصوم السياسيون لنتنياهو هذا الفراغ في الثقة لتعزيز حضورهم في الشمال، حيث كثف قادة المعارضة مثل غادي إيزنكوت من زياراتهم الميدانية. ويسعى هؤلاء المنافسون إلى تبني خطاب أكثر تشدداً، مطالبين بضرب حزب الله دون قيود، وهو ما يلقى صدى إيجابياً لدى السكان الذين يشعرون بالتهميش.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن مدن الشمال تحولت إلى ما يشبه 'مدن الأشباح' نتيجة النزوح المستمر وإغلاق المصالح التجارية والمدارس. هذا الواقع المرير دفع السكان للمطالبة بحضور حكومي أكبر، حيث انتقد البعض غياب نتنياهو عن زيارة المنطقة والاطلاع على معاناة المستوطنين بشكل مباشر تحت القصف.

وأفادت مصادر بأن حالة عدم الرضا وصلت إلى مستويات قياسية، حيث أبدى 70% من المشاركين في الاستطلاع استياءهم من طريقة إدارة الحرب في لبنان. وتعتبر هذه النسبة هي الأعلى مقارنة بكافة المناطق الأخرى، مما يشير إلى وجود فجوة عميقة بين رؤية الحكومة المركزية واحتياجات السكان على خط المواجهة.

وفي سياق متصل، حذر محللون سياسيون من أن استمرار هذا التراجع قد يطيح بالائتلاف الحاكم في أي انتخابات مبكرة قد تجرى قبل موعدها في أكتوبر 2026. فالكتلة المناهضة لنتنياهو باتت تحظى بدعم ثلثي الناخبين في الشمال، وهو تحول جذري قد يغير الخارطة السياسية الإسرائيلية بشكل كامل في المرحلة المقبلة.

ورغم تصريحات نتنياهو بأن العمليات العسكرية ستستمر عند الضرورة حتى في ظل وقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوعود لم تعد كافية لإقناع الشارع الشمالي. فالثقة في الوعود الحكومية تآكلت بفعل تكرار جولات التصعيد دون تحقيق نصر حاسم ينهي التهديد الصاروخي بشكل نهائي.

ويظهر الاستطلاع أيضاً أن الدعم للكتلة اليمينية الأوسع قد انخفض بشكل ملحوظ، مما يعني أن الأزمة لا تقتصر على حزب الليكود وحده بل تشمل كامل شركاء نتنياهو. هذا الانهيار في القواعد الشعبية يضع ضغوطاً هائلة على الوزراء اليمينيين المتطرفين الذين يطالبون بدورهم بتوسيع العمليات العسكرية لتجنب خسارة ناخبيهم.

وفي ظل هذه الأجواء، تبرز قضية الأمن القومي كمساومة سياسية في نظر المعارضة، التي تتهم نتنياهو بتقديم تنازلات دبلوماسية على حساب أمن المواطنين. وقد صرح غادي إيزنكوت بأن أيدي الجيش يجب ألا تكون مكبلة، في إشارة واضحة إلى القيود التي قد تفرضها الاتفاقات الدولية على حرية الحركة العسكرية.

ويبقى التساؤل القائم في الأوساط الإسرائيلية حول قدرة نتنياهو على استعادة ثقة الشمال قبل فوات الأوان. فبينما يحاول الموازنة بين الضغوط الدولية والاحتياجات الانتخابية، يبدو أن سكان الحدود قد حسموا خياراتهم بالبحث عن بدائل سياسية تعدهم بالأمن المفقود منذ اندلاع المواجهات.

اقتصاد

الخميس 04 يونيو 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

المخزونات النفطية الأمريكية تهوي لأدنى مستوياتها منذ عقدين وسط مخاوف من قفزة سعرية

كشفت بيانات رسمية صادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عن تراجع حاد في إجمالي مخزونات النفط الخام ومشتقاته، بما في ذلك البنزين، حيث فقدت المخزونات نحو 10.6 مليون برميل خلال أسبوع واحد فقط. واستقر إجمالي المخزون عند مستوى 1.57 مليار برميل، وهو المستوى الأدنى الذي تسجله الولايات المتحدة منذ عام 2004، مما يشير إلى تآكل واضح في المكتسبات التي حققتها طفرة النفط الصخري خلال السنوات الماضية.

وعلى خلفية هذه الأرقام، شهدت أسواق الطاقة استجابة فورية حيث قفزت أسعار النفط الأمريكية بنسبة بلغت 2.6%، ليستقر سعر البرميل عند 96.17 دولار خلال تداولات يوم الأربعاء. وتعكس هذه القفزة السعرية حالة القلق السائدة في الأسواق العالمية من نقص الإمدادات، خاصة مع استمرار الضغوط الجيوسياسية التي تهدد ممرات الطاقة الحيوية في منطقة الشرق الأوسط.

في غضون ذلك، أطلق بوب ماكنالي، رئيس مجموعة رابيدان للطاقة والمستشار السابق في البيت الأبيض، تحذيرات شديدة اللهجة من سيناريو تصعيدي قد يدفع أسعار النفط إلى حاجز 200 دولار للبرميل خلال فصل الصيف. وأوضح ماكنالي أن هذا الارتفاع الجنوني مرتبط باحتمالية إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريان الحياة للطاقة العالمية بمرور نحو 20% من الإمدادات الدولية عبره يومياً.

وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، يواجه المستهلكون ضغوطاً متزايدة مع وصول متوسط سعر جالون البنزين إلى 4.44 دولار، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 50% مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب الأخيرة. ورغم تسجيل تراجعات طفيفة في الآونة الأخيرة، إلا أن المحللين يخشون من أن أي موجة ارتفاع جديدة قد تعصف بموسم القيادة الصيفي وتزيد من الأعباء المعيشية على المواطن الأمريكي.

تأتي هذه التطورات الاقتصادية في توقيت سياسي حساس، حيث يواجه الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً متصاعدة قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. وأظهرت استطلاعات رأي حديثة تراجعاً في مستويات رضا الناخبين عن الأداء الاقتصادي للإدارة الحالية، مما يجعل ملف أسعار الوقود وتوفر الطاقة أحد أبرز التحديات التي قد تحسم نتائج الصناديق.

من جانبه، حاول وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت طمأنة الأسواق بوصفه الارتفاع الحالي في معدلات التضخم بأنه مجرد اضطراب مؤقت سيزول بمرور الوقت. وفي ذات السياق، يراهن الرئيس ترامب على أن الأسعار ستشهد تراجعاً ملحوظاً فور وضع أوزار الحرب، إلا أن هذا الرهان يبقى معلقاً بتطورات المواجهة مع طهران ومدى استقرار الملاحة في مضيق هرمز.

أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 11:40 صباحًا - بتوقيت القدس

المثقف العربي في مواجهة 'الترند': هل فقدت النخبة سلطة التأثير لصالح الخوارزميات؟

لم يعد حضور صنّاع 'الترند' مقتصرًا على منصات التواصل الاجتماعي، بل تمدد ليشمل شاشات التلفزة ووسائل الإعلام التقليدية، حيث باتوا يتصدرون النقاشات العامة ويخوضون في قضايا تخصصية دون دراية كافية. هذا التحول فرض واقعاً جديداً يتم فيه تقديم هؤلاء المؤثرين كمرجعيات فكرية تحت مسمى 'الكرونيكور'، مما يساهم في تغلغل آرائهم الانطباعية داخل المجتمع وتحويلها إلى مسلمات تؤثر في الوعي الجمعي.

في تونس على سبيل المثال، وصل الأمر إلى توظيف المؤثرين في الأعمال الدرامية الرمضانية بدافع الربح المادي البحت وزيادة نسب المشاهدة. هذا التوجه أرسى تقاليد تسويقية جديدة تعتمد على 'الهوس الرقمي'، مما أدى إلى تعميق الفجوة بين المحتوى القيمي وبين ما يطلبه الجمهور في سوق الإعلانات والمشاهدات السريعة.

يرى الروائي والباحث الجزائري بومدين بلكبير أن ما يحدث ليس مجرد تحول عابر، بل هو تغيير بنيوي أعاد تشكيل موقع المثقف داخل فضاء تحكمه خوارزميات التسليع. ويشير بلكبير إلى أن الأنظمة السياسية فطنت لهذا التحول، فاستبدلت القمع المباشر باستراتيجية تمييع المشهد وإغراقه في موجات من الترفيه السطحي لدفن الحقيقة وسط 'الترندات'.

من جانبها، تعتبر الإعلامية التونسية حنان الفرجاني أن آليات إنتاج المعرفة وتداولها تغيرت جذرياً، مما وضع المثقف التقليدي في مأزق. وتوضح أن الإشكالية تكمن في تمسك النخبة بـ 'وصاية' عفا عليها الزمن، في حين وفرت المنصات الرقمية مساحات من الحرية والمجهولية لصناعة رأي عام عاطفي وسريع وعنيف أحياناً.

وتضيف الفرجاني أن المثقف يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية لأنه لم يستشرف التحولات الرقمية العميقة وترفع عنها في بداياتها. هذا الانعزال جعل الخطاب الأكاديمي النخبوي عاجزاً عن التواصل مع واقع الناس واهتماماتهم اليومية، مما ترك فراغاً كبيراً سارع 'الفاعلون الجدد' إلى ملئه بكل سهولة.

في المقابل، تربط الكاتبة اللبنانية ميشلين مبارك تراجع دور المثقف بتراجع القضايا العربية الكبرى التي كانت توحد الشعوب. وترى مبارك أن سيطرة المؤسسات التكنولوجية العالمية على الخوارزميات ساهمت بشكل مباشر في تقدم 'دولة التفاهة' على حساب الفكر الرصين الذي يحتاج إلى تأمل ووقت.

وعن إمكانية اعتبار صناع المحتوى 'مثقفين جدد'، تفرق الفرجاني بين من يقدم 'لا محتوى' وبين فئة تحاول تبسيط العلوم والمعارف مثل تجربة 'الدحيح'. وتعتبر أن هذه الفئة يمكن وصفها بأنها امتداد للمثقف التقليدي لكن بأدوات عصرية قادرة على الوصول للجمهور العريض بلغة سلسة وجذابة.

أما بومدين بلكبير فيبدو أكثر حذراً، مؤكداً أنه لا يمكن نعت المؤثرين بالمثقفين، بل إن مساحات المثقف هي التي تآكلت لصالحهم. ويحذر من انجراف المثقف الحقيقي خلف 'الترند' بحثاً عن الانتشار، لأن ذلك يفقده قيمته كصوت لمن لا صوت لهم وشاهد على القضايا المهمشة.

وفي قراءة مغايرة تماماً، يطرح الكاتب السوري باسم سليمان تساؤلاً حول ما إذا كان للمثقف تأثير حقيقي في أي وقت مضى. ويشير سليمان إلى أن من لا يطبع أكثر من ألف نسخة من كتابه لا يمكنه صناعة رأي عام، معتبراً أن دور المثقف تاريخياً لم يتجاوز كونه أداة 'بروباغندا' في بعض الأحيان.

ويعتقد سليمان أن أدوات العصر الرقمي تتعارض جوهرياً مع طبيعة الثقافة والمثقف، وبالتالي فإن عدم 'ركوب الموجة' لن يغير من الواقع شيئاً. ويخلص بأسلوب ساخر إلى أن المثقف العربي ولد غريباً في بيئة وزمن لا يشبهانه، مما يجعل محاولات إعادة تعريفه أمراً معقداً.

التحدي الراهن أمام النخبة العربية يتمثل في كيفية تحويل المعرفة إلى خطاب قابل للتداول الرقمي دون السقوط في فخ السطحية. فالمسألة لم تعد تقتصر على المقاومة السلبية للوسائط الجديدة، بل في ابتكار أدوات فعل ثقافي تتجاوز الأطر الكلاسيكية التي لم تعد تجذب الأجيال الجديدة.

إن إعادة تعريف المثقف في العصر الرقمي باتت ضرورة ملحة لمواكبة تطورات الذكاء الاصطناعي والنشر الرقمي. ويؤكد مراقبون أن التطور لا يعني إفراغ الأمور من معناها، بل الحفاظ على العمق المعرفي مع استخدام قوالب تواصلية حديثة تضمن بقاء المثقف فاعلاً في الميدان.

بين من يرى أن المعركة خُسرت نهائياً ومن يرى أنها لم تبدأ بعد، يظل الفضاء الرقمي ساحة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات. فالمثقف الذي يختار العزلة يساهم بصمته في تعزيز سلطة 'الترند'، بينما يواجه المنخرطون في هذا الفضاء خطر الذوبان في معايير الخوارزميات الصارمة.

ختاماً، يبقى السؤال معلقاً حول قدرة المثقف العربي على إعادة تموقعه في عالم يتغير بسرعة الضوء. فهل ينجح في استعادة سلطته الأخلاقية والمعرفية، أم أن زمن التأثير قد انتقل فعلياً إلى فاعلين جدد يصيغون وعي الشعوب وفق منطق 'المشاهدات' و'اللايكات'؟

فلسطين

الخميس 04 يونيو 2026 11:29 صباحًا - بتوقيت القدس

جمعية رجال الأعمال تبحث في أثينا سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية الفلسطينية – اليونانية

استكمالاً للجهود التي تبذلها الجمعية لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية الفلسطينية – اليونانية، وفي إطار تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، بحثت الجمعية، ممثلة بالدكتورة أمل ضراغمة المصري، رئيسة مجلس الأعمال الفلسطيني – اليوناني مع السيد يوهانيس براتاكوس، رئيس غرفة تجارة وصناعة أثينا سبل تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية الفلسطينية – اليونانية، وذلك خلال اجتماع عُقد في العاصمة اليونانية أثينا، بحضور سعادة السفير الفلسطيني لدى اليونان السيد يوسف درخم.

ويأتي هذا الاجتماع في إطار الجهود المشتركة التي نوقشت سابقاً مع القنصل العام القنلصية العامة لليونان في القدس السيد ديميتريوس أنجيلوسوبولوس، والرامية إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين وتوسيع مجالات التعاون بين مؤسسات القطاع الخاص الفلسطينية واليونانية.

وخلال اللقاء، اتفقت الجمعية وغرفة تجارة وصناعة أثينا على إطلاق مجموعة من الأنشطة المشتركة الهادفة إلى تعزيز التواصل بين مجتمعي الأعمال في البلدين، وفي مقدمتها تنظيم ندوة تعريفية عبر الإنترنت لأعضاء مجلس الأعمال والمهتمين، للتعريف بالسوق اليوناني والفرص التجارية والاستثمارية المتاحة فيه، إلى جانب التعريف بالسوق الفلسطيني وما يوفره من فرص استثمارية وتجارية واعدة في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما يسهم في تعزيز التبادل التجاري وتشجيع إقامة شراكات اقتصادية بين الشركات الفلسطينية واليونانية.

كما بحثت الجمعية مع الغرفة آليات تنظيم لقاءات أعمال ثنائية (B2B) بين الشركات الفلسطينية واليونانية، بهدف بناء شراكات اقتصادية وتجارية فاعلة بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين.

واتفق الجانبان على تعزيز المشاركة المتبادلة في المؤتمرات والفعاليات الاقتصادية التي تنظمها المؤسسات الاقتصادية في فلسطين واليونان، وتبادل الدعوات للمشاركة فيها، بما يسهم في توسيع شبكة العلاقات التجارية والاستثمارية وخلق فرص تعاون جديدة.

وأكدت الجمعية أهمية متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من مبادرات وأنشطة خلال المرحلة المقبلة، بما يحقق أهداف مجلس الأعمال الفلسطيني – اليوناني ويعزز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

اسرائيليات

الخميس 04 يونيو 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس

باحثة يهودية تتهم الإعلام العبري بخيانة المهنة وحجب مآسي غزة عن الإسرائيليين

وجهت الباحثة والمحاضرة في جامعة لندن، أيالا بانيفسكي، انتقادات حادة وشديدة اللهجة للصحافة العبرية في كتابها الجديد الصادر بعنوان 'الرقابة الجديدة'. واعتبرت بانيفسكي أن وسائل الإعلام في إسرائيل ارتكبت ما يشبه 'لائحة اتهام' مهنية عبر حجب الحقائق المتعلقة بالحرب على قطاع غزة عن الجمهور الإسرائيلي، مما خلق فجوة معرفية هائلة بين الداخل والخارج.

وأوضحت الباحثة في دراستها الصادرة عن دار 'راديكال' للنشر أن الآليات الحالية التي تتبعها المؤسسات الإعلامية تسهم بشكل مباشر في صعود قادة مناهضين للديمقراطية. وأشارت إلى أن هؤلاء القادة يعملون بشكل منهجي على تدمير حرية الصحافة، مستغلين حالة التواطؤ غير المعلنة بين المنصات الإخبارية والسلطة السياسية في ظل الظروف الراهنة.

وتساءلت الكاتبة في مقدمة مؤلفها عن طبيعة الرقابة المعاصرة، مؤكدة أنها لم تعد تقتصر على الحذف التقليدي الذي تمارسه الرقابة العسكرية. بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في 'الرقابة الذاتية' وقرارات الخوارزميات الخفية التي تشكل الخطاب العام وتوجهه بعيداً عن القضايا الجوهرية والإنسانية.

واستخدمت بانيفسكي مجازاً صادماً لوصف دور الإعلام الإسرائيلي، حيث شبهته بطبيب أورام مهمل يخفي حقيقة المرض العضال عن مريضه ليبقى الأخير في حالة من التفاؤل الزائف. وترى الباحثة أن هذا السلوك الإعلامي يجعل الإسرائيليين يبدون أمام العالم كمنفصلين عن الواقع تماماً، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر معزول عن الأحداث الدامية.

واستند الكتاب في نتائجه إلى تحليل دقيق لعينة من البرامج التي بثت على القناة 12 العبرية، باعتبارها القناة الأكثر مشاهدة وتأثيراً في صناعة القرار. وشمل التحليل 721 خبراً وفقرة بثت خلال ستة أشهر حاسمة من الحرب، للكشف عن كيفية تأطير السردية الإسرائيلية وتجاهل الضحايا.

وكشفت نتائج التحليل أن الكارثة الإنسانية في قطاع غزة كانت غائبة بشكل شبه كامل عن التغطية، حيث لم تتجاوز نسبة المواد التي تناولت الوضع المدني 3% فقط. ومن بين مئات المواد الإخبارية، لم يتم التطرق إلى الضحايا الفلسطينيين المدنيين إلا في أربع مناسبات فقط، وهو ما يعكس تجاهلا متعمداً للمعاناة الإنسانية.

وأشارت الباحثة إلى أن الفجوة البصرية بين ما يراه العالم وما يراه المشاهد الإسرائيلي صادمة، حيث تركز القنوات العبرية على صور القتال وتحركات الجنود والمباني المهجورة. وفي المقابل، يتم تغييب صور الأطفال والنساء والدمار الشامل الذي يحل بالأحياء السكنية المكتظة، مما يحرم الجمهور من فهم التكلفة الحقيقية للحرب.

ونوهت بانيفسكي إلى أن الأرقام الدولية التي تتحدث عن مقتل آلاف النساء والأطفال في غزة لا تجد طريقاً للنشر الصريح في القنوات التلفزيونية الإسرائيلية الرئيسية. وأكدت أن الجيش الإسرائيلي نفسه لا يدعي أن معظم القتلى من المسلحين، ومع ذلك يصر الإعلام على إخفاء هذه البيانات الحيوية عن المواطنين.

وانتقدت الباحثة الحجج التي تسوقها المؤسسات الإعلامية لتبرير هذا الإخفاء، مثل مراعاة مشاعر الجمهور في مرحلة الصدمة، معتبرة أن ذلك لا يبرر تزييف الواقع. وقالت إن إخفاء المعلومات عن الإسرائيليين هو عمل 'منافٍ للوطنية'، لأن المواطن يحتاج إلى الحقائق لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن مستقبله ومستقبل دولته.

وترى الدراسة أن وسائل الإعلام الإسرائيلية روجت لتصور مغلوط يوحي بأن التعاطف مع معاناة الفلسطينيين يأتي بالضرورة على حساب الألم الإسرائيلي. ووصفت بانيفسكي هذا المنطق بأنه 'محض هراء'، مؤكدة أن استمرار التدمير الشامل سيؤدي في النهاية إلى مقتل الجميع، بمن في ذلك الرهائن الإسرائيليين.

وتطرقت الباحثة إلى تكتيكات 'الرقابة الجديدة' التي تشمل التضليل والدعاية المتخفية في ثوب الصحافة، بالإضافة إلى ما وصفته بـ 'التوازن الزائف'. هذه الأدوات، بحسب الكتاب، أصبحت أسلحة في أيدي القادة الشعبويين لإحكام السيطرة على الرأي العام وتوجيهه نحو أهداف سياسية ضيقة.

وأعربت بانيفسكي عن قلقها من صعوبة العودة إلى معايير العمل الصحافي السابقة بعد انتهاء الحرب، نظراً لترسخ أنماط التفكير الإقصائية في غرف الأخبار. وأشارت إلى أن الأشهر الأولى من الصراع كانت كافية لتشكيل عقيدة إعلامية تعتمد على التعتيم وتغييب الآخر بشكل كامل.

وفي ختام عرضها، دعت الباحثة الصحافيين الإسرائيليين إلى استعادة دورهم المهني والتوقف عن 'تغطية أعين العامة' أمام المآسي الجارية. وحذرت من أن استمرار هذا الانفصال عن الواقع سيكلف المجتمع الإسرائيلي أثماناً باهظة على المدى الطويل، سواء على الصعيد السياسي أو الأخلاقي.

يُذكر أن الدكتورة أيالا بانيفسكي هي باحثة حائزة على جوائز عدة في مجال التواصل السياسي، وتتركز أبحاثها حول الهجمات التي تتعرض لها الصحافة في الأنظمة الشعبوية. وتعمل حالياً مع صحافيين دوليين لتعزيز حق الجمهور في المعرفة ومواجهة التهديدات المتطورة التي تواجه الرأي العام العالمي.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس

تونس ومأزق العدالة: قراءة في تداعيات الأحكام القضائية ضد المعارضة

تمر تونس اليوم بمنعطف تاريخي يتجاوز مجرد الصراعات السياسية التقليدية، حيث تتحول الوقائع القضائية إلى أسئلة وجودية تمس جوهر العدالة ومصير الوطن. إن الأحكام الثقيلة الصادرة مؤخراً في قضية ما يُعرف بـ 'الجهاز السري' تضع البلاد أمام وقفة ضمير تستدعي تأملاً عميقاً في المسار الذي آلت إليه الأوضاع بعد عقود من النضال.

لقد شهدت تونس منذ استقلالها تجارب متباينة في بناء الدولة الوطنية، بدأت بوضع الأسس الحديثة في عهد بورقيبة رغم ضيق مساحة التعددية. ثم تلتها مرحلة بن علي التي اتسمت بتمدد القبضة الأمنية وتراكم المظالم، مما دفع بآلاف التونسيين إلى غياهب السجون والمنافي القسرية.

جاءت ثورة الحرية والكرامة عام 2011 كفرصة استثنائية لبناء نموذج ديمقراطي عربي ناجح يعتمد التداول السلمي على السلطة. وكان الأمل معقوداً على إدارة الاختلافات عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات الدستورية بدلاً من سياسات الإقصاء والزنازين التي طبعت العهود السابقة.

إلا أن هذا الانتقال الديمقراطي واجه مقاومة شرسة من قوى متعددة، بعضها ينتمي للمنظومات القديمة وبعضها استثمر في حالة الاستقطاب الحاد. هذا الصراع المفتوح استنزف طاقات الوطن وأحلام الشباب، محولاً الثورة من جسر نحو المستقبل إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

وعند النظر إلى الأحكام القضائية الأخيرة التي تراوحت بين السجن المؤبد وعشرات السنين، يبرز الأثر النفسي والإنساني العميق الذي تتركه في الوعي العام. فالقضية هنا تخرج من إطارها القانوني الضيق لتلامس فضاء الإنسان وحقوقه الأساسية في العيش بكرامة وحرية.

خلف هذه الأرقام الصارمة توجد حكايات إنسانية وعائلات تنتظر خلف الأبواب المغلقة، وأعمار تضيع في غياهب السجون. إن اسم راشد الغنوشي، الذي تجاوز الثمانين من عمره، يختزل مسيرة طويلة من الفكر والسياسة والملاحقة التي لم تنتهِ حتى في خريف عمره.

كذلك تحضر سيرة علي العريض، الرجل الذي قضى سنوات طويلة من شبابه في السجون خلال الحقبة الماضية، ليجد نفسه اليوم أمام مصير مشابه. هذا الواقع يطرح سؤالاً موجعاً حول ما إذا كان قد كُتب على بعض المناضلين العرب أن يقضوا حياتهم كاملة بين جدران الزنازين.

ولا تقتصر دائرة الألم على تيار بعيده، بل تشمل أسماء من مختلف التوجهات في قضية 'التآمر'، مثل جوهر بن مبارك وأحمد نجيب الشابي وغيرهم. هنا يتراجع الجدل الأيديولوجي أمام المشهد الإنساني للعائلات التي تدفع أثماناً باهظة نتيجة الصراعات السياسية الكبرى في البلاد.

قصة المناضل عز الدين الحزقي، والد جوهر بن مبارك، تعكس هذا الوجع الإنساني بوضوح وهو يصارع المرض متمنياً رؤية ابنه حراً. إنها صورة تختصر مأساة الأب الذي يتشبث بالحياة لا لشيء إلا ليعانق فلذة كبده بعيداً عن قضبان السجن وضيق الزنزانة.

وفي هذا السياق، يبرز اسم الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي كرمز للنضال الحقوقي الذي دفع ثمن انحيازه للكرامة الإنسانية. لقد كان المنفى قدراً عائلياً ممتداً للمرزوقي، مما يجسد مأساة الإنسان العربي الذي يرفض أن تكون الحرية منحة مؤقتة من حاكم أو سلطة.

إن تجارب التاريخ تؤكد أن قوة الدول لا تُقاس بأعداد المعتقلين في سجونها، بل بمدى قدرتها على إشراك مواطنيها في صناعة المستقبل. الاستقرار الحقيقي لا ينبع من الخوف أو الإقصاء، بل من الشعور بالمساواة أمام القانون وصون الكرامة الإنسانية للجميع.

لقد استنزفت الصراعات بين الأنظمة وحركات الإسلام السياسي في العالم العربي طاقات الشعوب لعقود طويلة دون جدوى حقيقية. وكانت النتيجة دائماً خسارة مشتركة تطال السلطة والمعارضة والمجتمع، وتعرقل مسيرة التنمية والنهوض الوطني المنشود.

تونس، التي كانت يوماً ملهمة للشعوب بشعار الحرية، لا تزال تملك فرصة لاستعادة روح تلك اللحظة التاريخية النبيلة. فالعدالة الحقيقية لا تتناقض أبداً مع الرحمة والحكمة، وحماية كيان الدولة لا تتطلب بالضرورة التضحية بالمصالحة الوطنية الشاملة.

في الختام، تظل الأمم العظيمة هي تلك التي تمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة مساراتها وتصحيح أخطائها بروح من المسؤولية. إن وضع مستقبل الأجيال القادمة فوق أحقاد اللحظة الراهنة هو السبيل الوحيد لبناء دولة قوية ومستقرة تحترم إنسانها.

أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس

فيلم 'برشامة' يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثوابت الدينية

شهدت الساحة الثقافية والاجتماعية في مصر حالة من الصخب الشديد عقب عرض فيلم 'برشامة'، الذي يتناول ظاهرة الغش في امتحانات طلبة المنازل. وتدور أحداث العمل داخل لجنة امتحانية، حيث يحاول الطلاب إقناع زميل لهم متدين بمساعدتهم في الغش، مما يفتح باباً لحوارات مطولة حول المبررات الأخلاقية والدينية لهذه الظاهرة.

ما فجر الغضب لدى قطاع من الجمهور هو تضمن الفيلم عبارات رآها البعض تمس الثوابت الدينية وتستهزئ بالقيم تحت غطاء الكوميديا. ومن أبرز المشاهد التي أثارت الحساسية، الإشارة إلى محاولة استخدام ميكروفونات المساجد لتغشيش الطلاب، وهو ما اعتبره منتقدون تجاوزاً غير مقبول في حق المقدسات.

انقسم الشارع المصري حيال الفيلم إلى فريقين؛ الأول يرى في الحوارات سخرية فجة من الدين وتهييماً لمشاعر المسلمين دون مبرر درامي كافٍ. بينما دافع الفريق الآخر عن العمل، معتبراً أن العبارات جاءت على لسان شخصيات تمثل 'نماذج إجرامية' داخل السياق الدرامي، وأن البطل المتدين كان يرد عليها ويفند ادعاءاتها.

دخلت الأزمة منعطفاً سياسياً وقانونياً بعد تحرك حزب النور السلفي، حيث قدم أحد نوابه استجواباً برلمانياً يطالب بسحب الفيلم من دور العرض ومنع تداوله. وجاء هذا التحرك رغم أن الفيلم كان قد حقق بالفعل أرباحاً طائلة ونسب مشاهدة مرتفعة قبل رفعه من السينمات وبدء عرضه على المنصات الرقمية.

رد فعل النقابات الفنية لم يتأخر، حيث أصدر اتحاد النقابات السينمائية والتمثيلية والموسيقية بياناً شديد اللهجة يرفض ما وصفه بـ'الوصاية الدينية' على الفن. وأكد البيان أن النقد الفني هو الوسيلة الوحيدة لتقييم الأعمال، معتبراً تدخل النواب أو الجهات الدينية تعدياً على حرية الإبداع المكفولة دستورياً.

يثير هذا الصدام تساؤلات جوهرية حول حدود الحرية الفنية وهل هي مطلقة أم محكومة بالنظام العام والذوق الجمعي للمجتمع. ويرى مراقبون أن ادعاء استقلالية الفن التامة يصطدم بواقع التدخلات المتكررة التي طالت أعمالاً سابقة لأسباب سياسية أو عقائدية، مما يجعل المعايير تبدو مزدوجة أحياناً.

بالعودة إلى التاريخ القريب، نجد أن السلطة السياسية تدخلت مباشرة في توجيه الفن، كما حدث في انتقادات رسمية لفيلم 'الإرهاب والكباب' بدعوى تحريضه ضد الدولة. كما شملت التدخلات أعمالاً لم تكتمل أو تم تعديل مسارها لتتوافق مع رؤية معينة للشخصيات القيادية، مما يضع شعار 'حرية الفن' على المحك.

المؤسسات الدينية أيضاً كان لها نصيب من ممارسة الرقابة، حيث يُذكر استجابة الفنان عادل إمام لطلبات الكنيسة في فيلم 'حسن ومرقص'. فقد تدخل البابا شنودة آنذاك لتعديل تفاصيل تخص شخصية القسيس في الفيلم، وهو ما التزم به طاقم العمل والسيناريست الراحل يوسف معاطي تجنباً للأزمات.

لا تقتصر هذه الحساسية على السينما فقط، بل امتدت لتشمل المناهج التعليمية، كما حدث في واقعة إلغاء تدريس كتاب 'محمد.. الرسالة والرسول' في الخمسينيات. ورغم أن مؤلف الكتاب مسيحي وكان منصفاً للإسلام، إلا أن الضغوط الكنسية أدت حينها إلى سحب الكتاب من المدارس الثانوية.

إن حالة الاستقطاب الحالية حول فيلم 'برشامة' تعكس صراعاً أعمق بين تيار علماني يرفض أي تدخل في المحتوى الفني، وتيار محافظ يرى في الفن أداة قد تُستخدم لتقويض القيم. وهذا الصراع يضع الدولة في موقف حرج بين حماية حرية التعبير وبين الحفاظ على السلم المجتمعي ومنع تهييج المشاعر الدينية.

من الناحية الشرعية والقانونية، يرى البعض أن الحكم على النوايا في الأعمال الفنية أمر معقد يتطلب تريثاً كبيراً قبل إطلاق اتهامات بالتكفير أو الفسق. فالمصطلحات المستخدمة في الدراما قد تحمل دلالات عرفية تختلف عن مدلولاتها الفقهية، مما يستوجب عرض الأمر على لجان مختصة تجمع بين الفن والدين.

العجيب في الأزمة الحالية هو موقف بعض الأقلام المحسوبة على التيار الليبرالي، التي ترفض مجرد إبداء الرأي المعارض للفيلم من قبل الجمهور أو المتخصصين. فالحرية يجب أن تكون مكفولة للطرفين؛ للمبدع في تقديم رؤيته، وللمتلقي في قبولها أو رفضها وانتقادها بما لا يخالف القانون.

في نهاية المطاف، يبقى فيلم 'برشامة' حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأعمال المثيرة للجدل في التاريخ المصري المعاصر. وسواء اتفقنا مع محتوى الفيلم أو اختلفنا، فإن النقاش الذي أثاره يكشف عن حاجة ماسة لميثاق شرف يوازن بين جرأة الطرح واحترام معتقدات المجتمع.

إن الحل لا يكمن في المصادرة أو المنع، خاصة في عصر السماوات المفتوحة والمنصات الرقمية التي لا تعترف بالحدود الجغرافية. بل يكمن الحل في فتح حوار مجتمعي رصين، يحترم التخصصات ويقدر قيمة الفن كمرآة للمجتمع، دون أن تتحول هذه المرآة إلى أداة للصدام مع الثوابت المستقرة.

فلسطين

الخميس 04 يونيو 2026 10:39 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة المقاصة تخنق القطاع الصحي: نفاد مئات الأدوية يهدد حياة آلاف المرضى في فلسطين

أطلقت وزارة الصحة الفلسطينية نداء استغاثة عاجل، محذرة من خطر حقيقي يتهدد حياة آلاف المرضى في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأوضحت الوزارة في بيان رسمي أن المستودعات المركزية تعاني من نفاد حاد في مئات الأصناف الدوائية والمستلزمات الطبية الضرورية، مما يضع المنظومة الصحية أمام تحدٍ غير مسبوق قد يؤدي إلى توقف خدمات حيوية.

وتعزو الجهات الرسمية هذه الأزمة المتفاقمة إلى استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، وهي الضرائب التي تجبيها تل أبيب نيابة عن السلطة. وقد بلغت قيمة هذه الأموال المحتجزة أكثر من خمسة مليارات دولار، حيث ترفض إسرائيل تحويلها منذ أكثر من عام، مما أصاب الموازنة العامة بشلل شبه كامل وحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموردين.

وبحسب البيانات الإحصائية الصادرة عن الوزارة، فقد سجل 726 صنفاً دوائياً ومستهلكاً طبياً رصيداً صفرياً في المخازن، بما في ذلك أدوية الطوارئ والعلاجات الأساسية. وتشير التقارير إلى أن 180 نوعاً من الأدوية الأساسية من أصل 520 قد نفدت تماماً، وهو ما ينذر بتوقف العمليات الجراحية المبرمجة وتراجع جودة الرعاية الصحية المقدمة في المستشفيات الحكومية.

ويعد مرضى السرطان الفئة الأكثر تضرراً من هذه الأزمة، حيث يواجه نحو 4 آلاف مريض خطراً داهماً على حياتهم بسبب غياب البروتوكولات العلاجية. وكشفت الوزارة عن نفاد 50 صنفاً من أدوية الأورام من أصل 97 صنفاً مخصصاً لهذا الغرض، مما يعني حرمان أكثر من نصف المرضى من جرعاتهم الكيماوية والعلاجات المساندة الضرورية لاستمرار حياتهم.

الأزمة لم تتوقف عند الدواء فحسب، بل امتدت لتشمل المختبرات والمستهلكات الطبية التخصصية، حيث نفد 79 صنفاً من المواد المخبرية و265 مستهلكاً طبياً. هذا النقص الحاد أدى إلى تعطل واسع في الخدمات التشخيصية والجراحية، مما يفاقم معاناة المرضى الذين يعتمدون على جلسات غسيل الكلى والعلاجات المزمنة التي تتطلب متابعة طبية دقيقة ومستمرة.

وتؤكد مصادر مطلعة أن أموال المقاصة تمثل العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني بنسبة تصل إلى 68% من إجمالي الإيرادات العامة. وأدى احتجاز هذه الأموال لمدة تجاوزت 15 شهراً إلى تراجع حاد في القدرة على سداد مستحقات شركات الأدوية المحلية والدولية، مما تسبب في تباطؤ شديد في عمليات التوريد ووصول المخزون الاستراتيجي إلى مستويات حرجة تهدد بانهيار القطاع الصحي بالكامل.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

غارات إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان وسط انقسام حاد في تل أبيب حول اتفاق وقف النار

كثفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي المسيّرة غاراتها الجوية صباح اليوم الخميس، مستهدفة عدة بلدات وقرى في عمق جنوب لبنان، وذلك بعد ساعات قليلة من تسريبات حول التوصل إلى اتفاق مشروط لوقف إطلاق النار برعاية أمريكية. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف طال سيارات مدنية ومواقع حيوية في قضاء النبطية، مما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف المدنيين وأضرار مادية جسيمة.

وفي تفاصيل الاعتداءات، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة على طريق زفتا- النميرية، ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص بجروح متفاوتة نقلوا على إثرها للمستشفى. كما طالت الغارات دوار بلدة كفرتبنيت ومفترق النجدة بين كفر رمان وحبوش، في تصعيد ميداني يعكس إصرار الاحتلال على مواصلة العمليات العسكرية رغم المساعي الدبلوماسية الدولية.

من جانبه، أكد جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيان رسمي استمرار عملياته داخل الأراضي اللبنانية، مدعياً أن الهدف هو إزالة ما وصفها بالتهديدات الموجهة ضد مواطنيه. ويأتي هذا الموقف ليضع علامات استفهام كبرى حول جدية الالتزام بأي تفاهمات لوقف إطلاق النار أُعلن عنها مؤخراً في واشنطن، مما ينذر بجولة جديدة من التصعيد.

وعلى الصعيد السياسي الداخلي في إسرائيل، شن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير هجوماً لاذعاً على الاتفاق، واصفاً إياه بأنه 'خطأ فادح' سيسمح لحزب الله باستعادة قوته العسكرية. وطالب بن غفير بعقد جلسة طارئة للمجلس الوزاري المصغر 'الكابينت' للتصويت ضد الاتفاق، معتبراً أن الدولة اللبنانية شريكة في العمليات العسكرية ولا يمكن الوثوق بها.

واتهم بن غفير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالرضوخ للضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية، مشيراً إلى أن مستشاري نتنياهو يقودونه نحو خيارات استراتيجية خاطئة. وشدد الوزير المتطرف على ضرورة قول 'لا' للولايات المتحدة في اللحظات المصيرية، محذراً من أن حزب الله سيعود في المرة القادمة بشكل أكثر خطورة وقوة إذا تم تمرير هذا الاتفاق.

في سياق متصل، صرح وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من المواقع التي سيطرت عليها في جنوب لبنان، وتحديداً منطقة قلعة الشقيف الاستراتيجية. وأوضح كاتس أن العمليات العسكرية ستتواصل ضد البنية التحتية لحزب الله، مؤكداً أن التحرك الميداني سيظل قائماً بناءً على الضرورات الأمنية التي تراها إسرائيل.

وأشارت مصادر صحفية إلى أن كاتس حاول الموازنة بين الدفاع عن قرار الحكومة انطلاقاً من أهمية التحالف مع واشنطن، وبين التأكيد على عدم التنازل عن المكتسبات الميدانية. هذا التناقض في التصريحات الإسرائيلية يعكس حجم الانقسام داخل الائتلاف الحاكم حول كيفية التعامل مع الجبهة الشمالية والضمانات الأمنية المطلوبة.

وعلى الجانب اللبناني، أصدرت هيئات الدفاع المدني في منطقة صور نداءات عاجلة للنازحين تدعوهم فيها إلى التريث وعدم العودة الفورية إلى قراهم الحدودية. وحذرت الهيئات من مخاطر مخلفات الحرب والقنابل غير المنفجرة في مواقع الغارات، مؤكدة ضرورة انتظار البيانات الرسمية التي تحدد المسارات الآمنة للعودة حفاظاً على أرواح المواطنين.

ميدانياً، أعلن حزب الله عن تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية خلال ساعات الليل، استهدفت تجمعات لجنود الاحتلال في مناطق يحمر الشقيف ودبين والقنطرة. كما أكد الحزب تصديه لمسيّرة إسرائيلية متطورة من طراز 'هرمز 450' في أجواء القطاع الغربي، مما أجبرها على مغادرة الأجواء اللبنانية، في إطار ما وصفه بالدفاع عن الأراضي اللبنانية.

فلسطين

الخميس 04 يونيو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

العناني: فسّروا حديثي على غير مقصده..تصريحات لجواد العناني تثير عاصفة من الجدل


رئيس الجامعة الأردنية: الأردن ليس دولة اكتشفت نفسها بالأمس ولا مجتمعاً ما زال يبحث عن روايته الوطنية
ماهر أبو طير: يجب سن قانون "صمت إجباري" على المسؤولين

أثار تصريح لنائب رئيس الوزراء الأردني ورئيس الديوان الملكي الأسبق، جواد العناني، بشأن خريطة الأردن وحدوده، موجة واسعة من الجدل والنقاش في الأوساط السياسية والشعبية الأردنية، بعد تداول مقطع من مقابلة تلفزيونية لقناة ومنصّة "المشهد"، تحدث فيها عن الكيفية التي رُسمت بها حدود الأردن في مرحلة إعادة تشكيل المنطقة عقب اتفاقية سايكس بيكو. واستخدم العناني، في المقابلة، تعبيراً ساخراً، وصف فيه من رسم الخريطة بأنه "إما متعمّد أو سكران"، في إشارة إلى الشكل الجغرافي للحدود الأردنية،  فأثار انتقادات واسعة بعد تداوله، وانقسمت ردود الفعل بين منتقدين اعتبروا أن كلام الوزير السابق يمسّ رمزية الدولة الأردنية وحدودها الحالية ومدافعين رأوا في حديثه قراءة تاريخية لظروف نشوء دول المنطقة.
وقال العناني لـ"العربي الجديد" إن حديثه كان شاملاً، لكن مقتطفات جرى اقتباسها أثارت ردّات الفعل، وأن ما حدث أمر صحافي لا يتدخل فيه. وإن ما عناه أن حدود الأردن رُسمت نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو (1916). وفي ذلك الوقت، كانت الثورة العربية الكبرى في بدايتها، ولم يكن هناك حكم هاشمي لا في الأردن ولا في سورية أو العراق، وكان المفهوم السائد آنذاك هو المفهوم العربي لا القُطري، لافتاً إلى أن الاتفاقية قسمت بلاد الشام والعراق بين بريطانيا وفرنسا.
وأضاف: "بقيت حدود الأردن غير موضحة بشكل كامل، وكان الحد مع فلسطين هو الوحيد الواضح، لأنه اعتمد على حدود طبيعية تتمثل في نهر الأردن والبحر الميت ووادي عربة وصولاً إلى خليج العقبة. أما ترسيم الحدود الأردنية مع بقية الدول العربية، وهي المملكة العربية السعودية والعراق وسورية، فقد جاء لاحقاً".
وتابع العناني أن المقصود بتعبير "السكران" هو بيرسي كوكس، البريطاني اليهودي الصهيوني، والذي لعب دوراً بارزاً في رسم حدود المنطقة. وقال "عندما تنظر إلى الخريطة ترى امتداداً يصل إلى الحدود العراقية ويبدو كفوّهة مسدس، ثم مثلثاً مرسوماً داخل الخريطة ينتهي كرأس رمح، بينما يمتد الجزء المتبقي من المثلث من الجنوب الشرقي مع العراق باتجاه الجنوب الغربي مع السعودية".

نصّ اتفاقية سايكس بيكو 1916
وأوضح أن تصريحه كان على سبيل التساؤل: "لماذا فعل ذلك؟". وقال إن بيرسي كوكس أراد إنشاء دولة متوسطة تفصل بين العراق وفلسطين وسورية ودول الخليج العربي، ولو كان هذا المثلث ضمن خريطة الأردن لكان ممكناً توظيفه بشكل مختلف لتحسين الوضع المائي، وربما النفطي، وهما أكبر مشكلتين تواجهان الأردن. وأضاف أن هذه الحدود عندما رُسمت كان من المفترض أن تُمنح الأردن مساحة أكبر وإطلالة أوسع على الموارد، الأمر الذي كان يمكن أن يساعدها في مواجهة تحدّيات المياه وقلة الموارد النفطية.
وفي دفاعه عن استخدام التعبير المثير للجدل، أردف العناني أن ما قاله كان يحمل طابع السخرية، موضحاً أن من رسم هذه الخريطة إما أنه تعمد ذلك وقصده، أو كان "سكرانًا". ولفت إلى أن ترسيم الحدود في تلك المرحلة لم يكن نتاج اتفاقيات تفصيلية كما هو الحال اليوم، بل جاء ضمن ترتيبات استعمارية عامة، ما جعل بعض الخطوط الحدودية لاحقاً بحاجة إلى تصحيحات واتفاقات ثنائية بين الدول. وأضاف: "للأسف، أخذ الناس ما قلته خارج سياقه وفسّروه على غير مقصده. كثير من الناس لا يقرأون النص الأصلي، لأننا نعيش اليوم في عصر لا تُقرأ فيه إلا العناوين ورؤوس الأقلام في أحيان كثيرة". ومضى قائلًا إن المقابلة كاملة تكشف عن اعتزازه بالأردن الذي "استطاع من خلال محدّداته الثلاثة؛ النظام الهاشمي، والشعب الأردني، والأرض، أن يتجاوز الدور الذي أُريد له كدولة فصل، ليصبح دولة وصل بدلاً من دولة فصل". واعتبر أن الأردن، "رغم القيود والمحدّدات، استطاع أن يحول موقعه إلى عنصر قوة، وأن النظام الهاشمي يحترم الناس، ولا يقوم على الدموية أو الانتقام، بل توجد معادلة إنسانية ربطت القيادة بالشعب وبالأرض، فتكاملت هذه الأبعاد الثلاثة وخلقت وطناً استطاع أن يحوّل هذه الخريطة إلى رصيد جيوسياسي واستراتيجي كبير". وأفاد بأن "الشعب الأردني تحمل الكثير في استقبال الهجرات، وأصبح حاضناً وملاذاً لكثيرين من الناس"، مؤكّداً أن الأقليات في الأردن لا تتعرّض للظلم. وشدّد العناني على أن "الحديث عن التاريخ الجغرافي لا ينتقص من قوة الدولة أو سيادتها، والأردن اليوم دولة مؤسسات قائمة على التحديث والاستقرار، ولها دور محوري ومهم في محيطيها، العربي والإقليمي". وقال إن ما تحدث به يأتي في إطار "التقييم التاريخي".
واعتبر ناشطون أن وصف خريطة الأردن بهذا الشكل يحمل إساءة غير مقبولة، فيما رأى آخرون أن الحديث يتجاوز النقد التاريخي إلى التشكيك بحدود الدولة التي تشكل جزءاً من الهوية الوطنية الأردنية.
وكتب رئيس الجامعة الأردنية الأسبق خليف الطراونة على صفحته في فيسبوك: "الأردن ليس دولة اكتشفت نفسها بالأمس، ولا مجتمعاً ما زال يبحث عن روايته الوطنية أو يتلمس شرعية وجوده. لذلك يبدو مستغرباً من معاليكم العودة اليوم إلى أسئلة البدايات وكأنها ما تزال موضع اختبار، في الوقت الذي تجاوزتها الدولة والناس والتاريخ معًا".
وطالب الكاتب ماهر أبو طير في منشور له عبر فيسبوك بـ"سنّ قانون "صمت إجباري" يمنع أي مسؤول حالي أو سابق أن يتحدث للإعلام من دون موافقة مسبقة من أي شعبة أمنية في أي جهة مختصة أو أي جهة على صلة بفنون الكلام ومشتقاته أو حتى موافقة جدّتي الشهيرة بلباقة لسانها في العائلة".
ولد جواد العناني  عام 1943 في الخليل، وحصل على البكالوريوس في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في القاهرة، ثم الماجستير من جامعة فاندربيلت في الولايات المتحدة، والدكتوراه في الاقتصاد من جامعة جورجيا عام 1975. وشغل مناصب حكومية عدة رفيعة، منها نائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، ووزير الإعلام، ووزير الصناعة والتجارة، ووزير العمل، كما تولى رئاسة الديوان الملكي الهاشمي وعضوية مجلس الأعيان. ويحمل العناني الدكتوراة في الاقتصاد، وعُرف بدوره في صياغة السياسات الاقتصادية والتنموية الأردنية، ما جعله أحد أبرز المسؤولين الذين شاركوا في إدارة الملفات الاقتصادية والسياسية في المملكة.


أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

ما بعد أمريكا



بينما تستمر الحرب الأمريكية مع إيران شهرًا بعد شهر دون أي نهاية تلوح في الأفق، يشهد العالم الحدود الحقيقية للقوة العالمية للولايات المتحدة. فمع انتقال الرئيس دونالد ترمب المتكرر بين التهديد بالتدمير والوعود بالسلام، يتضح بشكل متزايد أن القوة العسكرية الأمريكية لم تعد قادرة على إخضاع حتى دولة متوسطة الحجم مثل إيران، فضلًا عن إبقاء بقية العالم تحت هيمنتها.
وسط كل ما يصاحب الحرب من غارات جوية وضربات بالطائرات المسيّرة وحصارات بحرية، توجد قوى جيوسياسية أعمق تمنح أحداث الخليج الفارسي أهمية تاريخية دائمة. ويمكن فهم هذه الديناميكيات بشكل أفضل من خلال مقارنة افتتاحيتين صحفيتين تفصل بينهما ثمانون عامًا تقريبًا، لكنهما تحملان تشابهات لافتة.
في عام 1942، وخلال بعض أحلك أيام بريطانيا في الحرب العالمية الثانية، نظر محررو صحيفة التايمز اللندنية إلى ما هو أبعد من الهجمات الألمانية المستمرة على قواتهم في مصر أو إغراق الغواصات النازية لسفن البحرية الملكية في الأطلسي، ليتنبؤوا بمستقبل الإمبراطورية البريطانية برؤية استثنائية. كانت الإمبراطورية البريطانية، التي كانت لا تزال تغطي ربع الكرة الأرضية، قد أصبحت بالفعل ــ بحسب وصفهم ــ «مشروعًا يتجه نحو التصفية الذاتية».
فبمجرد زوال الظروف المؤقتة التي سمحت بصعود بريطانيا، مثل الهيمنة البحرية والتفوق الصناعي وضعف المنافسين، لم يعد اعتماد الإمبراطورية النهائي على الإكراه قادرًا على الحفاظ عليها. وأشار المحررون إلى أن المستعمرات البريطانية العديدة، بعد أن أصبحت مستعدة للحكم الذاتي، ستبدأ قريبًا بالانفصال، مما سيؤدي إلى أفول الإمبراطورية. وقد ثبتت صحة هذا التنبؤ بالكامل؛ ففي غضون خمس سنوات فقط من نشر الافتتاحية، بدأت الإمبراطورية البريطانية بالفعل بالتفكك.
وفي عدد مايو/أيار 2026 من نيويورك تايمز، قدّم الكاتب والمحرر المساهم كريستوفر كالدويل توقعًا مشابهًا بشكل لافت لمستقبل الهيمنة العالمية الأمريكية. ففي مقال حمل عنوانًا مثيرًا للجدل: «أمريكا أصبحت رسميًا إمبراطورية في حالة تراجع»، أشار إلى أوجه شبه مقلقة بين وضع الولايات المتحدة اليوم ووضع بريطانيا قبل ثمانين عامًا.
فقد كانت بريطانيا آنذاك تشهد تراجعًا صناعيًا، وتعاني من التزامات مفرطة ورضا مفرط عن الذات، وانتهت الحرب العالمية الثانية وهي «مفلسة فعليًا». ومع ذلك، باستثناء محاولتها الفاشلة للسيطرة على قناة السويس عام 1956، تمكنت من إنهاء استعمارها بنجاح عبر التخلي عن الأراضي التي لم تعد قادرة على تحمل تكلفتها، بل وانتهى بها الأمر إلى الاحتفاظ بعلاقات جيدة نسبيًا مع مستعمراتها السابقة.
ويتابع كالدويل أن دونالد ترمب، مع بداية ولايته الثانية عام 2025، كانت لديه فرصة لتكرار تجربة مشابهة عبر الانسحاب إلى نطاق نفوذ أقل اتساعًا وإعادة تركيز الاهتمام الأمريكي على نصف الكرة الغربي. ورأى أن هذه الاستراتيجية قد تكون قابلة للتطبيق لأن «الأنظمة الإمبراطورية، مهما كانت تسميتها، لا تستمر إلا طالما كانت وسائلها كافية لتحقيق أهدافها».
لكن ترمب، بحسب كالدويل، لم يلتزم بهذا النهج، بل «مدد الإمبراطورية بشكل خطير» من خلال تدخله في إيران، وهو ما أصبح يشكل «نقطة تحول في تراجع الإمبراطورية الأمريكية».

تفسير التراجع الإمبراطوري الأمريكي
يرى الكاتب أن معظم الأمريكيين تأخروا في إدراك أن بلادهم كانت بالفعل قوة إمبراطورية، ولذلك ظلوا غافلين إلى حد كبير عن شيخوخة هذه الإمراطورية والتآكل التدريجي لقوتها العالمية.
فمنذ نشر المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون كتابه الشهير «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية» في القرن الثامن عشر، اعتاد الحكام الإمبراطوريون الاعتقاد بأن إمبراطورياتهم ستدوم قرونًا طويلة كما حدث مع روما. وحتى أدولف هتلر، بحلمه المعروف بـ«الرايخ الألفي»، لم يكن سوى مثال على هذا الوهم.
لكن العصر الحديث، بما يشهده من تسارع اقتصادي وتكنولوجي، جعل تراجع الإمبراطوريات أسرع بكثير. فقد استمرت الإمبراطورية البريطانية العالمية نحو 90 عامًا فقط (1857–1947)، بينما لم تعش الإمبراطورية السوفيتية في أوروبا الشرقية سوى 40 عامًا تقريبًا (1945–1989). وبالتالي فإن بقاء الإمبراطورية الأمريكية العالمية نحو 80 عامًا (1945–2026) يمكن اعتباره عمرًا طبيعيًا تقريبًا لإمبراطورية حديثة.
ويشير الكاتب إلى أن النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال مؤسسات مثل:
* International Monetary Fund (صندوق النقد الدولي).
* World Bank (البنك الدولي).
* World Trade Organization (منظمة التجارة العالمية).
قد ساهم في تحقيق ثمانين عامًا من النمو الاقتصادي العالمي المستمر. ولهذا فإن تراجع الحصة الأمريكية من الاقتصاد العالمي لا يُعدّ دليلًا على فشلها بقدر ما يعكس نجاحها في تنمية الاقتصاد العالمي.
فقد انخفضت حصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي من نحو 50% عام 1945 إلى أقل من نصف ذلك اليوم، بينما أصبحت الصين تنتج حوالي 20% من الناتج الاقتصادي العالمي وفق معيار تعادل القوة الشرائية، مقابل 15% للولايات المتحدة و14% للاتحاد الأوروبي.

أخطاء جيوسياسية وتراجع النفوذ
يرى ماكوي أن السبب الأعمق للتراجع الأمريكي يتمثل في سوء إدارة موقعها الجيوسياسي في أوراسيا خلال العقود الأخيرة.
فبعد انتصارها في الحرب الباردة، انشغلت الولايات المتحدة بحروب طويلة ومكلفة في:
* Afghanistan.
* Iraq.
بين عامي 2001 و2021، وهو ما كلفها تريليونات الدولارات وآلاف القتلى الأمريكيين وملايين الضحايا المدنيين.
وفي الوقت نفسه، راكمت الصين احتياطيات هائلة من العملات الأجنبية، استثمرتها في مبادرة:
* Belt and Road Initiative
التي ربطت أجزاء واسعة من أوراسيا بشبكات طرق وسكك حديدية وموانئ وخطوط أنابيب.
ويجادل الكاتب بأن سياسات ترمب خلال ولايته الثانية زادت من إضعاف الموقف الأمريكي، سواء عبر توتير العلاقات داخل:
* North Atlantic Treaty Organization.
أو عبر تدخله في إيران وما ترتب عليه من اضطراب إمدادات النفط الآسيوية وتآكل الثقة لدى الحلفاء الآسيويين.

الطاقة: العامل الحاسم في صعود وسقوط الإمبراطوريات

يعتبر الكاتب أن الطاقة هي العامل الأعمق والأكثر تجاهلًا في تاريخ الإمبراطوريات.
فقد ارتبط:
* صعود إسبانيا والبرتغال بنظام المزارع المعتمد على العبيد.
* صعود هولندا باستغلال طاقة الرياح.
* صعود بريطانيا بالفحم والمحرك البخاري.
* صعود الولايات المتحدة بالنفط.
أما اليوم، فيرى أن الصين تقود ثورة جديدة في الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما يمنحها أفضلية اقتصادية متزايدة.
ويشير إلى أن الصين تنتج:
* (80 %) من الألواح الشمسية في العالم.
* (70 %) من السيارات الكهربائية عالميًا.
بينما أدت سياسات ترمب إلى التراجع عن كثير من المبادرات الأمريكية في مجال الطاقة الخضراء.

عواقب تراجع أمريكا
يؤكد الكاتب أن عالم «السلام الأمريكي» (Pax Americana) قد انتهى فعليًا، لكن العالم الذي سيأتي بعده لن يكون بالضرورة أفضل.
ففي غياب قوة عظمى قادرة على دعم النظام الدولي، قد يصبح العالم:
* أكثر تعقيدًا.
* أكثر تعددية قطبية.
* وأكثر عرضة للصراعات الإقليمية.
ويتوقع أن تلعب التكتلات الإقليمية، مثل:
* Association of Southeast Asian Nations
* Mercosur
* European Union
دورًا أكبر في إدارة النزاعات وتحقيق التوافقات السياسية.
كما يحذر من احتمال زيادة سباقات التسلح النووي وانتشار الأسلحة النووية بين الدول المتوسطة الحجم الساعية إلى ضمان أمنها.

الخلاصة
يختتم ألفريد ماكوي مقاله بفكرة مفاجئة: رغم أخطاء الولايات المتحدة الكثيرة وتناقضاتها، فإن النظام العالمي الذي قادته أتاح فرصًا للتقدم والازدهار أكثر مما فعلته قوى عظمى سابقة وربما أكثر مما ستفعله القوى التي قد تخلفها.
ولذلك يختتم مقاله بالقول:«ارقد بسلام يا Pax Americana (السلام الأمريكي)، سوف نفتقدك».
وهو تعبير يعكس اعتقاده بأن تراجع الهيمنة الأمريكية، رغم ما قد يحمله من فرص لبعض الدول، قد يؤدي أيضًا إلى عالم أقل استقرارًا وأكثر اضطرابًا.

أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

الأردن مع فلسطين


بعيداً عن محاولات التسجيل، أو التصويب، أو توجيه النقد من طرف لآخر، الأردن كان مع فلسطين، وسيبقى، ضمن شعبين شقيقين، لكل نظامه السياسي وتطلعاته، ولهما الخيار الذي يعكس تطلعات كل منهما نحو مستقبله، في مواجهة العدو المشترك الوطني القومي الديني الإنساني: المستعمرة الإسرائيلية.
الأردن الأمن، المستقر، الموحد، الديمقراطي، التعددي، رافعة لفلسطين، وغير ذلك عبأ على نفسه وعلى فلسطين، لأن السياسات تختلف بين صفوف العائلة الواحدة، والحزب الواحد، والمجتمع الموحد، بين اجتهادات ورؤى وتطلعات، ولكن يبقى الأساس الجامع والقواسم المشتركة هي المعادل الموضوعي للنجاح والاستقرار والطمأنينة والغد الأفضل، لكلينا: الأردن وفلسطين.
فلسطين تم احتلالها بالكامل من قبل المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، ولكن نصف شعبها مازال صامداً باقياً متماسكاً على أرض وطنه الذي لا وطن له غيره.
ومصلحتنا كأردنيين، أن نقف مع الشعب العربي الفلسطيني من أجل تحقيق هدفين:
أولاً: صموده على أرض وطنه، وإحباط كافة مشاريع طرده وتشريده وترحيله عن وطنه.
ثانياً: دعم نضاله لاستعادة حقوقه الثلاثة: المساواة في مناطق 48، والاستقلال لمناطق 67، والعودة للاجئين.
كثيراً من الناس ينسوا، يتجاهلوا، لا يتوقفوا أمام الحقائق الإيجابية، وعندما أعلن عبد الناصر عام 1963، وخاطب الشعب الفلسطيني بقوله:
"لا يوجد أحد لديه خطة لتحرير فلسطين، وعليكم أن تقوموا أنتم بهذه المهمة".
التقط الراحل الملك حسين المهمة والواجب القومي، ودعا أحمد الشقيري الذي تم تكليفه من قبل الجامعة العربية لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، ورحب به وبمشروعه الوطني الفلسطيني وتم عقد المجلس الوطني الفلسطيني التأسيسي الأول في القدس برعاية رأس الدولة الأردنية الملك حسين في أيار 1964، حينما كانت القدس والضفة الفلسطينية جزءاً من أرض المملكة الأردنية الهاشمية، وهكذا ولدت منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وإبراز الهوية الوطنية الفلسطينية، بقرار واعتراف من قبل الجامعة العربية، ولدت على أرض المملكة الأردنية الهاشمية برعاية أردنية، وإدراة بعيدة النظر من قبل الراحل الملك حسين، باعتبارها النقيض للمستعمرة الإسرائيلية.
في عام 1984، وبعد الخروج من بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي إلى لبنان، وتعذر إنعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، فقدت اللجنة التنفيذية للمنظمة نصابها القانوني، بادر الراحل الملك حسين ورحب بإنعقاد المجلس الوطني 17 في عمان، وكان هذا له إنعكاس على الشعب الفلسطيني وتأثير داخل وطنه عبر الإتصالات اليومية بين القيادات الفلسطينية المقيمة في الأردن، وخاصة أبو جهاد، أدى إلى تطوير الفعل الكفاحي، والتنظيم السياسي، والعمل الجماهيري، وحصيلته الانتفاضة الشعبية الأولى في الضفة والقدس والقطاع عام 1987، والتي أجبرت إسحق رابين عام 1993، على الاعتراف بالعناوين الثلاثة: الشعب الفلسطين، منظمة التحرير، الحقوق السياسية، من خلال اتفاق أوسلو الذي أدى إلى :
1- الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من المدن الفلسطينية، من غزة وأريحا أولاً.
2- ولادة السلطة الوطنية كمقدمة لقيام الدولة الفلسطينية.
3- والأهم من كل ذلك نقل العنوان والنضال والمؤسسة الفلسطينية من المنفى إلى الوطن.
وحصيلتها أن اليمين الإسرائيلي المتطرف وعلى رأسه نتنياهو حرّض في ذلك الوقت على اتفاق أوسلو وأدى إلى اغتيال إسحق رابين وياسر عرفات بهدف إحباط أوسلو ونتيجته، رغم كل الملاحظات التي يمكن أن تُسجل على اتفاق أوسلو في ذلك الوقت.
الأردن كان البلد الثاني عام 1988، حينما أعلن المجلس الوطني الفلسطيني مشروع الدولة الفلسطينية في الجزائر، كانت الجزائر الدولة الأولى، وكان الأردن الدولة الثانية التي أعلنت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ليس فقط من باب الواجب والدعم، بل من أجل حماية الأمن الوطني والقومي، لأن تبقى القضية الفلسطينية على ارض وطنها ووسط شعبها لا أن تًرحل خارج فلسطين كما حصل عام 1948، إلى لبنان وسوريا والأردن.


أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يسبح صحفي في برك سليمان: هل تكفي الفزعة لإنقاذ المكان؟



في مشهد  يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، ينزل الصحفي محمد عبد النبي اللحام إلى مياه برك سليمان الأثرية في قرية ارطاس جنوب بيت لحم، كأنه يمارس فعلاً عادياً من أفعال الحياة، لكن في فلسطين، حيث يتحول كل حجر إلى موضوع صراع، وكل شجرة إلى قضية سيادية، وكل بركة ماء إلى هدف استيطاني، يصبح السباحة نفسها فعلاً سياسياً ورمزياً.
الصحفي اللحام أراد أن يتحدى سلطات الاحتلال والمستوطنين الذين أعلنوا نواياهم الاستيلاء على هذا الموقع الأثري الذي بناه السلطان العثماني سليمان القانوني ليسقى العطاش في ذلك الزمان، وربما اراد اللحام أن يفتح ملفا خطيرا وهو سياسة نهب الآثار الفلسطينية وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية وتثبيت السيطرة على الأرض والذاكرة المكانية والتاريخية الفلسطينية، وذلك عبر الاستيلاء على مئات المواقع الأثرية وتغيير روايتها تحت مزاعم وجود إرث يهودي.
لم تكن برك سليمان عبر التاريخ مجرد خزانات للمياه، بل كانت ذاكرةً للحضارات التي مرت من هنا، وشاهداً على العلاقة العضوية بين الإنسان والأرض والماء. لذلك فإن محاولة الاستيلاء عليها أو محاصرتها ليست اعتداءً على موقع أثري فحسب، بل محاولة لمصادرة الذاكرة نفسها، وإعادة كتابة الجغرافيا بلغة القوة.
عندما يسبح شخص في برك سليمان، فهو يقول بلغة الجسد ما تعجز عنه البيانات السياسية: "هذا المكان ما زال حياً، وما زلنا ننتمي إليه". إنها استعادة رمزية للمكان والهوية قبل أن يتحول إلى منطقة مغلقة أو مستعمرة أو حديقة توراتية جديدة ضمن المشروع الاستيطاني الكبير الذي لا يستهدف الأرض فقط، بل الرواية أيضاً.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بالمشهد ذاته، بل بما يكشفه من واقع فلسطيني أوسع:
نحن غالباً نتحرك عندما يقترب الخطر من الباب، نهرع للدفاع عن شجرة بعد اقتلاعها، وعن بيت بعد هدمه، وعن أرض بعد مصادرتها، وعن موقع أثري بعد استهدافه. إنها سياسة الفزعة؛ رد فعل أخلاقي نبيل، لكنه يبقى أسيراً للمبادرة التي يفرضها الخصم.
الفزعة تحمي الكرامة أحياناً، لكنها لا تصنع استراتيجية، المشروع الاستيطاني لا يقاوم فقط بالفزعة، إنه مشروع طويل النفس، يعمل وفق رؤية متكاملة: خرائط، قوانين، طرق التفافية، بؤر استيطانية، روايات دينية، دعم اقتصادي ومالي، خبراء وحفريات  وأكاديميين وباحثين وتحالفات سياسية، إنه يفكر بعقود قادمة، بينما ننشغل نحن غالباً بإطفاء حرائق اليوم وهنا تظهر المعضلة السياسية العميقة: هل يمكن لشعب أن ينتصر وهو يتحرك دائماً كرد فعل؟
في الفلسفة السياسية، لا تُقاس قوة الفاعل بقدرته على الاحتجاج فقط، بل بقدرته على إنتاج المستقبل، أما الذي يبقى مشدوداً إلى أفعال الآخر فإنه يتحول، ولو دون أن يدري، إلى تابع لإيقاع الخصم.
 فالاستيطان يقرر المكان، ونحن نقرر كيفية الاعتراض عليه؛ الاستيطان يحدد التوقيت، ونحن نحدد شكل الاحتجاج؛ الاستيطان يوسع خرائطه، ونحن نلاحق آثار هذا التوسع، لهذا تبدو السباحة في برك سليمان حدثاً رمزياً يطرح سؤالاً أكبر من البرك نفسها: أين المشروع الوطني الذي يسبق الاستيطان بخطوة بدلاً من أن يلاحقه؟
فالمعركة ليست على بركة ماء فقط، ولا على جبل أو وادٍ أو نعجة أو شجرة زيتون. إنها معركة على المعنى. ومن يملك المعنى يملك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى تاريخ، والتاريخ إلى مستقبل.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن سياسة الضم والهدم والمصادرة ليست أحداثاً متفرقة، بل أجزاء من رؤية استعمارية متماسكة، والسؤال المقابل هو: هل نمتلك نحن رؤية تحررية متماسكة بالقدر نفسه؟ أم أننا ما زلنا نعيش في زمن الفزعات المتناثرة، حيث ننتقل من أزمة إلى أخرى دون أن تتجمع هذه الأفعال في استراتيجية وطنية شاملة؟
إن السباحة في برك سليمان قد تكون لحظة جميلة من التحدي، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تتحول من فعل احتجاجي إلى سؤال فكري: كيف نحمي المكان قبل أن يصبح مهدداً؟ وكيف ننتقل من الدفاع عن ما تبقى إلى صناعة ما يجب أن يكون؟
ربما تكون المأساة الفلسطينية اليوم أن الأرض ما زالت تقاوم، بينما الرؤية لم تكتمل بعد، فالمكان يحتاج إلى من يحبه، لكنه يحتاج أيضاً إلى من يفكر به. يحتاج إلى الفزعة عندما يقع الخطر، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى استراتيجية تجعل الفزعة استثناءً لا قاعدة، وتجعل حماية برك سليمان جزءاً من مشروع تحرري يرى فلسطين كلها بركةً واحدةً من الذاكرة والحق، لا يجوز أن تُترك قطرة منها للاستيلاء أو النسيان.
حين يصبح الفعل الفلسطيني مجرد استجابة وصدى لقرارات الاحتلال ولمنظمات الاستيطان الصهيونية واعتداءاتها المستمرة على الآثار الفلسطينية ونهبها وتشويهها، يتحول العمل الوطني إلى إدارة أزمات لا إلى صناعة واقع جديد، والصحفي اللحام الذي غطس في برك سليمان وتفقد ينابيعها قبل أن تجف يقول: عندما  يمر قرار الاحتلال بالاستيلاء على اثار الضفة المحتلة، تصبح القضية ليست موقعا بعينه، بل مفهوم السيادة على المكان كله.
هي صرخة من صحفي لحماية الارض، وتحويل الدفاع عنها إلى مشروع وطني منتج، أن ينتقل المجتمع من رد الفعل بالحضور الدائم في الارض، من الاحتجاج على مصادرة الأرض الى زراعتها واعمارها، من الخطاب العاطفي إلى بناء مؤسسات تحمي الوجود الوطني، من الموسمية والفزعة إلى العمل التراكمي طويل المدى، من الدفاع عن المواقع منفردة إلى ربطها في مشروع وطني شامل.
الاحتلال يريد الفلسطيني أن يعيش داخل منطقة الأزمة اليومية، أن  يبقى منشغلا باطفاء الحرائق، لكن التحرر يبدأ عندما يستعيد الإنسان القدرة على التفكير خارج الأزمة، فالشعوب لا تتحرر لانها صمدت فقط، بل حولت الصمود إلى مشروع سياسي وثقافي واخلاقي، الصمود وحده
يمنع السقوط، اما الرؤية فهي التي تفتح الطريق.

أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

نكسة حزيران.. نوستالجيا وثرثرة



وفجأة !
لا، ليس فجأة! لقد صرخ مبروكُ البلدة في الهزيع، مُحذّراً الناس من أنّ الغرباء سيأتون على مراكبهم السوداء، بوجوههم الغوليّة المشوّهة وقرونهم الحادّة وأظفارهم التي هي مخالب ذئاب هرمة، يحملون السواطير والقضبان البرونزية التي تشرّ حدّة، وبملابسهم المعدنيّة المُطْفأة.. سيهبطون على الشاطئ، في ليل بهيم، ينهبون ويسلبون، وسيبيدون القصور والقلاع والمعابد، وسيدخلون البيوت من أوّلها حتى آخرها، سيغرزون سكاكين أيديهم الآثمة القذرة في بطون الحوامل، وينزعون الأجنّة من الأرحام، وسيقهقهون وهم يرفعونها وهي تنبض بالدم الفوّار، وسيلتهمونها، فتتبقّع وجوههم بفقاقيع تتخثّر، فيصبحون أكثر رعباً وتوحّشاً.
قال: سيَدْهمون القرى كلّها، وسيشعلون الحرائق في البيوت والدواوين والدكاكين والحقول، وسيرقصون على إيقاع اللهّب المسعور، وسيجأرون ويضربون بأذرعتهم الأبواب فيحطّمونها، ويقطّعون رؤوس الشيوخ والأطفال، ويستحيون النساء الصغيرات، وهم يخلعون ضفائرهن فتنسلخ جلدة الرأس وتنبع بالدم الدفّاق.
وسينجو القليلون، ليبدأ المُغنّي بكائيّته من لغة زائغة مجنونة الحنين، دائخة، تبحث عمَّن بقي من الأشياء والوجوه، بعد هذا الدمار المريع.
سيقف على تلّة في البعيد، لعلّ أرضه تتراءى له، ليقول: كان كلامي العذب مخبأً في عينيك، ولطالما قلتِ لي أن أصيح باسمك عندما  أشتاقكِ، وها أنذا أصيحُ.. فلا تأتين!  
كنتِ تشعّين بجسمكِ تحت غلالات الضباب، وها أنتِ تنغلقين على سوادٍ تام.
لقد أفقدوك  براءتك وعفّتكِ، وأطبق الملحُ على شفتيكِ؟
لقد خرج أهلك مفزوعين، وكانوا ينظرون إلى الوراء، ودمهم يتهاطل من أجسامهم، ودموعهم ملء وجوههم. وكانت الأشجار تنخلع عن عَرْشها الأبدي، وتجري نحوهم  لتعانقهم العناق الأخير، وكانت حجارة البيوت المهدومة تتطاير باتجاههم لتقبّل رؤوسهم وأكتافهم.. وتودّعهم، وتبكي وحدتها مع الصبّار اليتيم.
وظلّ السراج يرتعش في البيوت التي انذبحت، وبقي الفتيل يتغذّى من الدم الذي شخبت به الأبدان والجدران، فعبّأ حوض السراج الصغير، وهذا ما  تراه يومض من بعيد في الظلام!
وليس لك الآن، أيها المُغنّي! إلاّ أن تحرس السنبلة التي حملها ذلك الفتى اللاجئ أو النازح، بعد أن استلّها من حقله، قبل أن يحرقوه، ووضعها في جيبه.
خُذ حبّات السنبلة وابْذرْها في كل الحقول المحيطة بالأرض، لتمتلئ الحدود بالموج الأشقر.
.. وضاقت البلاد، وانسدلت ستائر مبهمة سميكة من البعيد، جعلت المدائن من خلفها غائمة لا تُرى، وقيل لقد هدمها الغزاة، وتبدّلت، وصارت مدناً أخرى. وانحسر جزء من أهلي في هذا المكان. وتوقّف الزمان.
لكنّ إرهاصة الجمر قد توهّجت، وبدت كأنها وردة أسطورية ستملأ الدنيا بنارها المقدّسة، لتنجو الأرض ثانيةً من اليباب والظلام.. فكانت الفرس التي اخترقت المسافات فانقدح الشّرر من حولها، وأومضت البلاد بأُوارها، وسالت أعرافُ السابحةِ بعسلها الفضيّ المرشوق، فشهقتِ البلادُ بالنرجس والشقائق والحبق.. واستيقظت الأقواس! لكنّ الفارس كبا، فسلّم حصانَه لعدوّه، فأمعن في أهله ذبحا وهدما..
***
لا أعرف الحنين! لأنني في البلدة التي أحملها معي في مشاويري، وحملتني إلى عرش الليمون، وما زلنا ضفيرة على أكتاف الحصان.
***
أقول لنفسي: ما جدوى أن تعود إلى تلك الأيام؟ فلا أجد جواباً سوى أنها جزء منّي ومن شعبي وأهلي، ولها حمولة الماضي الذي يحمل خُلاصةً ما، ولديها القدرة على الإشعاع، بحمولتها المأساوية أو الجسورة، لعل جزءاً منها يساهم في مراكمة الرواية الكبرى التي نؤلّفها جميعاً، منذ ما يقارب المئة عام، بمعنى أن كلّ فلسطيني مُطالب برواية حكايته، من واقعه وزاويته واختصاصه، دون أن يُصاب بالصَّغار أو يشعر بتفاهة قصّته، أو بتواضعٍ لخفّة ما فعل أو أحدث! وربما يكون هذا النداء موجّهاً لمَنْ يستطيع أن يكتب ويروي ويحكي ويؤصّل ويؤرّخ ويحفظ كل برتقالة أخذوها، وكل ذرة ترابٍ سرقوها، وكل حجرٍ صادروه، وكل جذرٍ اقتلعوه، وكل هراوةٍ وقعت، أو رصاصةٍ قتلت، أو قضبانٍ خنقت، وكل حاجزٍ أَمَات وقَهر، وكل حصارٍ أذلّ وحَشر، وكل إهانةٍ ومَنْعٍ وكلمةٍ ونأمةٍ وحركةٍ وصورةٍ وصوتٍ.. أساءت أو جرحت أو نفذت! حتى تعرف البشرية أيّ مخلوقات هذه التي تحتلّنا وتستلبنا وتصادر أيامنا. وحتى يعرف العالَم كم هو متواطئ وحقير وجبان وصامت ومتآمر. وحتى يدرك كبار العرب والمسلمين كم كانوا، بخوفهم، مشاركين في ذبحنا وفجيعتنا وهلاكنا. وحتى يعرف الجيل الطالع كم دفعنا وخسرنا وقدّمنا، وكم هو مجرم وفاشيٌّ هذا العدو الذي يجب مجادلته حتى النهاية، وعدم مسامحته، أو نسيان ما اقترف وآذى وأمات، أو على الأقل عدم تجاوز مقارعته حتى يتخلّى تماماً عن إباداته وفاشيّته وفظاعاته وعنصريته وجنونه..
***
أقول هذا، والكراغل التي بعثها الساحر من تماثيلها الحجرية، يوم 5-6-1967، تطير من جديد في سماء البلدة، تنفث نارها وتصبّ جحيمها على البنايات والناس في بيوتهم! وأراني صبياً، في التاسعة، أُمسك يد أخي الكبير، وأمشي فوق الشوك والحصى المسنّن، على غير هدى، نركض حيناً، ونهرول حيناً، حتى لا تلحقنا الطائرات، التي ترمي منشورات تدعو أهالي البلدة إلى تركها، وأن يمضوا شرقاً.
هذا سربٌ طويل من النازحين لا ينتهي، ولا يكاد حتى هذه الساعة! فالنكسة لم تنته بعد! غير أنّ المرأة التي جاءها المخاض، ونزّ دم رحمها، قد أخذتها النسوة تحت الخرُّوبة لتضع حملها، الذي كان أُنثى..وها أنذا مع الصبية أتلصص النظر، من وراء البطانية التي التفت سوراً حولها، لأرى كيف تلد النساء!
ماتت الوالدة تحت الخروبة وغطّى دمُها الورقَ الناشف المتساقط، وذبلت حتى حفروا لها قبراً ووضعوها، كما هي، دون صلاةٍ أو كفن!
وعادت بعض الجموع، بعد شهرين، إلى البلدة التي كانت قد احترقت وانهدمت، وأرى أُمي، رحمها الله، تدفن رأسها بين كفّيها وتجوح، وألحظ أبي، رحمه الله، يقتعد درج البيت، ساهماً لا يتحرك كأنه تمثال موزّع الأهواء، مأخوذاً بما لم أدركه، حينها!
يتحلّق الرجال حول صندوق الراديو الكبير، يستمعون إلى الأخبار، من إذاعة صوت العرب أو من إذاعة لندن أو غيرهما. والراديو أو المذياع واحدٌ من ثلاثة أو أربعة أجهزة تتوزّع على مقاهي قلقيلية ، بأحجامها الكبيرة وصوتها الداهم المسيطر، والذي يترك حوله موجات من الصدى.
ربما كانت هذه الرايوهات مصدر الأخبار الوحيدة ، التي منها ينهل المحلّلون السياسيون ، وأعني هؤلاء الرجال، الذين ينبري كلُ منهم .. يستعرض عضلاته السياسية !
ولطالما لمحتُ والدي وقد وضع رأسه على يديه المتشابكتين، وقد أسندهما على عكّازه، وهو يستمع لصوت العرب، باعتبارها منبرالزعيم جمال عبد الناصر، الذي كان معبوداً لدى عامة الناس والجمهور العربي، وكانوا يعتقدون بأنه سيُحرّر البلاد ويُعيد العباد، وظنّوا أن تعليقات محمود سعيد بصوته الهادر، الذي يتوعّد الاحتلال والغاصبين..سيجعل السمك مبتهجاً في البحر، لكثرة ما سيلتهم من جثث هؤلاء القتلة الذين احتلوا بلادنا وشرّدوا أهلنا.
كان صاحب المقهى ينتعش في مناسبتين؛ الأولى عندما يخطب الرئيس جمال عبد الناصر، والثانية عندما تغنّي أم كلثوم، إذ على كل مَن يجلس في المقهى مستمعاً أن يطلب الشاي أو القهوة أو اليانسون أو الزعتر أو الحلبة .. وبشكلٍ إجباري.
***
ومنذ قرابة الستين سنة، ونحن في مقهى الأحزان والنوستالجيا والثرثرة.. وما من خطيب!

أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

هل ما زال الفلسطيني يشعر أن مؤسساته تمثله؟


في كل المجتمعات، تُبنى العلاقة بين المواطن ومؤسساته على ركيزة أساسية اسمها الثقة. فالمؤسسات لا تستمد قوتها من المباني أو القوانين فقط، بل من شعور الناس بأنها تعمل من أجلهم، وتدافع عن مصالحهم، وتستمع إلى همومهم، وتمثل تطلعاتهم.

وفي الحالة الفلسطينية، يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر وتعقيدًا أكبر؛ لأن شعبنا لا يعيش ظروفًا طبيعية، بل يواجه احتلالًا مستمرًا، وتحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، ما يجعل الحاجة إلى مؤسسات قوية وموثوقة ضرورة وطنية وليست مجرد مطلب إداري.

لكن السؤال الذي يتردد اليوم في الشارع الفلسطيني هو: هل ما زال المواطن يشعر أن مؤسساته تمثله بالفعل؟

الإجابة ليست واحدة، وليست مطلقة. فهناك مواطن ما زال يرى في المؤسسات الوطنية عنوانًا للصمود والبقاء وحماية المشروع الوطني، وهناك من يشعر بوجود فجوة آخذة في الاتساع بينه وبين بعض المؤسسات، نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات والتحديات وضعف التواصل أو تراجع مستوى الخدمات أو بطء الاستجابة لتوقعات الناس.

المواطن الفلسطيني اليوم أكثر وعيًا وأكثر اطلاعًا من أي وقت مضى. يقارن ويحلل ويتابع ما يجري حوله لحظة بلحظة. لم يعد يكتفي بالشعارات أو الوعود، بل يريد أن يرى نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية. يريد خدمة محترمة، وقرارًا عادلًا، وإدارة شفافة، ومؤسسة تشعره أنه شريك لا مجرد متلقٍ للخدمة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة ليس نقص الموارد أو كثرة التحديات، بل فقدان ثقة الناس بها. فحين تتراجع الثقة، تتراجع المشاركة، ويضعف الانتماء المؤسسي، وتتسع المسافة بين المواطن وصانع القرار.

لكن الحقيقة المهمة هي أن الثقة ليست أمرًا مستحيلًا، وليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي نتيجة طبيعية لممارسات يومية متراكمة. تُبنى الثقة عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن ملاحظاته تؤخذ بجدية، وأن المسؤول موجود بين الناس لا بعيدًا عنهم، وأن القرارات تُتخذ وفق المصلحة العامة لا وفق الاعتبارات الضيقة.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا في الهيئات المحلية والبلديات لا تقتصر على تقديم الخدمات فقط، بل تمتد إلى بناء نموذج جديد للعلاقة بين المواطن والمؤسسة. نموذج يقوم على الشفافية والمشاركة والشراكة الحقيقية.

في بلدية الخليل، يجب أن يكون هدفنا أكثر من تعبيد شارع أو تنفيذ مشروع أو تحسين خدمة. يجب أن يكون هدفنا استعادة وتعزيز ثقة المواطن بالمؤسسة العامة. فكل مشروع ناجح هو رسالة ثقة، وكل استجابة سريعة لمشكلة هي رسالة ثقة، وكل معلومة تُنشر بشفافية هي رسالة ثقة، وكل مسؤول ينزل إلى الميدان ويستمع للناس هو رسالة ثقة.

إن بناء الثقة يحتاج إلى استراتيجية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: خدمة مهنية وعادلة يشعر المواطن بأثرها المباشر في حياته اليومية.
ثانيًا: إعلام مؤسسي حديث وشفاف لا يكتفي بنشر الأخبار، بل يشرح القرارات ويستمع للملاحظات ويخاطب الناس بلغة واضحة وصادقة.
ثالثًا: مشاركة مجتمعية حقيقية تجعل المواطن شريكًا في رسم الأولويات ومتابعة الأداء وتقييم النتائج.

إن المواطن لا يطلب المستحيل. ما يريده ببساطة هو أن يشعر بأن مؤسساته قريبة منه، تعمل لأجله، وتحترم عقله وكرامته واحتياجاته.

وفي ظل ما يمر به شعبنا من ظروف استثنائية، فإن تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته ليس قضية إدارية فحسب، بل هو جزء من معركة الصمود الوطني. فالمجتمع الذي يثق بمؤسساته يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر قدرة على البناء، وأكثر قدرة على حماية مستقبله.

ويبقى التحدي الحقيقي أمامنا جميعًا: أن نحول الثقة من شعار نتحدث عنه إلى واقع يلمسه المواطن كل يوم، في الخدمة التي يتلقاها، وفي القرار الذي يُتخذ باسمه، وفي المؤسسة التي يشعر أنها تمثله بحق.

فلسطين

الخميس 04 يونيو 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

حق الحصول على المعلومات.. مسودة منقحة تفتح الجدل حول الشفافية وسرعة الإقرار

منتصر حمدان: الحاجة لإقرار القانون أصبحت ملحة في ظل الانتشار المتزايد للشائعات والأخبار المضللة والمؤشرات تدل على أنه بمراحله النهائية
فادي عباس: فعالية القانون ستظل مرتبطة بمضمونه النهائي وبمدى مراعاة الأخذ بالملاحظات المقدمة من الجهات المختلفة خلال مراحل النقاش السابقة
عصام حج حسين: النجاح مرهون باستكمال نهج إشراك المجتمع المدني قبل إقرار القانون نهائياً وقياس أثره الحقيقي بمدى الالتزام بتطبيقه وإنفاذه
د. عمر رحال: هناك تخوف من إفراغ القانون من مضمونه ونجاحه يتطلب مراجعة منظومة تشريعية أوسع خاصة قانون الجرائم الإلكترونية وتعديلاته
أشرف أبو حية: هناك إشكالية بالقانون بمنح الجهات الرسمية صلاحيات واسعة لتصنيف المعلومات وحجبها ما يتطلب تجاوزه بالمسودة النهائية
جهاد حرب: هناك أهمية لإنشاء هيئة مستقلة تتولى الإشراف على إنفاذ القانون والنظر في شكاوى المواطنين على أن تمتلك صلاحيات فعلية

رام الله - خاص بـ"القدس" -


يعود مشروع قانون حق الحصول على المعلومات إلى دائرة النقاش الرسمي مع عرض النسخة المنقحة منه على طاولة مجلس الوزراء، خلال جلسته الأخيرة، في خطوة تُعد من أبرز المراحل المتقدمة في مسار تشريعي ظل قيد النقاش نحو عقدين من الزمن دون حسم نهائي.
وجاءت مناقشة النسخة المعدلة بعد سلسلة مراجعات شملت ملاحظات متعددة قدّمتها مؤسسات رسمية وحقوقية ومجتمعية خلال مراحل سابقة، في إطار جهود تهدف إلى الوصول إلى صيغة أكثر توافقاً حول آليات إتاحة المعلومات وتنظيمها، إضافة إلى تحديد الأطر القانونية التي تحكم الاستثناءات المرتبطة بها.
وتحظى هذه الخطوة باهتمام واسع في الأوساط السياسية والقانونية، باعتبارها تمهيداً محتملاً لانتقال المشروع إلى مرحلة الإقرار النهائي. ومع ذلك، يظل التركيز منصباً على ما ستتضمنه النسخة النهائية من تفاصيل، وما إذا كانت ستعكس التوازن المطلوب بين متطلبات الشفافية وضمانات الحماية القانونية لبعض المعلومات.
ويترقب نقابيون ومؤسسات حقوقية ومجتمعية، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن يشكل القانون في حال إقراره تحولاً مهماً في تعزيز الحق في المعرفة، وتوسيع قدرة المواطنين والصحفيين على الوصول إلى البيانات الرسمية، بما يسهم في ترسيخ مبادئ المساءلة والرقابة العامة على أداء المؤسسات، ويحد من الشائعات.
 


نقاش متواصل

يؤكد عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين ورئيس لجنة التدريب وسلامة الصحفيين في النقابة منتصر حمدان أن نقابة الصحفيين كانت من أبرز الشركاء والداعمين للجهود الوطنية الرامية إلى إعداد وإقرار مشروع قانون حق الحصول على المعلومات، مشيراً إلى أنها شاركت منذ المراحل الأولى في الحوارات والنقاشات التي قادتها وزارة العدل وهيئة مكافحة الفساد وشركاء حكوميون ومؤسسات أهلية، بهدف الوصول إلى صيغة قانونية تضمن حق المواطنين والصحفيين في الوصول إلى المعلومات وتعزز مبادئ الشفافية والمساءلة.
ويوضح حمدان أن النقابة دفعت باتجاه أن تكون عملية إعداد القانون تشاركية ومفتوحة أمام مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، ورحبت بنشر وزارة العدل لمسودة القانون عبر منصة التشريع الإلكترونية، بما أتاح للمواطنين والمؤسسات الرسمية والأهلية والحقوقية تقديم ملاحظاتهم واقتراحاتهم.
ويشير حمدان إلى أن الجهات المعنية جمعت الملاحظات الواردة على المسودة وأحالتها إلى مجلس الوزراء، الذي ناقش المشروع في قراءة أولى، قبل أن يفتح المجال مجدداً لتلقي ملاحظات إضافية وأخذها بعين الاعتبار ضمن عملية المراجعة والتطوير.

استكمال الملاحظات المتعلقة بمشروع القانون

ويبيّن حمدان أن ما جرى خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة الثلاثاء، يأتي في إطار استكمال تجميع ودراسة الملاحظات المتعلقة بمشروع القانون، لافتاً إلى أن المؤشرات الحكومية تدل على أن المشروع بات في مراحله النهائية، وأن التحضيرات مستمرة لرفعه إلى الرئيس محمود عباس تمهيداً لإقراره بصورة رسمية.
ويشير حمدان إلى أن نقابة الصحفيين لعبت دوراً محورياً في تحسين مضمون المشروع من خلال الاستعانة بخبير دولي متخصص بدعم من الاتحاد الدولي للصحفيين، موضحاً أن الخبير شارك سابقاً في إعداد أو تطوير تشريعات حق الحصول على المعلومات في عدد من الدول العربية، من بينها الأردن وتونس ولبنان.
ويؤكد أن الملاحظات الفنية والقانونية التي قدمها الخبير أسهمت في تطوير المسودة وتعزيز توافقها مع المعايير الدولية الخاصة بحرية المعلومات، الأمر الذي انعكس إيجاباً على موقع فلسطين في المؤشرات الدولية المتعلقة بالحريات العامة وحرية الإعلام وحق المعرفة.
ويشدد حمدان على أن الحاجة إلى إقرار القانون أصبحت ملحة في ظل الانتشار المتزايد للشائعات والأخبار المضللة والمفبركة، معتبراً أن توفير المعلومات الرسمية للمواطنين والصحفيين يشكل إحدى أهم الأدوات لمواجهة التضليل وتعزيز الثقة بالمعلومات الموثقة.
 
القانون وتكريس الحق بالمعرفة

ويوضح حمدان أن القانون سيكرس حق المواطن في المعرفة ويمنح المؤسسات الإعلامية والصحفيين أدوات قانونية للحصول على المعلومات من مصادرها الرسمية.
ويؤكد أن إقرار القانون لا يمثل نهاية المسار بل بدايته، إذ يتطلب نجاحه توفير بنية مؤسسية وتشريعية قادرة على ضمان تطبيقه عملياً، بما يشمل تطوير أنظمة الأرشفة الوطنية، ورفع مستوى جاهزية المؤسسات العامة، وإقرار الإجراءات والتعليمات اللازمة للاستجابة لطلبات المعلومات، إلى جانب مواءمة التشريعات المرتبطة بحماية البيانات الشخصية.
ويشدد حمدان على أن حق الحصول على المعلومات حق أصيل تكفله المواثيق والقوانين الدولية، وأن نجاح القانون لن يقاس بإقراره فقط، بل بمدى التزام المؤسسات بتنفيذه وضمان وصول المواطنين والصحفيين إلى المعلومات بصورة فعالة وسريعة، بما يعزز الشفافية والمساءلة وحرية الرأي والتعبير في المجتمع الفلسطيني.

حاجة مجتمعية ودستورية لإقراره

يعتبر نقيب المحامين فادي عباس أن مناقشة مجلس الوزراء للمسودة الجديدة من مشروع قانون حق الحصول على المعلومات تمهيداً لإقراره تمثل استكمالاً للمسار الذي بدأ سابقًا، عندما طُرحت المسودة الأولى للنقاش العام وقدّمت المؤسسات والجهات المختصة ملاحظاتها بشأنها، مؤكداً أن هذا التشريع يُعد من القضايا "القديمة الجديدة" التي ظلت مطروحة على الأجندة الفلسطينية منذ سنوات طويلة.
ويوضح عباس أن إعادة طرح المشروع في هذه المرحلة تعكس وجود حاجة مجتمعية ودستورية متواصلة لإقرار هذا التشريع، مشيراً إلى أن المجتمع الفلسطيني ومؤسساته المختلفة عبّرت على مدار سنوات عن مطالبات مستمرة بضرورة ضمان حق الوصول إلى المعلومات، إلى جانب وجود التزام وإعلان حكومي متكرر، عبر أكثر من حكومة، بالمضي قدماً نحو إقرار هذا التشريع.
ويشير عباس إلى أن أهمية القانون لا تنبع فقط من كونه استجابة لمطلب مجتمعي، بل أيضاً من ارتباطه المباشر بمفاهيم الحوكمة الرشيدة وتعزيز سيادة القانون، موضحاً أن حق الحصول على المعلومات يشكل أحد المرتكزات الأساسية لتوسيع قاعدة الرقابة العامة على الشأن العام، كما يسهم في تعزيز حرية الرأي والتعبير ورفع مستويات الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات العامة.

الوصول إلى المعلومات باعتباره أصلاً عاماً

ويؤكد عباس أن فعالية القانون ستظل مرتبطة إلى حد كبير بمضمونه النهائي وبمدى الأخذ بمراعاة الملاحظات التي قدمتها الجهات المختلفة خلال مراحل النقاش السابقة، لافتاً إلى أهمية أن ينص التشريع بصورة واضحة على اعتبار الوصول إلى المعلومات أصلاً عاماً، مقابل حصر الاستثناءات وتقييدها ضمن أضيق الحدود الممكنة، بما يضمن عدم تحولها إلى قاعدة تعيق ممارسة الحق.
ويشدد عباس على أن نجاح تطبيق القانون يتطلب توفير أدوات وآليات عملية تضمن تنفيذه على أرض الواقع، وفي مقدمتها تعيين موظفين أو جهات مختصة داخل كل مؤسسة ودائرة حكومية تكون مسؤولة عن تسهيل إجراءات الحصول على المعلومات والاستجابة للطلبات المقدمة من المواطنين.

الحاجة لبنية تحتية إلكترونية متطورة

ويؤكد عباس أن البعد التشريعي وحده يجب أن يترافق مع تهيئة بنية تحتية إلكترونية متطورة تسهّل عملية تقديم الطلبات والحصول على المعلومات والرد عليها بسرعة وكفاءة من أجل تشريع أكثر فعالية.
ويوضح عباس أن التطور التكنولوجي والوسائل الرقمية الحديثة، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تبسيط إجراءات الوصول إلى المعلومات وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويؤكد عباس أن نجاح القانون مستقبلاً سيقاس بمدى فعالية آليات تطبيقه وإمكانية متابعة تنفيذ أحكامه ومراقبتها بعد دخوله حيز النفاذ، معتبراً أن المواءمة بين التشريع والبنية الإلكترونية اللازمة لتطبيقه تشكل شرطاً أساسياً لتحويل الحق في الحصول على المعلومات من نص قانوني إلى ممارسة فعلية وميسرة للمواطنين.

خطوة مهمة بمسار طال انتظاره

يؤكد المدير التنفيذي للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" عصام حج حسين أن طرح المسودة الجديدة من مشروع قانون الحق في الحصول على المعلومات للنقاش داخل مجلس الوزراء يمثل خطوة مهمة في مسار طال انتظاره، لكن نجاح هذه الخطوة يبقى مرهوناً باستكمال نهج الشراكة واشراك مؤسسات المجتمع المدني والخبراء والهيئات الحقوقية والقانونية في مراجعة كافة المسودات وتضمين توصياتها والأخذ بملاحظاتها قبل إقرار القانون بشكل نهائي، وقياس أثره الحقيقي بمدى الالتزام بتطبيقه وإنفاذه.
ويوضح حج حسين أن مسودة مشروع القانون الأولى طُرحت للنقاش المجتمعي نهاية العام الماضي، وقادت نقاشاتها وزارة العدل وهيئة مكافحة الفساد، حيث جرى تنظيم لقاءات مع مؤسسات المجتمع المدني التي قدمت مجموعة واسعة من الملاحظات، كان أبرزها ما يتعلق بقائمة الاستثناءات الواردة في المشروع وعدد من الجوانب القانونية الأخرى.
ويلفت حج حسين إلى أن أكثر من سبعة أشهر مرت على تلك النقاشات، ما يجعل من الضروري عرض المسودة الثانية على الجهات ذاتها لمعرفة ما إذا كانت ملاحظاتها قد أُخذت بعين الاعتبار.

أهمية الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني


ويشدد حج حسين على أن عدم إعادة طرح المسودة الثانية للنقاش المجتمعي سيجعل عملية التشاور السابقة ناقصة ويفقدها معناها الحقيقي، مؤكداً أن الشراكة الفعلية تقتضي إشراك مؤسسات المجتمع المدني في جميع مراحل إعداد القانون وحتى اللحظات الأخيرة التي تسبق إقراره.
ويحذر حج حسين من تكرار ما حدث في قانون انتخابات الهيئات المحلية، حين جرى تقديم ملاحظات عديدة من المؤسسات والخبراء على المسودات المطروحة، قبل أن تصدر النسخة النهائية متضمنة مواد لم تُناقش مسبقاً، الأمر الذي أثر على مستوى الثقة بين مؤسسات المجتمع المدني والجهات الحكومية فيما يتعلق بجدية عمليات التشاور.

مطلب منذ عقدين

ويؤكد حج حسين أن أهمية القانون تنبع من كونه مطلباً مطروحاً منذ عام 2006، مشيراً إلى أن إقراره تأخر لأكثر من عقدين بسبب ممانعات متعددة.
ويشير حج حسين إلى أن خصوصية الحالة الفلسطينية تجعل الحاجة إلى هذا القانون أكثر إلحاحاً في ظل غياب المجلس التشريعي وتعطل دوره الرقابي، ما أضعف منظومة المساءلة الرسمية، وجعل المساءلة المجتمعية والإعلامية تعتمد بصورة أساسية على توفر المعلومات المتعلقة بالشأن العام والمال العام والسياسات الحكومية.
ويلفت حج حسين إلى أن الأثر الحقيقي للقانون لن يقاس بمجرد إقراره، وإنما بمدى الالتزام بتطبيقه وإنفاذه، وبوجود مساءلة فعلية للمؤسسات أو المسؤولين الذين يمتنعون عن توفير المعلومات التي يكفلها القانون.

التطبيق الجاد للقانون

ويرى حج حسين أن التطبيق الجاد للقانون سيسهم في تعزيز المشاركة المجتمعية في صياغة السياسات العامة، ويدعم جهود الرقابة والمساءلة، ويمكن مؤسسات المجتمع المدني من تقديم توصيات أكثر فاعلية لمساندة الحكومة في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية.
ويحذر حج حسين من أن يواجه القانون عراقيل في مراحله الأخيرة بعد وصوله إلى الدائرة القانونية في ديوان الرئاسة، محذراً من احتمال تأجيل اعتماده أو إجراء تعديلات تفقد القانون معناه.
ويدعو حج حسين مؤسسات المجتمع المدني والناشطين إلى مواصلة الضغط من أجل ضمان إقرار القانون ونشره دون تأخير، مطالباً الحكومة بعدم الاكتفاء بإعداد مسودة مشروع القانون، بل بمواصلة جهودها لدى الجهات المختصة في ديوان الرئاسة لتسريع مراجعته واعتماده، بما ينسجم مع التزاماتها الواردة في أجندة الإصلاح والوعود التي أعلنتها بشأن إخراج القانون إلى حيز التنفيذ.

تعزيز الشفافية ضرورة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز شمس لحقوق الإنسان د.عمر رحال أن مناقشة مجلس الوزراء النسخة المنقحة من مشروع قانون حق الحصول على المعلومات تمثل مؤشراً سياسياً وحقوقياً مهماً يتجاوز كونه إجراءً تشريعياً عادياً، معتبراً أن الحكومة باتت تدرك أن تعزيز الشفافية أصبح ضرورة داخلية وخارجية لاستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية وتحسين صورة السلطة الوطنية وتعزيز العلاقة بين المواطنين والنظام السياسي.
ويوضح رحال أن اهتمام الحكومة بهذا الملف يرتبط أيضاً بمتطلبات الإصلاح الإداري والمالي التي يطالب بها الشركاء الدوليون، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن هناك ضغوطاً سياسية ودبلوماسية ومالية غير معلنة تدفع باتجاه إقرار القانون.
ويؤكد رحال إلى أن غياب القانون طوال السنوات الماضية خلق فراغاً تشريعياً رغم تعدد المسودات والمشاريع التي جرى تداولها، لافتاً إلى أن الحق في الحصول على المعلومات يشكل ركناً أساسياً من أركان الشفافية والمساءلة والمشاركة في صنع القرار.
ويبدي رحال تخوفه من إمكانية إفراغ القانون من مضمونه عبر توسيع الاستثناءات المتعلقة بالأمن العام والسلم الأهلي والمصلحة العليا وسرية الوثائق، معتبراً أن هذه المفاهيم ما زالت فضفاضة وقابلة للتأويل، خاصة مع وجود تحفظات لدى بعض الجهات الأمنية تجاه إصدار القانون.

اختبار حقيقي لمبدأ الإفصاح والنشر

ويشدد رحال على أن الاختبار الحقيقي يتمثل في ما إذا كان مبدأ الإفصاح والنشر سيكون هو الأصل، أم أن الاستثناءات ستتحول إلى قاعدة تحد من فعالية التشريع.
ويتساءل رحال عما إذا كان القانون سيمكن الصحفيين والباحثين والمهتمين من الوصول إلى الوثائق والمعلومات دون عراقيل بيروقراطية، مستشهداً بعدم إتاحة تفاصيل العديد من الاتفاقيات الموقعة بين الحكومة وجهات مختلفة أمام الرأي العام.
ويبيّن رحال أن إقرار قانون فعال لحق الحصول على المعلومات من شأنه إحداث تحول مهم في البيئة الحقوقية الفلسطينية، من خلال تعزيز حرية الرأي والتعبير، وتمكين الصحفيين من الوصول إلى المعلومات والوثائق، ودعم جهود مكافحة الفساد، والحد من انتشار الإشاعات والمعلومات المغلوطة عبر توفير معلومات رسمية دقيقة يمكن الاستناد إليها في النقاش العام.

مراجعة منظومة تشريعية أوسع

ويشدد رحال على أن نجاح القانون يتطلب مراجعة منظومة تشريعية أوسع، وفي مقدمتها قانون الجرائم الإلكترونية وتعديلاته، معتبراً أن وجود نصوص فضفاضة في بعض القوانين قد يقيد حرية الرأي والتعبير ويحد من الأثر المتوقع لقانون حق الحصول على المعلومات. ويدعو رحال إلى مواءمة التشريعات الفلسطينية مع الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين، مؤكداً أن قيمة القانون ستبقى مرهونة بوجود إرادة سياسية حقيقية لإقرار تشريع قوي ومنسجم مع المعايير الدولية، وليس مجرد استجابة لضغوط خارجية أو متطلبات المانحين.

النقاش الأهم حول التعديلات الجوهرية

يؤكد المستشار القانوني لمؤسسة الحق أشرف أبو حية أن مؤسسات المجتمع المدني قدمت ملاحظات تفصيلية على المسودة الأولى لمشروع القرار بقانون بشأن الحصول على المعلومات، لكنها لم تر المسودة الجديدة التي تتحدث عنها الحكومة، حيث أن المشروع بصيغته في المسودة الأولى يتطلب تعديلات جوهرية لضمان اتساقه مع المعايير الدستورية والدولية.
ويوضح أبو حية أن الملاحظات شملت غياب تعريفات دقيقة لجهات وشركات متعاقدة مع الدولة، وعدم وضوح مفاهيم أساسية مثل الأمن الوطني والأمن الاقتصادي، إلى جانب إشكاليات تتعلق بصلاحيات الموظف المختص وآليات التظلم والطعن.
ويشير أبو حية إلى وجود إشكالية بالقانون بمنح الجهات الرسمية صلاحيات واسعة لتصنيف المعلومات وحجبها دون معايير موضوعية أو رقابة مستقلة، وهو ما يتطلب أخذ الاعتبار لتجاوزه في المسودة النهائية لمشروع القانون.

تعزيز النشر الاستباقي

ويلفت أبو حية إلى ضرورة تعزيز النشر الاستباقي للمعلومات المتعلقة بالموازنات والإنفاق العام والعقود الحكومية، وتحديد مدد أقصر للرد على طلبات المعلومات، ومنع تحويل الرسوم إلى عائق أمام الوصول إليها.
ويوضح أبو حية أن من أبرز الملاحظات ضرورة توسيع حماية المبلغين، وضبط الاستثناءات، وتطبيق اختبار المصلحة العامة قبل حجب أي معلومة، بما يضمن أن يبقى الأصل هو الإتاحة والاستثناء هو الحجب المبرر قانونياً.

خطورة التوسع في الاستثناءات

ويؤكد أبو حية أن ملاحظات مؤسسات المجتمع المدني على مشروع القرار بقانون بشأن الحصول على المعلومات ركزت على خطورة التوسع في الاستثناءات الواردة في المادة (16)، معتبراً أن صياغتها الحالية تمنح الجهات الرسمية سلطة تقديرية واسعة قد تقوض جوهر الحق في الوصول إلى المعلومات.
ويوضح أبو حية أن المشروع يستخدم مفاهيم فضفاضة مثل "الأمن الوطني" و"المصالح الاقتصادية للدولة" و"المعلومات السرية" دون وضع معايير دقيقة أو اشتراط إثبات ضرر فعلي ومحدد من الإفصاح عن المعلومات، الأمر الذي يتعارض مع المبدأ الدولي القائم على أن الأصل هو الإتاحة والاستثناء هو الحجب المبرر والمحدد.

اختبار المصلحة العامة

ويشير أبو حية إلى أن المشروع لا يتضمن "اختبار المصلحة العامة" الذي يوازن بين حماية بعض المصالح وحق الجمهور في المعرفة، ما قد يسمح بحجب معلومات تتعلق بالفساد أو سوء الإدارة.
ويؤكد أبو حية أن بعض الاستثناءات تتعارض مع مقتضيات الشفافية، ومن بينها حجب المعلومات المرتبطة بالكوارث الطبيعية والأمراض المعدية، رغم أن المعايير الدولية تؤكد ضرورة نشرها فوراً لحماية الصحة العامة. ويشير أبو حية إلى أن النص الذي يسمح بحجب أي معلومات تعتبر سرية بموجب تشريعات أخرى يضعف مكانة القانون ويجعله خاضعاً لقوانين أو تعليمات قد تكرس السرية.
وفيما يتعلق بالمفوضية، يوضح أبو حية أن إنشاءها بقرار من مجلس الوزراء وتمويلها من الموازنة العامة دون ضمانات كافية للاستقلال يثير تساؤلات حول قدرتها على ممارسة دورها الرقابي بصورة مستقلة. كما لفت إلى وجود غموض في تشكيل المفوضية الدائمة وصلاحياتها، وعدم وضوح العلاقة بين مجلس المفوضية والمفوض، خاصة في ملفات التظلمات وإصدار القرارات والتعليمات.
ويؤكد أبو حية أن مواد التظلم في القانون لا تشمل حالات التأخير غير المبرر أو الحجب الجزئي أو التسبيب الشكلي للقرارات، كما أن شروط تعيين المفوض لا تتضمن معايير واضحة تتعلق بالخبرة والاستقلالية أو آليات شفافة للترشيح والعزل.

التوسع بحجب المعلومات خشية المساءلة

وفي جانب العقوبات، يحذر أبو حية من أن الغرامات المالية المرتفعة قد تدفع الموظفين إلى التوسع في حجب المعلومات خشية المساءلة، داعياً إلى قصر العقوبات على حالات سوء النية والإهمال الجسيم، وضمان حماية الصحفيين والعاملين في المجتمع المدني وحقهم في الطعن أمام جهات مستقلة.
وينتقد أبو حية ترك العديد من التفاصيل الجوهرية للأنظمة والتعليمات اللاحقة، وعدم النص على أولوية القانون في تنظيم الحق في الوصول إلى المعلومات، محذراً من أن مهلة النفاذ البالغة ستة أشهر قد تتحول إلى فترة تعطيل عملي في ظل غياب خطة وطنية واضحة للتنفيذ والتدريب وبناء القدرات.
ويؤكد أبو حية أهمية الأخذ بالملاحظات التي قدمتها مؤسسات المجتمع المدني على المسودة الأولى من القانون، لأن ذلك أساس في الشراكة المجتمعية، مشدداً على أهمية التنفيذ الفعلي والذي يلبي طموحات المجتمع الفلسطيني.
ويؤكد أبو حية أن إنجاز القانون يتطلب سلسلة من اللقاءات والمشاورات مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية لمناقشته مجدداً قبل إقراره.

دوافع سياسية وإدارية متعددة

يعتبر مدير مركز ثبات للبحوث واستطلاعات الرأي والباحث في قضايا الحكم والسياسة جهاد حرب أن مناقشة المسودة المنقحة لمشروع قانون حق الحصول على المعلومات تمثل تطوراً إيجابياً باتجاه إقرار القانون، بعد أكثر من 21 عاماً من بقائه مطروحاً على أجندة المجلس التشريعي ثم مجلس الوزراء دون تحقيق تقدم جوهري يقود إلى دخوله حيز التنفيذ.
ويوضح حرب أن مشروع القانون يحظى هذه المرة بدوافع سياسية وإدارية متعددة، أبرزها التزام الحكومة التاسعة عشرة، برئاسة د. محمد مصطفى، بما ورد في برنامجها بشأن إصدار القانون، إضافة إلى قيام الحكومة بنشر مسودته على منصة التشريع العامة.
ويشير حرب إلى أن استمرار العمل على المشروع يأتي أيضاً في سياق الضغوط الخارجية المرتبطة بملف الإصلاح وتعزيز الحوكمة والشفافية.
ويرى حرب أن العقبات الحقيقية قد لا تكون داخل أروقة الحكومة خلال مرحلة الإعداد والمراجعة، وإنما قد تظهر في المراحل اللاحقة عند الانتقال إلى إصدار القانون من قبل مؤسسة الرئاسة، لافتاً إلى وجود أطراف فلسطينية مارست ضغوطاً في مراحل سابقة خشية أن يؤدي القانون إلى كشف معلومات أو ترتيبات قد تمس بعض الجهات أو تفرض أعباء إدارية ومالية إضافية على المؤسسات الرسمية.

إعادة تنظيم حفظ المعلومات وإتاحتها للجمهور

ويشير حرب إلى أن تطبيق القانون يتطلب إعادة تنظيم واسعة للإجراءات الحكومية المتعلقة بحفظ المعلومات ونشرها وإتاحتها للجمهور، إضافة إلى تحديد أولويات النشر والفترات الزمنية الخاصة بحجب بعض الوثائق الحساسة المرتبطة بالأمن القومي، وصياغة استثناءات واضحة ومحددة وفق المعايير الدولية.
ويؤكد حرب أن الأثر الإيجابي للقانون سيبقى مرهوناً بمضمونه النهائي، موضحاً أن الالتزام بالمعايير الدولية سيعزز حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، بينما قد تؤدي التوسعات في الاستثناءات إلى إفراغ القانون من مضمونه، كما حدث في تجارب عربية عديدة.

إنشاء هيئة للإشراف على إنفاذ القانون

ويشدد حرب على أهمية إنشاء هيئة مستقلة تتولى الإشراف على إنفاذ القانون والنظر في شكاوى المواطنين، على أن تمتلك صلاحيات فعلية لإلزام المؤسسات العامة بتوفير المعلومات المطلوبة ونشرها ضمن مدد زمنية محددة، انطلاقاً من مبدأ أن الأصل هو إتاحة المعلومات والاستثناء هو الحجب.
ويؤكد حرب أن إقرار القانون من شأنه تعزيز موثوقية المعلومات والبيانات المتاحة للجمهور، وتوسيع مساحة حرية الرأي والتعبير القائمة على معلومات موثقة ووثائق رسمية، بما يدعم عمل الصحفيين والباحثين والمواطنين ويعزز حرية الصحافة والرقابة المجتمعية.
ويعتقد حرب أن استكمال مسار إقرار القانون ما زال يواجه تحديات وعقبات متعددة، رغم الحاجة الملحة إليه باعتباره أحد أدوات الشفافية والمساءلة في النظام السياسي الفلسطيني.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

في خطوة تاريخية.. مجلس النواب الأمريكي يصوت لصالح تقييد العمل العسكري ضد إيران

سجل مجلس النواب الأمريكي سابقة تاريخية بإقراره قراراً يدعو بشكل صريح إلى وقف العمل العسكري ضد إيران، في خطوة اعتبرها مراقبون توبيخاً مباشراً لسياسات الحرب التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقد جاء هذا التحرك ليعكس حالة من التوتر المتزايد داخل أروقة الكونغرس حول مدى أحقية السلطة التنفيذية في الانفراد بقرارات الحرب والسلم بعيداً عن الرقابة التشريعية.

وقد أظهرت نتائج التصويت انقساماً حاداً، حيث مر القرار بأغلبية 215 صوتاً مقابل معارضة 208 أصوات، وشهدت الجلسة اختراقاً لافتاً في صفوف الحزب الجمهوري بعد انضمام أربعة نواب إلى الكتلة الديمقراطية. هؤلاء النواب، وهم توماس ماسي وبريان فيتزباتريك وتوم باريت ووارن ديفيدسون، كسروا الخط الحزبي لدعم تقييد الصلاحيات العسكرية للرئيس في الملف الإيراني.

تأتي هذه التطورات في وقت حساس تشهد فيه واشنطن جدلاً دستورياً معمقاً حول نطاق صلاحيات البيت الأبيض في إدارة العمليات العسكرية الخارجية. ويطالب مشرعون من كلا الحزبين بضرورة وضع ضوابط تمنع الانزلاق إلى نزاعات مسلحة واسعة النطاق دون الحصول على تفويض مسبق وواضح من السلطة التشريعية، خاصة في ظل التهديدات المتبادلة مع طهران.

وعلى صعيد آخر، أحرز مجلس الشيوخ تقدماً في مسار تشريعي موازٍ يتعلق بمشروع قانون التسوية المالية، حيث صوتت الأغلبية بواقع 53 مقابل 46 صوتاً للمضي قدماً في النقاشات. ومن المتوقع أن يشهد الأسبوع الجاري سلسلة من التصويتات المفتوحة على تعديلات المشروع الذي يهدف بشكل أساسي إلى تأمين التمويل اللازم لوكالات الهجرة الأمريكية.

وفي الشأن الانتخابي الداخلي، فجرت الانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا مفاجأة من العيار الثقيل بخسارة النائب الجمهوري راندال فينسترا أمام رجل الأعمال زاك لاهن في السباق على منصب الحاكم. وتكمن أهمية هذه النتيجة في كون فينسترا كان يحظى بدعم مباشر وقوي من الرئيس دونالد ترامب، مما يطرح تساؤلات حول مدى تأثير نفوذ ترامب على القواعد الحزبية.

كما حقق الحزب الديمقراطي مكاسب إضافية في ولاية أيوا، حيث استطاع النائب جوش تورك حسم فوز مريح على منافسه السيناتور التقدمي زاك واهلس. هذا الانتصار يعزز من آمال الديمقراطيين في إمكانية إحداث تغيير في موازين القوى داخل مجلس الشيوخ خلال الانتخابات العامة المقبلة، عبر اقتناص مقاعد كانت محسوبة تاريخياً على الطرف الآخر.

أما في ولاية كاليفورنيا، فلا تزال الضبابية تخيم على نتائج سباقات كبرى تشمل منصب حاكم الولاية ورئاسة بلدية لوس أنجلوس، حيث تشير التقارير إلى أن فرز الأصوات قد يستغرق عدة أيام. ومع ذلك، تأكد تأهل العمدة الحالية كارين باس إلى جولة الإعادة في سباق رئاسة البلدية، وسط ترقب لما ستسفر عنه النتائج النهائية في هذه الولاية المحورية.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

العليا الإسرائيلية تقضي بعدم قانونية منع زيارات الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين

أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، مساء الأربعاء، حكماً قضائياً باتاً بالإجماع يقضي بعدم قانونية السياسة التي تنتهجها الحكومة لمنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى الفلسطينيين في السجون ومراكز الاحتجاز. وأمرت المحكمة بإلغاء هذا الحظر فوراً، معتبرة أن الإجراءات التي فُرضت منذ السابع من أكتوبر 2023 تفتقر إلى الغطاء القانوني اللازم لاستمرارها.

وذكرت مصادر إعلامية أن المحكمة قبلت التماساً طعن في القيود المشددة التي فرضتها السلطات الإسرائيلية عقب اندلاع الحرب على قطاع غزة، والتي شملت حرمان الأسرى من التواصل مع اللجنة الدولية ومنع تزويد الأخيرة بأي معلومات تتعلق بأوضاعهم الصحية أو أماكن احتجازهم. وأشارت المداولات إلى أن هذه القيود ظلت سارية المفعول حتى بعد استعادة إسرائيل لعدد من محتجزيها في القطاع.

وفي مسوغات الحكم التي صاغتها القاضية دافنا باراك-إيريز، شددت المحكمة على أن السلطة التنفيذية لم تنجح في تقديم مبررات عملية أو قانونية مقنعة تدعم استمرار عزل الأسرى عن الرقابة الدولية. وأوضحت القاضية أن المحكمة منحت الحكومة مهلاً متعددة لتحديث موقفها بما يتلاءم مع المتغيرات الميدانية، إلا أن الردود الحكومية ظلت قاصرة عن إثبات شرعية هذا المنع.

وأكدت الهيئة القضائية أن الذريعة الأساسية التي استندت إليها الحكومة في البداية كانت مرتبطة بملف المحتجزين الإسرائيليين في غزة، لكنها اعتبرت أن هذا الربط لا يشكل سنداً قانونياً دائماً لحرمان الأسرى الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية. وخلصت المحكمة إلى أن السياسة المعتمدة تتعارض بشكل صارخ مع القوانين السارية والالتزامات الدولية المفروضة على سلطات الاحتلال.

من جانبها، سارعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالترحيب بهذا القرار القضائي، مؤكدة جاهزيتها الكاملة لاستئناف مهامها الإنسانية داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية في أقرب وقت ممكن. وأوضحت اللجنة في تصريحات صحفية أن هذا الحكم يعيد الاعتبار لدورها المحوري في مراقبة ظروف الاحتجاز وضمان معاملة المعتقلين وفقاً للمعايير الدولية التي أقرتها اتفاقيات جنيف.

وشددت اللجنة الدولية على أن اتفاقية جنيف الرابعة تمنحها حقاً أصيلاً في زيارة الأسرى وإجراء مقابلات خاصة معهم دون رقابة، وهو ما يمثل ضمانة أساسية لمنع الانتهاكات. وأشارت إلى أنها ستبدأ فوراً في التنسيق مع الجهات الإسرائيلية المختصة لترتيب جدول الزيارات الميدانية للسجون التي تضم آلاف المعتقلين الفلسطينيين، بمن فيهم معتقلو قطاع غزة.

وكانت منظمات حقوقية وأسرى قد بادروا بتقديم التماس للمحكمة في فبراير 2024، احتجاجاً على التغييب الكامل لدور الصليب الأحمر وتصاعد التقارير حول سوء المعاملة. وجاء هذا التحرك القانوني في ظل موجة من الانتقادات الدولية والمحلية للأوضاع المأساوية داخل السجون، والتي شهدت تدهوراً غير مسبوق في مستوى الخدمات الطبية والمعيشية المقدمة للأسرى.

وتأتي هذه التطورات القضائية في وقت حساس، حيث تواجه مصلحة السجون الإسرائيلية اتهامات متزايدة بانتهاج سياسات انتقامية ضد المعتقلين منذ تولي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي. وتتزامن هذه الضغوط مع تقارير حقوقية وثقت حالات تعذيب ممنهج في معسكرات احتجاز تابعة للجيش، مما يجعل استئناف زيارات الصليب الأحمر خطوة حيوية لتوثيق هذه الانتهاكات ووقفها.

فلسطين

الخميس 04 يونيو 2026 7:54 صباحًا - بتوقيت القدس

مخططات التهجير وتوسيع الاحتلال: غزة تواجه استراتيجية 'الخنق التدريجي'

في ظل انشغال الأوساط الدولية بملفات إقليمية معقدة، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحات تصعيدية تمهد لمرحلة جديدة من العدوان على قطاع غزة. وأكد نتنياهو أن قواته التي كانت تسيطر على نصف مساحة القطاع، وسعت نفوذها لتصل إلى 60%، مع إصدار تعليمات واضحة للجيش بالتقدم للسيطرة على 70% من المساحة الإجمالية، في خرق صريح للتفاهمات السابقة.

ولم تتوقف التصريحات عند البعد العسكري الميداني، بل امتدت لتشمل الأهداف الديموغرافية، حيث غرد وزير الأمن يسرائيل كاتس مؤكداً التزام الحكومة بمنع أي سيطرة مدنية أو عسكرية لحماس. وأشار كاتس بوضوح إلى أن مشروع 'التهجير الطوعي' للفلسطينيين لا يزال قائماً وسينفذ في التوقيت والطريقة التي تراها إسرائيل مناسبة، مما يعكس استهتاراً كاملاً بالمواقف الدولية الرافضة للتهجير.

هذا التناغم بين نتنياهو وكاتس يكشف عن استراتيجية 'خنق غزة' عبر الاحتلال المتدرج، حيث يتولى الأول مهمة التوسع العسكري ميدانياً، بينما يروج الثاني للهدف النهائي المتمثل في إفراغ الأرض من سكانها. وتأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه إسرائيل استخدام سلاح التجويع ومنع الدواء والتحكم في حركة الأفراد كأدوات حرب أساسية لتركيع الحاضنة الشعبية.

ميدانياً، تشير الإحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة إلى تصاعد خطير في أعداد الضحايا، حيث سجل شهر مايو الماضي ارتقاء 119 شهيداً، وهي الحصيلة الأعلى منذ أكتوبر. ومنذ توقيع ما يعرف بـ 'اتفاق ترامب'، استشهد 933 فلسطينياً وأصيب آلاف آخرون، مما يثبت أن الاتفاقات السياسية لم توقف آلة القتل بل حولتها إلى استنزاف يومي بوتيرة مدروسة.

وتشير تقارير إعلامية دولية إلى أن ما تسميه إسرائيل 'هجرة طوعية' ليس سوى عملية تطهير عرقي ممنهجة، إذ إن دفع السكان للرحيل بعد تدمير منازلهم وبنيتهم التحتية وحرمانهم من الغذاء لا يمكن اعتباره خياراً حراً. إن الاختيار بين الموت تحت القصف أو الرحيل نحو المنفى هو قمة القسر والإكراه الذي يمارس بحق المدنيين العزل.

داخل المؤسسة العسكرية، تبرز أصوات تدفع نحو حسم عسكري شامل، حيث يقود جنرالات مثل ينيف عاسور توجهاً لشن عملية هجومية واسعة تهدف لنزع سلاح المقاومة بالكامل خلال أسابيع قليلة. ورغم الانشغال بجبهات أخرى، إلا أن هذا الخيار يظل مطروحاً بقوة على طاولة نتنياهو، خاصة مع اقتراب الحسابات الانتخابية لعام 2026 وحاجته لتحقيق 'صورة نصر' حاسمة.

وتتعدد الاستراتيجيات المطروحة في أروقة القيادة الإسرائيلية، ومن أبرزها 'الخطة المتدرجة' التي تقترح تقسيم القطاع إلى مربعات جغرافية وديموغرافية يتم التعامل معها بشكل منفصل. وتقوم هذه الخطة على إخلاء السكان من الشمال إلى الجنوب وتدمير كل ما تبقى من معالم الحياة في المناطق المخلاة لضمان عدم العودة إليها، مع فتح مسارات أمنية للفحص والتهجير الخارجي.

وتتعمد سلطات الاحتلال عرقلة أي مشاريع لإعادة الإعمار أو إقامة سلطة إدارية منظمة داخل القطاع، بهدف إدامة حالة الفوضى وجعل غزة مكاناً غير صالح للعيش الآدمي. هذا النهج يهدف إلى دفع العائلات للرحيل خوفاً على مستقبل أطفالها، وهو ما يمثل جوهر المخطط الإسرائيلي الرامي لتصفية القضية الفلسطينية من بوابتها الغزية.

في المقابل، ترى النخب الأمنية الإسرائيلية أن عامل الزمن يعمل لصالحها في ظل غياب ضغوط دولية أو إقليمية حقيقية، وتحكم الجيش بجميع المعابر والمنافذ المؤدية للقطاع. ومع ذلك، يظل صمود أهل غزة على أرضهم هو العائق الوحيد والأساسي أمام تنفيذ هذه المخططات الجهنمية، وهو ما يتطلب إسناداً فلسطينياً وعربياً يتجاوز حدود البيانات اللفظية.

إن المرحلة الراهنة تعد الامتحان الأصعب والمصيري للقضية الفلسطينية، حيث يسابق نتنياهو الزمن لتحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم ومفروض بقوة السلاح. ويبقى الرهان معقوداً على قدرة الشعب الفلسطيني في غزة على إفشال مخططات التهجير، باعتبار أن بقاءهم في أرضهم هو المفتاح الوحيد لحماية مستقبل فلسطين وهويتها الوطنية.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 7:24 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة السودان ومتاهة الإقصاء: هل تنجح مشاورات أديس أبابا في كسر حلقة الحرب؟

في ظل أجواء مشحونة بالخلافات السياسية الحادة، انطلقت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماعات تشاورية مكثفة تمتد من الثالث وحتى الخامس من يونيو الجاري. تهدف هذه اللقاءات، التي ترعاها 'الآلية الخماسية' الدولية، إلى إيجاد مخرج للأزمة السودانية المتفاقمة وتحريك جمود العملية السياسية المتعثرة منذ اندلاع المواجهات المسلحة.

ورغم الزخم الدولي المحيط بهذه الاجتماعات، إلا أن مراقبين يرون أن فرص نجاحها تظل رهينة بتجاوز إرث الفشل في المحاولات السابقة. فالمشهد السوداني يعاني من انقسامات عميقة تتجاوز مجرد الخلاف على السلطة، لتصل إلى حد الصراع الوجودي الذي يهدد وحدة البلاد واستقرارها المجتمعي.

تعد أزمة التمثيل والشرعية من أبرز العقبات التي تواجه أي مبادرة سياسية حالية، حيث تفتقر معظم القوى المشاركة إلى تفويض شعبي حقيقي يمنحها القدرة على فرض الحلول. هذا الواقع جعل من المشاركة في المؤتمرات الدولية وسيلة للبقاء في الخارطة السياسية أكثر من كونها سعياً جاداً لإنهاء المعاناة الإنسانية على الأرض.

من جانب آخر، تبرز إشكالية تغييب الأطراف الفاعلة ومحاولات تهميش المؤسسة العسكرية كعامل معطل لأي تقدم ملموس. فالجيش السوداني ينظر بريبة إلى هذه التحركات، معتبراً إياها محاولات للالتفاف على دوره السيادي، مما يعزز حالة انعدام الثقة بين المكونات العسكرية والمدنية.

وتلعب عقلية الإقصاء المتبادل دوراً محورياً في إطالة أمد الأزمة، حيث تضع بعض التحالفات السياسية شروطاً مسبقة لإبعاد خصومها الأيديولوجيين من المشهد تماماً. هذا النهج الإقصائي، وخاصة تجاه التيار الإسلامي أو القوى المدنية المعارضة، يحول الحوار الوطني إلى ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من بناء التوافق.

إن التجارب التاريخية في السودان ودول الجوار تؤكد أن الإقصاء الشامل لا يقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات وتعميق الجراح الوطنية. فالمطالبة باختفاء الخصم كشرط للحل السياسي هي وصفة للاستمرار في دوامة العنف، حيث تصبح الحرب الوسيلة الوحيدة للأطراف المهمشة لإثبات وجودها.

ويعتقد قطاع واسع من السودانيين أن بعض هذه المنصات الدولية تُستخدم أحياناً كغطاء لترتيبات إقليمية تخدم مصالح قوى خارجية. هذا التدخل الخارجي، الذي لم يعد خافياً، يساهم في تعقيد المشهد ويجعل من القرار الوطني السوداني رهينة للتجاذبات الدولية والإقليمية المتقاطعة.

وفي غياب آليات واضحة للتنفيذ، تظل البيانات الختامية لهذه المؤتمرات مجرد حبر على ورق لا يغير من واقع الميدان شيئاً. فبينما تتوالى الجولات الدبلوماسية في العواصم المختلفة، تواصل الحرب فرض إيقاعها الدامي على المواطنين الذين يدفعون ثمن هذا الانسداد السياسي.

يتطلب المخرج الحقيقي من هذه الحلقة المفرغة شجاعة سياسية تقر بأن الإقصاء هو أحد الجذور العميقة للأزمة السودانية المزمنة. إن الاعتراف بأن لا أحد يملك حق احتكار السلطة أو تمثيل الشعب دون صناديق الاقتراع هو الخطوة الأولى نحو بناء نظام ديمقراطي مستدام يقوم على التداول السلمي.

كما تبرز الحاجة الملحة لبناء 'هوية سياسية انتقالية' تركز على حماية الحقوق والحريات الأساسية وتؤجل الخلافات الأيديولوجية الكبرى. هذا الميثاق الوطني يجب أن يستند إلى مبادئ العدالة والمحاسبة للمتورطين في الجرائم، دون تحويل الانتماء السياسي إلى تهمة تستوجب العزل.

في نهاية المطاف، يبقى السلام الحقيقي صناعة سودانية بامتياز، حيث لا يمكن للمجتمع الدولي مهما بلغت جهوده أن ينوب عن السودانيين في تقرير مصيرهم. إن الانتقال من عقلية 'أنا أولاً' إلى مفهوم 'الوطن أولاً' هو السبيل الوحيد لإنقاذ السودان من خطر التقسيم والانهيار الشامل.

تحليل

الخميس 04 يونيو 2026 7:09 صباحًا - بتوقيت القدس

ماسي: الخلاف بين ترمب ونتنياهو مجرد كلام ما لم توقف واشنطن مساعداتها العسكرية لإسرائيل

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات-4/6/2026


تحليل إخباري


أعاد النائب الجمهوري توماس ماسّي فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ومدى جدية الإدارة الأميركية في ممارسة أي ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية، وذلك عقب تقارير تحدثت عن توتر حاد بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان واستمرار التوتر الإقليمي.


وجاءت تصريحات ماسّي رداً على تقارير إعلامية أفادت بأن ترمب وجه انتقادات قاسية وغير مسبوقة لنتنياهو خلال اتصال هاتفي بينهما، معبراً عن استيائه من السياسات العسكرية الإسرائيلية التي تهدد بتوسيع دائرة الصراع في المنطقة. إلا أن النائب الجمهوري المعروف بمواقفه المناهضة للمساعدات العسكرية الخارجية اعتبر أن هذه التصريحات، مهما بلغت حدتها، تظل بلا قيمة سياسية حقيقية ما لم تقترن بإجراءات عملية.


وقال ماسّي إن إنهاء الحروب التي تخوضها إسرائيل لا يحتاج إلى خطابات أو اتصالات هاتفية غاضبة، بل إلى قرار أميركي واضح بتجميد المساعدات العسكرية والمالية. ورأى أن استمرار تدفق الدعم الأميركي يمنح الحكومة الإسرائيلية شعوراً بأنها محصنة من أي مساءلة أو ضغوط حقيقية، الأمر الذي يجعل الانتقادات العلنية مجرد رسائل إعلامية لا تغير شيئاً في الواقع الميداني.


وأضاف أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط هائلة لو أرادت استخدامها، مشيراً إلى أن وقف المساعدات لفترة قصيرة كفيل بإجبار إسرائيل على إعادة حساباتها العسكرية والسياسية. كما ربط بين استمرار الصراعات في المنطقة وبين التداعيات الاقتصادية العالمية، معتبراً أن تهدئة النزاعات قد تسهم في استقرار أسواق الطاقة وخفض أسعار الوقود.


وتأتي تصريحات ماسّي في وقت تتزايد فيه التساؤلات داخل الأوساط السياسية الأميركية بشأن حدود الدعم غير المشروط الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، خصوصاً بعد أشهر طويلة من الحروب المتواصلة في غزة ولبنان والتوتر المستمر مع إيران. فبينما تتحدث الإدارات الأميركية المتعاقبة عن أهمية ضبط النفس وتجنب التصعيد، يلاحظ منتقدون أن الدعم العسكري والسياسي الأميركي لم يتوقف، ما يضعف صدقية أي رسائل تحذير توجهها واشنطن إلى تل أبيب.


وبحسب ما نقلته التقارير، فإن ترمب أبلغ نتنياهو خلال الاتصال أن سياساته العسكرية باتت تضر بصورة إسرائيل ومكانتها الدولية، وأنها تزيد من عزلتها على الساحة العالمية. ورغم أن هذه اللغة تعد أكثر حدة من المعتاد في الخطاب العلني بين الجانبين، فإن مراقبين يشيرون إلى أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية شهدت في السابق خلافات مشابهة لم تنعكس على حجم المساعدات أو مستوى التعاون الاستراتيجي.


ولم تكن هذه المرة الأولى التي تظهر فيها مؤشرات على تباين بين واشنطن وتل أبيب. فقد شهدت السنوات الأخيرة خلافات متكررة حول إدارة الحروب الإقليمية وآليات التعامل مع الملف الإيراني ومستقبل غزة، إلا أن تلك الخلافات بقيت ضمن إطار الخلافات التكتيكية، فيما ظل التحالف الاستراتيجي قائماً دون تغيير جوهري.


وتكشف تصريحات ماسّي عن تصدع متنامٍ داخل التيار المحافظ الأميركي نفسه حيال العلاقة مع إسرائيل. فبعد عقود من الإجماع شبه الكامل داخل الحزب الجمهوري على تقديم دعم غير محدود لتل أبيب، بدأت أصوات محدودة لكنها مؤثرة تتساءل عن الكلفة السياسية والاقتصادية لهذا الالتزام المفتوح. ولا يعكس هذا التحول تعاطفاً مع خصوم إسرائيل بقدر ما يعبر عن نزعة انعزالية متنامية داخل قطاعات من اليمين الأميركي ترى أن الحروب الخارجية تستنزف الموارد الأميركية وتورط واشنطن في أزمات لا تخدم مصالحها المباشرة.


وفي منشور آخر، وجه ماسّي انتقادات مباشرة إلى نتنياهو، معتبراً أن إصراره على إطالة أمد المواجهات مع إيران يثير تساؤلات جدية حول الدور الذي لعبه في دفع الإدارة الأميركية نحو خيارات أكثر تصعيداً. ورأى أن استمرار العراقيل أمام أي تسوية سياسية يعزز الانطباع بأن بعض الأطراف الإسرائيلية لا ترى مصلحة لها في إنهاء حالة الحرب، بل تعتبرها وسيلة للحفاظ على توازنات سياسية داخلية تخدم بقاءها في السلطة.


وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة لأنها تصدر عن نائب جمهوري لا يمكن اتهامه بالانتماء إلى المعسكر الليبرالي أو اليساري المنتقد لإسرائيل. ولذلك فإنها تعكس تحولات أعمق في المزاج السياسي الأميركي، حيث لم يعد الجدل يقتصر على الجوانب الأخلاقية أو الإنسانية للحروب، بل امتد إلى سؤال المصالح القومية الأميركية نفسها. ويزداد هذا الاتجاه قوة كلما تصاعدت المخاوف من انجرار الولايات المتحدة إلى مواجهات إقليمية واسعة قد تفرض أعباء مالية وعسكرية يصعب تبريرها أمام الرأي العام الأميركي.


 


ويحمل موقف ماسّي أيضاً بعداً شخصياً وسياسياً، إذ يأتي بعد خسارته الانتخابات التمهيدية أمام مرشح مدعوم من ترمب في واحدة من أكثر المنافسات الانتخابية كلفة في تاريخ انتخابات مجلس النواب. وقد شهد السباق تدفقاً غير مسبوق للأموال من جماعات ضغط ومتبرعين مؤيدين لإسرائيل، تجاوزت أل30 مليون دولار، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش القديم حول تأثير المال السياسي في رسم مواقف أعضاء الكونغرس تجاه قضايا الشرق الأوسط.


وتشير تجربة ماسّي إلى ظاهرة آخذة في الاتساع داخل السياسة الأميركية، تتمثل في استخدام الإنفاق الانتخابي الضخم لمعاقبة الأصوات الخارجة عن الإجماع التقليدي بشأن إسرائيل. ويخشى كثير من المراقبين أن يؤدي ذلك إلى تضييق مساحة النقاش الديمقراطي داخل الكونغرس، بحيث تصبح تكلفة الاعتراض السياسي مرتفعة إلى درجة تدفع كثيرين إلى الصمت. ومع ذلك، فإن تزايد الانتقادات من شخصيات تنتمي إلى اتجاهات فكرية مختلفة يوحي بأن الجدل حول طبيعة العلاقة الأميركية الإسرائيلية لن يتراجع، بل مرشح لمزيد من الاتساع خلال السنوات المقبلة.


وفي المحصلة، يرى مراقبون أن جوهر القضية لا يكمن في حدة الكلمات المتبادلة بين ترمب ونتنياهو، بل في السؤال الأهم: هل تملك واشنطن الإرادة السياسية لاستخدام نفوذها الهائل على إسرائيل عندما تتعارض سياساتها مع المصالح الأميركية؟ وحتى الآن، تبدو الإجابة، في نظر منتقدين مثل ماسّي، أن الخلافات المعلنة لا تزال أقرب إلى إدارة الاختلاف منها إلى ممارسة ضغط حقيقي قادر عل تغيير الوقائع على الأرض.

أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 7:07 صباحًا - بتوقيت القدس

أهمية الأحزاب في عملية النهوض القومي العربي

واشنطن – سعيد عريقات-4/6/2026

إنّ النقاش حول التشرذم الحزبي في العالم العربي، ومراجعة التجارب الحزبية، وأهمية التنظيم السياسي في مواجهة العفوية، ليس مجرد نقاش تنظيمي أو فكري ضيق، بل هو جزء من سؤال تاريخي أكبر يتعلق بأسباب تعثر مشاريع النهضة والتحرر والديمقراطية في المنطقة العربية خلال القرن الماضي.


فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع انهيار الدولة العثمانية وظهور الدول العربية الحديثة تحت مظلة الاستعمار الأوروبي، برزت الحاجة إلى أطر سياسية منظمة تعبّر عن تطلعات المجتمعات العربية نحو الاستقلال وبناء الدولة. هكذا نشأت الأحزاب السياسية الأولى، سواء كانت أحزابًا وطنية مناهضة للاستعمار، أو أحزابًا قومية، أو يسارية، أو إسلامية. وقد لعبت هذه الأحزاب دورًا محوريًا في قيادة حركات التحرر الوطني وفي تشكيل الوعي السياسي الحديث.


لكن التجربة الحزبية العربية واجهت منذ وقت مبكر تحديات عميقة. فبعد الاستقلال، تحولت كثير من الدول العربية إلى أنظمة سلطوية قامت إما بتهميش الأحزاب أو احتوائها أو القضاء عليها بالكامل. وفي حالات أخرى، نشأت تعددية حزبية شكلية افتقرت إلى المنافسة الحقيقية. ونتيجة لذلك، لم تتطور الأحزاب بوصفها مؤسسات ديمقراطية مستقرة، بل بقيت في كثير من الأحيان رهينة الشخصيات الكاريزمية أو الانقسامات الأيديولوجية الحادة أو الولاءات الجهوية والطائفية والعشائرية.


ومن هنا يبرز الحديث عن التشرذم الحزبي. فالتشرذم ليس ظاهرة جديدة في الحياة السياسية العربية. فقد شهدت الحركات القومية واليسارية والإسلامية على السواء انقسامات متتالية منذ خمسينيات القرن الماضي. وغالبًا ما كانت الخلافات الفكرية أو الشخصية تتحول إلى انشقاقات تنظيمية تنتج أحزابًا وجماعات جديدة، بحيث يصبح الانقسام أسهل من إدارة الاختلاف داخل المؤسسة الواحدة. ومع مرور الزمن، أدى ذلك إلى استنزاف الطاقات السياسية وإضعاف القدرة على بناء مشاريع وطنية جامعة.


غير أنّ الاعتراف بهذه المشكلة لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة لفكرة الأحزاب ذاتها. فالتاريخ السياسي الحديث يبيّن أن الأحزاب، رغم عيوبها، كانت ولا تزال الأداة الأساسية لتنظيم المشاركة السياسية وتداول الأفكار وصياغة البرامج وتدريب القيادات. فكل الديمقراطيات المستقرة تقريبًا قامت على وجود أحزاب قوية ومؤسسات سياسية راسخة، لا على المبادرات الفردية أو الحركات العفوية وحدها.


ولهذا تكتسب مراجعة التجارب الحزبية أهمية استثنائية اليوم. فالمراجعة لا تعني جلد الذات أو التنكر للتاريخ، بل تعني قراءة نقدية للتجربة بأكملها. كيف نجحت بعض الأحزاب في مراحل معينة؟ ولماذا فشلت في مراحل أخرى؟ كيف أثرت البيروقراطية الداخلية وغياب الديمقراطية التنظيمية في تراجعها؟ وما دور القمع الخارجي، وما دور الأخطاء الذاتية؟ إن أي حركة سياسية لا تخضع تجربتها للمراجعة الدائمة محكوم عليها بتكرار أخطاء الماضي.


وقد شهد التاريخ السياسي العالمي أمثلة عديدة على أهمية المراجعة. فالأحزاب الاشتراكية الأوروبية أعادت النظر في برامجها بعد الحرب العالمية الثانية، والحركات القومية في دول عديدة طورت خطابها وأدواتها استجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية. أما الجمود الفكري والتنظيمي فقد كان غالبًا مقدمة للتراجع والانحسار.


في هذا السياق يبرز سؤال العفوية والتنظيم. فقد أثبتت الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية العربية، خصوصًا خلال العقدين الأخيرين، أن الجماهير قادرة على التحرك بصورة عفوية وسريعة عندما تبلغ الأزمات مستوى معينًا من الاحتقان. وقد كشفت هذه اللحظات عن طاقات هائلة من الإبداع والتضامن والتضحية. لكن التجربة نفسها أظهرت أيضًا حدود العفوية.


فالعفوية قادرة على إطلاق الشرارة، لكنها غالبًا لا تكفي لبناء البديل. تستطيع إسقاط واقع قائم، لكنها لا تستطيع وحدها إدارة مرحلة انتقالية معقدة أو صياغة برنامج سياسي أو التفاوض باسم جمهور واسع أو بناء مؤسسات مستدامة. ولذلك فإن كثيرًا من الحركات الاحتجاجية التي نجحت في تعبئة الشارع وجدت نفسها لاحقًا عاجزة عن تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع سياسي دائم.


وهذه ليست مشكلة عربية فقط، بل هي درس متكرر في التاريخ العالمي. فالثورات الكبرى، من الثورة الفرنسية إلى حركات التحرر الوطني في القرن العشرين، لم تنتصر بالعفوية وحدها، بل احتاجت إلى تنظيمات سياسية ونقابية واجتماعية قادرة على تحويل المطالب العامة إلى برامج ومؤسسات وقوانين.


لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التنظيم والعفوية، بل في إيجاد علاقة صحية بينهما. فالتنظيم السياسي يمنح الاستمرارية والانضباط والقدرة على التخطيط، بينما تمنح العفوية الحيوية والمرونة والقدرة على التجدد. وعندما ينفصل أحدهما عن الآخر تنشأ الأزمة: فالتنظيم بلا حيوية يتحول إلى بيروقراطية جامدة، والعفوية بلا تنظيم تتحول إلى موجة عابرة سرعان ما تنحسر.


ومن هنا تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى تجديد العمل الحزبي العربي لا إلى التخلي عنه؛ إلى بناء أحزاب أكثر ديمقراطية وانفتاحًا وقدرة على استيعاب الاختلاف، وإلى الاستفادة من دروس التاريخ بدل الهروب منها. فالتجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن المجتمعات لا تستطيع أن تستغني طويلًا عن الأطر السياسية المنظمة، وأن الطريق من الاحتجاج إلى التغيير المستدام يمر، في نهاية المطاف، عبر التنظيم والمؤسسات والعمل السياسي المنظم.


وفي المحصلة، لا يبدو أن مستقبل العمل السياسي العربي يمكن أن يُبنى على المبادرات الفردية أو الحركات الاحتجاجية العابرة وحدها، مهما بلغت أهميتها وتأثيرها. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الأحزاب السياسية تبقى الإطار الأكثر قدرة على تنظيم المشاركة الشعبية، وإنتاج القيادات، وصياغة البرامج، وتحويل المطالب العامة إلى سياسات ومؤسسات. إن الحاجة اليوم ليست إلى إلغاء الأحزاب أو التشكيك بجدواها، بل إلى تجديدها وتطويرها وتعزيز ديمقراطيتها الداخلية واستقلاليتها وقدرتها على تمثيل المجتمعات العربية المتغيرة. فوجود أحزاب وطنية فاعلة ومتجذرة يشكل شرطًا أساسيًا لبناء حياة سياسية سليمة، وترسيخ ثقافة المواطنة، وضمان الاستقرار، وفتح آفاق التغيير السلمي والتنمية المستدامة.


وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أنّ الحالة الفلسطينية تمثل بدورها مثالًا بالغ الدلالة على إشكالية التشرذم التنظيمي وأثره في إضعاف المشروع الوطني. فمنذ انطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، تعددت الفصائل والتنظيمات السياسية والعسكرية إلى حدّ تجاوز في كثير من الأحيان حدود التنوع الصحي والاختلاف المشروع. وقد كان لبعض هذا التعدد ما يبرره في مراحل معينة بفعل التباينات الفكرية أو الظروف التاريخية المختلفة، غير أنّ جزءًا كبيرًا منه تحول مع الزمن إلى انقسامات تنظيمية متكررة أضعفت وحدة القرار الوطني واستنزفت الطاقات البشرية والسياسية. وفي ظل استمرار الاحتلال وتصاعد التحديات الوجودية التي تواجه الشعب الفلسطيني، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تجاوز الانقسامات الثانوية والاتفاق على مشروع وطني تحرري جامع يحدد الأولويات والأهداف المشتركة ويعيد الاعتبار لوحدة النضال الوطني.


ولا يمكن لأي مشروع وطني تحرري أن يحقق أهدافه بالاعتماد على الشعارات أو العواطف الوطنية وحدها، مهما كانت مشروعيتها وأهميتها. فالتجارب التاريخية لحركات التحرر في العالم تؤكد أن النجاح كان دائمًا مرتبطًا بوجود أطر تنظيمية صلبة وقادرة على إدارة الاختلافات الداخلية ضمن مؤسسات فاعلة ومنضبطة. إنّ صلابة التنظيم لا تعني الانغلاق أو مصادرة التعددية، بل تعني القدرة على توحيد الجهود وتوجيه الموارد وتنسيق العمل السياسي والشعبي وفق رؤية استراتيجية واضحة. ومن دون هذا المستوى من الانضباط المؤسسي، يصعب إحداث القفزات النوعية الكبرى أو تحويل التضحيات الشعبية إلى إنجازات سياسية مستدامة. ولذلك فإن إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية على أسس تنظيمية راسخة تبقى شرطًا أساسيًا لأي تقدم حقيقي على طريق التحرر الوطني وتحقيق الحقوق الفلسطينية المشروعة.


ولعلّ من أبرز الدروس التي أظهرتها عملية السابع من تشرين الأول 2023، "طوفان الأقصى"، أن التنظيم والانضباط المؤسسي يظلان عنصرين حاسمين في قدرة أي حركة سياسية أو عسكرية على إحداث تأثير يتجاوز حجمها المادي المباشر. فبغضّ النظر عن المواقف السياسية المتباينة من العملية ونتائجها وتداعياتها الإنسانية والعسكرية، فقد كشفت الأحداث أن الفعل المنظم والقائم على التخطيط والتنسيق وتراكم الخبرات قادر على إحداث تحولات كبرى في المشهد السياسي والإقليمي. وهذه حقيقة تؤكدها تجارب التاريخ كافة، حيث لم تكن التحولات الكبرى نتاج العفوية وحدها، بل ثمرة عمل تنظيمي طويل ومركّب، استطاع تحويل الإرادة السياسية إلى فعل مؤثر وقادر على فرض نفسه على مجرى الأحداث. ومن هذه الزاوية، تبدو الحاجة إلى الأطر الحزبية والتنظيمية العربية أكثر إلحاحًا، ليس باعتبارها غاية بحد ذاتها، بل باعتبارها الوسيلة التي تُمكّن المجتمعات من تنظيم طاقاتها وتوجيهها نحو أهداف واضحة ومستدامة.

تحليل

الخميس 04 يونيو 2026 6:54 صباحًا - بتوقيت القدس

مأزق نتنياهو في لبنان: كيف ترسم الصفقة الأمريكية الإيرانية ملامح السقوط؟

تشهد الساحة اللبنانية تحولاً جذرياً في المعادلات الميدانية والسياسية، مدفوعاً بتهديدات إيرانية صريحة وضعت ضاحية بيروت الجنوبية في كفة ميزان واحدة مع مدن الشمال الإسرائيلي. هذا التهديد بمقايضة التهجير بالتهجير والدمار بالدمار، فرض واقعاً جديداً يبدو أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بدأ يستوعب أبعاده مرغماً.

لم يجد نتنياهو مفراً من الاستجابة لضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف التهديدات الواسعة، رغم ادعاءاته السابقة بأن قرار التصعيد قد اتخذ بالفعل بالتنسيق مع قيادة الأركان. ومع ذلك، يحاول نتنياهو إبقاء ثغرة لعمليات محدودة في الضاحية مع استمرار حرية القصف في الجنوب اللبناني، سعياً للحفاظ على ماء وجهه السياسي.

تدرك الأوساط السياسية أن نتنياهو يعيش مرحلة حرجة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع المصير الشخصي، وهو ما يدفعه لممارسة "ثعلبية" سياسية لمحاولة الالتفاف على القيود الجديدة. إلا أن الواقع الميداني وتردي أوضاع قواته في الجنوب باتا يفرضان قيوداً لا يمكن تجاوزها بسهولة، خاصة مع تزايد مؤشرات حرب الاستنزاف.

فهم نتنياهو جيداً أن توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة لا تتقاطع بالضرورة مع طموحاته العسكرية، حيث يبدو ترامب مستعداً لتجميد الصراع في لبنان كجزء من صفقة كبرى مع إيران. هذا التوجه الأمريكي أثار رعباً في الأوساط الإسرائيلية، خاصة مع ورود أنباء عن اتصالات بين مساعدي ترامب وأطراف لبنانية فاعلة.

خسر نتنياهو في هذه المرحلة أربع أوراق استراتيجية كانت تشكل ركيزة لخططه، أولها ورقة استهداف العاصمة بيروت التي كانت بمثابة "ذخر" احتياطي للضغط عند تدهور الأوضاع الميدانية. ومع خروج بيروت من معادلة القصف السهل، يجد الاحتلال نفسه محاصراً في جبهة استنزاف لا أفق واضحاً لها.

الورقة الثانية التي بدأت تتلاشى هي الرهان على دور السلطة الرسمية في لبنان أو إحداث صدام داخلي لبناني يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية. فقد أثبتت التطورات أن القوى الفاعلة على الأرض هي التي تدير الدفة، بينما تراجع دور المؤسسات الرسمية إلى مجرد إطار بروتوكولي لا يملك القدرة على تغيير الواقع الميداني.

تتمثل الورقة الثالثة والحاسمة في تثبيت حزب الله لمعادلة اشتباك جديدة تعتمد على حماية الحاضنة الشعبية والمدنيين مقابل استمرار المواجهة العسكرية الصرفة. فإذا واصل الاحتلال قصف القرى اللبنانية، فإن الرد سيكون باستهداف المستوطنات الشمالية، مما يحرم الاحتلال من تحقيق أي أمن لمستوطنيه.

يجد نتنياهو نفسه أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما القبول بمواجهة عسكرية مباشرة مع المقاومة دون القدرة على استخدام سلاح تدمير المدن، وهو ما يفضله الحزب. أو الانضواء تحت مظلة صفقة شاملة تنهي القتال، وهو ما يعتبره مراقبون بمثابة انتحار سياسي لنتنياهو الذي بنى مستقبله على استمرار الحروب.

إن قبول نتنياهو بالصفقة الأمريكية الإيرانية المحتملة لن يقتصر أثره على الجبهة اللبنانية فحسب، بل سيمتد لتقييد حركته في قطاع غزة والضفة الغربية. هذه الورقة الرابعة والقاتلة هي ما يخشاه نتنياهو، لأنها تعني نهاية مشروعه السياسي القائم على التوسع العسكري المطلق.

أفادت مصادر بأن حجم التوبيخ والتقريع الذي تعرض له نتنياهو من قبل الإدارة الأمريكية يعكس عمق الفجوة في الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين. واشنطن تبحث عن استقرار إقليمي يخدم مصالحها الكبرى، بينما يبحث نتنياهو عن انتصارات تكتيكية تطيل أمد بقائه في السلطة.

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن لبنان الذي أراد نتنياهو سحقه، قد يتحول إلى الساحة التي تشهد سقوطه السياسي المدوي. فاستمرار الحرب المحدودة والمقيدة سيكبد لبنان أثماناً باهظة، لكنه في المقابل سيستنزف قدرات الاحتلال العسكرية والسياسية إلى حد الانهيار.

المعادلة الجديدة التي فرضتها المقاومة، مدعومة بظروف دولية متغيرة، سحبت من يد نتنياهو أهم أسلحته وهي تدمير القرى وقتل المدنيين للضغط السياسي. لقد أثبتت الوقائع أن جيش الاحتلال يمتلك القدرة على القتل والتدمير من الجو، لكنه يفشل باستمرار في المواجهة البرية والقتال المباشر.

إذا أذعن نتنياهو للصفقة الشاملة، فإنه يخرج عملياً من المعادلة السياسية الإسرائيلية كزعيم "قوي"، ويتحول إلى مجرد منفذ لأجندات دولية لا تخدم طموحاته اليمينية. وهذا التناقض بين رغباته والواقع الدولي يضعه في زاوية ضيقة لا مخرج منها سوى السقوط.

ختاماً، فإن الأيام القادمة ستكشف مدى قدرة نتنياهو على الصمود أمام هذه الضغوط المتزايدة، في وقت تقترب فيه الصفقة الكبرى من النضوج. وسواء اختار الاستمرار في حرب الاستنزاف أو القبول بالحلول السياسية، فإن الثمن الذي سيدفعه سيكون باهظاً على الصعيدين الشخصي والسياسي.

فلسطين

الخميس 04 يونيو 2026 5:24 صباحًا - بتوقيت القدس

8 شهداء في سلسلة غارات استهدفت بنايات سكنية بمدينة غزة

استشهد ثمانية مواطنين فلسطينيين وأصيب آخرون بجروح متفاوتة، فجر اليوم الخميس، إثر سلسلة غارات جوية شنتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي على شقق سكنية مأهولة في مدينة غزة. وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية خرق تفاهمات وقف إطلاق النار عبر تكثيف القصف الجوي والمدفعي في مناطق متفرقة من القطاع.

وأفادت مصادر طبية بأن الطواقم الإغاثية انتشلت جثامين الشهداء من تحت أنقاض البنايات المستهدفة، حيث تركزت الغارات على أحياء حيوية ومكتظة بالسكان. وشملت الاستهدافات شققاً في حي الشيخ رضوان وحي تل الهوا، بالإضافة إلى عمارة 'لبد' الواقعة في شارع المخابرات شمال غرب المدينة، ومنزلاً لعائلة مهنا في مخيم الشاطئ.

ووثقت مقاطع مصورة اللحظات الأولى التي تلت عمليات القصف، حيث تصاعدت أعمدة الدخان الكثيف واندلعت النيران في المواقع المستهدفة. وبذلت فرق الدفاع المدني جهوداً مضنية للسيطرة على الحرائق والبحث عن مفقودين تحت الركام، في ظل نقص حاد في الإمكانيات والمعدات اللازمة للتعامل مع حجم الدمار.

وفي سياق متصل، شهد يوم الأربعاء استشهاد ثلاثة فلسطينيين في غارات منفصلة استهدفت المنطقة الوسطى من قطاع غزة. وأكدت مصادر طبية استشهاد مواطنين اثنين في قصف استهدف منزلاً بمخيم المغازي، فيما وصل جثمان مسن مجهول الهوية إلى مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح عقب استهداف في منطقة المغراقة.

وعلى صعيد العمليات البرية، واصل جيش الاحتلال تنفيذ عمليات نسف واسعة للمباني والمنشآت السكنية في المناطق التي يتوغل فيها. وأفادت مصادر محلية في مدينة خانيونس جنوب القطاع بأن الجيش نفذ ما لا يقل عن عشر عمليات نسف لمربعات سكنية شرقي المدينة، تزامنت مع قصف مدفعي عنيف وإطلاق نار مكثف.

ولم تقتصر عمليات التدمير على جنوب القطاع، بل امتدت لتشمل الأحياء الشرقية لمدينة غزة، حيث نفذت القوات الإسرائيلية عمليتي نسف عنيفتين سمع دوي انفجاراتهما في أرجاء المدينة. وتأتي هذه التحركات ضمن سياسة 'الأرض المحروقة' التي يتبعها الجيش داخل ما يعرف بالخط الأصفر، بهدف تغيير المعالم الجغرافية للمنطقة.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الاحتلال يواصل فرض قيود مشددة على حركة البضائع والمساعدات الإنسانية، فضلاً عن منع سفر الجرحى والمرضى لتلقي العلاج في الخارج. وتتفاقم الأزمة الإنسانية مع استمرار الحصار المطبق الذي يحرم آلاف العائلات من الاحتياجات الأساسية ومقومات الحياة الضرورية.

ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر 2023، سجلت وزارة الصحة الفلسطينية أرقاماً كارثية للضحايا، حيث وصل عدد الشهداء إلى نحو 73 ألفاً، والمصابين إلى 173 ألفاً. وتشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا، في ظل استهداف مباشر للمناطق المدنية والمرافق العامة.

وأدت العمليات العسكرية المستمرة على مدار عامين إلى تدمير ما يقارب 90% من البنى التحتية في قطاع غزة، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. ويواجه السكان ظروفاً معيشية قاهرة في خيام النزوح التي تفتقر لأدنى معايير السلامة الصحية والبيئية.

وتؤكد المصادر المحلية أن استمرار الخروقات الإسرائيلية يهدد بانهيار أي مساعٍ لتثبيت الهدوء، حيث يواصل الاحتلال عمليات القصف والنسف والتدمير الممنهج. ويطالب الفلسطينيون بتدخل دولي عاجل لوقف هذه الانتهاكات وضمان تدفق المساعدات الإغاثية والطبية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في القطاع المنكوب.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 5:24 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تهدد باستهداف مشاريع طاقة إماراتية بديلة لمضيق هرمز

وجهت وسائل إعلام إيرانية رسمية تهديدات مباشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، على خلفية تقارير كشفت عن توجه أبوظبي لتدشين خط أنابيب جديد يهدف إلى تجاوز مضيق هرمز الاستراتيجي. واعتبرت المصادر الإيرانية أن أي محاولة للالتفاف على الممر المائي الدولي تعني بالضرورة إدراج هذه المنشآت الحيوية ضمن قائمة الأهداف العسكرية والعملياتية في أي مواجهة قادمة، مما يعكس توتراً متصاعداً في ملف أمن الطاقة الإقليمي.

وتأتي هذه التهديدات عقب ما نشرته تقارير صحفية دولية حول نية شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) بناء بنية تحتية متطورة لنقل البنزين والديزل مباشرة إلى موانئ التصدير دون الحاجة للمرور عبر المضيق. وتهدف هذه الخطوة الإماراتية إلى تأمين تدفق الإمدادات النفطية وضمان وصولها إلى الأسواق العالمية بعيداً عن التهديدات الأمنية المتكررة التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة، خاصة مع تزايد حدة الاستقطاب الإقليمي.

وتمتلك الإمارات في الوقت الراهن خط أنابيب وحيداً يربط حقول الإنتاج بميناء الفجيرة المطل على بحر العرب، إلا أن قدرته الاستيعابية المحدودة بنحو 1.5 مليون برميل يومياً لا تلبي الطموحات الاستراتيجية الكاملة للدولة. وتسعى أبوظبي من خلال المشروع الجديد إلى تعزيز مرونتها اللوجستية، في ظل قناعة متزايدة لدى عواصم عربية بأن التوازنات الأمنية في مضيق هرمز قد تغيرت بشكل جذري ولن تعود إلى سابق عهدها قبل اندلاع التوترات العسكرية الأخيرة.

من جانبها، ترى طهران أن هذه التحركات الاقتصادية تحمل أبعاداً سياسية تهدف إلى إضعاف نفوذها وسيطرتها على أهم ممر مائي لتجارة النفط في العالم. وأشارت مصادر إعلامية تابعة للجمهورية الإسلامية إلى أن دول المنطقة باتت تدرك حتمية البحث عن بدائل جغرافية، لكنها حذرت من أن هذه البدائل لن تكون بمنأى عن القدرات الصاروخية أو العملياتية الإيرانية إذا ما استمر التصعيد في ملفات المنطقة الشائكة.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 4:54 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات دولية من غياب الرقابة على مخزون إيران النووي بعد الضربات الأخيرة

تتصاعد في الآونة الأخيرة موجة من التحذيرات الغربية حيال البرنامج النووي الإيراني، حيث تسود مخاوف جدية من وصول طهران إلى مرحلة متقدمة تقربها من امتلاك سلاح نووي. وتأتي هذه الهواجس في ظل توقف شبه كامل لعمليات التفتيش الدولية التي كانت تراقب بدقة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، خاصة بعد التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة قبل نحو ثلاثة أشهر.

وأفادت مصادر مطلعة بأن البيانات المتداولة داخل أروقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى استمرار إيران في الاحتفاظ بكميات ضخمة من اليورانيوم المخصب بنسب تقترب من المستويات العسكرية. وأوضحت المصادر أن نظام الرقابة الأسبوعي الذي كان يضمن عدم تحويل المواد النووية لأغراض غير سلمية قد تعطل بشكل كبير، مما خلق فجوة معلوماتية مقلقة للقوى الدولية.

واستندت هذه المخاوف إلى وثيقة سرية مطولة كشفت أن المواد النووية التي كانت تخضع لرقابة دورية صارمة قبل اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة، لم تعد الآن تحت إشراف الوكالة الدولية بالشكل المطلوب. ويرى مراقبون أن هذا الغياب الرقابي يفتح الباب أمام احتمالات استخدام المواد المخصبة في مسارات بعيدة عن الأغراض السلمية المعلنة.

ويرى دبلوماسيون مطلعون أن الحرب الأخيرة أفرزت تعقيدات نووية لم تكن في الحسبان، حيث تزداد المخاطر طردياً مع بقاء المواد الحساسة خارج نطاق الضمانات الدولية. ويحذر هؤلاء من أن حالة الغموض المحيطة بالبرنامج النووي الإيراني قد تدفع المنطقة نحو سباق تسلح جديد إذا لم يتم استعادة نظام التحقق الدولي في أسرع وقت ممكن.

وتشير التقديرات التقنية الحالية إلى أن إيران تمتلك ما يقارب 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة جداً من مستوى 90% اللازم لإنتاج الرؤوس الحربية. وتتوزع هذه الكميات بشكل أساسي في منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، وهي المواقع التي كانت محور اهتمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مدار السنوات الماضية.

وإلى جانب المخزون عالي التخصيب، تُقدر الوكالة الدولية امتلاك طهران لنحو 8600 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب، مما يعزز من قدرتها على المناورة التقنية في المستقبل. وأعرب مسؤولون غربيون عن قلقهم من أن استبعاد الوكالة الدولية من جولات التفاوض الأخيرة قد يؤدي إلى بناء تقديرات استخباراتية غير دقيقة حول الواقع الفعلي للبرنامج النووي.

وفي قراءة فنية لهذه التطورات، أوضح طارق رؤوف، المسؤول السابق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن المواد النووية الإيرانية كانت تحت الإشراف الكامل قبل استهداف المنشآت الرئيسية. وأشار في تصريحات صحفية إلى أن الضربات العسكرية جعلت الوصول إلى بعض المخزونات أمراً معقداً للغاية بسبب تضرر البنية التحتية للمواقع التي كانت تحتضنها.

وأضاف رؤوف أن كميات اليورانيوم التي كانت موجودة وقت وقوع الضربات بلغت قرابة 9875 كيلوغراماً بمستويات تخصيب متفاوتة، منها مئات الكيلوغرامات بنسبة 60%. وأكد أن هذه المواد باتت حالياً خارج نطاق التحقق المباشر، حيث يصعب استخراجها أو نقلها دون رصد دقيق من الأقمار الاصطناعية الدولية التي تراقب المواقع المتضررة.

ورغم هذه الأرقام المقلقة، يرى الخبراء أن الحديث عن قنبلة نووية إيرانية وشيكة قد ينطوي على مبالغة تقنية، نظراً للأضرار الكبيرة التي لحقت بالمواقع المخصصة للتطوير العسكري. فعملية تحويل اليورانيوم المخصب إلى سلاح فعّال تتطلب بنية تحتية متخصصة للغاية، وهو ما تعرض لضربات قاسية خلال الأشهر الماضية.

ويشير التحليل الفني إلى أنه حتى في حال تمكنت إيران من رفع نسبة تخصيب مخزونها الحالي إلى 90%، فإن إنتاج قنبلة قابلة للاستخدام العسكري سيستغرق عاماً على الأقل. فالمسألة لا تقتصر على توفير المادة الانشطارية فحسب، بل تمتد لتشمل هندسة الرؤوس النووية واختبارها وضمان قدرتها على التحمل عند الإطلاق عبر الصواريخ الباليستية.

وتظل المعضلة الأساسية تكمن في فقدان الثقة بين الأطراف الدولية وطهران، حيث يرى الغرب أن غياب المفتشين يمنح إيران فرصة ذهبية للمضي قدماً في أبحاثها السرية. وفي المقابل، تصر طهران على أن برنامجها سلمي، محملة الضغوط العسكرية والسياسية مسؤولية تراجع مستوى التعاون مع المنظمات الدولية.

ختاماً، يبقى الملف النووي الإيراني في حالة من الجمود الخطير، بانتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية المقبلة لإعادة تفعيل بروتوكولات التفتيش. ومع استمرار غياب الرقابة الميدانية، تظل التقديرات الدولية معتمدة على التكهنات والصور الفضائية، مما يزيد من احتمالات سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في المنطقة.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 4:40 صباحًا - بتوقيت القدس

تركيا تنهي قيود سكن الأجانب وتلغي قائمة الأحياء المحظورة

أفادت مصادر أكاديمية مطلعة بصدور تعليمات جديدة من وزارة الداخلية التركية تقضي بإلغاء كافة القيود المفروضة على سكن الأجانب في أحياء محددة داخل البلاد. ومن المقرر أن يدخل هذا القرار حيز التنفيذ الفعلي اعتباراً من يوم غد، مما ينهي حقبة من التضييق المكاني الذي عانى منه آلاف المقيمين واللاجئين خلال السنوات الماضية.

وأكد الدكتور أنس زين الدين، المحاضر السابق في جامعة السلطان محمد الفاتح بإسطنبول أن التوجيهات الجديدة تنهي ما كان يُعرف بـ 'المناطق المحرمة' على سكن الأجانب. وأوضح أن هذه الخطوة تأتي لتصحيح أوضاع قانونية وإدارية شابتها الكثير من التعقيدات التي واجهت الجاليات الأجنبية في مختلف الولايات التركية.

وبموجب هذه التعليمات، بات بإمكان أي مواطن أجنبي، بغض النظر عن جنسيته أو نوع إقامته، اختيار السكن في أي حي يراه مناسباً داخل المدن التركية. كما تتيح الإجراءات الجديدة تسجيل العناوين بشكل رسمي لدى دوائر النفوس والهجرة دون الاصطدام بقوائم الحظر التي كانت مفروضة سابقاً في مناطق مكتظة بالأجانب.

وكانت السلطات التركية قد اعتمدت في سنوات سابقة سياسة 'تخفيف التركز' التي منعت الأجانب من استئجار المنازل في أحياء معينة بلغت فيها نسبة المقيمين الأجانب حداً معيناً. وجاءت تلك القرارات في ظل ضغوط سياسية وحملات تحريضية قادتها أطراف في المعارضة ضد وجود اللاجئين، مما أدى لتقييد حركة السكن بشكل كبير.

وأدت السياسات السابقة إلى نشوء أزمات معيشية حادة، حيث تسبب حصر الأجانب في مناطق ضيقة بارتفاع جنوني في أسعار الإيجارات وتكاليف المعيشة في تلك الأحياء. كما واجه الكثيرون صعوبات في تحديث بياناتهم القانونية أو الحصول على الخدمات الحكومية الأساسية المرتبطة بإثبات السكن الرسمي.

ويرى مراقبون أن هذا التحول في سياسة وزارة الداخلية يعكس رغبة في تخفيف الاحتقان وتسهيل عملية دمج الأجانب في النسيج المجتمعي بشكل أكثر توازناً. ومن شأن إلغاء هذه القيود أن يساهم في توزيع الكثافة السكانية للأجانب على مساحات أوسع، مما يقلل من الضغط على أحياء بعينها في مدن كبرى مثل إسطنبول وأنقرة.

وتشير المصادر إلى أن إنهاء هذه القيود سيعيد الاستقرار لآلاف العائلات التي كانت مهددة بفقدان قانونية إقامتها بسبب عدم القدرة على تسجيل العناوين. ويمثل هذا القرار انفراجة قانونية هامة تنهي معاناة طويلة للأجانب الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين مطرقة القوانين المكانية وسندان الحاجة للسكن المستقر.

عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 4:24 صباحًا - بتوقيت القدس

واقعة نادرة في التاريخ العسكري: نجاة طيار أمريكي من إسقاط طائرته مرتين خلال الحرب مع إيران

كشفت تقارير إعلامية ومصادر أمنية عن واقعة استثنائية في سجلات التاريخ العسكري المعاصر، حيث نجح طيار أمريكي في البقاء على قيد الحياة بعد تعرض طائرته للإسقاط في مناسبتين منفصلتين خلال المواجهات العسكرية مع إيران. ووقعت الحادثتان في إطار زمني ضيق لم يتجاوز الشهر الواحد، مما أثار دهشة الأوساط العسكرية التي اعتبرت تكرار مثل هذا الموقف بمثابة مصادفة نادرة للغاية لم تشهدها القوات الجوية منذ عقود طويلة.

وتعود تفاصيل الحادثة الأولى إلى الأيام الأولى من اندلاع النزاع، حين كان الطيار يقود مقاتلة من طراز 'F-15E Strike Eagle' فوق الأجواء الكويتية، حيث تعرضت الطائرة لنيران صديقة ناتجة عن خطأ في التعرف على الهوية من قبل أنظمة الدفاع الجوي المحلية. وقد اضطر الطيار وخمسة من زملائه في الطواقم الجوية إلى القفز بالمظلات بشكل عاجل، وتمت استعادتهم جميعاً بسلام دون وقوع خسائر في الأرواح في ذلك الوقت.

ولم يكد يمضي أكثر من ثلاثين يوماً على الحادثة الأولى حتى عاد الطيار نفسه إلى قمرة القيادة لتنفيذ مهام قتالية جديدة، إلا أنه واجه مصيراً مشابهاً في الثالث من أبريل/ نيسان الماضي. فخلال مهمة جوية فوق الأراضي الإيرانية، أصيبت مقاتلته بصاروخ أرض-جو إيراني بشكل مباشر، مما أجبره على تفعيل مقعد النجاة والقفز بالمظلة للمرة الثانية في غضون أسابيع قليلة.

وأوضحت مصادر مطلعة أن فرق الإنقاذ نفذت عملية معقدة استمرت لعدة ساعات حتى تمكنت من العثور على الطيار الذي عانى من جروح خطيرة جراء عملية الإسقاط الثانية. وفي الوقت ذاته، واجه ضابط أنظمة التسليح الذي كان يرافقه صعوبات فنية في مظلته، مما اضطره للاختباء داخل الأراضي الإيرانية لفترة من الزمن قبل أن تنجح الفرق المختصة في تحديد موقعه وإجلائه بنجاح.

من جانبه، علق الفريق المتقاعد في سلاح الجو الأمريكي، ديفيد ديبتولا، على هذه الواقعة مؤكداً أنها تمثل حالة فريدة قد لا يكون لها مثيل في التاريخ العسكري الأمريكي منذ حرب فيتنام. ووصف ديبتولا نجاة الطيار من حادثتين بهذا الحجم وفي هذه الفترة الوجيزة بأنه أمر يفوق التوقعات، مشيراً إلى أن هذه التفاصيل تسلط الضوء على المخاطر الجسيمة والتعقيدات الميدانية التي تواجهها الأطقم الجوية في مناطق النزاع.

منوعات

الخميس 04 يونيو 2026 4:09 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة التعليم في مصر: حين تتحول المدارس إلى ساحات لاستنزاف الطموح

تواجه المنظومة التعليمية في مصر تحديات جسيمة تتجاوز مجرد نقص الإمكانيات، لتصل إلى تهديد حقيقي للهوية العقلية والأمن القومي المعرفي. إن الانشغال ببناء التوسعات العمرانية لا ينبغي أن يحجب الرؤية عن ضرورة بناء الإنسان، الذي يمثل الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية ومستدامة.

تتحول المدارس الحكومية في كثير من الأحيان إلى بيئات طاردة للإبداع، حيث يضطر الطلاب للتعامل مع مناهج تفتقر للمعنى وسط ركام من الإهمال الإداري. لقد بات حق التعليم يمثل عبئاً اقتصادياً يرهق كاهل الأسرة المصرية، التي تجد نفسها مجبرة على اللجوء إلى مراكز الدروس الخصوصية لتعويض غياب الدور المدرسي.

تعد أزمة كثافة الفصول في مناطق الدلتا والصعيد مؤشراً خطيراً على عجز المؤسسة التعليمية عن الاستيعاب، حيث يتكدس أكثر من 60 طالباً في غرفة واحدة. هذا الازدحام لا يقتل الشغف لدى الطالب فحسب، بل يحول العملية التعليمية إلى معركة يومية للحصول على مقعد قبل الحصول على المعلومة.

تعاني البنية التحتية للمدارس من تهالك واضح يمس كرامة الطالب والمعلم على حد سواء، حيث تتساقط الأسوار وتتعطل المرافق الأساسية. المعامل التي يفترض أن تكون محاضن للابتكار والتجربة، تحولت في كثير من المواقع إلى مخازن للمعدات المهجورة التي أكلها الصدأ.

برز في الآونة الأخيرة ما يمكن تسميته بالاقتصاد الموازي للتعليم، حيث أصبحت الكتب الخارجية هي المرجع الأساسي بدلاً من الكتاب المدرسي الرسمي. هذا التحول جعل من العملية التعليمية سلعة تجارية يتحكم فيها أصحاب المصالح، بعيداً عن الرقابة الحكومية الفاعلة التي تضمن جودة المحتوى.

يقف المعلم المصري اليوم بين مطرقة الاحتياجات المعيشية وسندان العمل في المراكز الخارجية لتأمين قوته، مما أدى لضعف هيبة المدرسة كمنارة للعلم. إن استعادة دور المعلم تتطلب إعادة النظر في منظومة الأجور وربطها بالأداء والإنتاجية العلمية داخل الفصل الدراسي لضمان عودة الروح للمدرسة.

يمثل ملف التعليم الفني ثغرة كبرى في جدار التنمية، حيث تضخ المدارس الزراعية والصناعية جيوشاً من الخريجين الذين يحملون شهادات لا قيمة لها في سوق العمل. الميزانيات المرصودة لهذا القطاع غالباً ما تتبخر في دهاليز البيروقراطية دون أن تترجم إلى مهارات عملية يكتسبها الطلاب.

إن تحويل المدارس الفنية إلى وحدات إنتاجية تخدم الاقتصاد المحلي ليس مجرد مقترح إداري، بل هو ضرورة ملحة لربط التعليم بالصناعة. يجب أن تخرج هذه المؤسسات كوادر قادرة على تشغيل الماكينات الحديثة بدلاً من تخريج شباب يفتقرون لأبسط المهارات التقنية اللازمة للنهوض بالبلاد.

تتطلب خارطة الطريق للإنقاذ شجاعة في اتخاذ قرارات إصلاحية جذرية، تبدأ بتبني اللامركزية التعليمية التي تمنح المحافظات صلاحيات واسعة. فاحتياجات المحافظات الحدودية تختلف جذرياً عن احتياجات المدن الصناعية أو المناطق الزراعية، مما يستوجب تكييف المناهج وفقاً للبيئة المحلية.

يعد التحول نحو رقمنة التقييم خطوة ضرورية للقضاء على الفساد والمحسوبية في الامتحانات الورقية التقليدية. إن اعتماد نظام 'ملف الإنجاز الرقمي' يضمن مراقبة تطور الطالب بشكل شفاف وعادل، ويقلل من فرص التلاعب بالنتائج التي تظلم المجتهدين وتساوي بينهم وبين غيرهم.

بدلاً من الدخول في صراعات غير مجدية مع مراكز الدروس الخصوصية، يمكن للدولة استثمار هذه الظاهرة من خلال فتح المدارس في فترات مسائية. هذا التوجه يسمح للمدرسين المتميزين بالعمل تحت مظلة رسمية، مع توجيه العوائد المادية لصيانة المدارس وتطوير مرافقها المتهالكة.

إن بناء الجسور والطرق والمدن الجديدة يظل عملاً ناقصاً ما لم ترافقه خطة استراتيجية لبناء العقول التي ستدير هذه المنشآت مستقبلاً. الاستثمار في البشر هو الضمانة الوحيدة لعدم تحول هذه الإنجازات العمرانية إلى هياكل خاوية تفتقر للروح والقدرة على الاستمرار.

التعليم في مصر ليس مجرد ملف إداري روتيني، بل هو قنبلة موقوتة تتطلب مصارحة وطنية شاملة قبل فوات الأوان. إن تجاهل هذه الأزمات المتراكمة يعني الحكم على مستقبل الأجيال القادمة بالفشل، وهو ثمن باهظ لا يمكن للوطن أن يتحمله في ظل التحديات الراهنة.

في الختام، يجب على صناع القرار إدراك أن التاريخ لا يرحم الأمم التي تفرط في مستقبل أبنائها وتترك تعليمهم لمهب الريح. إن نسف الجدران التي تحجب النور عن العقول هو الخطوة الأولى نحو بناء وطن يليق بالأحفاد، ويحفظ لمصر مكانتها كمنارة للعلم والمعرفة.

منوعات

الخميس 04 يونيو 2026 3:54 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يتقمص شخصية العميل 007: رسائل سياسية بصبغة سينمائية تثير الجدل

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصدر المشهد الإعلامي عبر منصته الخاصة 'تروث سوشيال'، بعد نشره صورة معدلة تظهره في هيئة العميل السري البريطاني الشهير جيمس بوند. واستخدم ترمب في هذه الصورة لقطة قديمة تعود لسنوات شبابه وهو يقف أمام المرآة، واضعاً عليها وسم 'Trump 007'، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لدمج صورته الشخصية برموز القوة والجاذبية العالمية.

ولم يقتصر هذا التفاعل على حسابات ترمب الشخصية، بل امتد ليشمل الحساب الرسمي للبيت الأبيض الذي نشر رسماً توضيحياً يظهر فيه الرئيس مرتدياً بدلة رسمية ويحمل مسدساً مزوداً بكاتم للصوت. وتضمنت الصورة شعار 'لنجعل أميركا عظيمة مجددًا' باللون الذهبي، مما يعكس توجهاً رسمياً لاستخدام قوالب الثقافة الشعبية في تعزيز الرسائل السياسية الموجهة للجمهور الأمريكي.

تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه أوساط صناعة السينما العالمية ترقباً كبيراً لهوية الممثل الذي سيخلف دانيال كريغ في سلسلة أفلام جيمس بوند. وتتولى شركة 'أمازون إم جي إم' حالياً مهمة البحث عن نجم جديد، حيث تتردد أسماء بارزة في هوليوود مثل آرون تايلور جونسون وتوم هولاند لتجسيد الشخصية التي ابتكرها الكاتب إيان فليمنج.

ويُعرف عن ترمب ميله الدائم لعقد مقارنات بينه وبين شخصيات تاريخية وأيقونية كبرى لتعزيز صورته الذهنية لدى مؤيديه. فقد سبق له أن شبّه نفسه بملك الروك ألفيس بريسلي، والزعيم البريطاني وينستون تشرشل، بل ووصلت المقارنات في تصريحات سابقة إلى حد تشبيه نفسه بالسيد المسيح، مما يثير دائماً موجات من الجدل السياسي والديني.

وفي سياق نشاطه الرقمي المكثف، شارك ترمب صورة له أمام حشد جماهيري ضخم واصفاً نفسه بأنه 'أعظم عامل جذب' في الساحة السياسية الحالية. كما أثار تساؤلات متابعيه بنشر صورة قديمة تجمعه بالمغنية الراحلة ويتني هيوستن دون إبداء أسباب واضحة، وهو ما يراه محللون جزءاً من استراتيجيته للبقاء دائماً في دائرة الضوء الإعلامي.

وعلى الصعيد الانتخابي، استغل ترمب منصته للاحتفال بفوز مجموعة من المرشحين الجمهوريين الذين نالوا دعمه في الانتخابات المحلية الأخيرة. ومع ذلك، لوحظ تجاهله التام لخسارة النائب راندي فينسترا في ولاية أيوا، رغم أن ترمب كان قد قدم له دعماً علنياً لمنصب حاكم الولاية، مما يشير إلى انتقائية في استعراض النتائج السياسية.

ولم تخلُ الساحة من المناكفات السياسية المتبادلة، حيث تم تداول صور ساخرة تقارن بين النائب الديمقراطي جيمس تالاريكو وشخصية 'ألفريد إي نيومان' الكرتونية. وهذه الشخصية تحديداً كان ترمب قد استخدمها في عام 2019 للسخرية من وزير النقل السابق بيت بوتيجيج، مما يعكس استمرار استخدام الرسوم الكاريكاتورية كأداة في الصراع الحزبي.

ويرى خبراء التواصل أن لجوء ترمب لهذه الأساليب يهدف إلى كسر القوالب التقليدية للتواصل السياسي والوصول إلى فئات شبابية أوسع. فمن خلال تقمص شخصية 'بوند' أو استحضار نجوم الفن، يحول ترمب المعارك السياسية الجادة إلى مادة ترفيهية قابلة للتداول والانتشار السريع عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

ختاماً، يظل استخدام رموز 'البوب كالتشر' سلاحاً ذا حدين في يد الرئيس الأمريكي، فبينما يراه أنصاره دليلاً على خفة ظله وقربه من الشارع، ينتقده معارضوه معتبرين إياه تقليلاً من هيبة المنصب الرئاسي. ومع ذلك، تنجح هذه الاستراتيجية في كل مرة في صناعة العناوين العريضة وفرض أجندة ترمب الإعلامية على النقاش العام.