واشنطن – سعيد عريقات -4/5/2026
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأحد، أن الولايات المتحدة ستبدأ اعتباراً من صباح الاثنين بتوجيه السفن التجارية لعبور مضيق هرمز، في خطوة وصفها بأنها “مبادرة إنسانية” تهدف إلى إنهاء أزمة احتجاز آلاف البحارة والسفن العالقة منذ أسابيع في الخليج العربي، وسط استمرار التوتر بين واشنطن وطهران رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن الشهر الماضي.
وقال ترمب، في منشور على منصة "تروث سوشال"، إن حركة السفن تهدف إلى "تحرير الأشخاص والشركات والدول التي لم ترتكب أي خطأ"، معتبراً أن السفن العالقة "ضحايا للظروف". كما أشار إلى أن ممثليه يجرون "مناقشات إيجابية للغاية" مع القادة الإيرانيين، في إطار المساعي الرامية إلى إنهاء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بصورة رسمية.
ورغم الإعلان، لم يكشف البيت الأبيض عن طبيعة الإجراءات الأميركية المرتقبة، أو حجم المشاركة العسكرية، أو الكيفية التي ستُدار بها عملية عبور السفن. كما بقي من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستكتفي بتقديم إرشادات ملاحية للسفن، أم ستتولى عملياً تأمين ممرات بحرية بالقوة العسكرية.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. وقد أدى إغلاقه من جانب إيران أمام السفن التي لا تحمل إذناً مسبقاً، بالتزامن مع الحصار الأميركي على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو القادمة منها، إلى شلل واسع في حركة التجارة والطاقة العالمية.
وتشير تقديرات إلى أن نحو ألفي سفينة ما زالت عالقة في الخليج، فيما أعلنت المنظمة البحرية الدولية، التابعة للأمم المتحدة، أن أكثر من عشرين ألف بحار باتوا محاصرين على متن سفن غير قادرة على مغادرة المنطقة.
وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد شنتا، في الثامن والعشرين من شباط الماضي، حربا على إيران ، وصفها ترمب حينها إنها تهدف إلى "تحرير الشعب الإيراني" وإنهاء البرنامج النووي الإيراني. ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار في السابع من نيسان، فإن المفاوضات اللاحقة تعثرت خلال الأسبوعين الأخيرين، وسط تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية الجمود السياسي.
وفي مؤشر على استمرار الخلافات، قال ترمب مساء السبت إنه يراجع "خطة إيرانية من 14 بنداً" نُقلت عبر باكستان، لكنه أضاف أنه "لا يستطيع تخيل قبولها". وفي مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية "كان"، شدد على أن العرض الإيراني "غير مقبول"، مضيفاً: "الإيرانيون يريدون اتفاقاً، لكنني غير راضٍ عما عرضوه".
وبعد ساعات فقط، أعلنت الخارجية الإيرانية أن طهران تسلمت بالفعل الرد الأميركي على المقترح الإيراني، وأنها تقوم حالياً بدراسته. وقال المتحدث باسم الوزارة، إسماعيل بقائي، إن الرد وصل عبر الجانب الباكستاني.
وفي أعقاب منشور ترمب، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن الجيش الأميركي سيدعم ما وصفته بـ"مشروع الحرية" لإعادة حرية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، من دون أن توضح طبيعة الدعم العملياتي. إلا أن تقارير أميركية تحدثت عن نشر مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، وأكثر من مئة طائرة، ونحو خمسة عشر ألف جندي للمشاركة في الخطة، مع تأكيد مسؤول أميركي أن العملية "ليست مهمة مرافقة مباشرة للسفن".
في المقابل، حذرت طهران من أن التحرك الأميركي قد يشكل خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار. وقال مسؤولون إيرانيون إن أي وجود عسكري إضافي في المضيق سيُنظر إليه باعتباره تصعيداً جديداً.
وتزامن ذلك مع حادثة غامضة في المضيق، بعدما أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن ناقلة تعرضت لإصابة بمقذوفات مجهولة، فيما أكد أن جميع أفراد الطاقم بخير.
كما كشفت القيادة المركزية الأميركية عن مبادرة جديدة تحمل اسم "بناء الحرية البحرية"، وهي مشروع مشترك بين وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين، يهدف إلى تنسيق الجهود الدبلوماسية والعسكرية لإعادة فتح الملاحة التجارية، مع دعوات لدول أخرى للمشاركة في سد "الفجوات القائمة".
وكانت بريطانيا وفرنسا قد أعلنتا استعدادهما للمساهمة في جهود "دفاعية وسلمية" لإعادة فتح الملاحة بعد انتهاء الحرب، بينما انتقد ترمب بشدة دولاً في حلف شمال الأطلسي، بينها إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، لرفضها الانخراط في العملية.
اقتصادياً، أدى استمرار الأزمة إلى ارتفاع أسعار الطاقة بصورة حادة، إذ بلغ متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة 4.45 دولارات، بزيادة تقارب 50 بالمئة منذ بداية الحرب، ما زاد الضغوط على المستهلك الأميركي وأعاد المخاوف من موجة تضخم جديدة.
ويعكس إعلان ترمب بشأن "توجيه السفن" محاولة واضحة لإعادة صياغة صورة الولايات المتحدة من طرف مشارك في التصعيد العسكري إلى وسيط إنساني يسعى لضمان حرية الملاحة. غير أن هذا التحول الخطابي لا يخفي حقيقة أن واشنطن نفسها ساهمت في تعقيد الأزمة من خلال الحصار البحري الذي فرضته على إيران، والذي أدى إلى شلل التجارة الإقليمية. لذلك يرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تحاول احتواء تداعيات سياسة ضغط قصوى تحولت تدريجياً إلى عبء اقتصادي عالمي يصعب الدفاع عنه حتى لدى الحلفاء الغربيين.
وتكشف الضبابية المحيطة بالخطة الأميركية حجم التردد داخل واشنطن حيال الانزلاق إلى مواجهة بحرية مباشرة مع إيران. فالبيت الأبيض يتحدث عن "حرية الملاحة"، بينما تتحدث القيادة المركزية عن حشد عسكري واسع يشمل مدمرات وطائرات وآلاف الجنود. هذا التناقض يعكس معضلة أميركية مزمنة: الرغبة في استعراض القوة من دون تحمل كلفة الحرب الشاملة. كما أن أي حادث أمني محدود في المضيق قد يدفع المنطقة إلى تصعيد واسع، خصوصاً في ظل هشاشة وقف إطلاق النار القائم حالياً.
الأزمة الحالية تؤكد مجدداً أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط جيوسياسية قادرة على هز الاقتصاد العالمي خلال أيام. فارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة بنسبة كبيرة منذ اندلاع الحرب بدأ ينعكس مباشرة على شعبية ترمب الداخلية، ما يفسر استعجاله لإظهار تقدم دبلوماسي ولو محدود. وفي المقابل، تدرك إيران أن استمرار التوتر يمنحها نفوذاً تفاوضياً كبيراً، خصوصاً مع تزايد القلق الدولي من اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.