أظهرت استطلاعات رأي حديثة أجرتها عدة مؤسسات أبحاث رأي عام وطنية، وشملت ناخبين أمريكيين، انخفاضاً حاداً في الدعم العام لإسرائيل. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع «غالوب» في فبراير الماضي، أنه عند سؤال المشاركين عن أكثر من يتعاطفون معه، اختار 41% منهم الفلسطينيين، مقابل 36% فقط ممن اختاروا إسرائيل. ويتناقض ذلك بشكل ملحوظ مع نتائج استطلاع «غالوب» نفسه عام 2023، حيث أعرب 54% من المشاركين عن تعاطفهم مع إسرائيل، بينما أبدى 36% تعاطفهم مع الفلسطينيين. ثم، قبل أسابيع قليلة، نشر مركز «بيو» للأبحاث استطلاعاً أظهر أن 60% من المشاركين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل.
ولفهم تلك التغيرات في آراء الناخبين بشكل أفضل، ودور حروب إسرائيل مع لبنان والفلسطينيين في تشكيل وجهات نظرهم، وكيف يرغب الناخبون في تعامل الحكومة الأمريكية وأعضاء الكونجرس مع هذا الملف، كلف المعهد العربي الأمريكي ومنظمة «ناخبون من أجل العدالة في فلسطين»، في ولاية كارولاينا الشمالية، شركة «جون زغبي ستراتيجيز» بإجراء استطلاع رأي على مستوى الولايات المتحدة حول تلك القضايا. وشمل الاستطلاع 1001 ناخب أمريكي محتمل (بهامش خطأ +/- 3.2).
ويتضح أن السلوكيات الإسرائيلية لم تعد تحظى بقبول أغلبية الناخبين الأمريكيين، حتى أنها قوبلت بالرفض من جانب مؤيدي إسرائيل. فعلى سبيل المثال، يرى 41% من الناخبين أن الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين «مفرطة وترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية»، بينما يعارض ذلك 32% فقط. الفارق بين «الديمقراطيين» أكبر بكثير. وتُظهر الإجابات عن سؤال حول ما إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة بذل المزيد من الجهود للضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية نتائج مماثلة.
وتلقى تلك القضايا وغيرها المتعلقة بسلوك إسرائيل معارضة مستمرة لسياسات إسرائيل، والتي تأتي أساساً من الناخبين «الديمقراطيين» أو المستقلين. وتقود هذه المعارضة فئات فرعية من الناخبين الشباب أو غير البيض. كما يوجد انقسام ديموغرافي عميق بين الناخبين «الجمهوريين»، حيث يُبدي «الجمهوريون» الشباب «أقل من 45 عاماً» مواقف سلبية تجاه أفعال إسرائيل أقرب إلى مواقف «الديمقراطيين» منها إلى مواقف «الجمهوريين» الأكبر سناً.وفي الواقع، في غالبية أسئلة الاستطلاع تقريباً، تشكل قاعدة الدعم الحقيقية الوحيدة، التي يمكن لإسرائيل الاعتماد عليها، الناخبون «الجمهوريون» البيض الأكبر سناً. وهذه المجموعة تُشكل أقلية متضائلة في عموم الناخبين. كما تُظهر نتائج الاستطلاع أن هناك تبعات انتخابية مرتبطة بهذه التحولات، إذ يرى أغلبية الناخبين أنهم سيكونون أكثر ميلاً لدعم المرشحين الذين يدعون إلى تقليص أو إنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل «45% مقابل 27%»، أو الذين يرفضون التمويل أو الدعم القادم من مصادر مرتبطة باللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة. وتكون نسب الرفض أعلى بكثير «أكثر من الضعف» بين «الديمقراطيين» والمستقلين والناخبين غير البيض.
ويتفق غالبية «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» والمستقلين «وجميع الفئات الديموغرافية الرئيسية» على ضرورة محاسبة إسرائيل ومحاكمتها على مقتل مواطنين أمريكيين، إذ يعتقد 58% من الناخبين المحتملين بضرورة محاسبة إسرائيل، مقابل 16% فقط ممن يعارضون محاكمتها. وينطبق الأمر نفسه على قصف إسرائيل للبنان، إذ يعتقد الناخبون الأمريكيون المحتملون، بنسبة اثنين إلى واحد، أنه يتعين على الإدارة الأمريكية بذل المزيد من الجهود للضغط على إسرائيل لوقف القصف والانسحاب من جنوب لبنان. بنسبة تقارب اثنين إلى واحد، يعرب الناخبون عن قلقهم من أن قصف إسرائيل للبنان واحتلالها له يضر بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وفي الحالتين، تنطبق هذه النسب على جميع الفئات الديموغرافية الرئيسية باستثناء «الجمهوريين»، الذين ينقسمون حولها.
وبينما يعبر الناخبون عن آراء سلبية واضحة تجاه سلوكيات إسرائيل ويدعمون سياسة أمريكية تمارس ضغوطاً لكبح جماح إسرائيل ومحاسبتها على أفعالها، يُظهر الاستطلاع أيضاً أن أقلية كبيرة «بين ربع وثلث جميع المستطلعين» صادقة في اعترافها بضرورة توفير المزيد من المعلومات قبل اتخاذ قرارات بشأن بعض القضايا السياسية المطروحة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تظهر مؤشرات على أن نفور الناخبين من إسرائيل وسياساتها، بدأ يؤثر بالفعل على الكونجرس وعلى انتخابات التجديد النصفي المقبلة. ففي الشهر الماضي، صوت 40 من أصل 47 عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، من «الديمقراطيين» أو المتحالفين معهم، لصالح منع وصول بعض الإمدادات العسكرية إلى إسرائيل، وهو عدد غير مسبوق من المسؤولين المنتخبين الذين اتخذوا مثل هذا الموقف في عام انتخابي.
وشمل ذلك أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ من اليهود الأمريكيين.كما تعهد عشرات من أعضاء الكونجرس علناً برفض دعم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في حملات إعادة انتخابهم. رغم أن بعض هؤلاء الأعضاء كانوا في السابق من كبار متلقي التمويل من جهات مانحة مؤيدة لإسرائيل. وتعتبر تلك تطورات مهمة وذات مغزى، ومن المهم ملاحظتها في المستقبل.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس
الناخبون الأمريكيون.. نظرة سلبية تجاه إسرائيل
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس
المؤتمر الثامن: "فتح" على مفترق الطرق.. سلطةٌ تُمسك بالمؤسسات.. وحركةٌ تفقد الشارع
منذ انطلاقتها في أواخر خمسينيات القرن الماضي، شكّلت حركة فتح العمود الفقري للنضال الوطني الفلسطيني، ورافعةً أساسية لإعادة صياغة الهوية السياسية للشعب الفلسطيني في مرحلةٍ كانت فيها القضية مهددة بالتهميش. في لحظة التأسيس، برزت مجموعة من القادة الذين شكّلوا البنية الفكرية والتنظيمية للحركة، وكان لهم دورٌ حاسم في رسم مسارها الأول. فقد مثّل ياسر عرفات الوجه الأبرز والقيادة الجامعة التي نقلت فتح إلى موقعها المركزي داخل منظمة التحرير الفلسطينية، فيما ساهم خليل الوزير (أبو جهاد) في بناء الإطار العسكري والتنظيمي للعمل الفدائي وتطوير أدوات المقاومة. أما صلاح خلف (أبو إياد)، فقد لعب دورًا محوريًا في تأسيس البنية الأمنية والسياسية وربط العمل التنظيمي بالدبلوماسية والنشاط الخارجي. وقد أسهم هذا الجيل المؤسس في تحويل فتح من تنظيم ناشئ إلى مشروع وطني شامل، جمع بين الكفاح المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي، وأعاد وضع القضية الفلسطينية في قلب الاهتمام العربي والدولي.
ومع صعودها داخل منظمة التحرير الفلسطينية، تحوّلت فتح من مجرد فصيل إلى عنوانٍ جامعٍ للنضال، يمزج بين العمل المسلح والفعل السياسي والدبلوماسي.
في المشهد الفلسطيني المتشظّي اليوم، تقف فتح ككيانٍ مزدوج الملامح: سلطةٌ راسخة في مؤسسات الحكم، وحركةٌ سياسية تتآكل تدريجيًا في وجدان الشارع. هذا التناقض ليس طارئًا، بل هو نتيجة مسار طويل من التحولات، خصوصًا بعد دخولها معادلة الحكم عبر السلطة الوطنية الفلسطينية.
تمسك الحركة بمفاصل القرار داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وتدير شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والإدارية في الضفة الغربية. هذا الحضور يمنحها قوة تنظيمية واضحة، لكنه يضعها أيضًا في مواجهة مباشرة مع تحديات الحياة اليومية للمواطن من الاقتصاد إلى الأمن، وهو ما ينعكس على صورتها الشعبية.
على مستوى القيادة، يبرز محمود عباس كرمزٍ للاستمرارية، لكن غياب آليات التجديد السياسي وتأجيل الانتخابات خلقا حالة من الجمود، وفتحا الباب أمام تنافس داخلي بين تيارات متعددة داخل الحركة.
في المقابل، تواجه فتح تحديًا متصاعدًا من قوى أخرى، أبرزها حركة حماس، التي استطاعت تعزيز حضورها، خاصة في قطاع غزة، مستفيدةً من خطاب مختلف وأدوات تأثير بديلة.
أما سياسيًا، فما زالت الحركة تراهن على المسار الدبلوماسي، مستندة إلى إرث اتفاقية أوسلو، رغم تعثّر هذا المسار وتراجع الثقة به لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين.
المؤتمر الثامن: لحظة الاختبار المؤجل
في هذا السياق، يكتسب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح أهميةً استثنائية، ليس بوصفه استحقاقًا تنظيميًا فحسب، بل كفرصةٍ نادرة لإعادة بناء الحركة من الداخل، غير أن هذا المؤتمر لا يُقاس فقط بقدرته على ترتيب البيت التنظيمي، بل بمدى استجابته لتوقعات الشارع الفلسطيني، الذي لم يعد معنيًا بتوازنات الأطر بقدر ما يبحث عن إجاباتٍ ملموسة.
فالفلسطيني “الوطني”—بمعناه الواسع—لا ينتظر شعاراتٍ جديدة، بل تحولاتٍ حقيقية: قيادة تُجدَّد عبر آليات ديمقراطية شفافة، ومحاسبة فعلية تعيد الاعتبار لفكرة المسؤولية، ودورًا سياسيًا واضحًا يخرج من ضبابية المسار القائم. كما يتطلع إلى حركةٍ تستعيد صلتها اليومية بهموم الناس، لا بوصفها سلطة تدير الأزمات، بل كإطارٍ وطني يقود مشروعًا.
وهذا يشمل إعادة تعريف العلاقة بين العمل الدبلوماسي وأشكال المقاومة الشعبية، بما يعكس نبض الشارع لا حسابات الجمود. كذلك، يبقى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية مطلبًا مركزيًا، ليس كشعارٍ توافقي، بل كخطوة عملية تعيد ترتيب البيت الفلسطيني.
المطلوب من هذا المؤتمر، إذًا، يتجاوز الشعارات إلى قرارات حاسمة: تجديد القيادة عبر آليات ديمقراطية حقيقية، وإدماج جيل الشباب في مراكز القرار، ووضع حدٍ لحالة التكلس التنظيمي التي أضعفت الحيوية الداخلية. كما يُنتظر أن يعيد المؤتمر صياغة البرنامج السياسي للحركة، بما يوازن بين الثوابت الوطنية ومتغيرات الواقع، ويحدد بوضوح أدوات النضال -بين الدبلوماسية والمقاومة الشعبية- بدل تركها في حالة ضبابية.
في هذا المعنى، لا يُقاس نجاح المؤتمر بما يعلنه من قرارات، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال بسيط يطرحه الفلسطيني اليوم: هل ما زالت فتح قادرة على تمثيل مشروع وطني جامع، أم أنها باتت أسيرة دورها كسلطة؟
في لحظةٍ تاريخية تتآكل فيها المسلمات وتُعاد صياغة موازين القوة، لم تعد أزمة حركة فتح مجرد تراجعٍ تنظيمي أو خلافٍ داخلي، بل تحوّلت إلى سؤالٍ وجودي يمسّ جوهر المشروع الوطني الفلسطيني ذاته. فالحركة التي صنعت مرحلة، تجد نفسها اليوم أمام امتحان القدرة على صناعة مرحلةٍ جديدة لا عبر استدعاء الماضي، بل عبر كسر أنماطه.
إما أن يشكّل المؤتمر الثامن نقطة انعطاف حقيقية تعيد ضخّ الحياة في جسد الحركة، أو أن يتحول إلى محطةٍ أخرى في مسار التأجيل وإدارة الأزمة. وفي هذا المفترق الحاد، لا يكون التردد خيارًا: فالتاريخ لا ينتظر، والشارع لا يغفر طويلًا، والفرص حين تضيع لا تعود بالصيغة نفسها.
هنا، لم يعد السؤال إن كانت فتح ستبقى، بل إن كانت ستبقى حركة تحرر، أم تتحول نهائيًا إلى سلطةٍ بلا مشروع.
*أكاديمي وباحث سياسي
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس
نحو عقد تنظيمي جديد لحركة "فتح"
لم تعد الأزمة التي تواجهها حركة "فتح" أزمة أداء ظرفي يمكن معالجتها بإجراءات جزئية أو مزاجية، بل هي أزمة بنيوية تمس طبيعة العلاقة بين الأطر التنظيمية وآليات اتخاذ القرار ودور الحركة في النظام السياسي الفلسطيني، كما تمس قدرتها على الاستجابة للتحديات الإجتماعية والإقتصادية المتصاعدة في حياة الناس تحت الاحتلال ومسلسل جرائمه المتصاعدة.
لقد أفرزت السنوات الماضية حالة من التداخل بين الحركة والسلطة، وبين التنظيم والإدارة، ما أدى إلى تآكل الحدود بين الدور النضالي والوظيفة البيروقراطية، وأضعف قدرة الحركة على المبادرة والتجديد، وانعكس ذلك على حضورها السياسي المقاوم والاجتماعي في آنٍ واحد.
من هنا، فإن الحديث عن الإصلاح والتطوير لم يعد كافياً، بل المطلوب هو إعادة تأسيس عقد تنظيمي جديد داخل الحركة، يعيد تعريف العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين التنظيم ودوره الوطني، وبين الحركة وجماهيرها وكافة ابناء شعبنا، ضمن رؤية متكاملة لا تفصل بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وبرأيي، يقوم هذا العقد على مرتكزات أساسية، من أهمها :
أولاً، تجديد الشرعية التنظيمية عبر تفعيل الديمقراطية الداخلية، وضمان دورية الانتخابات وتفعيل كافة الهيئات القيادية وتحديد أدارها بوضوح، وتوسيع المشاركة في صنع القرار، بما يعيد الثقة بين الكادر والقيادة، وبين الحركة وقواعدها وجماهيرها، ومع أبناء شعبنا في الوطن والشتات ومع الأسرى في زنازين الاحتلال.
ثانياً، إعادة تعريف العلاقة بين الحركة والسلطة الوطنية، بما يحفظ لـ"فتح" دورها كحركة تحرر وطني دون سقف "اتفاقيات أوسلو"، ويمنع ذوبانها في متطلبات الإدارة اليومية، مع الحفاظ على دورها في دعم الصمود الأجتماعي والاقتصادي، وتعزيز العدالة والكرامة المعيشية لشعبنا، بما يترجم إلى سياسات عملية في دعم فرص العمل، ومساندة الفئات الأكثر تضرراً، وتطوير الخدمات الأساسية من الصحة والتعليم أساساً.
ثالثاً، تطوير معايير القيادة على أساس الكفاءة، والعطاء النضالي، والرؤية، والقدرة على الفعل، إضافة إلى فهم الإحتياجات الوطنية المختلفة، بعيداً عن التوازنات الضيقة.
رابعاً، ترسيخ مبدأ المساءلة التنظيمية باعتباره شرطاً لأي تطوير حقيقي وتعزيز دور الرقابة الحركية.
خامساً، بناء منابر فكرية تسمح بتعدد منظم للرؤى داخل الحركة في إطار الالتزام بوحدتها، وتحويل الإختلاف إلى مصدر قوة، لا إلى حالة خلاف أو تشرذم أو مراكز نفوذ، دون أن يكون ذلك بديلاً عن الأطر التنظيمية والإلتزام بوحدة القرار السياسي والتنظيمي.
سادساً، تطوير البنية التنظيمية وتحديث النظام الداخلي باتجاه أشكال أكثر مرونة أفقية وشبكية، عبر المجالس الحركية في الأقاليم، وتفعيل المجلس الحركي العام، واللجان والمكاتب والمفوضيات القطاعية والتخصصية، بما يستوعب من لم يجدوا مواقع تنظيمية لهم في وقت سابق، وكذلك الطاقات الجديدة، وخاصة الشبابية منها تعزيزاً للمقاومة الشعبية.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الوطنية المقبلة، وفي مقدمتها انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والرئاسية بعد إقرار دستور دولة فلسطين الذي يجب ان يضمن مبادئ المواطنة المدنية وفصل السلطات وشفافية المؤسسات وديمقراطية النظام السياسي، تبرز أهمية استخلاص الدروس من التجارب السابقة، بما فيها انتخابات المجلس التشريعي والهيئات المحلية، لتفادي إعادة إنتاج مكامن الضعف، سواء في إدارة العملية التنظيمية أو في قراءة نتائجها السياسية والانتخابية.
كما يطرح هذا الاستحقاق بوضوح سؤال المرحلة القادمة، وتعريف دور الحركة، بما يحفظ توازنها بين كونها إطاراً وطنياً جامعاً واسعاً، وبين عدم تحولها إلى مجرد امتداد لمفهوم "حزب السلطة"، على حساب دورها التاريخي كحركة تحرر وطني في نظام سياسي ديمقراطي/ جمهوري نيابي.
إن إعادة بناء "فتح" على هذه الأسس ليست مسألة تنظيمية داخلية، بل شرط لاستعادة دورها كقوة قائدة للمشروع الوطني التحرري والنواة الصلبة للحركة الوطنية الفلسطينية، وقادرة على التفاعل مع التحولات العميقة في المجتمع الفلسطيني والإقليم والنظام الدولي المتغير. كما ترتبط هذه المهمة بمواجهة التحديات الراهنة، من التوسع الاستعماري والفصل الجغرافي، ومحاولات فرض نماذج إدارية على حساب الهوية الوطنية في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس ومحاولات كي الوعي الجمعي بمقابل روايتنا التاريخية وتاريخ ثورتنا المعاصرة، وما يستدعيه ذلك من نقاش جدي حول جدلية الدولة الفلسطينية بين المبدأ وواقع التطبيق في ظل تصعيد محاولات تنفيذ رؤية المشروع الاستعماري الصهيوني في كل أرض فلسطين التاريخية، بما يضمن الوصول بشعبنا إلى حقه في تقرير المصير، وحل قضية اللاجئين ومنع التهجير وإنهاء الاحتلال أولاً من خلال تعزيز الوحدة الوطنية الواسعة في اطار منظمة التحرير بموازاة تطوير دورها كجبهة وطنية عريضة.
وفي ظل اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن، فإن السؤال لم يعد حول الحاجة المجردة إلى التغيير والتطوير، بل حول كيفية إنجازه بوعي ومسؤولية، بما يحفظ وحدة الحركة، ويعزز قدرتها على التجدد والديمومة، ويعيد تموضعها السياسي محلياً وإقليمياً ودولياً على اساس القرار المستقل.
إن التحدي الحقيقي لم يعد في إدارة الواقع، بل في صناعته، وفي الانتقال من التكيف مع الأزمات إلى تجاوزها، عبر رؤية تنظيمية وسياسية مبادرة، لا تكتفي بردود الفعل، ورؤية اجتماعية واقتصادية متكاملة للبناء الوطني، تعيد الاعتبار للفعل الجماعي، وتؤسس لمرحلة أكثر تماسكاً وفاعلية، تستعيد فيها "فتح" دورها كقوة قائدة للمشروع الوطني التحرري والبناء المؤسسي الديمقراطي.
إن ما تحتاجه "فتح" اليوم ليس فقط إعادة ترتيب داخلي، بل وضوح في الاتجاه السياسي، إرادة وجرأة في اتخاذ القرار، واستعداد حقيقي لتحمل المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة. فالحركة التي قادت المشروع الوطني التحرري لعقود، مطالبة اليوم بأن تعيد إنتاج ذاتها، لا كاستجابة للأزمة، بل كمبادرة لصياغة مستقبل أبناء شعبنا.
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس
المؤتمر الثامن: رهان على مستقبل الحركة
يُنعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح ونحن في مرحلة لا تحتمل أن نكون أقل من المستوى المطلوب. المؤتمر يحمل في طياته فرصة حقيقية، لكنه يحمل أيضاً أسئلة لا يجوز تجاوزها.
وما تمر به قضيتنا اليوم لا يحتمل أن تكون الحركة مشغولة بنفسها بعيدة عن الناس وهمومهم. التماسك مع الجماهير وبناء الثقة معهم لن ينجح إن لم يكن الصف الداخلي متماسكاً بثقة وقناعة.
كثيرون من كادر الحركة لم يجدوا مكاناً لهم في عضوية المؤتمر، وهذا أمر مفهوم في حركة بحجم فتح وبهذا الكم من المناضلين الذين قدّموا وضحّوا. المؤتمر لا يتسع للجميع، وهذه حقيقة لا جدال فيها.
لكن المسؤولية هنا تقع على القيادة في كيفية التعامل مع هؤلاء الكوادر. من لم يجد مقعداً في المؤتمر لا يحتاج خطاباً ومجاملة عابرة، يحتاج تواصلاً حقيقياً يعترف بدوره وتضحياته بما يليق به، ويفتح أمامه المجال للمشاركة في أطر الحركة المختلفة.
الفرص يجب أن تتسع لأكبر عدد من الكادر، لا أن تبقى محصورة في عدد معين أو فئة بعينها.
الظاهرة الثانية هي حجم الترشح الكبير لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري. هذا حق أصيل لكل عضو في المؤتمر ولا يملك أحد سلبه، لكن هذا الحجم من الترشح يقول شيئاً يجب أن نسمعه.
هذا التزاحم يكشف أن هناك جيلاً كاملاً من الكادر ينتظر دوره منذ سنوات، ولم تُفتح أمامه مساحة حقيقية بعد. وهذا ليس ترفاً تنظيمياً، بل هو أزمة تحتاج معالجة قبل أن تتعمق.
من هنا أرى أن من نال ثقة الرئيس في موقع رسمي متقدم -وزيراً أكان أم سفيراً أم وكيلاً أم محافظاً- عليه أن يُفسح المجال لغيره من الكادر في المواقع التنظيمية القيادية.
الجمع بين الموقعين لا يُنصف أياً منهما، وفي ظل أزمة تدافع الأجيال التي تعيشها الحركة، فإن حصر المواقع في أشخاص بعينهم يُعمّق الأزمة ويحرم كادراً على حساب كادر آخر.
العمل التنظيمي ليس موقعاً شرفياً، بل مسؤولية تتطلب حضوراً دائماً في الميدان بين الناس. ومن أراد الترشح للعمل التنظيمي القيادي فعليه أن يتفرغ له كاملاً، لأن العمل التنظيمي الحقيقي لا يُمارَس من بعيد.
وبالمنطق ذاته، من أخذ فرصته في عضوية المؤتمر والترشح، فمن الواجب أن يُفسح المجال لزميله في عضوية المجلس الوطني أو المركزي.
لا يستقيم في ظل هذا التزاحم أن يجمع شخص واحد عضوية المجلس الثوري والمجلس المركزي والمجلس الوطني في آنٍ واحد، بينما كوادر كثيرة لم تجد فرصة للمشاركة.
الكادر الذي يرى أن الفرص لا تصله يخف حماسه شيئاً فشيئاً حتى يصبح لا مبالياً لا يكترث. وحركة تُشعر كوادرها بالإقصاء أو بأنهم غير مُقدَّرين، تفقد معهم شيئاً لا تعوضه لا الخطب ولا البيانات ولا المجاملات مهما قيل فيها.
استعادة ثقة الشارع الفلسطيني لا تبدأ من خطاب سياسي أو موقف ميداني. تبدأ من داخل الحركة نفسها، من كادر يشعر أنه شريك حقيقي لا رقم في قائمة يُستحضر وقت الحاجة ويُنسى بعدها.
فتح التي صمدت عقوداً أمام أقسى الضغوط الخارجية، لا يجوز أن تستنزفها إشكاليات داخلية كان يمكن معالجتها بقرار واضح وإرادة صادقة. من لا يثق بنفسه من الداخل لن يقنع أحداً في الخارج.
فتح بتاريخها ونضالها تملك ما لا تملكه حركات أخرى- كادراً إنسانياً هائلاً من المناضلين والمضحين. المهم ليس إن كانت تملك هذا الرصيد، بل إن كانت تُحسن الاستثمار فيه والحفاظ عليه، بما يحقق التوازن بين الحق الفردي والمصلحة الجماعية.
المؤتمر الثامن يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية نحو إعادة العمل التنظيمي الميداني لمكانته الحقيقية وبناء الثقة مع جماهير شعبنا، لأن الناس لا يثقون بمن لا يرونه بينهم ويحمل همهم.
لا يحتاج الأمر إلى تعقيد أو قرارات صعبة. يحتاج إلى قرار واضح وشجاعة في تطبيقه. الكادر الحقيقي لفتح يستحق أكثر من وعود، يستحق أن يرى التغيير بعينيه ويلمسه في التطبيق.
المؤتمر الثامن فرصة نهوض وطني يبدأ من الكادر وتماسكه. إن نجح في الخروج بمخرجات تجمع كادر الحركة وتحافظ عليه، فإن انعكاس ذلك سيطول كافة القضايا الوطنية. وإن أخفق، فالخسارة ليست تنظيمية فحسب، بل وطنية بامتياز.
"فتح" أثبتت على مدى عقود أنها أكبر من أي أزمة تمر بها. جماهير شعبنا مهما عتبت عليها تعود وتلتف حولها حين تشتد الأمور، لأنها تعرف في قرارة نفسها أن "فتح" هي الضمانة الوطنية الحقيقية وصمام الأمان للقرار الفلسطيني المستقل. هذه الحركة ليست حزباً بين أحزاب، بنهضتها ينهض الكل الفلسطيني. ومن هذا الإيمان تحديداً تأتي هذه الكلمات، لأن من يؤمن بفتح يريدها في أفضل حال.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس
هل تغيّرت طبيعة الحرب في الشرق الأوسط؟ من تدمير القوة إلى منع إنتاجها
لماذا تُقصف الجامعات؟
ولماذا لا يقتصر الاستهداف على المقاتلين، بل يمتد إلى المدن والبنية التحتية والعقول؟
هذه الأسئلة لم تعد هامشية في فهم ما يجري في الشرق الأوسط، بل أصبحت مفتاحًا لفهم نمط جديد من الحروب، يتجاوز فكرة "هزيمة العدو" إلى ما هو أعمق: منع العدو من أن يصبح قويًا أصلًا. لم تعد الحرب كما كانت
في التصور التقليدي، كانت الحروب تدور حول: تدمير قدرات العدو العسكرية، أو ردعه ومنعه من الهجوم. لكن ما نشهده اليوم في أكثر من ساحة يشير إلى شيء مختلف. لم يعد الهدف فقط تحييد االعدو، بل التأثير في البيئة التي تسمح له بالظهور والاستمرار.
بمعنى أبسط: لم يعد الصراع على "ما يملكه العدو الآن"، بل على "ما يمكن أن يمتلكه في المستقبل".
فائض القوة… حين تتحول القوة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع
عندما تمتلك دولة تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا كبيرًا، فإنها لا تكتفي بالدفاع عن نفسها. بل تصبح قادرة على التأثير في محيطها بشكل أعمق.
هذا ما يمكن تسميته بـفائض القوة: أي القوة التي تتجاوز الحاجة المباشرة للدفاع، وتُستخدم لإعادة تشكيل البيئة المحيطة.
في هذا الإطار، يمكن فهم السلوك الإسرائيلي في المنطقة ليس فقط كاستجابة لتهديدات، بل كمحاولة مستمرة لضبط مستوى القوة لدى الآخرين، بحيث لا يصلون إلى مرحلة التوازن.
ما الذي يتم استهدافه فعليًا؟ إذا نظرنا إلى ما يحدث في عدة ساحات، سنلاحظ نمطًا متكررًا: تدميراً واسعاً للمدن والبنية التحتية، استهداف الجامعات والمؤسسات التعليمية، اغتيال قيادات عسكرية وعلمية، قد يبدو هذا للوهلة الأولى كجزء طبيعي من الحرب، لكن عند النظر إليه ككل، تظهر صورة مختلفة.
فالمدينة ليست مجرد مبانٍ، بل هي المكان الذي تتشكل فيه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. وتدميرها لا يعني فقط خسارة مادية، بل تفكيك المجتمع نفسه.
والجامعة ليست مجرد مبنى تعليمي، بل هي مصنع المعرفة. واستهدافها يعني ضرب القدرة على التفكير والتطوير في المستقبل.
أما اغتيال الكفاءات والقيادات، فهو لا يستهدف الأشخاص فقط، بل يقطع الطريق على تحويل المعرفة والخبرة إلى قوة فعلية.
من غزة إلى العراق وسوريا.. نمط يتكرر
ما يعطي هذا التحليل وزنه هو أنه لا يقتصر على حالة واحدة.
في فلسطين، لا يقتصر الاستهداف على الفصائل المسلحة، بل يمتد إلى المجتمع ككل، بما في ذلك البنية الحضرية والاقتصادية.
في العراق، أدى تفكيك مؤسسات الدولة بعد 2003 إلى إضعاف قدرتها على العمل كدولة مؤثرة.
في سوريا، ساهمت سنوات الحرب في إعادة تشكيل الدولة ضمن ظروف ضعف عميقة.
وفي لبنان، يتداخل الضغط العسكري مع الأزمة الاقتصادية والاغتيالات، بما يؤثر على قدرة المجتمع والدولة معًا.
أما في إيران، فإن استهداف العلماء والبرامج الاستراتيجية يشير إلى محاولة تعطيل مسار التحول إلى قوة أكبر.
هل هذا مقصود أم مجرد نتيجة للحرب؟ قد يقول البعض إن كل هذا مجرد نتيجة طبيعية للحروب، خصوصًا عندما تكون غير متكافئة. وهذا صحيح جزئيًا.
لكن عندما يتكرر نفس النمط في أماكن مختلفة -استهداف المدن، المعرفة، والقيادات- يصبح من الصعب اعتباره صدفة.
الأقرب للواقع أننا أمام طريقة معينة في استخدام القوة، حتى لو لم تكن مكتوبة في خطة معلنة.
حرب على المستقبل لا على الحاضر
الفرق الجوهري هنا هو أن الصراع لم يعد فقط على ما يحدث الآن، بل على ما يمكن أن يحدث لاحقًا.
فبدلًا من انتظار ظهور قوة معادية ثم مواجهتها، يتم العمل على:
إضعاف البيئة التي قد تنتج هذه القوة، تقليل فرص التعافي والنهوض، تعطيل مسار التطور.
بمعنى آخر: منع المشكلة قبل أن تولد، لكن هل تنجح هذه الاستراتيجية دائمًا؟
ليس بالضرورة. التاريخ يُظهر أن الضغط الشديد قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية: ظهور أشكال جديدة من المقاومة، تطوير أدوات غير تقليدية، إعادة بناء القدرة بطرق مختلفة، وهذا يعني أن محاولة التحكم في "قدرة الآخرين" قد تنجح مؤقتًا، لكنها ليست ضمانة دائمة.
الخلاصة: ما الذي تغيّر فعلًا؟
ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط قد يكون تحولًا حقيقيًا في طبيعة الصراع:
من تدمير القوة إلى منع إنتاجها، ومن استهداف الفاعل إلى استهداف البيئة، ومن معركة على الحاضر إلى صراع على المستقبل.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط من يملك القوة اليوم، بل من سيُسمح له بامتلاكها غدًا. الحرب اليوم لا تُخاض لهزيمة العدو، بل لمنعه من أن يكون عدواً أصلًا.
*باحث في العلاقات الدولية
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس
على حافة الانفجار: كيف يقرأ الإسرائيليون التصعيد.. وكيف يدفعون نحوه؟
ليس جديداً أن يحذر محللون عسكريون إسرائيليون من خطر التصعيد، لكن الجديد هو الطريقة التي يُصاغ بها هذا التحذير، حيث تختلط نبرة القلق الحقيقي بقدر محسوب من التشويق الدرامي، في سياق محاولة واضحة لإعادة ترتيب المسؤوليات، بحيث تبدو إسرائيل وكأنها تقف على الهامش تراقب، لا كطرف فاعل يساهم في تشكيل مسار الأحداث.
في كثير من القراءات الإسرائيلية، يتحول الخليج إلى ما يشبه مسرحاً مفتوحاً، وتُستدعى استعارات من عالم السينما لتوصيف ما يجري، وكأننا أمام “فيلم أكشن على ضفاف هرمز”. غير أن هذه اللغة ليست بريئة، بل تعكس ذهنية ترى في الحرب حدثاً يمكن التحكم بإيقاعه، أو حتى استثماره، طالما أنه لا يرتد مباشرة على الداخل الإسرائيلي، وطالما تبقى كلفته موزعة على ساحات أخرى.
ضمن هذه السردية، يجري اختزال المشهد في شخصية واحدة هي دونالد ترامب، الذي يُقدَّم بوصفه صاحب القرار النهائي، القادر وحده على دفع المنطقة إلى الحرب أو إعادتِها إلى التهدئة. هذا الاختزال يبدو مريحاً لإسرائيل، لأنه ينقل مركز الثقل إلى واشنطن ويخفف من حضورها كطرف ضاغط، رغم أن سلوكها الفعلي يشير إلى العكس.
ففي الواقع، يكشف سلوك ترامب عن تناقض واضح بين الخطاب والممارسة؛ إذ يلوّح بتدمير إيران، لكنه يتجنب الانخراط في حرب شاملة، ويصعّد سياسياً وعسكرياً في الوقت نفسه الذي يبحث فيه عن مخرج. هذا التناقض لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الأميركي، حيث يتزايد التعب من الحروب، ويتقدم القلق من انعكاساتها الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بأسعار الطاقة. وبذلك، يبدو أن ترامب يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي دون الانجرار إلى كلفة الحرب، وهي معادلة هشة بطبيعتها، لأنها تدفع الطرف المقابل إلى اختبار حدودها باستمرار.
في المقابل، لا تبدو إيران بعيدة عن هذا المنطق، إذ تمارس شكلاً من التصعيد المحسوب الذي يقترب من حافة المواجهة دون أن يتجاوزها. فالضربات التي تستهدف مصالح نفطية أو ممرات بحرية لا تُقصد بها بالضرورة إشعال حرب شاملة، بقدر ما تهدف إلى تثبيت معادلة ردع وإيصال رسائل دقيقة حول القدرة على الإيذاء. ومع ذلك، فإن هذا النوع من “التوازن الحرج” يظل محفوفاً بالمخاطر، لأن تراكم الخطوات المحسوبة قد يؤدي في لحظة ما إلى فقدان السيطرة.
في هذا السياق تحديداً، تبدو إسرائيل كـ“حاضر غائب” في الخطاب، لكنها في الواقع فاعل أساسي في الدفع نحو توسيع دائرة التوتر. فبنيامين نتنياهو لا يكتفي بدعم خيار المواجهة مع إيران، بل يعمل بالتوازي على إبقاء الجبهات المحيطة في حالة اشتعال منخفض الوتيرة، سواء في لبنان أو في قطاع غزة.
في لبنان، لا يمكن اعتبار وقف إطلاق النار قائماً بالمعنى الفعلي، إذ تستمر الضربات ضمن حدود مرسومة بعناية، تُبقي التصعيد تحت السيطرة دون إنهائه. هذه الحالة لا تعكس استقراراً بقدر ما تعبّر عن إدارة مستمرة للتوتر، حيث يبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً في أي لحظة، خاصة في ظل هشاشة قواعد الاشتباك.
وبين هاتين الجبهتين، لا تبدو حدود التصعيد مرسومة فقط باعتبارات ميدانية، بل أيضاً بسقف سياسي أوسع تفرضه واشنطن. فالإيقاع الذي تتحرك ضمنه العمليات، في لبنان كما في غزة، لا ينفصل عن حسابات الإدارة الأميركية، التي تحاول ضبط مستوى الاشتباك ومنع انزلاقه إلى مواجهة إقليمية شاملة. بذلك، لا يعود السؤال مرتبطاً فقط بما تريده إسرائيل أو ما ترد به القوى الأخرى، بل بمدى استعداد دونالد ترامب للسماح بتجاوز هذه الحدود، أو إعادة رسمها وفقاً لمصالحه وتوازناته الداخلية.
أما في غزة، فتتخذ الأمور طابعاً أكثر وضوحاً، حيث تتراكم المؤشرات على وجود تحضير لمرحلة تصعيد جديدة، من خلال تصعيد الخطاب السياسي والعسكري، وإعادة طرح أهداف لم تُحسم في الجولات السابقة. وفي هذا الإطار، لا تبدو غزة مجرد ساحة مواجهة منفصلة، بل جزءاً من منظومة ضغط أوسع تُستخدم ضمن الحسابات الإقليمية، وهو ما ينطبق أيضاً على الجبهة اللبنانية.
بهذا المعنى، لا تكتفي إسرائيل بمتابعة التصعيد، بل تساهم في تشكيل بيئته، من خلال الإبقاء على حالة توتر دائمة تسمح لها بالمناورة، وتُبقي خيارات المواجهة مفتوحة دون تحمل كلفة الانفجار الشامل.
ورغم كل هذا التصعيد، لا يغيب مسار آخر أقل حضوراً في الإعلام، يتمثل في استمرار قنوات التفاوض غير المباشر، ما يكشف أن المنطقة لا تتجه بالضرورة نحو حرب حتمية، بل تعيش حالة من المساومة المستمرة تحت ضغط النار. فإيران تربط أي تقدم برفع الحصار، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى انتزاع تنازلات في الملف النووي، في حين يستخدم كل طرف أدوات التصعيد لتحسين شروطه التفاوضية.
غير أن هذا التداخل بين التفاوض والتصعيد يخلق وضعاً بالغ الهشاشة، حيث يصبح الاستقرار مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على ضبط الإيقاع بدقة، وهو أمر لا يمكن ضمانه في ظل تعدد الجبهات وتداخل المصالح.
في ضوء ذلك، لا يكمن الخطر في نية واضحة لشن حرب شاملة، بل في طبيعة المرحلة نفسها، حيث تتقاطع حسابات متناقضة: إدارة أميركية تبحث عن إنجاز دون كلفة، وإيران تمارس سياسة حافة الهاوية، وإسرائيل تدفع نحو توسيع دائرة الاشتباك دون أن تكون ساحته المباشرة.
وفي مثل هذه البيئة، لا تحتاج الحروب إلى قرارات كبرى بقدر ما تحتاج إلى خطأ صغير. عندها، لن تبقى المواجهة محصورة في الخليج، ولن تظل الجبهات منفصلة، بل قد تتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس
مشروع الحرية.. ليست كل إسرائيل وليست كل أمريكا
معادلة
توقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران منذ نحو شهر، دون أن تتوقف الحرب، لا في الكلام و التهديدات، و لا في حصارات الموانئ بالأساطيل و البوارج و حاملات الطائرات.
انخفضت بالطبع احتمالات استئناف القصف المتركزة كلياً تقريباً في يد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فأعطى للديبلوماسية والمفاوضات حبل غاربها، ووصل به الأمر في حال التعثر أن يبقي الوضع على ما هو عليه، لا حرب و لا سلم، فجاء بقرار عملي ينهي الحصار عن السفن المحتجزة -نحو 400 سفينة- لم يكن لها ناقة ولا جمل في الصراع المحتدم، و هناك نحو عشرين ألفاً من البحارين محتجزين هناك منذ أواخر شباط الماضي.
لكن إيران أعلنت بوضوح، وأكثر من مرة، أن بإمكان هذه السفن غير المتورطة حكوماتها في العدوان عليها بالمرور من خلال التنسيق مع الدولة الإيرانية، وقد فعلت ذلك سفن هندية وصينية ويونانية... إلخ، بمعنى أن من يحتجز حركة هذه السفن المحايدة والمسالمة، هو الأسطول الأمريكي الذي حاصر المضيق المحاصر. ولا يحتاج الأمر بالطبع إلى حماية من البحرية الحربية الأمريكية، لطالما أن إيران متوافقة مع ذلك، ولا نظن أن السفن المحتجزة يمكن أن تغامر بالمغادرة لأن أمريكا هي من سيحميها، بل عندما تسمع أن إيران وافقت على مغادرتها. أمريكا لن تستطيع حمايتها في ذاك الخليج، بل بدون موافقة إيران، ستكون هذه السفن هي الخاسر الأكبر لأسباب تتعلق بحمولتها الكبيرة وسرعتها البطيئة.
ولا نظن أن إيران سترفض ما طلبته من قبل حتى لو جاء على لسان أمريكا كقرار من رئيسها ترمب، بدون شروط، لأنها ليست هي التي تحول أو تمنع هذه السفن من المغادرة، لكننا نظن أن قرار ترمب جاء من هذا المخرج الإنساني، و"مشروع الحرية" للنزول عن الشجرة، بل عن الشجرات التي صعد عليها ليقطف ثمارها، فلما وصل إلى قممها اكتشف أنها بلا ثمر، شجرة اليورانيوم المخصب، شجرة الصواريخ البالستية، شجرة قلب النظام، شجرة المنظمات الإرهابية، و أخيراً شجرة المضيق. ثم اكتشف أن النزول عنها أصعب من صعودها، ليس لأن النزول أصعب من الصعود، بل لأن استحقاقات النزول باهظة، وأن شعار أمريكا عادت الى عظمتها قد سقط، وان العلاقة مع النيتو قد انفرطت، وأن الانتخابات النصفية قد انحسمت، وأن الجهة الوحيدة التي تقف إلى جانب أمريكا هي إسرائيل، وليس كل إسرائيل، وليس كل أمريكا.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس
مؤتمر "فتح" الثامن وحق العضوية
على قدمٍ وساقٍ تجري الاستعدادات لعقد مؤتمر حركة "فتح" الثامن في رام الله، وسط واقعٍ صعب وظروفٍ مستحيلة، إلا أننا كشعبٍ يبدو أننا اعتدنا ممارسة الديمقراطية في أحلك الظروف وأكثرها سخونة. فبعد انتخابات البلديات وما شهدته من حراكٍ وانقسامٍ وتدافعٍ وتنافر، ونِسَب مشاركةٍ بالكاد وصلت إلى النصف أو تعدّته بقليل، يجري الاستعداد لعقد مؤتمر فتح الثامن على طريق الديمقراطية الفلسطينية التي تأتي في ظل كل ما نشهده من واقعٍ على الأرض، وما يعيشه الإقليم والعالم بشكلٍ عام.
يقول أحدهم التقيت به صدفةً على قارعة الطريق: "الفلس عام وطام، ونحن راكضون خلف صندوق الاقتراع".
ويقول آخر صادفته بباب المصعد وأنا ذاهبٌ إلى عملي: الهدف من الانتخابات هو تجديد الشرعيات وتجديد الأشخاص وإحداث تغيير نحو الأفضل، ولا هذا ولا ذاك يحدث في بلادنا؛ نكرر نفس الشرعيات وذات الأشخاص، بذات الكلمات ونصدق الوعود، ثم نعود لنندب حظنا. وأردف قائلًا: "البين يطسنا".
ضحكت، وقلت: سأجرب الكتابة حول ما أعارتني المصادفات من أفكارٍ شكّاءةٍ في ظاهرها، حقيقيةٍ في مضمونها وأثرها، ويبدو أنها تشغل بال الكثيرين ممن آمنوا بالفكرة ولم يحظوا بالعضوية في مؤتمرات الحركة الثمانية.
من المعلوم أن حركةً جماهيريةً لا يمكنها أن تحمل كافة أعضائها وقادتها وطلائعها، شبانها وشيبها وشبيبتها، ممن أفنوا من أعمارهم عقودًا من الزمن منضبطين وملتزمين، ولم يجنحوا يومًا أو يخرجوا عنها، ولكن كان المطلوب نوعًا من العدالة في الاختيار، بحيث تضمن لعضوٍ أمضى ثلاثة أو أربعة أو خمسة عقودٍ منتميًا لـ"فتح" أن يحظى بعضوية مؤتمرٍ واحدٍ من مؤتمراتها الثمانية. أما ولم يحدث ذلك، فإن في الأمر خللًا، ليس في "فتح"، بل في من يضعون منهاج الاختيار وفق قواعد وشروط وقوانين غير منصفة، بل وظالمة؛ لأنها تجعل رجلًا يحمل على كتفيه ثقل عمرٍ من التضحيات، وقد قضى حياته في "فتح" منضبطًا وملتزمًا بالعهد والقسم والولاء، لا يجد كلامًا يقوله لأحفاده، وهم يسألونه عن عدم وجوده عضوًا في المؤتمر، وفي المقابل ابن الجيران، الذي لم يبلغ العشرين بعد، استحق العضوية.
لو وقف أحد القادة ممن أُوكلت إليهم مهمة وضع شروط العضوية مكان الرجل أمام أحفاده، لعرف كيف يكون الظلم صفعةً على خد كهلٍ عجوزٍ تغنّى بالحركة طيلة حياته، ولم يخرج عليها يومًا.
كان يمكن لـ"فتح" أن تحفظ للكثيرين مهابتهم أمام أعين أحفادهم وأبنائهم، لكنها، كما في كل مؤتمر، لم تفعل؛ ليس لأن "فتح" لا تريد، بل لأن من وضع النظام لم يُعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.
كان بالإمكان استيعاب المزيد من القامات والهامات والطاقات الفتحاوية داخل عضوية المؤتمر، وكان ذلك سيضفي على المؤتمر قاعدة أوسع وأشمل، وحريٌّ بـ"فتح" فعل ذلك لأنها ليست حركة هامشية، بل متجددة الأثر في مواكبة الأجيال. فالاتساع في التمثيل لا يُضعف القرار، بل يمنحه شرعيةً أعمق، ويجعل مخرجات المؤتمر أكثر التصاقًا بروح القاعدة التي صنعت تاريخ الحركة.
إن "فتح"، بتاريخها وحضورها، قادرةٌ على أن تقدّم نماذجًا في إدارة الاختلاف وتوسيع دوائر المشاركة، بحيث يشعر كل من انتمى إليها يومًا، أن له مكانًا محفوظًا في بيتها الكبير. فحركات التحرر تقاس بقدرتها على احتواء أبنائها، وصون كرامتهم، ومنحهم الإحساس بأن ما بذلوه لم يذهب سدىً، وأن أبوابها مفتوحةً لكل من طرقها بإخلاص.
سمعت شكاوى محقة كثيرة، وكم أحزنتني تلك الكلمات التي أصابت المعنى من قامات فتحاوية عايشتها. ليس عتبًا فحسب، بل حزنًا على مآلات كان يمكن تجاوزها، لو أعدنا الأشياء لبساطتها الأولى.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس
جريمة قتل الطفل نعيم.. تساؤلات حول الحماية المجتمعية من العنف
د. عمار دويك: القضية يجب عدم اختزالها بتحقيق مع الجاني بل أن تشمل نقاشاً وطنياً شاملاً يحدد مواطن الخلل بالسياسات والتشريعات وآليات الإبلاغ والاستجابة
طه الإيراني: هذه الجريمة "سلوك فردي شاذ" لا يعبر عن المجتمع الفلسطيني وهي ناتجة عن تعاطي المخدرات وليست خللاً في التشريعات أو منظومة الحماية
د. خولة فضل الله: 7617 قضية عنف أسري سُجلت خلال عام 2025 وهناك ارتفاع ملحوظ في حالات العنف داخل الأسرة بنسبة تزيد على 20%
خالد قزمار: هذه الجريمة تعكس واقعاً اجتماعياً يتعامل مع الطفل كملكية خاصة للأسرة إلى جانب حالة من اللامبالاة المجتمعية تجاه حالات العنف والإهمال
د. سماح جبر: المجتمع يعاني من "تطبيع خطير مع العنف الأسري" يقوم على فكرة أن الأطفال "ملكية خاصة" للأهل وهو ما يمنع التدخل ويُضعف منظومة الحماية
الشيخ إبراهيم عوض الله: ينبغي أن لا نقتصر على شجب الجريمة بل استخلاص العبر ووضع خطة لتجنب وقوع جرائم من هذا القبيل في مجتمعنا
الشيخ عبد الله سليمان: يجب توفير بدائل آمنة للأطفال بحالات النزاع الأسري الحاد سواء عبر تدخل العائلة الممتدة أو المؤسسات المختصة لضمان حمايتهم
رام الله – خاص بـ"القدس" – لا تزال الصدمة الواسعة ماثلة بعد جريمة مقتل الطفل نعيم أحمد الشامي (11 عاماً) مساء السبت، على يد والده في بلدة بيت عور التحتا غرب رام الله، وتفتح باب التساؤلات حول واقع حماية الأطفال في المجتمع الفلسطيني، وضرورة استخلاص العبر لمنع تكرار مثل هذه الحوادث المؤلمة الغريبة عن واقع الشعب الفلسطيني. ويرى مسؤولون ومختصون ورجال دين وإصلاح في أحاديث مع "ے"، أن ما حدث بحق الطفل نعيم، يجب التعامل معه كإنذار يكشف عن ثغرات في التعامل مع العنف الأسري، خاصة أن الطفل كان يعيش ظروفاً صعبة وسط عنف متكرر، دون تحرك فعّال من المحيط الاجتماعي أو الجهات المختصة، ما يعكس ضعف ثقافة التبليغ المبكر، مشددين على ضرورة مراجعة آليات الحماية وتعزيز دور المجتمع في الوقاية من هكذا حوادث.
صدمة مجتمعية كبيرة
يؤكد مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د.عمار دويك أن الجريمة البشعة التي راح ضحيتها طفل على يد والده غرب رام الله تمثل صدمة مجتمعية كبيرة، وتكشف في الوقت ذاته عن ثغرات خطيرة وضعف واضح في منظومة الحماية الوطنية للأطفال في فلسطين.
وبحسب دويك، فإن هذه الحادثة المؤلمة التي هزت المجتمع الفلسطيني يجب أن تشكل فرصة جدية لإعادة طرح مشروع قانون حماية الأسرة من العنف، بما يضمن وضع آليات واضحة وفعالة للتعامل مع حالات العنف داخل الأسرة، خصوصاً تلك الموجهة ضد الأطفال، إلى جانب تعزيز آليات التحويل والحماية، بما يشمل توفير بدائل آمنة في حالات الأسر المفككة.
مسؤولية الدولة بحماية الأطفال
ويشدد دويك على أن الأصل في الحماية أن تكون داخل الأسرة، إلا أن انهيارها أو تحولها إلى مصدر للعنف يفرض مسؤولية مباشرة على الدولة لتأمين الحماية اللازمة للأطفال، إلى جانب دور مؤسسات المجتمع المدني، مثل الجمعيات الخيرية ومؤسسات رعاية الأطفال التي توفر الإيواء والحماية.
ويعتبر دويك أن ما حدث يعكس ضعفاً شديداً في هذا المجال، داعياً إلى فتح نقاش وطني واسع حول منظومة حماية الطفل، وتقييم آليات الاستجابة الحالية، داعياً إلى التحقق مما إذا كانت الجهات الرسمية المختصة، مثل وحدات حماية الأسرة في الشرطة ووزارة التنمية الاجتماعية، على علم مسبق بحالة العنف داخل الأسرة، وما هي الإجراءات التي تم اتخاذها لحماية الأطفال قبل وقوع الجريمة.
ويشير إلى أن المعلومات المتداولة تفيد بأن الطفل كان يتعرض للعنف داخل أسرته، وأن محيطه الاجتماعي كان على دراية بذلك، متسائلاً عن أسباب غياب التدخل في الوقت المناسب.
ويؤكد دويك أن القضية لا ينبغي أن تُختزل في تحقيق جنائي مع الجاني فقط، بل يجب أن تشمل نقاشاً وطنياً شاملاً يحدد مواطن الخلل في السياسات والتشريعات وآليات الإبلاغ والاستجابة، بهدف استخلاص العبر ومنع تكرار مثل هذه الجرائم بحق أطفال آخرين في المستقبل.
حادثة شاذة لا يمكن تعميمها
يؤكد وكيل وزارة التنمية الاجتماعية طه الإيراني أن جريمة مقتل الطفل على يد والده تُعد "سلوكاً غير معهود وغير نمطي في المجتمع الفلسطيني"، كما أنها حادثة شاذة لا يمكن تعميمها على المجتمع الفلسطيني أو البناء عليها في تقييم منظومة الحماية أو التشريعات.
ويوضح الإيراني أن القوانين الفلسطينية الخاصة بحماية الطفولة "ناظمة وواضحة" وتكفل حقوق الأطفال وآليات حمايتهم، مشيراً إلى أن الإشكالية في هذه القضية لا تعود إلى التشريع أو إلى ضعف النظام، بل إلى "سلوك فردي خارج عن السيطرة".
ويشدد الإيراني على أن كل المؤشرات المتداولة تفيد بأن الجاني كان يعاني من تعاطي المخدرات، وهو ما أدى إلى سلوك عنيف متكرر داخل أسرته، مشيراً إلى أنه سبق أن تم حجزه من قبل الشرطة وأُخذت منه تعهدات بعدم التعرض لأفراد أسرته قبل وقوع الحادثة الأخيرة، ولم يكن للوزارة علم بذلك.
ويشدد الإيراني على أن الحادثة "مرفوضة دينياً وأخلاقياً واجتماعياً"، مؤكداً أنها لا تعكس السلوك العام للمجتمع الفلسطيني المحب لأطفاله والحريص عليهم.
ويشير الإيراني إلى أن التدخلات الحكومية في حالات العنف الأسري قائمة من خلال شرطة حماية الأسرة ودوائر الطفولة التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، حيث يتم التعامل مع الحالات عبر الإيواء أو الرعاية أو التأهيل عند تلقي البلاغات من الجهات المختصة، مؤكداً أن المنظومة "جاهزة للتدخل الفوري" عند وصول المعلومات.
وفي تفسيره لعدم تدخل الوزارة في هذه القضية قبل وقوع الجريمة، يؤكد الإيراني أن الحالة المتعلقة بقضية أسرة الطفل في بيت عور التحتا لم تُبلّغ رسمياً لوزارة التنمية الاجتماعية، وأن ما جرى كان في البداية ضمن نطاق الشرطة كحالة نزاع أو مشكلة أسرية، ولم يتم تحويل الملف للجهات المختصة بالحماية.
ويشير الإيراني إلى أن مسؤولية الإبلاغ تقع على المجتمع والمؤسسات المحلية، حيث أن المجتمع الفلسطيني أحياناً يميل إلى التغطية على القضايا الاجتماعية الحساسة، وهو ما يؤدي إلى تفاقم المشكلات بدلاً من معالجتها بشكل جذري، محذراً من أن هذا السلوك يتيح المجال لتطور العنف داخل بعض الحالات.
ويلفت الإيراني إلى أهمية محاربة ظاهرة المخدرات باعتبارها "الآفة الأساسية" التي تقود إلى سلوكيات خطرة وخارجة عن السيطرة، مؤكداً أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تشديد العقوبات وتعزيز الجهود الوقائية.
ويؤكد الإيراني أن مسؤولية حماية الأطفال مشتركة بين الدولة والمجتمع، وأن أي شخص يشكل خطراً على نفسه أو على الآخرين يجب التعامل معه ضمن إطار القانون، مشدداً على ضرورة رفع الوعي المجتمعي بآليات التبليغ وعدم انتظار وقوع الحوادث للتدخل، قائلاً: "إن الوزارة تواجه مشكلة بأن التدخل غالباً يأتي بعد وقوع الحدث وليس قبله، بسبب ثقافة المجتمع القائمة على محاولة الاحتواء في داخل الأسرة فقط".
خلل عميق في منظومة المسؤولية المجتمعية
تؤكد مدير إدارة حماية الأسرة والأحداث في الشرطة الفلسطينية العميد د.خولة جمال فضل الله، أن جريمة مقتل الطفل نعيم الشامي تكشف عن خلل عميق في منظومة المسؤولية المجتمعية، مشددة على أن حماية الأطفال لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تشمل الأسرة والمجتمع والمؤسسات كافة.
وتوضح أن مؤشرات الخطر كانت حاضرة قبل وقوع الجريمة، حيث كان الطفل يبيت في المسجد لعدة أيام ويتلقى الطعام من الأهالي، دون أن يتم الإبلاغ عن حالته للجهات المختصة، معتبرة أن هذا السلوك يعكس غياب الوعي والحس بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية.
وتبيّن فضل الله أن إدارة حماية الأسرة والأحداث تمثل خط الدفاع الأول عن الفئات الأكثر عرضة للخطر، وعلى رأسها الأطفال والنساء، وتعمل وفق آليات مهنية تشمل استقبال الشكاوى بسرية تامة، وتوفير الحماية الفورية، وتأمين الإيواء عند الحاجة، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، ومتابعة الإجراءات القانونية بالتعاون مع الجهات الشريكة، وعلى رأسها وزارة التنمية الاجتماعية.
وتشير فضل الله إلى أن والدة الطفل كانت قد تقدمت بشكوى إيذاء ضد الزوج عام 2024، وتم تحويل الملف كاملاً إلى النيابة العامة، مؤكدة أن دور الشرطة ينتهي عند هذه المرحلة، لتبدأ الإجراءات القضائية.
وتلفت فضل الله إلى أن غياب مؤشرات الخطر الواضحة لدى الجهات المختصة، وعدم الإبلاغ المستمر من قبل المحيط الاجتماعي، ساهما في عدم اتخاذ إجراءات وقائية أكثر صرامة.
وتشدد فضل الله على أهمية التبليغ المبكر، داعية المواطنين إلى استخدام خط المساعدة 106، الذي يعمل على مدار الساعة ويضمن السرية الكاملة، إلى جانب رقم الشرطة 100، ومنصات التواصل الرقمي لإدارة حماية الأسرة والأحداث، مؤكدة أن التدخل المبكر يمكن أن ينقذ حياة الأطفال ويوفر لهم الحماية اللازمة.
وتكشف فضل الله عن تسجيل 7617 قضية عنف أسري خلال عام 2025، منها 4276 قضية تخص الأسر، و3341 قضية تتعلق بالأحداث، إضافة إلى تلقي أكثر من 2232 بلاغاً عبر خط 106، علاوة على وجود مؤشر لارتفاع العنف الأسري منذ مطلع العام الحالي، مشيرة إلى أن هذه الأرقام تعكس ارتفاعاً ملحوظاً في حالات العنف، بنسبة تزيد عن 20% داخل الأسرة مقارنة بالعام 2024، وهو ما يعزى جزئياً إلى زيادة الوعي المجتمعي وثقة المواطنين بآليات التبليغ.
وترجع فضل الله أسباب تصاعد العنف إلى عوامل متعددة، أبرزها الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والضغوط النفسية الناتجة عن فقدان مصادر الدخل، إلى جانب تأثيرات الواقع السياسي، والتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي الذي خلق تحديات جديدة لدى الأسرة، مؤكدة أن هذه العوامل تنعكس سلباً على استقرار الأسرة وعلاقاتها الداخلية.
وتؤكد فضل الله أن حادثة مقتل الطفل نعيم، رغم كونها "شاذة عن طبيعة المجتمع الفلسطيني"، لكنها تشكل مؤشراً خطيراً يستدعي إعادة تقييم آليات الحماية، وبناء نظام أكثر فاعلية لرصد مؤشرات الخطر والتعامل معها قبل تفاقمها.
ناقوس خطر حقيقي
يؤكد المدير العام السابق للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فلسطين خالد قزمار أن الجريمة التي أودت بحياة الطفل تمثل "ناقوس خطر" حقيقي لما يعيشه المجتمع الفلسطيني من خلل عميق في منظومة حماية الطفولة، مؤكداً أن القضية لا يجوز التعامل معها كحادثة عابرة، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تعكس واقعاً اجتماعياً يتعامل مع الطفل باعتباره ملكية خاصة للأسرة، إلى جانب حالة من اللامبالاة المجتمعية تجاه حالات العنف والإهمال، ما يضاعف من حجم المسؤولية الأخلاقية والقانونية على مختلف الأطراف.
ويوضح قزمار أن المسؤولية الأساسية تقع على المستوى الرسمي، إلى جانب المجتمع المدني بمفهومه الواسع الذي يشمل المجتمع المحلي، مشيراً إلى أن مؤشرات الإهمال كانت واضحة، إذ كان الطفل يتردد بشكل متكرر على المسجد ويعيش في ظروف صعبة ويعتمد على الصدقات، دون أن يتم التحقق من حالته أو متابعة أوضاعه.
ويتساءل قزمار عن غياب المتابعة المجتمعية والرسمية، قائلاً: "إن مواقع مثل المسجد والمحيط الجغرافي كان يجب أن تشكل نقاط إنذار مبكر، إلى جانب مسؤولية المدرسة التي كان يفترض أن يكون الطفل ضمن إطارها التعليمي، فأين المدرسة من هذا الطفل؟ وأين دورها في الحماية؟"، مشيراً إلى أن الجهات الرسمية، بما فيها وزارة التنمية الاجتماعية عبر مرشدي الحماية، والشرطة، وشبكات الحماية، إضافة إلى الحكم المحلي، تتحمل مسؤولية مباشرة، لافتاً إلى أن القضية ليست جديدة بل سبق الحديث عنها دون اتخاذ إجراءات جدية.
ويعتبر قزمار أن الطفل ضحية تداخل ثلاث دوائر من الإهمال: الأسري، والمجتمعي، والرسمي، داعياً إلى تحويل هذه الجريمة إلى نقطة مراجعة شاملة لنظام الحماية.
ويشدد قزمار على ضرورة تفعيل دور النيابة العامة في تطبيق قانون حماية الأحداث وقانون الطفل الفلسطيني، خاصة فيما يتعلق بإلزامية التبليغ عن أي حالة انتهاك، مؤكداً أن الامتناع عن الإبلاغ يشكل مخالفة قانونية صريحة، داعياً إلى محاسبة كل من كان على علم بحالة الطفل ولم يتدخل، سواء في المجتمع المحلي أو المؤسسات الرسمية، معتبراً أن تفعيل المساءلة هو الطريق الوحيد لمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً.
خلل بنيوي بثقافة المجتمع بالتعامل مع هذه الحوادث
تؤكد استشارية الطب النفسي، د. سماح جبر أن جريمة مقتل الطفل لا يمكن التعامل معها كحادثة فردية معزولة، مشددة على أنها تعكس خللاً بنيوياً واسعاً في ثقافة المجتمع بالتعامل مع هذه الحوادث قبل وقوعها، وكذلك منظومة حماية الطفل، إضافة إلى ضعف فعالية الأنظمة الوقائية قبل وقوع العنف.
وبحسب جبر، فإن الميل الأول بعد وقوع مثل هذه الجرائم هو إلقاء المسؤولية على الفرد فقط، وأحياناً اختزالها في تفسير مرض نفسي، وهو ما يؤدي إلى طمس الأسباب العميقة المرتبطة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والمؤسساتي، وغياب أنظمة حماية فعالة ورقابة مبكرة، مشيرة إلى أن ما يغيب بشكل متكرر هو ضعف منظومة حماية الأسرة، وغياب التبليغ المبكر عن حالات العنف ضد الأطفال، متسائلة عن أسباب صمت المجتمع في حالات يكون فيها العنف واضحاً ومستمراً، مثل تعنيف الأب لأطفاله أمام الجيران والأقارب دون تدخل.
وتعتبر جبر أن المجتمع يعاني من "تطبيع خطير مع العنف الأسري"، يقوم على فكرة أن الأطفال "ملكية خاصة" للأهل، وهو ما يمنع التدخل ويُضعف منظومة الحماية، مشيرة إلى أن هذا الصمت المجتمعي يسمح بتفاقم العنف تدريجياً وصولاً إلى جرائم قاتلة، موضحة أن ردود الفعل غالباً لا تأتي إلا بعد وقوع الكارثة، في حين يتم التغاضي عن الإشارات المبكرة.
وتؤكد جبر أن مسؤولية الحماية تقع على مستويات متعددة، تشمل الجهات الرسمية والمجتمع والأفراد، داعية إلى تفعيل أنظمة الحماية بشكل فوري للأطفال المعرضين للخطر، وخاصة الذين لديهم سوابق تعنيف أو يعيشون في بيئات مضطربة نفسياً أو مرتبطة بالإدمان أو العنف.
وتشدد جبر على أهمية دور المعلمين والأطباء والممرضين والمرشدين الاجتماعيين في رصد علامات الإساءة والإبلاغ عنها، مؤكدة أن عدم التبليغ يشكل خللاً مهنياً وقانونياً، في إشارة إلى قانون حماية الطفل الذي يفرض الإبلاغ عن أي حالة خطر، داعية إلى عدم الاكتفاء بالمحاسبة بعد وقوع الجريمة، بل تطوير منظومة وقائية تشمل دعم الأسر التي تعاني من العنف، وتقديم برامج علاج وتأهيل للأهل المعنفين، معتبرة أن كثيراً من حالات العنف ترتبط بضعف المهارات لدى الوالدين وليس بالضرورة بوجود مرض نفسي، في حين شددت على ضرورة تقديم دعم نفسي شامل لكل من له علاقة بالطفل الضحية، بحيث يمتد إلى الأم، والإخوة، وزملاء المدرسة، والجيران، باعتبار أن الحوادث الصادمة تترك أثراً مجتمعياً واسعاً.
وتدعو جبر إلى ضرورة دمج خدمات الصحة النفسية ضمن الرعاية الأولية، وتطوير خطوط دعم سرية وفعالة للأسر، إضافة إلى حملات توعية حول التربية غير العنيفة، وآليات طلب المساعدة، بما يساهم في الوقاية المبكرة من العنف، محذرة من ضعف المنظومة الحالية التي غالباً ما تتفاعل بعد وقوع الحوادث بدلاً من منعها، مؤكدة أن هذا القصور يترك شقوقاً في نظام الحماية يقع فيها الأطفال دون تدخل مبكر.
وتشدد جبر على أن هذه الحوادث، رغم فظاعتها، يجب أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء منظومة حماية أكثر فعالية، تقوم على الكشف المبكر، والتبليغ الإلزامي، والدعم النفسي، وتغيير الثقافة المجتمعية التي تتسامح مع العنف داخل الأسرة، مؤكدة أن الوقاية هي الخطوة الأساسية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً.
جريمة تناقض المبدأ الفطري العام
يقول نائب المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية ومفتي محافظة رام الله والبيرة الشيخ إبراهيم عوض الله: "مع رفض هذه الجريمة مهما كانت أسبابها وظروفها، فإن معرفة الأسباب التي دفعت لها أمر في غاية الأهمية لأخذ العبرة، والعمل على الوقاية من تكرارها، ومثل هذه الجريمة إما أن تصدر عن فاقد عقل أو دين، وفاقد العقل رُفع عنه القلم، لكن ينبغي لمن حوله الحذر منه ومن عدوانه، والعمل على تجنب شره، بالتعاون بين عناصر الأسرة أنفسهم، وبينهم وبين المحيطين بهم، والجهات ذات العلاقة في المجتمع".
أما الذي يقترف مثل هذه الجريمة بسبب ضغط الظروف، أو الانتقام من بعض أفراد الأسرة، أو في ظروف حماقة وعصبية، أو عقاب الضحية بظلم، فيؤكد عوض الله أن كل ذلك وما شابهه ينبع من انحراف وغياب الخوف من حساب الله وعقابه، والتغافل عن النهايات والمآلات في الدنيا والآخرة، متسائلاً: "كيف يمكن لمن يقدم على قتل فلذة كبده ذكراً كان أو أنثى أن يعيش ما بقي من عمره في ظل الحسرة التي ستلاحقه وخزاتها وآلامها على ما اقترفت يداه؟!".
ويقول عوض الله: "لم يكن ذكر الفقر أو الخشية منه مصادفة خلال الشجب القرآني لقتل الأبناء، فالحياة تعتريها بطالة ومشكلات وصعاب، ويعتريها حرمان، وذلك وغيره ينبغي أن لا يكون مبرراً أو دافعاً للجرائم، ويحرم الركون لقسوة الحياة للانحراف في السلوك، فالدنيا في النهاية لن تدوم لحد، ولن تكون بدون جراح وآلام، فعلينا بالصبر والروية والتركيز على العواقب، التي تكون وخيمة ومؤلمة لمَّا تُسبق بالجريمة".
ويؤكد عوض الله أن "الابن أمانة في رقاب والديه، يحرم أن يعامل بإهمال، فكيف بجريمة قتله والتخلص من وجوده؟! وكيف كذلك إذا تمت جريمة قتله بصورة بشعة تقشعر لهولها الأبدان، وتعتصر للحزن منها القلوب؟!".
ويقول عوض الله: "حتى نكون من المتعظين والمعتبرين، ينبغي أن لا نقتصر على شجب هذه الجريمة النكراء، بل علينا أخذ الدروس منها، واستنتاج ما يلزم بالخصوص من خلاصات دقيقة، ووضع خطة معالجة بهدف العمل الجاد لتجنب وقوع جرائم من هذا القبيل في مجتمعنا، وهذا الشأن مطلوب من الجهات المسؤولة عن أمن المجتمع وسلامته وتوفير الحياة الكريمة لعناصره، ويطلب من الإعلام وأهل الوعظ والإرشاد والتربية والتعليم بمناهجها وكوادرها تناول القضايا المتعلقة بمثل هذه الحوادث بحكمة ومعالجات بناءة، والتركيز على الوازعين المنطقي والديني للوقاية منها، ويطلب من رعاة الأسر وعناصرها التنبه للظروف التي تتنامى فيها دوافع الجريمة، لقلعها من جذورها والحذر من تداعياتها، وعدم إهمالها، قبل أن تقع الفأس بالرأس، سائلين الله العلي القدير أن يجنبنا وشعبنا المآسي صغيرها وكبيرها، وأن يلهم أهل هذه الضحية الصبر والسلوان".
العبء الأكبر يتحمله المحيط العائلي
يؤكد عضو لجنة الإصلاح في القرى الغربية لمحافظة رام الله والبيرة، الشيخ عبد الله عمران سليمان، أن الجريمة المروّعة التي هزّت الشارع الفلسطيني، والمتمثلة بمقتل الطفل نعيم أحمد الشامي (11 عاماً) من بلدة بيت عور التحتا غرب رام الله على يد والده، يتحمّل مسؤوليتها الجميع.
ويوضح سليمان أنه على الرغم من أن المسؤولية "تقع على الجميع، كلٌّ في موقعه"، لكن العبء الأكبر يتحمله المحيط العائلي القريب من الجاني، نظراً لمعرفتهم المسبقة بسلوكياته العنيفة والخطرة، علماً بأن عائلة الشامي عائلة محترمة جداً ولا يمثلها ما جرى وترفضه.
ويشير سليمان إلى أن الطفل كان يتعرض لأشكال متعددة من التعنيف، بما في ذلك الضرب والتعذيب، ما كان يدفعه إلى الهروب من المنزل لأيام، واللجوء إلى مسجد الدعوة في البلدة طلباً للمأوى والطعام.
ويشير سليمان إلى أن التساؤلات الجوهرية التي تطرح نفسها تتمثل في غياب تدخل العائلة والمجتمع في الوقت المناسب، إلى جانب محدودية قدرة الجهات الرسمية على الاحتواء طويل الأمد، رغم قيامها ببعض الإجراءات.
ويلفت سليمان إلى أن الجاني سبق أن أقدم على سلوكيات خطرة، من بينها إشعال النار في منزله أثناء وجود أطفاله داخله، في حادثة استدعت تدخل الأهالي لإنقاذهم، وفي حالات عديدة تم اعتقال الجاني سابقاً عدة مرات لأيام ويتم الإفراج عنه بتعهدات عدم العودة لهذه الأفعال لكن دون جدوى.
وبحسب ما أورده سليمان استناداً إلى ما هو متداول في التحقيقات وشهادات محلية، فإن الجريمة وقعت في منطقة نائية تُعرف بـ"القرعة" بين قريتي صفا ودير إبزيع غرب رام الله، حيث أقدم الأب على اصطحاب نجله إلى هناك بعد أن التُقطت له صور عبر كاميرات المراقبة وهو يحمل أدوات يُشتبه باستخدامها في الجريمة، بينها فأس وحبل ووعاء يعتقد أنه وقود، وقيد الطفل واعتدى عليه بالفأس، ثم أضرم النار بجثمانه، واتصل بنجله الأكبر وأبلغه بأنه قتل شقيقه وفر من المكان، لكن الأجهزة الأمنية تمكنت من القبض عليه.
ويعتبر سليمان أن المجتمعات الريفية، بحكم ترابطها، تتحمل دوراً أساسياً في المراقبة والتدخل، منتقداً التردد في التدخل تحت ذريعة "الخصوصية"، ومؤكداً أن الحالات التي تنطوي على خطر حقيقي لا يمكن اعتبارها شأناً خاصاً، وهو ما يتطلب ضرورة تبرؤ العائلات من جرائم أبنائها ومحاصرتهم اجتماعياً.
ويقول سليمان: "حين تصل الأمور إلى تهديد حياة الأطفال، يصبح التدخل واجباً أخلاقياً ومجتمعياً"، مشيراً إلى أن الجاني كان يمر بظروف بينها إصابته بمرض السرطان، وخلافات أسرية انتهت بالانفصال عن زوجته، إضافة إلى شبهات حول تعاطي مواد مخدرة أو مهلوسة بعد مشاكله الصحية والأسرية، وفق ما هو متداول، وهو ما زاد من خطورة حالته.
ويلفت سليمان إلى أن الزوجة كانت تشعر بخوف حقيقي منه، ما جعلها غير قادرة على تأمين بيئة آمنة لأطفالها، حتى في حال الابتعاد عنه، ما اضطرها للتخلي عن أطفالها بعد الطلاق.
وفي معرض حديثه عن سبل الوقاية من مثل هذه الجرائم، يرى سليمان ضرورة إدخال فحوصات نفسية وسلوكية وكذلك خلوه من التعاطي من المخدرات ضمن إجراءات الزواج، على غرار الفحوصات الطبية المعمول بها حالياً، معتبراً أن التأكد من خلوّ المقبلين على الزواج من الإدمان أو الاضطرابات الخطرة بات أمراً ضرورياً لحماية الأسر مستقبلاً.
ويشدد سليمان على أهمية عدم تزويج الفتيات لأشخاص تظهر عليهم مؤشرات عدم الاستقرار النفسي أو السلوكي، أو تعاطي المخدرات.
ويدعو سليمان الأهالي إلى تشديد الرقابة على أبنائهم، ومعرفة دوائرهم الاجتماعية وتحركاتهم اليومية، خاصة المخدرات كون الشعب الفلسطيني يعيش ظروفاً استثنائية تحت الاحتلال.
ويشدد سليمان على ضرورة توفير بدائل آمنة للأطفال في حالات النزاع الأسري الحاد، سواء عبر تدخل العائلة الممتدة أو المؤسسات المختصة، لضمان حمايتهم من أي تهديد محتمل.
ويدعو سليمان إلى تفعيل دور المحاكم الشرعية والأجهزة الأمنية في اتخاذ إجراءات استباقية أكثر فاعلية، وكذلك أهمية دور رجال الدين بالوعظ وتوعيه الناس في المساجد لخطورة ما يجري ولتحصين الأسر بشكل أكبر.
ويؤكد سليمان أن العائلات مطالبة بإعلان موقف واضح برفض مثل هذه الجرائم والتبرؤ منها، حفاظاً على السلم الأهلي ومنع تكرارها، مشيراً إلى أن "الصدمة المجتمعية يجب أن تتحول إلى دافع للإصلاح، لا مجرد رد فعل عابر".
ويشدد سليمان على أن معالجة هذه الظواهر تتطلب تكاملاً بين الأطر القانونية والمجتمعية، إلى جانب تعزيز الوعي والرقابة، معتبراً أن الدرس الأهم يكمن في ضرورة التدخل المبكر قبل وقوع الكارثة، "حتى لا نجد أنفسنا أمام ندم لا ينفع".
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس
حيدر عبييف: "الحفاظ على الاستقلال هو أصعب من الحصول عليه"
كلمة
إلهام نظرلي
رئيس مكتب تمثيل جمهورية أذربيجان لدى دولة فلسطين
حظيت أذربيجان بفرصة إنشاء دولتها المستقلة ذات السيادة مرتين خلال القرن الماضي. ويفتخر الشعب الأذربيجاني بتأسيس جمهورية أذربيجان الديمقراطية في 28 مايو/أيار 1918، وهي أول دولة ديمقراطية وقانونية وعلمانية في الشرق الإسلامي. ومع ذلك، وبسبب التدخل الخارجي والصراعات الداخلية ونقص الدعم الدولي، لم توجد جمهورية أذربيجان الديمقراطية سوى 23 شهرًا. ولو تم الحفاظ على الاستقلال الذي تحقق عام 1918، لكانت أذربيجان بفضل مواردها الطبيعية الغنية وموقعها الجغرافي المتميز، قد أصبحت من الدول المتقدمة في العالم خلال تلك الفترة. تجدر الإشارة إلى أن أول بئر نفط صناعي في العالم حُفر في باكو عام 1846، وقد أرسى حفر هذا البئر أساساً لصناعة النفط العالمية. ومنذ ذلك الحين أصبح نفط باكو يشكل جزءاً كبيراً من إنتاج النفط العالمي حتى منتصف القرن العشرين. وكذلك، مرّت إحدى أهمّ اتجاهات "طريق الحرير العظيم" التاريخي بين الشرق والغرب، عبر أراضي أذربيجان. انطلاقاً من الصين، مروراً بالهند وآسيا الوسطى، واستمراراً عبر أراضي أذربيجان، نقل هذا الطريق البضائع التجارية، بما في ذلك الحرير الصيني والثقافة والعلوم والقيم الدينية إلى الغرب. وكانت المدن الأذربيجانية القديمة مثل غنجا وشاماخي وباكو وناختشيفان وبردعه من أهم نقاط على هذا الطريق.
وعلى الرغم من عمرها القصير، أثبتت جمهورية أذربيجان الديمقراطية مرة أخرى أن شعبنا هو من الشعوب المحبة للحرية والتقدمية في العالم، وحققت عديداً من الأشغال المهمة لأيامنا هذه. 28 مايو 1918 هو تاريخ مهم باعتباره اليوم الذي تأسست فيه الحكومة ومؤسسات الدولة والقوات المسلحة لأذربيجان، وتم تنظيم البرلمان الأذربيجاني المنتخب ديمقراطياً، وتم اعتماد العلم الوطني لأذربيجان وغيره من السمات الرسمية للدولة.
حصل الشعب الأذربيجاني على فرصة ثانية لإنشاء دولته المستقلة ذات سيادة في عام 1991. وذلك قبل حوالي 35 عامًا في 18 أكتوبر 1991، اعتمد المجلس الأعلى لأذربيجان القانون الدستوري بشأن استقلال الدولة. وبهذه الوثيقة أعلنت أذربيجان استعادة استقلالها. ويُحتفل حاليًا بيوم 28 مايو/أيار من كل عام بعيد الاستقلال في جمهورية أذربيجان، ويوم 18 أكتوبر/تشرين الأول بعيد استعادة الاستقلال.
ومع ذلك، في السنوات الأولى بعد استعادة استقلال الدولة، مرّت أذربيجان بمرحلة تاريخية بالغة الصعوبة. إن الشعب الأذربيجاني الذي واجه في تلك السنوات خطر فقدان استقلال الدولة مجددًا، أظهر عزمًا وإرادة قوية وتولى مسؤولية مصيره. إن عودة الزعيم الوطني حيدر علييف إلى السلطة السياسية في عام 1993 بإرادة الشعب، أنقذت استقلال أذربيجان من الخطر. وإن الزعيم الوطني، الشخصية الفذة والحكيمة، والسياسي العالمي الشهير حيدر علييف كان يقول: "الحفاظ على الاستقلال أصعب من الحصول عليه".
إن فترة نشاط القائد الوطني للشعب الأذربيجاني حيدر علييف، التي تغطي الأعوام 1993-2003، هي السجلات الذهبية لتاريخ أذربيجان. خلال هذه السنوات، أنقذ القائد العظيم أذربيجان من التفكك والانقلابات والتعسف، ومنح شعبنا حياة جديدة ومزدهرة وأذربيجان المستقلة والقوية.
جهود حيدر علييف في اتجاه الحفاظ على استقلال الدولة الأذربيجاني وتعزيزه، يواصلها خليفه المستحق الرئيس إلهام علييف. إن الإنجازات التاريخية لجمهورية أذربيجان بقيادة فخامة الرئيس إلهام علييف في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية، بما في ذلك في العالم الدولي، تثبت مرة أخرى أن سياسة حيدر علييف متجذرة في اختبارات الزمن، وهي مبني على الذكاء والعقل العميق، ويهدف إلى تقدم وسعادة الشعب والوطن.
خلال فترة قيادة الرئيس إلهام علييف، حققت أذربيجان نجاحات باهرة في مختلف المجالات، بما في ذلك بناء الجيش والتنمية الاقتصادية والمجالات الإنسانية. واليوم تمتلك أذربيجان جيشاً قوياً من حيث المعدات والتجهيزات التقنية والقدرات القتالية. كما تشهد أذربيجان نموًا اقتصاديًا غير مسبوق على الصعيد العالمي، وتُعدّ من أبرز المساهمين في المشاريع الاقتصادية الدولية. ولأول مرة في التاريخ، تم ربط بحر قزوين بالبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط عبر خطوط أنابيب النفط. تم بناء خطوط أنابيب النفط والغاز باكو- تبليسي- جيهان، باكو- تبليسي- أرضروم، باكو- سوبسا بمبادرة من أذربيجان. واليوم أصبحت أذربيجان دولة مهمة ليس فقط في المنطقة، بل على المستوى العالمي من حيث أمن الطاقة. أصبحت أذربيجان واحدة من مراكز النقل الهامة في العالم.
تحت قيادة فخامة الرئيس والقائد الأعلى إلهام علييف، حقق الجيش الأذربيجاني نصرًا تاريخيًا في الحرب الوطنية التي استمرت 44 يومًا في عام 2020 وفي عملية مكافحة الإرهاب المحلية التي استمرت 24 ساعة في سبتمبر 2023. وانتهى احتلال الأراضي الأذربيجانية الذي استمر قرابة 30 عاما، وطرد العدو من أراضينا، وتمت استعادة سيادة جمهورية أذربيجان ووحدة أراضيها بالكامل.
وفي أراضينا المحتلة، تم تدمير جميع المدن والقرى، ودمر 65 مسجدا من أصل 67 مسجدا بالكامل، وارتكبت أعمال تخريب، وأصبح أكثر من مليون من مواطنينا لاجئين ومشردين.
وفي الوقت الحاضر، تجري أعمال إعادة إعمار واسعة النطاق في أراضينا المحررة من الاحتلال. يتم تنفيذ برنامج العودة الكبرى لعودة اللاجئين والمشردين إلى ديارهم الأم بنجاح كبير. إن الأعمال التي تم إنجازها في تلك المناطق في فترة قصيرة من الزمن، تظهر قدرة الدولة الأذربيجانية وقوتها والفرص الاقتصادية التي تتمتع بها.
تسعى أذربيجان إلى تحقيق سلام مستدام في جنوب القوقاز، وتم اتخاذ خطوات هامة نحو تطبيع العلاقات بين أرمنيا وأذربيجان. في 8 أغسطس 2025 في القمة المشتركة التي عقدت بين زعماء أذربيجان والولايات المتحدة الأمريكية وأرمينيا في الولايات المتحدة، تم التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي بين جمهورية أذربيجان وجمهورية أرمينيا، وتم توقيع إعلان مشترك من قبل الزعماء. وفي تلك القمة تم التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية السلام بين أذربيجان وأرمينيا، وكذلك تم توقيع دعوة مشتركة لحل مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا والهياكل ذات الصلة. ويتضمن الإعلان المشترك أيضًا مادة بشأن إنشاء ممر خالٍ من العوائق ذي أهمية دولية (ممر زانجيزور) يربط الجزء الرئيسي لأذربيجان بمنطقتها نخجوان في جنوب القوقاز. لقد تعهد الجانب الأرميني في دستوره بإلغاء مطالباته الإقليمية ضد أذربيجان. ويُعد كل هذا انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا لجمهورية أذربيجان بعد استعادة سيادتها الكاملة وسلامة أراضيها نتيجة الحرب الوطنية التي استمرت 44 يومًا وعملية مكافحة الإرهاب التي استمرت حوالي 24 ساعة، ويساهم في ضمان السلام المستدام في جنوب القوقاز والتنمية الاقتصادية والازدهار في المنطقة.
تربط جمهورية أذربيجان ودولة فلسطين علاقات تاريخية ودية وأخوية. وتدعم جمهورية أذربيجان حل القضية الفلسطينية على أساس مبدأ الدولتين، وفقًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا موقف بلادنا واضح لا لبس فيه ولا تغيير. وتظهر جمهورية أذربيجان دائمًا موقفًا داعمًا للموقف العادل الفلسطيني في جميع المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، ومنظمة التعاون الإسلامي.
إن اللقاءات بين الزعيم الوطني للشعب الأذربيجاني حيدر علييف والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في 14 ديسمبر 1994 في الدار البيضاء (القمة السابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي)، وفي 22 أكتوبر 1995 في نيويورك (حدث مخصص للذكرى الخمسين للأمم المتحدة)، وفي 8 ديسمبر 1997 في طهران (القمة الثامنة لمنظمة المؤتمر الإسلامي) وضعت الأساس للعلاقات بين البلدين. وتستمر العلاقات الودية والتعاونية بين أذربيجان وفلسطين بنجاح من قبل فخامة رئيس جمهورية أذربيجان السيد إلهام علييف وفخامة رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس. ولقد أعطت الزيارة الرسمية التي قام بها فخامة الرئيس محمود عباس إلى جمهورية أذربيجان يومي 28 و29 يونيو 2011 ولقاءه مع فخامة الرئيس إلهام علييف في إطار تلك الزيارة دفعة كبيرة لمواصلة تطوير التعاون بين بلدينا.
ويُعد افتتاح سفارة دولة فلسطين في أذربيجان (منذ يونيو 2011) ومكتب تمثيل جمهورية أذربيجان في فلسطين (منذ سبتمبر 2023) رمزًا للصداقة والتعاون بين شعبينا وحكومتينا.
استضافت جمهورية أذربيجان فعاليات دولية متعلقة بفلسطين، أقيمت في العاصمة باكو "مؤتمر المانحين لتمويل الخطة الاستراتيجية لتنمية مدينة القدس الشريف" و"إنشاء شبكة أمان مالية إسلامية لدعم دولة فلسطين" في عام 2013، و"المؤتمر الدولي حول القدس" عام 2017، والاجتماع السنوي للسفراء المعتمدين لدولة فلسطين في آسيا عام 2018.
أذربيجان إلى جانب وقف العمليات العسكرية التي تعرض حياة المدنيين في قطاع غزة للخطر، وتدعم الخطة التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع في غزة. وقمة شرم الشيخ للسلام التي عقدت في مصر في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025 برئاسة مشتركة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي تم في إطارها توقيع اتفاق السلام لإنهاء الحرب في قطاع غزة، هي حدث تاريخي هام. وشارك فخامة رئيس جمهورية أذربيجان السيد إلهام علييف في تلك القمة التي حضرها زعماء أكثر من 20 دولة، وقام فخامته بلقاء ودي فيها مع فخامة رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس.
تُثير الأزمة الإنسانية المستمرة في قطاع غزة قلقًا بالغًا لدى أذربيجان. وقد قدّمت جمهورية أذربيجان مساهمة مالية قدرها مليوني دولار أمريكي عام 2023 للسكان الذين يعانون في قطاع غزة. في يناير/كانون الثاني 2025 قدمت أذربيجان مساعدة غذائية لسكان غزة المتضررين من النزاع، وذلك بتنظيم مشترك من الأونروا، والهيئة الخيرية الهاشمية الأردنية، والمنظمة الإسلامية للأمن الغذائي. وستواصل جمهورية أذربيجان دعمها لتحسين الوضع الإنساني للشعب الفلسطيني الشقيق الذي يعاني من النزاع.
وتواصل جمهورية أذربيجان دعمها لدولة فلسطين الصديقة في مجال التعليم. في إطار برنامج "منحة حيدر علييف الدولية"، يتم تخصيص المنح الدراسية سنوياً لطلاب من دولة فلسطين للدراسة في مؤسسات التعليم العالي في بلدنا. تسعة من الطلبة الحاصلين على المنح الدراسية للعام الدراسي 2024-2025 كانوا من قطاع غزة ولم يتمكنوا من السفر إلى جمهورية أذربيجان بسبب الصعوبات التي سببتها الحرب. أُتيحت لهؤلاء الطلاب فرصة الاستفادة من برنامج المنح الدراسية للعام الدراسي 2025-2026 في حال تمكنهم من زيارة بلدنا. وكذلك 6 من كل 10 طلاب حصلوا على منح دراسية للعام الدراسي 2025-2026، كانوا من قطاع غزة. في 17 سبتمبر/أيلول 2025 تم إجلاء 14 طالبًا فلسطينيًا من قطاع غزة إلى جمهورية أذربيجان. وقد التزمت جمهورية أذربيجان ببناء مدرسة في فلسطين.
وجاء في رسالة من الرسائل التي وجهها فخامة رئيس جمهورية أذربيجان السيد إلهام علييف إلى فخامة رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس العام الماضي ما يلي:
" تربط شعبي أذربيجان وفلسطين روابط صداقة وأخوّة. والمستوى الرفيع لعلاقاتنا السياسية، والاحترام والدعم المتبادلان بيننا من أهم سمات العلاقات بين الدولتين. نأمل أن يُحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قريبًا، وأن يسود السلام والأمن في المنطقة. خلال رئاسة أذربيجان لحركة عدم الانحياز، كانت قضية إقامة دولة فلسطينية مستقلة محل اهتمام دائم، حيث أبدت تضامنها الدائم مع القضية الفلسطينية. تدعم أذربيجان حلها القائم على مبدأ الدولتين، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. وسنواصل تقديم المساعدات الإنسانية لفلسطين. وأثق بأننا سنواصل جهودنا المشتركة في تعزيز العلاقات بين أذربيجان وفلسطين، وتعميق تعاوننا على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف، وفقا لمصالح شعبينا".
أقلام وأراء
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس
بين نبض الانتخابات واحتضار السياسة
في لحظة تبدو فيها الحياة السياسية الفلسطينية وكأنها تترنح بين الجمود والتآكل، تبرز بعض الاستحقاقات الانتخابية كنبض خافت يحاول إعادة الدم إلى الشرايين. ليست انتخابات البلديات ولا انتخابات حركة فتح مجرد إجراءات تنظيمية روتينية، بل يمكن قراءتها كإشارات، ولو محدودة، على إمكانية إنعاش واقع سياسي يقترب من مرحلة الاحتضار.
على مستوى البلديات، تمثل الانتخابات مساحة نادرة يلتقي فيها المواطن مع السياسة بعيدًا عن الشعارات الكبرى والانقسامات الحادة. هنا، تصبح قضايا الماء والطرق والنفايات مدخلًا لإعادة بناء الثقة، ولو جزئيًا، بين الناس والمؤسسات. وحين يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع ليختار مجلسًا محليًا، فهو لا يمارس حقًا إداريًا فقط، بل يختبر أيضًا إمكانية التغيير من داخل النظام، بدل الارتهان الكامل لحالة العجز العامة.
لكن هذه المساحة، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تُستكمل بإصلاحات أعمق. فالبلديات، مهما نجحت، لا تستطيع وحدها تعويض غياب الأفق السياسي العام أو حل أزمة التمثيل الوطني. ومع ذلك، فإن مجرد انتظام العملية الانتخابية، ووجود تنافس، وإن كان جزئيًا أو محكومًا بقيود، يُعد كسرًا لحالة الركود الطويلة.
أما على صعيد حركة فتح، فإن أي انتخابات داخلية تحمل دلالات تتجاوز الإطار التنظيمي. الحركة التي شكّلت تاريخيًا العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني، تجد نفسها اليوم أمام تحدي إعادة تعريف دورها واستعادة حيويتها. الانتخابات الداخلية ليست فقط آلية لاختيار قيادات جديدة، بل هي اختبار لقدرة الحركة على تجديد نفسها، واستيعاب التحولات، وإعادة ضخ شرعية داخلية افتقدتها مع مرور الزمن.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل هذه الانتخابات تعكس إرادة حقيقية للإصلاح، أم أنها مجرد إعادة ترتيب داخل نفس البنية؟ فالتجديد لا يقاس فقط بتغيير الأسماء، بل بمدى القدرة على إنتاج رؤية سياسية مختلفة، والانفتاح على مشاركة أوسع، والتعامل بجدية مع أزمات الثقة المتراكمة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ألا تتحول الفصائل الفلسطينية إلى عائق أمام الوعي الجماهيري، أو حاجزٍ يحدّ من قدرته على التفاعل مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والتنظيمية والإدارية. فالجمهور لم يعد مجرد متلقٍ سلبي، بل بات شريكًا في إدراك التعقيدات اليومية وصناعة الموقف. وعليه، فإن المطلوب من هذه الفصائل ليس مصادرة هذا الوعي أو احتواؤه قسرًا، بل احتضانه والتماهي مع تطلعاته، بما يضمن إعادة بناء الثقة بين القاعدة الشعبية والبنى التنظيمية، بدل توسيع الفجوة بينهما.
ما بين البلديات وفتح، تتشكل لوحة معقدة: هناك حراك، لكنه حذر؛ وهناك انتخابات، لكنها محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن أي فعل انتخابي، في سياق يعاني من الانقطاع، يمثل بحد ذاته فعل مقاومة للجمود.
ربما لا تكفي هذه الاستحقاقات لإنقاذ واقع سياسي يحتضر، لكنها تذكّر بأن الحياة لم تغادره بالكامل بعد. في التفاصيل الصغيرة، وفي صناديق الاقتراع المحلية والتنظيمية، قد تبدأ ملامح استعادة تدريجية لسياسة فقدت بوصلة التمثيل، لكنها لم تفقد بعد إمكانية استعادتها.
غير أن هذا النبض الخافت، مهما بدا واعدًا، لن يكون كافيًا لإعادة الحياة إلى النظام السياسي الفلسطيني ما لم يُستكمل باستحقاقاته الكبرى: انتخابات رئاسية وتشريعية حرة، تُعيد تعريف الشرعية وتفتح الباب أمام تداول حقيقي للسلطة. فالمشكلة لم تعد فقط في غياب الآليات، بل في ضيق الأفق السياسي الذي حوّل العملية الديمقراطية إلى استثناء بدل أن تكون قاعدة.
إن أي محاولة لإنعاش الواقع السياسي دون تجديد شامل ستبقى أشبه بترميم سطحٍ متصدع، بينما الأساسات نفسها تحتاج إلى إعادة بناء. من هنا، تبرز ضرورة تشجيع نشوء أحزاب سياسية جديدة، متحررة من إرث ثقيل كبّل الخيال السياسي لعقود، وأعاق قدرة النظام على التكيف مع التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، سواء داخليًا أو في علاقته مع محيطه.
فالمرونة يجب أن تكون عنوان المرحلة، لا كشعار، بل كممارسة فعلية تُترجم في البرامج والسياسات وآليات العمل. ولم يعد مقبولًا أن تكتفي الحركات التقليدية بتغيير مسمياتها أو إعادة تدوير خطابها، بينما تظل أهدافها وأساليبها حبيسة الماضي. التغيير الحقيقي يقتضي مراجعة جذرية: في الرؤية، وفي أدوات الفعل السياسي، وفي شكل العلاقة مع الجمهور.
لقد راكمت هذه الحركات إرثًا نضاليًا لا يمكن إنكاره، لكنه تحول مع الوقت إلى عبء حين أُحيط بهالة من القدسية والكاريزما، جعلت النقد الداخلي صعبًا، والتجديد مخاطرة مؤجلة. وهنا تكمن المفارقة: فبينما تدرك هذه القوى، بدرجات متفاوتة، عمق الأزمة التي تواجهها، إلا أن استجابتها ما تزال دون مستوى التحدي.
ولكن لن تعود الحياة إلى النظام السياسي الفلسطيني إلا بانتخابات رئاسية وتشريعية حرة، مع التشجيع على إنشاء أحزاب جديدة متحررة من إرث قد يكون ثقيلاً وعائقًا أمام التغيير ومواكبة التغيرات التي ألمّت بالشعب الفلسطيني. المرونة يجب أن تكون عنوان المرحلة، بل ضرورة وجودية. وحتى الحركات القديمة مطالبة بأن تتبنى توجهات ومقاربات تفضي إلى التغيير، ليس فقط في مسمياتها، بل في أهدافها وأساليبها وآليات عملها للتوافق مع المرحلة الحالية. فالإرث الجامد الذي اكتسب قدسية وكاريزما جعل العديد من الحركات تتمسك بأمجادها أكثر مما تنفتح على المستقبل، ومع أن هناك إدراكًا داخلها لهذا الواقع، إلا أن التغيير لا يزال دون المستوى المطلوب.
قد يعتقد المراقبون أن هذه الاستحقاقات اختيارية، ولكن على التنظيمات، وعلى رأسها فتح، أن تعي أن الإبقاء على هذا النمط أو إعادة إنتاج الفشل لن يمر دون كلفة سياسية، بل قد يدفع الشعب الفلسطيني إلى تجاوزها إذا لم يحدث تغيير جوهري يصنع الأمل ويُبشّر بقدرات حقيقية على المبادرة وتمكين الصمود.
التغيير لا يحدث بالوعي وحده، بل بالإرادة السياسية والقدرة على اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة على المدى القصير، لكنها ضرورية للبقاء على المدى الطويل. أما الاكتفاء بإدارة الأزمة، أو تأجيل المواجهة مع استحقاقات الإصلاح، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين النظام السياسي والمجتمع.
وفي هذا السياق، لا تبدو انتخابات البلديات أو حتى الانتخابات الداخلية للفصائل سوى خطوة أولى في مسار طويل. المسار الذي، إن لم يُستكمل بإعادة بناء شاملة تقوم على التعددية، والتجديد، والانفتاح، سيبقى عاجزًا عن إنقاذ واقع لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل.
إن اللحظة الراهنة لا تتطلب فقط إصلاحًا، بل شجاعة سياسية تعيد تعريف الممكن، وتكسر القوالب الجامدة، وتُفسح المجال أمام أجيال جديدة تحمل تصورات مختلفة. وحدها هذه الدينامية قادرة على تحويل الإشارات الخافتة إلى مسار حقيقي يعيد للسياسة معناها، وللمجتمع ثقته، وللنظام قدرته على الاستمرار.
اقتصاد
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:08 صباحًا - بتوقيت القدس
بالأرقام.. أعباء العاصمة الإدارية تستنزف موازنة مصر المنهكة للعام 2026/2027
تواجه الموازنة العامة المصرية للعام المالي 2026/2027 ضغوطاً غير مسبوقة، حيث كشفت الأرقام الرسمية عن عجز يتجاوز حاجز التريليون جنيه. وفي مفارقة لافتة، قفزت تكلفة تشغيل الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة إلى 12.03 مليار جنيه، مسجلة زيادة بنسبة 177% مقارنة بالعام المالي الحالي.
وتشير البيانات التحليلية للموازنة إلى أن بنود أقساط وفوائد الديون المحلية والأجنبية تلتهم نحو 5.227 تريليون جنيه، بزيادة تقارب 20% عن العام الماضي. ويعتمد هيكل الموارد في الموازنة الجديدة على الاقتراض بنسبة تصل إلى 49.1%، بينما تشكل الضرائب نحو 43.2% من إجمالي الإيرادات.
ومن أبرز البنود المثيرة للجدل في الموازنة الجديدة، تخصيص مبلغ 7 مليارات جنيه مقابل حق انتفاع الوزارات والهيئات بمباني الحي الحكومي. ويأتي هذا البند كعبء جديد كلياً، حيث لم تكن الموازنات السابقة تتضمن أي مبالغ لهذا الغرض، مما يحول الحكومة من مالك للأصول إلى مستأجر.
ولم تتوقف الزيادات عند حق الانتفاع، بل شملت رصد 3.8 مليار جنيه لمصروفات صيانة مباني الحي الحكومي، بزيادة قدرها 600 مليون جنيه عن العام الحالي. وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول جودة التنفيذ الإنشائي للمباني الحديثة التي تتطلب مبالغ طائلة للصيانة في سنوات تشغيلها الأولى.
كما تضمنت الموازنة تخصيص نحو 678.1 مليون جنيه لبدلات انتقال الموظفين الذين جرى نقلهم من المقار القديمة في القاهرة إلى العاصمة الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، تم رصد 554.8 مليون جنيه كبدل سكن لهؤلاء الموظفين، مما يعكس التكاليف التشغيلية المستمرة لعملية النقل الإداري.
ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تكشف عن فجوة عميقة بين خطاب التقشف الحكومي وواقع الإنفاق المتصاعد على المشاريع الكبرى. ويؤكد خبراء أن تحويل إيجارات المباني لصالح شركة العاصمة الإدارية، المملوكة بنسبة أغلبية لجهات سيادية، يمثل ضغطاً إضافياً على الخزانة العامة للدولة.
وفي هذا السياق، وصف الخبير الاقتصادي أحمد خزيم الوضع بـ 'الدائرة الجهنمية'، مشيراً إلى أن المواطن المصري هو من يدفع الفاتورة النهائية لهذه السياسات. وأوضح أن زيادة كلفة تشغيل حي إداري واحد بهذه النسب الضخمة يقتطع مباشرة من مخصصات قطاعات حيوية كالتعليم والصحة.
هذه الأرقام تكشف عن فجوة حادة بين ما تعلنه الدولة حول سياسات التقشف وبين واقع الإنفاق الفعلي الذي يأخذ منحى متصاعداً.
من جانبه، أكد الأكاديمي أشرف دوابه أن استئجار الدولة لمبانٍ مقامة على أراضٍ تملكها هو إجراء يخالف القواعد الاقتصادية الرشيدة. وتساءل عن الجدوى من تحمل الموازنة المنهكة بالديون أعباء إيجارية لمقرات كان من المفترض أن تؤول ملكيتها للدولة مقابل الأراضي المخصصة للمشروع.
وعلى الصعيد البرلماني، برزت انتقادات حول غياب الشفافية في إدارة استثمارات العاصمة الإدارية، خاصة مع تعطل بعض المرافق الحيوية مثل أنظمة الطاقة الشمسية. وأشار برلمانيون إلى وجود شبهات حول سوء إدارة المال العام في ظل غياب الرقابة الفعالة على عقود الصيانة والتشغيل.
وتشير التقارير إلى أن شركة العاصمة الإدارية التي تأسست عام 2016، تمتلك محفظة أراضي شاسعة تصل إلى 184 ألف فدان. وتتوزع ملكية الشركة بين هيئة المجتمعات العمرانية وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة وجهاز الخدمة الوطنية، مما يمنحها استقلالية مالية بعيداً عن رقابة الموازنة العامة.
وفي ظل هذه التطورات، يتساءل الشارع المصري عن مصير أموال بيع المقار الوزارية القديمة في قلب القاهرة التي ضُمت لصندوق مصر السيادي. وكان قد جرى نقل ملكية مقرات 13 وزارة وجهة حكومية رئيسية للصندوق تمهيداً لطرحها للاستثمار أو تحويلها لفنادق عالمية.
الحي الحكومي الذي يمتد على مساحة 360 فداناً، صُمم ليكون مركزاً إدارياً ذكياً يضم كافة مفاصل الدولة المصرية. ومع ذلك، فإن تكلفة هذا التحول الرقمي والإداري بدأت تظهر كأرقام مليارية في بنود الموازنة، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي المتأزم أصلاً.
وتشير مصادر إعلامية دولية إلى أن تكلفة المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية تجاوزت 50 مليار دولار، وهو رقم يفوق بكثير التقديرات الأولية المعلنة. ومع استمرار التوسع في المرحلتين الثانية والثالثة، تتزايد المخاوف من تحول المشروع إلى ثقب أسود يبتلع الموارد الشحيحة للدولة.
ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية هو موازنة طموحاتها الإنشائية مع واقع مالي يفرضه عجز الموازنة وتفاقم الديون. فبينما تفتخر الدولة بالحي الحكومي كواجهة حضارية، تظل الأرقام الواردة في موازنة 2026/2027 شهادة على حجم الأعباء التي سيتحملها الاقتصاد المصري لسنوات قادمة.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:08 صباحًا - بتوقيت القدس
سموتريتش يشارك المستوطنين طقوساً استفزازية بالخليل واقتحامات واسعة تطال قرى بيت لحم
شارك وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، مساء الإثنين، آلاف المستوطنين في رقصات وطقوس استفزازية بساحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل المحتلة. وجاءت هذه المشاركة خلال إحياء ما يسمى 'عيد الشعلة'، حيث ظهر زعيم تيار 'الصهيونية الدينية' وسط حشود المستوطنين في الساحة المقابلة للمسجد التاريخي.
وأفادت مصادر إعلامية بأن الاحتفالات التي قادها سموتريتش تأتي في سياق محاولات فرض السيطرة الكاملة على الحرم الإبراهيمي وتغيير معالمه الإسلامية. ويحيي المستوطنون هذا العيد سنوياً تخليداً لذكرى ثورة يهودية قديمة، مستغلين المناسبة لتكثيف التواجد الاستيطاني في قلب البلدة القديمة بالخليل.
وتأتي هذه التحركات الاستفزازية استكمالاً لقرار اتخذته السلطات الإسرائيلية في يوليو 2025، يقضي بنقل صلاحيات إدارة الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل الفلسطينية إلى مجلس ديني استيطاني. وقد حذرت جهات رسمية فلسطينية من خطورة هذا الإجراء الذي يهدف إلى شرعنة الوجود الاستيطاني في الحرم وتهميش الدور الفلسطيني التاريخي.
وفي سياق ميداني متصل، صعدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من عملياتها العسكرية في محافظة بيت لحم، حيث اقتحمت قرى جورة الشمعة ووادي النيص وأم سلمونة. وداهمت القوات المقتحمة عدداً من منازل المواطنين وعبثت بمحتوياتها، مما أثار حالة من الذعر بين السكان المحليين في تلك المناطق.
وأكدت مصادر أمنية أن جيش الاحتلال اقتحم منزل المواطن عيسى أحمد عيسى في قرية جورة الشمعة، كما داهم منزل المواطن وليد موسى أبو حماد في وادي النيص. ورغم كثافة المداهمات وعمليات التفتيش الدقيقة، لم يبلغ عن وقوع اعتقالات في صفوف المواطنين خلال هذه الجولة من الاقتحامات.
نقل الصلاحيات الإدارية للحرم الإبراهيمي إلى مجلس استيطاني خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تغيير هوية الحرم التاريخية.
وعلى صعيد التضييق على حركة التنقل، أغلقت قوات الاحتلال بالبوابة الحديدية مدخل الطريق الواصل بين بلدتي تقوع وجناته شرق بيت لحم. ويؤدي هذا الإغلاق إلى عزل القرى عن بعضها البعض ومضاعفة معاناة المواطنين اليومية في الوصول إلى أماكن عملهم ومزارعهم.
وكشف تقرير حديث صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد حاد في وتيرة الاعتداءات خلال شهر أبريل المنصرم، حيث سُجل تنفيذ 1637 هجوماً. وتوزعت هذه الاعتداءات بين ممارسات جيش الاحتلال المباشرة وهجمات المستوطنين التي استهدفت المدن والبلدات الفلسطينية بشكل ممنهج.
وأوضح رئيس الهيئة مؤيد شعبان أن الجيش الإسرائيلي كان مسؤولاً عن 1097 اعتداءً، بينما نفذ المستوطنون 540 اعتداءً آخر تحت حماية القوات النظامية. وتركزت هذه الانتهاكات بشكل أساسي في محافظات نابلس والخليل ورام الله والبيرة وبيت لحم، مما يعكس سياسة تصعيدية شاملة في الضفة.
وتشير المعطيات إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي توصف بأنها الأكثر تطرفاً، تعمل على تسريع وتيرة التوسع الاستيطاني بشكل غير مسبوق. ووفقاً لمنظمة 'السلام الآن'، فقد تمت الموافقة على بناء 54 مستوطنة جديدة خلال عام 2025، وهو رقم قياسي يعكس نية الاحتلال في تقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية.
ويعيش في البلدة القديمة بالخليل نحو 400 مستوطن يحظون بحماية أمنية مشددة من قرابة 1500 جندي إسرائيلي، مما يحول حياة آلاف الفلسطينيين إلى سجن كبير. وتتزامن هذه الانتهاكات في الضفة الغربية مع استمرار حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة، وسط صمت دولي تجاه الجرائم المرتكبة.
عربي ودولي
الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:38 صباحًا - بتوقيت القدس
إيران تهدد باستهداف المصالح الإماراتية وتحمل واشنطن مسؤولية أحداث الفجيرة
أطلق مصدر عسكري إيراني تحذيرات شديدة اللهجة تجاه دولة الإمارات، مؤكداً أن كافة المصالح الإماراتية ستكون أهدافاً مشروعة للقوات الإيرانية في حال أقدمت أبوظبي على أي تصرف يوصف بغير العقلاني. وأوضح المصدر أن طهران لن تتوانى عن الرد الحازم إذا ما سمحت الإمارات لنفسها بأن تكون أداة بيد إسرائيل لتنفيذ أجندات معادية في المنطقة، مشدداً على أن أي خطأ في الحسابات سيؤدي إلى تلقي درس لن ينسى.
وأشار المسؤول العسكري في تصريحات نقلتها وسائل إعلام رسمية، إلى أن القيادة الإماراتية تدرك تماماً طبيعة وضعها الأمني الذي وصفه بـ 'البيت الزجاجي' الهش، حيث يمثل أي اضطراب أمني خطراً وجودياً على استقرارها. وأضاف أن طهران تراقب التحركات الجارية، محذراً من أن تحول الأراضي الإماراتية إلى منطلق للعمليات الإسرائيلية سيجعلها تعامل معاملة الكيان الإسرائيلي نفسه دون أي اعتبارات دبلوماسية.
وفي سياق التصعيد الكلامي، لوح المصدر بإمكانية التخلي الكامل عن سياسة ضبط النفس التي انتهجتها إيران سابقاً، خاصة إذا ما تكررت سيناريوهات مشابهة لما وصفه بـ 'خطأ حرب الأربعين يوماً'. وأكد أن التعامل مع ما وصفه بـ 'الوكر الإسرائيلي' في المنطقة سيكون مباشراً وقاسياً، معتبراً أن الأمن الإقليمي لا يتجزأ وأن أي تهديد للأمن القومي الإيراني سيقابل برد فعل شامل يتجاوز الحدود التقليدية.
الإمارات تدرك أنها تجلس في بيت زجاجي هشّ وضعيف للغاية، وانعدام الأمن يشكّل لها خطراً قاتلاً.
وبشأن التوترات الميدانية، نفى المصدر العسكري وجود أي خطط إيرانية مسبقة لاستهداف المنشآت الحيوية في ميناء الفجيرة الإماراتي، موضحاً أن طهران لا تسعى لتفجير الأوضاع دون مبرر. ومع ذلك، شدد على أن السيادة البحرية في مضيق هرمز والمناطق المحيطة بها خط أحمر، وأن القوات المسلحة الإيرانية في حالة تأهب قصوى لرصد أي خروقات قد تستهدف الممرات المائية الدولية الحساسة.
وحملت طهران الجيش الأمريكي المسؤولية الكاملة عن الحوادث التي وقعت في منشآت النفط بميناء الفجيرة، معتبرة أن ما جرى كان نتيجة مباشرة لمغامرة عسكرية أمريكية غير محسوبة. وأوضحت المصادر أن المحاولات الأمريكية لفتح ممرات عبور غير قانونية للسفن عبر مناطق محظورة في مضيق هرمز هي التي أدت إلى وقوع هذه الاحتكاكات، مما عرض أمن الطاقة العالمي لمخاطر جسيمة.
واختتم المصدر العسكري الإيراني حديثه بمطالبة الإدارة الأمريكية بضرورة الكف عن استخدام لغة القوة والتهديد العسكري في العمليات الدبلوماسية الجارية في المنطقة. ودعا واشنطن إلى التوقف عن ممارساتها التي وصفها بالسيئة في هذه المنطقة النفطية الحساسة، مؤكداً أن استمرار الاستفزازات العسكرية سيؤثر سلباً على اقتصاد كافة دول العالم التي تعتمد على استقرار تدفقات الطاقة من الخليج.
صحة
الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:25 صباحًا - بتوقيت القدس
أزمة 'نظام الطيبات' في مصر: تحركات رسمية وتشريعية لمواجهة الفوضى الطبية
تصدر نظام غذائي مثير للجدل يُعرف باسم 'الطيبات' واجهة الأحداث في مصر خلال الساعات الأخيرة، حيث تحول إلى أزمة كبرى تداخلت فيها المؤسسات الطبية والإعلامية والقانونية. بدأت الشرارة عقب تداول لقاءات قديمة للطبيب الراحل ضياء العوضي، روج فيها لمنهج غذائي بديل يزعم الاستغناء عن الأدوية الكيميائية.
سارعت الجهات الرسمية لاتخاذ إجراءات حاسمة، حيث أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراراً فورياً بحظر نشر أو تداول أي محتوى يخص الطبيب الراحل أو نظامه الغذائي. وجاء هذا التحرك بعد رصد اعتراضات علمية واسعة وتحذيرات من أن المحتوى المتداول يفتقر للمرجعية الطبية الموثقة ويشكل تهديداً مباشراً للمرضى.
من جانبها، دخلت وزارة الصحة المصرية على خط الأزمة ببيانات تحذيرية شديدة اللهجة، شددت فيها على خطورة الانسياق وراء دعوات التوقف عن تناول الأدوية الأساسية. وأكد المتحدث باسم الوزارة، حسام عبد الغفار أن هذه التوصيات تعرض حياة أصحاب الأمراض المزمنة لخطر الموت المحقق.
نقابة أطباء مصر أوضحت موقفها بصرامة على لسان نقيبها أسامة عبد الحي، مشيرة إلى أن استجابة بعض الأجسام لتغيير النمط الغذائي لا تمنح الشرعية لإلغاء البروتوكولات العلاجية. وأضافت النقابة أن الطب يعتمد على دراسات سريرية محكمة وليس على تجارب فردية يتم الترويج لها عبر الشاشات.
ولم تقتصر الأزمة على البالغين، بل امتدت لتشمل حقوق الأطفال، حيث حذر المجلس القومي للطفولة والأمومة من كارثة صحية تهدد الصغار. وأعلن المجلس عن اتخاذ إجراءات قانونية وتحرير محضر رسمي بعد رصد حالة طفل تعرض للخطر نتيجة توقفه عن تناول حقن الإنسولين اتباعاً لهذا النظام.
القطاع الإنتاجي في مصر لم يسلم من الجدل، حيث نفى منتجو الدواجن بشكل قاطع مزاعم العوضي حول حقن الطيور بالهرمونات. واعتبر الخبراء أن مثل هذه التصريحات تثير ذعراً غير مبرر لدى المستهلكين وتضرب قطاعات اقتصادية حيوية دون استناد إلى حقائق مخبرية.
وعلى الصعيد البرلماني، كشف شريف سيف، رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب، عن توجه لتشريع جديد يهدف إلى ضبط الفوضى الطبية في وسائل الإعلام. ويتضمن المقترح تغليظ العقوبات الجنائية على كل من يروج لمعلومات طبية مضللة تؤدي إلى الإضرار بصحة المواطنين أو تحريضهم على ترك العلاج.
تحسن بعض الحالات بعد تغيير النظام الغذائي لا يعني إمكانية تعميمه كبديل عن العلاج الطبي المعتمد.
قانونياً، شهدت القضية تطوراً لافتاً بعد وفاة الطبيب، حيث ألقت السلطات القبض على محاميه مجدي مصطفى بتهمة خرق قرار حظر النشر الإعلامي. ورغم إخلاء سبيله لاحقاً بكفالة مالية، إلا أن الرسالة كانت واضحة بجدية الدولة في منع تداول هذا المحتوى مجدداً.
الإعلامي محمود سعد، الذي كان قد استضاف العوضي في وقت سابق، قام بحذف الحلقة المثيرة للجدل من كافة منصاته الرقمية. وجاءت هذه الخطوة استجابة للتوجيهات الرسمية وحرصاً على عدم المساهمة في نشر محتوى قد يسبب ضرراً صحياً للمتابعين الذين وثقوا في الطرح المعروض.
ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بشهادات مؤلمة لضحايا مفترضين لهذا النظام، كان أبرزها ما رواه الدكتور محمود البريدي حول وفاة زوجته الطبيبة. وأوضح البريدي أن زوجته توقفت عن علاج مرض 'الذئبة الحمراء' بناءً على نصيحة العوضي، مما أدى لتدهور حالتها ووفاتها خلال أسابيع.
تفاعل فنانون ومشاهير مع القضية، مما ساهم في زيادة وتيرة النقاش المجتمعي حول ضرورة الرقابة على المحتوى الطبي الرقمي. وطالب مدونون ومختصون بوضع ميثاق شرف إعلامي يمنع استضافة غير المتخصصين أو من يروجون لنظريات طبية خارج إطار المؤسسات العلمية الرسمية.
أعادت هذه الواقعة إلى الأذهان قصصاً تاريخية حول الصراع بين العلم والشعوذة في المجتمع، حيث استشهدت الكاتبة دينا عزت بأعمال أدبية كلاسيكية تناولت هذه الظاهرة. وشددت على ضرورة عودة الثقة في المؤسسات الطبية الأكاديمية بدلاً من الانقياد خلف 'المشعوذين' الجدد تحت ستار الغذاء.
تستمر التداعيات القانونية والطبية لهذه الأزمة في مصر، وسط ترقب لما ستسفر عنه التحركات البرلمانية القادمة لضبط المشهد. وتظل قضية 'نظام الطيبات' درساً قاسياً حول خطورة تداخل الإعلام مع الطب دون ضوابط علمية صارمة تحمي أرواح المواطنين من التضليل.
صحة
الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:25 صباحًا - بتوقيت القدس
إرهاق الجهاز العصبي: كيف تواجه ضغوط الحياة العصرية بعيداً عن المصطلحات الشائعة؟
منذ تفشي جائحة كوفيد، اجتاح مصطلح إرهاق الجهاز العصبي منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح البحث عن إعادة الضبط غاية يسعى إليها الملايين حول العالم. ويؤثر الجهاز العصبي اللاإرادي بشكل مباشر على وظائف الجسم الحيوية التي لا تخضع لسيطرتنا الواعية، مثل تنظيم درجة الحرارة والمشاعر وعمل الأعضاء الداخلية.
ينقسم هذا النظام المعقد إلى فرعين أساسيين، أولهما الجهاز العصبي الودي الذي يهيئ الجسم للتعامل مع المواقف الضاغطة عبر استجابات البقاء مثل المواجهة أو الهروب. أما الفرع الثاني فهو الجهاز العصبي اللاودي، والذي يؤدي دوراً عكسياً يهدف إلى إعادة الاستجابات التلقائية إلى وضعها الطبيعي بعد زوال مسببات الإجهاد.
وعلى الرغم من التطور البيولوجي للإنسان، إلا أن نظامنا العصبي يظل قاصراً عن التعامل بفعالية مع الضغوط المزمنة التي تفرضها الحياة العصرية المتسارعة. فأعباء العمل الثقيلة والالتزامات المالية المستمرة تضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم لا تتناسب مع قدراته الطبيعية المصممة للتهديدات اللحظية فقط.
يشير مصطلح إرهاق الجهاز العصبي في التداول العام إلى الآثار الجسدية الملموسة للضغط النفسي عندما يشعر الفرد بعجز تام عن التأقلم مع واقعه. ورغم شيوعه، إلا أن هذا المصطلح يفتقر إلى تعريف طبي دقيق، تماماً مثل مصطلح الانهيار العصبي الذي كان يستخدم قديماً لوصف التوقف المفاجئ عن أداء الأدوار الاجتماعية.
لطالما ربط العلم بين اضطرابات الجهاز العصبي والخلل البيولوجي الناتج عن اضطراب ما بعد الصدمة، لكن المفهوم تحول مؤخراً إلى مادة دسمة في كتب المساعدة الذاتية. وقد فندت تقارير حديثة، استندت إلى آراء 39 خبيراً، العديد من الفرضيات المرتبطة بنظرية تعدد الأعصاب المبهمة التي تروج لها بعض المنصات.
التغيير المستدام في الصحة النفسية لا يحدث عبر إعادة ضبط فورية، بل هو عملية تدريجية تتطلب جهداً متواصلاً ووقاية دائمة.
يرى مختصون أن استخدام مصطلحات طبية لوصف الإرهاق الشديد قد يسهل على الأفراد التعبير عن معاناتهم دون الشعور بالخجل أو الوصمة الاجتماعية. ومع ذلك، فإن المبالغة في التفسيرات البيولوجية قد تولد شعوراً بأن هذه المشاكل خارجة عن السيطرة البشرية، مما يعيق عملية التعافي الفعالة.
إن إعادة تعريف إجهاد الجهاز العصبي بوصفه توتراً مزمناً يفتح الباب أمام حلول أكثر واقعية وأقل تكلفة من الناحية المادية والعلمية. وتؤكد الدراسات أن تغييرات بسيطة في نمط الحياة اليومي يمكن أن تصنع فارقاً جوهرياً في مستويات الصحة النفسية والجسدية للفرد.
تعد ممارسة النشاط البدني بانتظام والحصول على قسط كافٍ من النوم من أهم الركائز التي تساهم في الحد من تداعيات التوتر المزمن. كما أن اتباع نظام غذائي متوازن يدعم قدرة الجسم على استعادة توازنه الهرموني والفسيولوجي بعد فترات الإجهاد الطويلة.
أثبتت ممارسات اليقظة الذهنية وتمارين التنفس العميق قدرة فائقة على خفض مستويات هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، في الجسم. كما أن قضاء وقت كافٍ في أحضان الطبيعة يساهم في خفض ضغط الدم وتحسين الحالة المزاجية بشكل ملحوظ وموثق علمياً.
لا تقتصر الحلول على الجوانب البدنية، بل تمتد لتشمل ممارسة الفنون بمختلف أنواعها، من الموسيقى إلى الفنون البصرية، كأدوات فعالة لإدارة الضغوط. وفي حالات الضيق الشديد، يظل اللجوء إلى المتخصصين النفسيين هو الخيار الأمثل للحصول على علاجات قائمة على الأدلة العلمية تضمن التغيير المستدام.
منوعات
الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:24 صباحًا - بتوقيت القدس
خلف أبواب الثلاجة.. لماذا نتفقد الطعام دون شعور بالجوع؟
في مشهد يتكرر يومياً داخل معظم المنازل، يقف الكثيرون أمام الثلاجة فاتحين بابها لتفقد محتوياتها دون رغبة حقيقية في تناول الطعام. هذا السلوك البسيط في ظاهره يطرح تساؤلات أعمق حول الدوافع النفسية التي تحرك الإنسان بعيداً عن الحاجة البيولوجية للغذاء.
لم تعد الثلاجة مجرد جهاز لحفظ الأطعمة والمشروبات، بل تحولت إلى جزء أساسي من تفاصيل الحياة اليومية ومحطة متكررة يعود إليها الفرد في أوقات مختلفة. إنها تمنح الشخص لحظة توقف قصيرة تكسر رتابة الساعات، سواء كان ذلك في الصباح الباكر أو في أوقات الليل المتأخرة.
يرى خبراء السلوك أن هذا الحضور الدائم للثلاجة جعل منها مساحة مألوفة تمنح شعوراً مؤقتًا بالسيطرة والقدرة على الاختيار. ففي عالم مليء بالقرارات المعقدة، يمثل اختيار وجبة خفيفة أو مجرد إغلاق الباب قراراً بسيطاً يمنح استراحة ذهنية غير معلنة.
يبرز مصطلح 'الجوع النفسي' كأحد أبرز التفسيرات لهذه الظاهرة، حيث تختلط الحاجة للطعام برغبات أخرى مثل كسر الروتين اليومي. ففي كثير من الأحيان، يكون الهدف هو البحث عن مكافأة بسيطة أو الهروب المؤقت من ضغوط المهام المتراكمة التي ترهق الذهن.
بالنسبة لأولئك الذين يعملون من منازلهم، تتحول الثلاجة إلى محطة فاصلة بين المهام الوظيفية المختلفة ووسيلة لتقطيع الوقت. يستخدم البعض هذا السلوك كأداة لتأجيل مهمة غير مرغوبة، حيث يمنحهم فتح الباب وتفقد المحتويات فاصلاً زمنياً يعيد شحن طاقتهم النفسية.
فتح الثلاجة يمثل حركة انتقالية تساعد على كسر حالة ذهنية معينة والدخول في حالة أخرى، بما يساهم في تخفيف التوتر.
تكرار فتح الثلاجة خلال فترات القلق يعكس محاولة غير واعية لمراقبة التغير أو البحث عن عنصر جديد يكسر حالة الجمود. ورغم أن المحتوى غالباً ما يكون ثابتاً، إلا أن عملية البحث بحد ذاتها تفرغ جزءاً من التوتر الداخلي الذي يشعر به الفرد.
تندرج هذه السلوكيات ضمن ما يسمى بالطقوس اليومية الصغيرة التي يعتمد عليها الإنسان للتعامل مع ضغوط الحياة المتسارعة. ويشبه المختصون فتح الثلاجة بتفقد الهاتف المحمول أو النظر من النافذة، حيث تعمل هذه الحركات كجسر للانتقال من حالة ذهنية إلى أخرى.
تؤدي هذه الطقوس، رغم عشوائيتها الظاهرة، دوراً حيوياً في إعادة تنظيم الانتباه وتخفيف حدة التوتر النفسي. وفي بيئة مليئة بالمحفزات الرقمية، تصبح هذه اللحظات الفيزيائية البسيطة وسيلة لاستعادة التوازن والهدوء النفسي ولو لثوانٍ معدودة.
يرتبط وجود الطعام داخل الثلاجة بإحساس عميق بالأمان والاستقرار النفسي لدى الإنسان منذ القدم. فامتلاء الرفوف بالمواد الأساسية يمنح شعوراً ضمنياً بالقدرة على تلبية الاحتياجات، بينما قد يثير فراغها مشاعر القلق وفقدان السيطرة على تفاصيل الحياة.
في الختام، لا يعد فتح الثلاجة دون سبب واضح مؤشراً على مشكلة، بل هو تعبير طبيعي عن حاجة الإنسان للتوقف المؤقت. إنها محاولة لإيجاد منافذ صغيرة للهدوء والراحة داخل تفاصيل الحياة الاعتيادية، مما يكشف تداخل الجوانب النفسية مع أبسط عاداتنا.
عربي ودولي
الثّلاثاء 05 مايو 2026 7:40 صباحًا - بتوقيت القدس
مضيق هرمز في عين العاصفة: حسابات القوة وتداعيات 'تيه الأربعين يوماً'
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات دراماتيكية غير قابلة للتوقع، خاصة في ظل المناورات التي يقودها تجار الصفقات الكبرى المدعومين بقوى أمنية وعسكرية. هذه الحالة من عدم اليقين تسيطر على العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث باتت المفاوضات تجري تحت وطأة التهديد المباشر، مما جعل التصريحات الصادرة عن الطرفين تفتقر إلى الثبات والمصداقية المطلقة في ظل تعقيدات الميدان.
لقد تحول مضيق هرمز، الذي ظل لفترة طويلة ممراً حراً للملاحة الدولية، إلى بؤرة لأزمة عالمية خانقة أصابت حركة التجارة الدولية بشلل نصفي. هذا التغير المفاجئ جاء نتيجة تراكمات عسكرية وسياسية أدت إلى إغلاق الشريان الحيوي، مما دفع القوى الدولية لإعادة تقييم استراتيجياتها في التعامل مع أمن الطاقة العالمي الذي تأثر بشكل مباشر بارتفاع أسعار الوقود.
وتشير تقارير إلى وجود إدراك متزايد داخل أروقة صنع القرار في واشنطن، وتحديداً في الكونغرس بجناحيه الديمقراطي والجمهوري، بأن الخيار العسكري ضد إيران كان خطأً استراتيجياً. ويرى مراقبون أن البيت الأبيض حاول توصيف المواجهة كـ 'عملية عسكرية' لتفادي القيود الدستورية وضغوط المشرعين، إلا أن النتائج الميدانية والخسائر الاقتصادية فرضت واقعاً مغايراً للتوقعات الأمريكية الأولية.
إن نتائج ما يُعرف بـ 'عدوان الأيام الأربعين' أثبتت أن استخدام القوة المفرطة لم يساهم في حل المعضلات القائمة، بل زادها تعقيداً وتشابكاً. فالمضيق الذي سعت الولايات المتحدة لفتحه عبر الضغط العسكري انتهى به المطاف مغلقاً، مما يعكس سوء تقدير للعواقب وتضارباً في الخيارات الاستراتيجية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية في التعامل مع الملف الإيراني الشائك.
نتائج عدوان الأيام الأربعين أظهرت أن القوة لا تحل المشاكل بل تعقدها، وهذا ما حصل مع مضيق هرمز الذي تحول لشريان يعاني من تجلط يمنعه من أداء دوره.
وفي ظل هذه الأجواء، تبرز أزمة إنسانية وتقنية تتمثل في وجود نحو 600 ناقلة نفط عالقة داخل مياه الخليج منذ قرابة الشهرين، وعلى متنها ما يزيد عن 20 ألف بحار. وبينما يحاول البيت الأبيض تصوير نفسه في دور المنقذ والمحرر لهذه السفن، تؤكد مصادر ميدانية أن خروج هذه الناقلات لا يمكن أن يتم دون تنسيق مباشر ودقيق مع الجانب الإيراني الذي يفرض سيطرته على ممرات الدخول.
وتشترط طهران حالياً على كافة السفن الراغبة في المغادرة ضرورة التنسيق المسبق مع أجهزتها المختصة، حتى في حال وجود تفاهمات دولية عامة. وتوضح الخرائط الملاحية أن ممر الخروج الجنوبي يقع بالقرب من سلطنة عمان، بينما يمر خط الدخول الشمالي عبر المياه الإقليمية الإيرانية بالقرب من بندر عباس، وهو ما يفرض واقعاً جغرافياً لا يمكن تجاوزه في أي عملية تفاوضية.
ختاماً، يبدو أن التنسيق الفعلي يجري حالياً بين طهران ومسقط لتأمين حركة السفن، في حين يقتصر الدور الأمريكي على تقديم إرشادات ملاحية عن بُعد لتجنب حقول الألغام والمناطق الخطرة. وتعكس هذه الحالة رغبة واشنطن في تجنب تصعيد جديد، والبحث عن حلول وسط عبر 'المراسلة' أو الوسطاء، بعد أن أدرك الطرفان أن تكلفة المواجهة المباشرة باتت تفوق قدرة الجميع على الاحتمال.
عربي ودولي
الثّلاثاء 05 مايو 2026 7:39 صباحًا - بتوقيت القدس
تصاعد العنف السياسي في أمريكا: هل يدفع ترامب ثمن الاستقطاب الحاد؟
تشهد الساحة السياسية الأمريكية تحولاً خطيراً مع تكرار حوادث استهداف الرئيس السابق دونالد ترامب، والتي بدأت بإصابته في أذنه اليمنى خلال تجمع انتخابي في بنسلفانيا منتصف عام 2024. هذه الحوادث لم تكن مجرد خروقات أمنية عابرة، بل كشفت عن عمق الانقسام الذي يعصف بالمجتمع الأمريكي ويحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية بالرصاص.
توالت المحاولات لتشمل حادثة ملعب الغولف في فلوريدا، وصولاً إلى إطلاق النار الأخير في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، مما دفع ترامب للمطالبة بضرورة العودة إلى المسارات السلمية لحل النزاعات. إن هذا التكرار يضع الأجهزة الأمنية والمؤسسات الديمقراطية أمام اختبار حقيقي لمواجهة موجة العنف التي باتت تهدد رموز الدولة.
يرى مراقبون أن الاستقطاب الحاصل اليوم في الولايات المتحدة تجاوز الحدود التقليدية، حيث انتقل من التنافس البرامجي إلى العداء الشخصي والوجودي. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج هذه المشاعر عبر بث الأخبار المضللة وخطاب الكراهية الذي يفتقر إلى أدنى مستويات التحضر في الحوار العام.
لا يمكن فصل هذه الحوادث عن التاريخ الأمريكي الطويل مع الاغتيالات السياسية التي طالت رؤساء سابقين مثل كينيدي وريغان، إلا أن الفارق اليوم يكمن في شدة الانقسام العمودي. فالمجتمع الذي كان يمتص الصدمات السياسية سابقاً، بات اليوم يعاني من تآكل الثقة في النظام وقدرته على حماية التعددية.
تعتبر مسألة حيازة السلاح كحق دستوري وعُرف اجتماعي أحد المحركات الأساسية لسهولة تنفيذ مثل هذه الاعتداءات في الداخل الأمريكي. ومع غياب الرقابة الصارمة على انتشار الأسلحة، تصبح الشخصيات العامة أهدافاً سهلة للأفراد الذين يعانون من اضطرابات أو يتأثرون بالتحريض السياسي المباشر.
يجب على جميع المواطنين تجديد الالتزام بحل الخلافات السياسية بطرق سلميّة بعيداً عن العنف.
لقد ساهم الخطاب الحاد الذي انتهجه ترامب نفسه، بالإضافة إلى الأوصاف القاسية التي أطلقها خصومه عليه مثل 'النازي' و'الديكتاتور'، في خلق بيئة خصبة للعنف. هذا النوع من القاموس السياسي الجديد ألغى المسافات بين الاختلاف في الرأي وبين الاستهداف الجسدي، مما جعل من العنف وسيلة تعبير سياسية.
إن ما حدث في عام 2021 من اقتحام لمبنى الكونغرس من قبل جماعات 'ماغا' يمثل الذروة في منحنى العنف السياسي غير المسبوق. تلك الحادثة لم تكن مجرد احتجاج، بل كانت إشارة واضحة إلى أن القوة الناعمة الأمريكية بدأت تتآكل لصالح لغة الترهيب والصدام المباشر في قلب المؤسسات.
تؤثر هذه الأزمات المتلاحقة على صورة الولايات المتحدة كمعقل للديمقراطية والليبرالية في العالم، حيث بات الخطاب العام يتسم بالإسفاف والسطحية. هذا التراجع القيمي يضعف من قدرة الدولة على التأثير دولياً، ويجعل من نموذجها السياسي محلاً للتساؤل والشك من قبل الحلفاء والخصوم على حد سواء.
تشير مصادر سياسية إلى أن هذا المستوى من العنف بات يُوظف بشكل دعائي للتأثير على النتائج الانتخابية القادمة، خاصة داخل أروقة الحزب الجمهوري. فاستغلال حوادث الاغتيال لكسب التعاطف الشعبي يعكس أزمة سياسية عميقة تتعلق بكيفية إدارة المعارك الانتخابية بعيداً عن البرامج والخطط التنموية.
في نهاية المطاف، تقف الولايات المتحدة أمام مفترق طرق يتطلب مراجعة شاملة للقوانين المنظمة لحمل السلاح وضوابط النشر الرقمي. إن استعادة توازن السلطات والعودة إلى لغة الحوار المتحضر هي السبيل الوحيد لتجنب الانزلاق نحو طريق وعر قد يؤدي إلى انهيار العقد الاجتماعي الذي قامت عليه البلاد.
منوعات
الثّلاثاء 05 مايو 2026 7:08 صباحًا - بتوقيت القدس
ترويض الجنون على الخشبة: كيف أعاد محمد صبحي صياغة 'هاملت' الشكسبيرية؟
يُعد تجسيد الفنان محمد صبحي لشخصية 'هاملت' على المسرح في منتصف السبعينيات محطة فارقة في تاريخ المسرح المصري المعاصر. فمن خلال فرقته 'ستوديو الممثل'، قدم صبحي رؤية إخراجية وإعداداً خاصاً للنص الشكسبيري الخالد، محققاً توازناً دقيقاً بين القيمة الفنية الرفيعة والجماهيرية الواسعة. وقد أتاح تصوير هذا العرض للأجيال المتعاقبة فرصة مشاهدة طاقة إبداعية استثنائية لفنان ارتبط وجدانياً بالجمهور عبر عقود من العطاء المسرحي والسينمائي.
تميز أداء صبحي في 'هاملت' بقدرة فائقة على ترويض مفهوم الجنون وتوظيفه درامياً بما يخدم تصاعد الأحداث. فقد نجح في التنقل بين قناع الجنون الذي يرتديه الأمير الدنماركي للمناورة، وبين لحظات الانهيار النفسي الحقيقي والحيرة الوجودية. هذا الأداء جعل المشاهد في حالة تساؤل مستمر حول الحد الفاصل بين التمثيل والواقع داخل الشخصية، وهو ما يعكس أستاذية صبحي وفهمه العميق لأغوار النفس البشرية كما رسمها شكسبير.
لعب التكوين الجسماني لمحمد صبحي في تلك الفترة دوراً جوهرياً في إضفاء المصداقية على شخصية الأمير الشاب المحزون. فبجسده النحيل ومرونته الفائقة، استطاع تطويع حركاته لتتطابق مع الانفعالات الداخلية المتضاربة، من السكون التام الذي يوحي بالموت والوحدة، إلى الانفجارات الحركية العنيفة. ويظهر ذلك بوضوح في مشهد ظهور شبح الأب، حيث تحول جسده إلى كتلة من القلق والاشتعال الحركي تعبيراً عن ثقل أمانة الانتقام.
لم يقتصر تميز العرض على البطل وحده، بل امتد ليشمل طاقماً تمثيلياً أثرى التجربة بأداء رصين ومحترف. فقد قدمت الراحلة نيفين رامز دور 'أوفيليا' بحساسية عالية، بينما جسدت هناء الشوربجي دور الملكة الأم ببراعة رغم صغر سنها آنذاك. كما برز أحمد ماهر في دور العم القاتل 'كلوديوس'، وعماد رشاد في دور 'لايرتس'، مما خلق نسيجاً درامياً متكاملاً تحت قيادة صبحي الإخراجية التي التزمت بروح النص الأصلي.
كان هدف الفن وما زال أن نظهر الطبيعة البشرية في المرآة، فنبين للفضيلة ملامحها ونطلع الرذيلة على صورتها.
في الجانب التقني واللغوي، اعتمد صبحي لغة عربية فصيحة ورصينة بعيدة عن التكلف أو الغنائية المبالغ فيها، مما سهل وصول المعاني الفلسفية العميقة للجمهور. ركز الإلقاء على الوضوح والتكثيف الدرامي، خاصة في المونولوجات الشهيرة التي تمثل ذروة المأساة. هذا الأسلوب في الأداء الصوتي ساعد في إبراز التناقضات النفسية لهاملت، وجعل من النص الكلاسيكي مادة حية قادرة على ملامسة قضايا العصر ومنحنيات الواقع.
تجلت عبقرية صبحي الحركية في مشاهد المواجهات المباشرة مع شخوص المسرحية، حيث كانت لغة الجسد تتغير وفقاً لطبيعة العلاقة. فمع 'أوفيليا' نجد حركات مترددة وغير مكتملة تعكس الصراع بين الحب والنفور، بينما يتحول الجسد إلى أداة حصار ومواجهة حادة في مشهد غرفة نوم الأم. أما في مواجهة العم، فقد اتسمت الحركة بالحذر الشديد لخلق مسافة أمان تمنع وقوعه تحت سيطرة القاتل، مما يظهر دقة التخطيط الإخراجي لكل إيماءة.
يعتبر هذا العرض مرجعاً مهماً لطلبة التمثيل والإخراج، حيث يجسد نصائح شكسبير نفسها التي وضعها على لسان هاملت حول فن الأداء. فقد ابتعد صبحي عن الصراخ والزعيق المفتعل، ملتزماً بالأداء السلس حتى في اللحظات العاصفة، ومحققاً التوسط بين الحدة واللين. إن قدرة صبحي على تقديم أعقد النصوص العالمية بأسلوب يستسيغه الجمهور العام تؤكد مكانته كأحد كبار رجال المسرح الذين حافظوا على بريق هذا الفن في فترات حرجة.
ختاماً، تظل مسرحية 'هاملت' برؤية محمد صبحي شهادة على عصر ذهبي للمسرح المصري كان فيه الفنان يمتلك الرؤية الشاملة كمنتج ومخرج وممثل. إن ترويض الجنون على الخشبة لم يكن مجرد أداء تمثيلي، بل كان رحلة لاكتشاف جماليات المسرح وأسراره الكاشفة. وبقاء هذا العمل متاحاً للمشاهدة اليوم يعد استعادة لذكرى فنية غنية تؤكد أن الفن الحقيقي هو الذي يضع مرآة أمام الطبيعة البشرية ليرسم خطوط الزمان الذي نعيش فيه.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 6:08 صباحًا - بتوقيت القدس
تحقيق دولي يكشف تصاعداً دامياً لهجمات المستوطنين في الضفة الغربية
رصدت تقارير ميدانية دولية تصاعداً حاداً وخطيراً في هجمات المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين ضد المواطنين الفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة. وتأتي هذه الاعتداءات في وقت ينشغل فيه المجتمع الدولي بالصراعات الإقليمية الكبرى، مما وفر غطاءً للمستوطنين لتنفيذ جرائمهم بعيداً عن الأضواء والرقابة الدولية، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية في القرى والبلدات المستهدفة.
ونقلت مصادر إعلامية شهادات مأساوية من قرية قصرة جنوب شرق نابلس، حيث روى المواطن معتصم عودة تفاصيل استشهاد ابنه البالغ من العمر 28 عاماً خلال هجوم وحشي شنه مستوطنون مسلحون. ولم يتوقف الأمر عند القتل، بل تعرض الأب نفسه للطعن والضرب المبرح حتى فقد وعيه، في صورة تجسد حالة العجز التي يعيشها الفلسطينيون أمام مستوطنين باتوا مدججين بالأسلحة النارية بشكل متزايد.
وفي منطقة غور الأردن، وثقت المصادر اعتداءات وحشية نفذها مهاجمون ملثمون ضد عائلات فلسطينية بأكملها، بما في ذلك الأطفال والنساء. وتكررت هذه المشاهد في قرى عدة، حيث سقط ضحايا أثناء محاولتهم الدفاع عن ممتلكاتهم أو التصدي لمحاولات اقتحام منازلهم، مما خلق حالة من الخوف الدائم والقلق الوجودي لدى السكان في تلك المناطق المعزولة.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى استشهاد ما لا يقل عن 13 فلسطينياً وإصابة المئات في هجمات مرتبطة بالمستوطنين خلال شهرين فقط. كما أدت هذه الموجة من العنف إلى تهجير أكثر من 600 شخص قسراً من منازلهم، وهو ما يمثل ارتفاعاً ملحوظاً ومقلقاً مقارنة بالإحصائيات المسجلة في العام السابق، مما يشير إلى منهجية واضحة في عمليات الترحيل.
وتؤكد التقارير أن الاعتداءات التي تشمل حرق المحاصيل وتخريب الممتلكات والسرقة باتت تمارس بشكل شبه يومي، بمعدل يصل إلى سبع هجمات يومياً. ويرى خبراء ومراقبون أن الجماعات الاستيطانية المتطرفة تعتبر المناخ السياسي والعسكري الحالي فرصة ذهبية لتصعيد ما وصفوه بـ 'المذابح' ضد الفلسطينيين، بهدف نهائي يتمثل في السيطرة الكاملة على الأراضي وتفريغها من سكانها الأصليين.
الجماعات المتطرفة تعتبر الوضع الحالي فرصة لتصعيد المذابح ضد الفلسطينيين بينما العالم منشغل، والهدف النهائي هو تهجيرهم من أراضيهم.
وعلى صعيد الملاحقة القانونية، كشفت منظمات حقوقية أن أكثر من 90% من التحقيقات التي تفتحها السلطات الإسرائيلية في عنف المستوطنين تنتهي دون تقديم لوائح اتهام. ورغم ادعاء الشرطة بفتح تحقيقات في بعض الحوادث، إلا أن الواقع الميداني يظهر غياباً تاماً للمحاسبة، بل إن بعض المسؤولين ينفون وجود تصاعد في العنف رغم الأدلة الدامغة والشهادات الموثقة.
كما يسلط الواقع الميداني الضوء على الدور المثير للجدل للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث يخفق الجنود غالباً في التدخل لوقف اعتداءات المستوطنين رغم وجودهم في مسرح الجريمة. وفي حالات عديدة، أفادت مصادر بأن الجنود يقفون متفرجين أو يشاركون فعلياً في حماية المهاجمين، وهو ما يعزوه مسؤولون إلى تعاطف أيديولوجي عميق بين بعض الوحدات العسكرية والمستوطنين المتطرفين.
ويمتد أثر هذا التصعيد إلى المناخ السياسي العام، حيث يتهم منتقدون الحكومة الإسرائيلية بالتسامح مع هذه الظاهرة أو التقليل من خطورتها. وقد أثار وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للمهاجمين بأنهم 'حفنة من الفتية' انتقادات واسعة، حيث اعتبر حقوقيون هذا التوصيف تبسيطاً خطيراً لجرائم منظمة تهدف إلى زعزعة الاستقرار وإشعال فتيل انتفاضة جديدة في المنطقة.
وفي ختام الرصد الميداني، يظهر تزايد في 'وقاحة' المجموعات المتطرفة التي باتت تعلن صراحة عبر منصات التواصل الاجتماعي عن نواياها لطرد الفلسطينيين. ورغم بعض الإجراءات الأمنية المحدودة، فإن سرعة إعادة بناء البؤر الاستيطانية المخلاة واستمرار الهجمات اليومية يعكسان دورة عنف مستمرة يصعب كسرها في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لوقف هذه الانتهاكات.
تحليل
الثّلاثاء 05 مايو 2026 5:34 صباحًا - بتوقيت القدس
تحت ستار الحرب على إيران: إجرام المستوطنين يتمدّد بلا حساب في الضفة الغربية
واشنطن – سعيد عريقات – 5/5/2026
تحليل إخباري
في وقتٍ تنشغل فيه أنظار العالم بالحرب الدائرة وتداعياتها الإقليمية، تتصاعد في الضفة الغربية موجة عنفٍ متنامية يقودها المستوطنون ، مستفيدين من حالة الانشغال الدولي وتراجع مستويات المتابعة والضغط السياسي. هذا الواقع شكّل جوهر تحليل إخباري نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية يوم الاثنين، 4 أيار 2026 ، مسلطًا الضوء على تحولات مقلقة في طبيعة العنف وحدّته، وعلى البيئة السياسية والأمنية التي تتيح له التمدد دون رادع فعّال.
يبرز التقرير مشاهد إنسانية قاسية تعكس عمق المأساة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث تحولت الاعتداءات من حوادث متفرقة إلى نمط شبه يومي من الهجمات المنظمة. ففي بلدة "قصرة"، قُتل الشاب أمير عودة، بينما تعرّض والده للطعن والضرب المبرح، في حادثة تختصر طبيعة العنف الجديد الذي لم يعد يقتصر على الترهيب بل تجاوز ذلك إلى القتل المباشر. ويؤكد شهود عيان أن المستوطنين باتوا مسلحين بشكل دائم، ما غيّر موازين المواجهة، وجعل السكان المحليين عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.
ولا تقتصر هذه الاعتداءات على القتل، بل تمتد إلى أشكال متعددة من الانتهاكات، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية والجنسية، وإحراق الممتلكات، وسرقة الأراضي والمواشي. في غور الأردن، تعرضت عائلة كاملة لاعتداء وحشي، فيما قُتل شبان آخرون أثناء محاولتهم حماية ممتلكاتهم. هذه الحوادث، وفق بيانات الأمم المتحدة، أدت خلال أقل من شهرين إلى مقتل 13 فلسطينيًا، وإصابة المئات، وتهجير مئات آخرين من منازلهم.
اللافت في هذا السياق أن تصاعد العنف يتزامن مع انشغال دولي بالحرب، ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين السياق الإقليمي والفراغ الرقابي الذي تستغله مجموعات المستوطنين. خبراء يرون أن هذه الجماعات تعتبر اللحظة الراهنة فرصة لتكثيف هجماتها بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، تتمثل في تفريغ مناطق فلسطينية وإحلال مستوطنين مكانها، ضمن مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية.
في المقابل، يواجه أداء الأجهزة الإسرائيلية، سواء الشرطة أو الجيش، انتقادات حادة. فعلى الرغم من الإعلان عن فتح تحقيقات في بعض الحوادث، تشير الأرقام إلى أن الغالبية الساحقة من هذه القضايا تُغلق دون توجيه اتهامات. كما أن الجنود، الذين يُفترض أنهم مسؤولون عن حماية المدنيين، غالبًا ما يتأخرون في التدخل أو يكتفون بالمراقبة، بل إن بعض التقارير تتحدث عن حالات تعاطف أو حتى مشاركة في الاعتداءات.
تتداخل هذه الإخفاقات الأمنية مع سياق سياسي أوسع، حيث تتهم أطراف داخل إسرائيل الحكومة اليمينية بالتقليل من شأن الظاهرة أو التغاضي عنها. ويعزز هذا الاتهام تصريحات بعض المسؤولين الذين شككوا في حجم العنف، رغم الأدلة الميدانية المتزايدة. كما أن السياسات الحكومية، مثل زيادة الدعم الأمني للمستوطنات، تُفسَّر من قبل منتقدين على أنها تمنح غطاءً غير مباشر لهذه الممارسات.
في هذا المناخ، باتت بعض الجماعات المتطرفة أكثر جرأة في التعبير عن أهدافها، بما في ذلك الدعوة العلنية إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم. هذا الخطاب، الذي كان يُتداول سابقًا في دوائر ضيقة، أصبح أكثر حضورًا في الفضاء العام، ما يعكس تحوّلًا في المزاج العام داخل بعض الأوساط الاستيطانية.
يكشف هذا التصاعد في عنف المستوطنين عن خلل بنيوي في منظومة المساءلة، حيث تتحول القوانين إلى أدوات انتقائية بدل أن تكون رادعًا شاملًا. غياب المحاسبة لا يقتصر على التقصير الإداري، بل يعكس إرادة سياسية غير مكتملة في مواجهة الظاهرة. ومع تكرار إغلاق الملفات دون اتهام، تتكرس ثقافة الإفلات من العقاب، ما يشجع على مزيد من التصعيد. في هذا السياق، يصبح العنف ليس انحرافًا عن القاعدة، بل امتدادًا لها، ضمن بيئة تسمح بتطبيع الاعتداءات وتحويلها إلى سلوك اعتيادي لا يثير ردعًا فعليًا.
ويفضي التذرع الدولي بالحروب الكبرى إلى فراغ رقابي خطير تستغله إسرائيل لتكريس واقع استيطاني عنيف في الضفة الغربية، حيث يمارس المستوطنون اعتداءاتهم المنظمة بحق الفلسطينيين تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال. هذه الممارسات لا تمثل حوادث معزولة، بل تعكس بنية ممنهجة من العنف والإفلات من العقاب، تجعل من الاستيطان الإسرائيلي حالة فريدة في عالمنا المعاصر. وفي ظل غياب ردع دولي حقيقي، تتحول هذه الجرائم إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة، وفرض وقائع تقوض أي أفق لحل سياسي عادل.
يطرح تصاعد خطاب المستوطنين المتطرفين تساؤلات عميقة حول التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، ومدى تقبّله أو رفضه لهذه التوجهات. فحين ينتقل خطاب الإقصاء من الهامش إلى العلن، ويُقابل بصمت أو تبرير، فإن ذلك يشير إلى تغير في المعايير الأخلاقية والسياسية. هذا التحول لا يؤثر فقط على الفلسطينيين، بل ينعكس أيضًا على بنية الدولة الإسرائيلية وصورتها الدولية. وفي ظل هذا المناخ، يصبح من الصعب الفصل بين أفعال الأفراد وسياسات الدولة، ما يعقّد أي محاولة للمساءلة أو الإصلاح.
منذ تسعينات القرن الماضي، دأبت إسرائيل على تضخيم الخطر الإيراني وتقديمه كتهديد وجودي داهم، في مسعى لصرف أنظار المجتمع الدولي عن سياساتها على الأرض في الضفة الغربية المحتلة. هذا الخطاب الأمني لم يكن مجرد تقدير استراتيجي، بل تحول إلى أداة سياسية لتبرير التوسع الاستيطاني وتسريع مصادرة الأراضي، بالتوازي مع تصعيد منسوب العنف ضد الفلسطينيين لدفعهم نحو النزوح القسري. وبينما ينشغل العالم بمتابعة التوتر مع إيران، تتواصل عمليات فرض الوقائع الميدانية بعيدًا عن المساءلة، بما يعمّق اختلال ميزان العدالة ويقوّض أي إمكانية لسلام قائم على الحقوق.
اقتصاد
الثّلاثاء 05 مايو 2026 3:38 صباحًا - بتوقيت القدس
انسحاب الإمارات من أوبك+: هل هو فك ارتباط اقتصادي أم إعادة هندسة لسوق الطاقة؟
جاء إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحالف (أوبك+) ليمثل هزة في الأوساط الاقتصادية والسياسية، متجاوزاً كونه مجرد خلاف فني على حصص الإنتاج. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس شرخاً جديداً في آخر الملفات التي كانت تمنح الدول العربية وزناً نسبياً في معادلة الطاقة العالمية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة القرار ودوافعه الحقيقية.
تعد منظمة أوبك، التي تضم كبار المنتجين كالسعودية والعراق والكويت، ركيزة أساسية تضخ نحو ثلث الإنتاج العالمي، بينما يمتد تأثير (أوبك+) ليشمل روسيا والمكسيك ودولاً أخرى، مسيطراً على نصف إمدادات الطاقة تقريباً. إن قوة هذا التكتل تكمن في قدرته على توجيه الأسعار العالمية وتحديد تكلفة الطاقة، وهو ما يجعل أي انسحاب من أعمدته الأساسية بمثابة إضعاف للقدرة التفاوضية الجماعية أمام المستهلكين الكبار.
الإمارات ليست عضواً هامشياً في المنظمة، فهي تنتج حالياً نحو 3.5 مليون برميل يومياً، مع طموحات استثمارية لرفع هذه القدرة إلى 5 ملايين برميل. هذا الفارق الكبير بين الإنتاج الفعلي والسقف المسموح به داخل التحالف كان يمثل ضغطاً مالياً على أبوظبي التي تسعى لتعظيم إيراداتها النفطية والاستفادة من أسعار السوق الحالية.
من الناحية المالية، يقدر المحللون أن التحرر من قيود الحصص قد يدر على الخزينة الإماراتية نحو 150 مليون دولار إضافية يومياً، ما يعادل 50 مليار دولار سنوياً. هذا الدافع الاقتصادي يبدو منطقياً من منظور وطني صرف، لكنه يثير قلقاً بشأن استقرار التحالف النفطي الذي قاد السوق لسنوات طويلة عبر التنسيق المشترك.
يأتي توقيت هذا القرار في لحظة حرجة تشهد اشتعالاً في الجبهات الإقليمية وتوترات في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر. وفي ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، كان من المتوقع أن يتمسك المنتجون بالتنسيق الجماعي، إلا أن التوجه نحو العمل المنفرد يخدم بالدرجة الأولى القوى الدولية الباحثة عن سوق أكثر مرونة.
تعتبر واشنطن المستفيد الأكبر من تآكل انضباط (أوبك+)، حيث مثلت المنظمة طوال السنوات الماضية تحدياً للسياسات الأمريكية الرامية لخفض أسعار الوقود وخنق الخصوم. إن إضعاف القرار الجماعي للمنتجين يسهل على البيت الأبيض توجيه السوق العالمي بما يخدم مصالحه الاقتصادية والسياسية دون الاصطدام بكتلة صلبة.
تاريخياً، كان النفط يُنظر إليه كـ 'سلاح' استراتيجي، كما حدث في عام 1973، لكن الواقع الحالي يشير إلى تحول جذري في هذه المفاهيم. فالدول التي تعتمد في أمنها واقتصادها على المنظومات الغربية تجد صعوبة في استخدام الطاقة كأداة ضغط سياسي مستقلة، مما يجعل النفط جزءاً من منظومة الاستقرار الدولية بدلاً من كونه ورقة قوة سيادية.
النفط العربي منذ سنوات لم يعد سلاحاً حراً، بل صار جزءاً من منظومة استقرار الطاقة التي يحتاجها الغرب، وفقد روحه منذ فقد أصحابه استقلال القرار.
إن ما يحدث اليوم يتجاوز فقدان 'سلاح النفط' إلى مرحلة تفكيك التنسيق العربي نفسه، حيث بدأت الدول تبحث عن مصالحها المالية الفردية تحت المظلة الدولية. هذا التحول يؤدي بالضرورة إلى غياب الموقف الجماعي الموحد، مما يقلل من قدرة المنطقة على التأثير في القرارات الدولية الكبرى المتعلقة بالطاقة والأمن.
على الصعيد الإقليمي، يرى محللون أن إسرائيل تراقب هذه التحولات باهتمام، حيث يمثل تفكك الكتل الاقتصادية العربية مكسباً استراتيجياً لها. فغياب التنسيق النفطي يعني تلاشي احتمالات استخدامه كرسالة ضغط في أي صراع إقليمي مستقبلي، مما يمنح الاحتلال وداعميه ثقة أكبر في استقرار الإمدادات بعيداً عن التجاذبات السياسية.
لا يمكن التعامل مع نتائج هذا القرار كسلسلة من المصادفات، فالمحصلة النهائية تصب في مصلحة المستوردين الكبار وعلى رأسهم الولايات المتحدة وأوروبا. إن سوقاً يضم منتجين متنافسين بدلاً من منتجين متضامنين هو النموذج المثالي الذي تسعى القوى الغربية لترسيخه لضمان تدفق الطاقة بأسعار مريحة لنموها الاقتصادي.
الانسحاب الإماراتي قد يفتح الباب أمام دول أخرى لإعادة النظر في عضويتها، مما يهدد بانهيار كامل لمنظومة أوبك التي صمدت لعقود. وإذا ما حدث ذلك، فإن سوق النفط سينتقل من مرحلة 'الإدارة الجماعية' إلى مرحلة 'الفوضى المنظمة' التي تديرها القوى الاستهلاكية الكبرى عبر اتفاقيات ثنائية مع كل دولة على حدة.
يبقى السؤال الجوهري حول مدى استقلالية القرار النفطي العربي في ظل الارتباط الوثيق بالأسواق والعملات والمنظومات الأمنية الغربية. إن تحول النفط من أداة سياسية إلى مجرد سلعة تجارية بحتة يعكس تراجعاً في مفهوم السيادة الاقتصادية الشاملة لصالح حسابات الربح والخسارة السريعة في الميزانيات الوطنية.
في الختام، قد تنجح أبوظبي في تحقيق مكاسب مالية ضخمة وتعزيز استثماراتها في قطاع الطاقة بعيداً عن قيود (أوبك+). لكن هذه المكاسب المادية تقابلها خسارة معنوية وسياسية للمنطقة ككل، حيث يفقد العرب إحدى آخر أوراق القوة المشتركة التي كانت تمنحهم صوتاً مسموعاً في المحافل الدولية.
إن إعادة تشكيل سوق الطاقة بما يناسب التوجهات الدولية الجديدة يضع الأمة أمام تحدي استعادة زمام المبادرة في ملفاتها الحيوية. فبدون تنسيق حقيقي وقرار سيادي موحد، ستظل الموارد الطبيعية مجرد أرقام في ميزانيات الدول، دون أن تتحول إلى قوة فعلية قادرة على حماية المصالح العليا للشعوب العربية.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 3:26 صباحًا - بتوقيت القدس
إياد جربوع.. طفل فلسطيني يختصر سنوات العمر في رعاية والديه المشلولين بخيمة نزوح
في مدينة دير البلح، وتحديداً داخل إحدى خيام النزوح المتهالكة، ينام الطفل إياد جربوع (12 عاماً) على الأرض بجوار فراش والده المشلول. يتحول نوم الصغير إلى مهمة مراقبة مستمرة، حيث يظل متيقظاً لأي نداء قد يصدر عن والده نهاد في عتمة الليل، ليلبي احتياجاته التي لا تنتهي في ظل واقع الإعاقة المرير.
تتجاوز مسؤوليات إياد حدود عمره الصغير بكثير، ففي هذه الخيمة الضيقة، تصبح كل حركة بسيطة عبئاً يحتاج إلى ترتيب مسبق وجهد بدني شاق. ينهض الطفل مع كل حركة لوالده، سواء لتعديل وضعيته أو لمساعدته في قضاء حاجته، مما جعل من جسده النحيل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها بقاء العائلة.
مع بزوغ الفجر، يبدأ فصل جديد من المعاناة اليومية، حيث يوزع إياد اهتمامه بين والده المشلول ووالدته زينب التي تعاني من بتر في ساقيها. يتحرك بمهارة اكتسبها من قسوة التجربة، فيقرب لهما الماء ويهيئ لهما الموضع المناسب، متخلياً عن أحلام الطفولة التي كان يفترض أن يعيشها بين مقاعد الدراسة.
تشاركه في هذا الحمل الثقيل شقيقته الكبرى رهف، البالغة من العمر 14 عاماً، والتي غادرت هي الأخرى مقاعد الدراسة لتصبح معيلة ثانية. تتقاسم رهف مع شقيقها مهام ترتيب الخيمة وتجهيز الفطور، في تحول قسري من حياة الكتب والامتحانات إلى حياة المسؤولية الكاملة عن والدين عاجزين.
تعد مهمة توفير المياه واحدة من أقسى المعارك اليومية التي يخوضها إياد، حيث يضطر لحمل ستة غالونات بلاستيكية والركض خلف صهاريج التوزيع. يقطع المسافات الطويلة فوق الرمال الناعمة التي تزيد من ثقل الحمل، ويعود مراراً وتكراراً حتى يملأ مخزون العائلة البسيط من الماء الصالح للشرب.
تظهر علامات التعب والإرهاق بوضوح على وجه إياد مع كل رحلة يقوم بها، لكن إصراره يدفعه للمواصلة دون توقف. يميل جسده الصغير تحت وطأة الغالونات الثقيلة، لكنه يدرك تماماً أن استمرار حياة والديه داخل الخيمة يعتمد بشكل كلي على هذه الخطوات المجهدة التي يقطعها يومياً.
بعد تأمين المياه، يتوجه إياد نحو 'التكية' الخيرية للوقوف في طوابير طويلة بحثاً عن وجبة طعام تسد رمق عائلته. يقف الطفل بين حشود الكبار والصغار حاملاً وعاءه، منتظراً نصيبه من الطعام الذي يمثل الوجبة الوحيدة المتاحة في ظل الحصار الخانق والظروف الاقتصادية المعدمة.
حرمت نفسي من الطفولة ومن أصحابي ومن تعليمي من أجل مساعدة أمي وأبي، وأتمنى أن أتعلم مثلي مثل باقي الأطفال.
يتحدث إياد والدموع تسبق كلماته عن حلمه الموؤد في العودة إلى المدرسة واللعب مع أقرانه دون خوف أو مسؤولية. يقول بمرارة إنه حرم نفسه من طفولته ومن أصدقائه ومن حقه في التعليم، فقط ليكون السند الذي يحتاجه والداه في هذه الظروف الاستثنائية التي يمر بها قطاع غزة.
من جانبها، تعبر الأم زينب عن وجعها العميق وهي ترى طفلها الصغير يقوم بمهام تفوق قدرته الجسدية، خاصة عندما يضطر لحملها أو جر كرسيها فوق الرمل. تؤكد الأم أن وعي إياد الأول ارتبط بالمستشفيات ومعاني البتر والجروح، قبل أن يدرك معنى اللعب أو الاستمتاع بالحياة كبقية أطفال العالم.
أما الأب نهاد، الذي كان يدير مؤسسة فنية قبل الحرب ويعيل عشرات الموظفين، فينظر إلى ابنه بعينين مكسورتين يملؤهما الحزن والامتنان. يستيقظ الأب كل صباح وهو يفكر في حجم العبء الذي يلقيه على عاتق طفله، متسائلاً بأسى عن كيفية قدرة هذا الجسد الصغير على تلبية كل هذه الاحتياجات المرهقة.
أصبح الكرسي المتحرك المركون عند مدخل الخيمة رمزاً للحياة الموزعة بين جسدين أنهكهما العجز، حيث يديره إياد ببراعة لتسهيل حركة والديه. يوزع الطفل مواعيد خروج والديه من الخيمة بدقة، محاولاً الموازنة بين ضرورة خروج أمه للسوق وحاجة والده لاستنشاق الهواء بعد أيام من الحبس الإجباري.
رغم كل هذه الأعباء، يحاول إياد اختلاس دقائق قليلة للعب مع أصدقائه في المخيم، حيث يستعيد فيها شيئاً من براءته المفقودة. يركض ويضحك بخفة للحظات عابرة، لكن عينيه تظلان مشدودتين نحو الخيمة، وكأن هناك خيطاً خفياً يذكره دائماً بمسؤوليته الكبرى التي تنتظره في الداخل.
تؤكد العائلة أن هذا الضغط الهائل بدأ يترك آثاراً نفسية واضحة على إياد، حيث يعاني من اضطرابات ليلية ونوبات بكاء مفاجئة. يصرخ جسده في الليل بما يكتمه في النهار من تعب وصبر، في انعكاس طبيعي لحجم المأساة التي يعيشها طفل وجد نفسه فجأة في دور رب أسرة مثقلة بالجراح.
تنتهي تفاصيل يوم إياد كما بدأت، بانتظار نداء جديد أو مهمة طارئة داخل الخيمة التي لا تمنح ساكنيها أي خصوصية أو راحة. يبقى حلم الطفل بسيطاً وعظيماً في آن واحد؛ أن يرى والديه بخير وسالمين، وأن يجد يوماً ما طريقاً يعيده إلى مقاعد الدراسة التي اشتاق إليها.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 3:25 صباحًا - بتوقيت القدس
تحذيرات من أزمة عطش وشيكة في غزة مع اقتراب فصل الصيف
تواجه مدينة غزة ومناطق واسعة من القطاع تهديداً حقيقياً بالوصول إلى مرحلة العطش الحاد، في ظل تفاقم أزمة المياه واعتماد السكان على مصادر محدودة وغير مستقرة. وأفادت مصادر رسمية في بلدية غزة بأن المواطنين يضطرون حالياً للاعتماد على ما تبقى من محطات التحلية والآبار الجوفية التي لم تتأثر بتداخل مياه البحر، خاصة في المناطق الشرقية وأجزاء من الشمال.
وأكد المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا أن هذه المصادر المتاحة لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات الفعلية للسكان والنازحين على حد سواء. وأوضح أن الدمار الممنهج الذي طال شبكات المياه والآبار الرئيسية أدى إلى تراجع حاد في القدرة التشغيلية للمرافق الحيوية، مما جعل تأمين المياه مهمة شاقة يومياً.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن بعض محطات التحلية في غزة وخان يونس ودير البلح لا تزال تعمل بحدودها الدنيا، لكنها تصطدم بعقبات كبيرة تتعلق بنقص الوقود وقطع الغيار. هذا النقص الحاد في المستلزمات الأساسية والمولدات الكهربائية ينعكس بشكل مباشر على انتظام عمليات ضخ المياه وتوزيعها على الأحياء السكنية المكتظة.
استمرار الوضع الحالي مع ارتفاع درجات الحرارة ينذر بتفاقم الأزمة بشكل خطير، ما قد يقود إلى أزمة عطش واسعة النطاق.
وفيما يخص مدينة غزة، كشف مهنا أن أزمة المياه تجاوزت في ذروتها حاجز الـ 70% من السكان الذين لا تصلهم المياه بانتظام عبر الشبكات المهترئة. هذا الواقع دفع البلدية للبحث عن حلول بديلة ومؤقتة لتوزيع المياه، رغم الضغوط الهائلة والواقع الإنساني الصعب الذي يفرضه استمرار الحصار والدمار.
ومع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تزداد المخاوف من انفجار الأزمة بشكل غير مسبوق نتيجة تزايد الطلب على المياه. وحذر المسؤولون من أن بقاء الوضع على ما هو عليه دون تدخل عاجل سيقود حتماً إلى كارثة عطش واسعة النطاق، مما يهدد الصحة العامة ويزيد من معاناة العائلات النازحة والمقيمة.
وشددت بلدية غزة على ضرورة التحرك الدولي لفتح المعابر بشكل فوري للسماح بدخول المعدات الفنية والوقود اللازم لصيانة وتشغيل الآبار. كما دعت إلى توفير مصادر طاقة بديلة لضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، مؤكدة أن مساحات واسعة من المدينة باتت معزولة تماماً عن شبكة المياه نتيجة التدمير الكلي للبنية التحتية.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 3:25 صباحًا - بتوقيت القدس
أجهزة متهالكة وحصار خانق: مرضى الكلى في غزة يواجهون خطر الموت الجماعي
تتصاعد التحذيرات الطبية من داخل غرف غسيل الكلى في مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، حيث يواجه المرضى واقعاً مأساوياً ناتجاً عن تهالك الأجهزة ونقص الإمكانات الأساسية. وأفادت مصادر بأن المنشأة التي تعرضت لقصف متكرر تعاني من تعطل مستمر في أجهزة غسيل الكلى، مما يجعل حياة المئات على المحك في ظل غياب البدائل.
وفي مشهد يجسد حجم الكارثة، تضطر طواقم الهندسة والصيانة في وزارة الصحة لخوض سباق مع الزمن لإبقاء الأجهزة قيد العمل. ويقوم الفنيون بإجراء عمليات صيانة معقدة ومستعجلة للأجهزة في اللحظة ذاتها التي يكون فيها المريض موصولاً بها، لضمان استمرار عملية غسيل الدم دون توقف مفاجئ قد يودي بحياته.
وأكد مازن العرايشي، مدير عام قسم الهندسة والصيانة بوزارة الصحة أن هذا الواقع يهدد حياة نحو 700 مريض كلى في مختلف أنحاء القطاع. وأشار إلى أن أقسام الكلية الصناعية في مستشفيات رئيسية مثل مجمع الشفاء ومستشفى الأقصى ومجمع ناصر الطبي باتت تقف فعلياً على حافة التوقف التام عن العمل.
وتعتمد استمرارية عمل هذه الأجهزة على برامج صيانة دورية دقيقة وفقاً للأعراف الطبية العالمية، حيث يجب استبدال الأجهزة أو صيانتها بعد ساعات عمل محددة. ومع تجاوز هذه الساعات دون صيانة حقيقية، تصبح الأجهزة خارج الخدمة، مما يفاقم قائمة الانتظار الطويلة للمرضى الذين لا يحتمل وضعهم الصحي أي تأخير.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الأجهزة فحسب، بل تمتد لتشمل محطات تنقية المياه التي تعد الشريان الأساسي لعملية الغسيل. وتتطلب هذه العملية مياهاً بمواصفات دقيقة جداً وخالية من الأملاح والشوائب، وهو ما بات توفيره شبه مستحيل في ظل تعطل المحطات المركزية في كبرى مستشفيات القطاع.
ما يحدث هو حكم إعدام جماعي على المرضى الذين تتكدس السموم في أجسادهم نتيجة تعطل محطات التنقية ومنع إدخال قطع الغيار.
واتهمت وزارة الصحة سلطات الاحتلال بتشديد الحصار على القطاع الصحي ومنع إدخال المساعدات الإنسانية والطبية الضرورية رغم التفاهمات القائمة. ويشمل هذا المنع قطع الغيار اللازمة للصيانة الدورية، بالإضافة إلى الفلاتر والمواد الكيميائية المخصصة لتنقية المياه، مما يعطل المنظومة الطبية بالكامل.
ونتيجة لهذا النقص الحاد، اضطر الأطباء لاتخاذ قرارات قاسية شملت تقليص عدد ساعات جلسات الغسيل الكلوي للمرضى بشكل أسبوعي. فبعد أن كان المريض يحصل على ثلاث جلسات مدة كل منها خمس ساعات، انخفضت المدة إلى ثلاث ساعات فقط، وفي بعض الحالات تم تقليص عدد الجلسات إلى اثنتين فقط.
وتشير إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية إلى وجود نحو 30 ألف مريض وجريح يتكدسون حالياً داخل المستشفيات المتهالكة في قطاع غزة. وتنتظر هذه الحالات الحصول على تنسيق للسفر عبر المعابر لتلقي العلاج في الخارج، بعد أن فقدت المنظومة المحلية قدرتها على التعامل مع الإصابات والظروف المرضية الحرجة.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تواصل فيه إسرائيل خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر الماضي، من خلال شن غارات متفرقة وتغيير معالم الخطوط الميدانية المتفق عليها. كما يستمر تقييد وصول الشاحنات المحملة بالمستلزمات الطبية، مما يعمق جراح القطاع الذي دمرت الحرب معظم بناه التحتية.
وتجدد المؤسسات الدولية والفلسطينية مطالباتها بضرورة الضغط على سلطات الاحتلال لفتح كافة المعابر، وفي مقدمتها معبر رفح، لإنقاذ آلاف الأرواح. ويحذر الأطباء من أن استمرار الوضع الحالي سيحول فترات الانتظار إلى أحكام نهائية بالموت للمرضى الذين لا يملكون ترف الوقت في انتظار الحلول السياسية.
عربي ودولي
الثّلاثاء 05 مايو 2026 3:24 صباحًا - بتوقيت القدس
تحذيرات من كارثة مائية.. خبير جيولوجي يكشف تراجع مخزون سد النهضة وتوقف توربيناته
أطلق الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، تحذيرات جديدة ومشددة من وقوع كارثة مائية وشيكة تهدد كلاً من السودان ومصر جراء التطورات الأخيرة في سد النهضة الإثيوبي. وأوضح الخبير المصري أن البيانات الحالية تشير إلى ثبات مخزون السد عند منسوب 629 متراً فوق مستوى سطح البحر، وهو ما يعادل إجمالي تخزين يصل إلى 47 مليار متر مكعب من المياه.
وأشار شراقي في قراءته الفنية للأوضاع الراهنة إلى أن الشهر الجاري سيشهد زيادة ملحوظة في معدل الإيراد المائي، حيث من المتوقع أن يرتفع بمقدار 22 مليون متر مكعب يومياً. ورغم التشكيك الإثيوبي في هذه الأرقام، إلا أن الخبير أكد أن الحقائق الميدانية والفضائية تكشف واقعاً مغايراً لما يتم الترويج له رسمياً، واصفاً الوضع بـ 'الصادم' من الناحية الجيولوجية والفنية.
واستند الخبير في تحليله إلى صور فضائية حديثة رصدت حجم البحيرة في منتصف سبتمبر الماضي، حيث أظهرت عبور المياه من أعلى الممر الأوسط وتدفقها عبر ثلاث بوابات تصريف في الجانب الأيسر. وبينت الصور أن منسوب المياه سجل تراجعاً حاداً في الثالث من مايو 2026، حيث انخفض بنحو 11 متراً عن الحد الأقصى الذي وصل إليه سابقاً، وهو ما يظهر بوضوح عبر شريط فاتح اللون على حواف البحيرة.
وفي مقارنة تقنية دقيقة، كشف الدكتور شراقي عن توقف التوربينات عن العمل في مطلع مايو الجاري، وذلك عند مقارنة حالتها الحالية بما كانت عليه في فبراير من العام الماضي. وأكد أنه لو كانت هذه التوربينات تعمل بالكفاءة المطلوبة، لكان حجم البحيرة قد انخفض إلى الثلث مع بداية موسم الأمطار الجديد، مما يشير إلى وجود خلل فني يعيق عملية توليد الكهرباء المرجوة.
الإنكار وعدم الاعتراف يؤدي إلى تشغيل خاطئ، والنتيجة فيضان جديد يكون فيه الشعب السوداني ضحية خاصة الذين يعيشون على ضفاف النيل الأزرق.
وحذر الخبير من أن سياسة الإنكار التي تتبعها السلطات الإثيوبية قد تؤدي إلى كوارث إنسانية، خاصة مع الامتناع عن فتح بوابات المفيض العلوي للتفريغ التدريجي خشية الكشف عن تعطل التوربينات أمام الرأي العام. هذا السلوك قد يسفر عن موجة فيضانات عارمة يدفع ثمنها نحو 20 مليون سوداني يقطنون على ضفاف النيل الأزرق، في تكرار لسيناريوهات مأساوية حدثت في أواخر عام 2025.
وتساءل شراقي عن مدى استفادة الشعب الإثيوبي من الكهرباء الموعودة، مشيراً إلى أن الاحتفالات بتشغيل التوربينات بدأت منذ أكثر من أربع سنوات دون نتائج ملموسة على أرض الواقع. فقد تم الإعلان عن تشغيل التوربين الأول في فبراير 2022، وتوالت الإعلانات عن تركيب بقية الوحدات وصولاً إلى سبتمبر 2025، إلا أن الواقع الفني يشير إلى تعثر مستمر في التشغيل الفعلي.
واختتم أستاذ الجيولوجيا حديثه بالتشديد على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن تبادل المعلومات والبيانات بين الدول الثلاث. وأكد أن الهدف الأساسي من هذه التحذيرات هو الحفاظ على حياة الشعب السوداني وحماية المصالح المائية المشتركة، بعيداً عن حالة التعتيم التي قد تؤدي إلى عواقب وخيمة لا يمكن تداركها في المستقبل القريب.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 3:24 صباحًا - بتوقيت القدس
مستوطنون ينهبون أضاحي العيد في الخليل تحت حماية قوات الاحتلال
تعرض المواطن الفلسطيني موسى العدرة، من سكان منطقة 'رجوم إعلي' بمسافر يطا جنوب الخليل، لاعتداء وحشي من قبل مجموعات من المستوطنين الذين اقتحموا منزله وحظيرة أغنامه تحت جنح الظلام. وقام المهاجمون بقص السياج الشائك المحيط بالحظيرة، مما أدى إلى تشتت القطيع، في حين وفرت قوات الاحتلال الغطاء اللازم للمستوطنين لتنفيذ جريمتهم دون أي تدخل لمنعهم.
استيقظ العدرة على جلبة الأغنام وهرع محاولاً إنقاذ مصدر رزقه الوحيد، إلا أنه واجه عصابة منظمة ومسلحة قامت بالتنكيل به والاعتداء عليه بالضرب المبرح. وأمام كثرة أعداد المهاجمين، لم يجد المواطن وسيلة سوى الصراخ لطلب النجدة من أبنائه وجيرانه في القرية الذين هبوا للمساعدة في ظل ظروف أمنية بالغة الخطورة.
خلال محاولة التصدي للمستوطنين، اعترض شقيق موسى المهاجمين بمركبته الخاصة، فما كان منهم إلا أن طعنوه بسكين وحطموا الزجاج الأمامي لسيارته قبل أن يلوذوا بالفرار وسوق جزء كبير من القطيع معهم. وأفادت مصادر محلية بأن المستوطنين تعمدوا إلحاق أكبر قدر من الأذى الجسدي والمادي بالعائلة لترهيبها ومنعها من الدفاع عن ممتلكاتها.
وبعد عمليات بحث مضنية، عثر العدرة على 20 رأساً فقط من أصل أكثر من 200 رأس غنم كان يمتلكها، حيث سُرقت البقية واقتيدت إلى مستوطنة إسرائيلية قريبة. ومن بين المفقودات نحو 70 خروفاً كان العدرة قد اعتنى بها طوال العام لاستثمارها كأضاحي في عيد الأضحى المبارك، مما كبده خسائر مالية فادحة تعجز العائلة عن تعويضها.
هذه الاعتداءات ليست عبثية، بل هي منظمة وممنهجة سياسياً بهدف إضعاف اقتصادنا وإرهابنا لتهجيرنا، لكننا سنظل صامدين في أرضنا.
وفي إطار المماطلة المعهودة، رفضت الشرطة والجيش الإسرائيليان التعاون مع الضحية رغم اتصاله الفوري بهم لحظة وقوع الهجوم، بل زادوا من معاناته باحتجازه لساعات داخل مقر الشرطة في مستوطنة 'كريات أربع'. ورفضت سلطات الاحتلال استقبال بلاغه بشكل رسمي في البداية، في سلوك يؤكد التواطؤ الواضح بين المنظومة الأمنية والمستوطنين في الضفة الغربية.
وأعرب العدرة عن مخاوفه الحقيقية على حياة أطفاله، مشيراً إلى أنه اضطر لترك الأغنام والعودة للمنزل بسرعة خشية قيام المستوطنين بإلقاء زجاجات حارقة 'مولوتوف' على منزله وحرق عائلته. ويأتي هذا الهجوم بعد أقل من ثلاثة أسابيع على قيام المستوطنين باقتلاع 50 شجرة زيتون من أرضه، مما يشير إلى استهداف ممنهج لوجوده في المنطقة.
وتشير المعطيات الحقوقية إلى أن هذه الاعتداءات تندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الفلسطيني في المناطق المصنفة 'ج' لدفع السكان نحو التهجير القسري. وتتنوع هذه الهجمات بين حرق المحاصيل، وهدم المنشآت، والاستيلاء على المراعي، وقتل المواشي أو سرقتها، مما يحول حياة المزارعين الفلسطينيين إلى كابوس يومي.
ووفقاً لبيانات صادرة عن منظمة 'البيدر' الحقوقية، فإن ظاهرة سرقة المواشي شهدت تصاعداً خطيراً، حيث سلب المستوطنون أكثر من 12 ألف رأس من الماشية منذ مطلع عام 2025 وحتى اليوم. وتؤكد هذه الأرقام، مقارنة بـ 1500 رأس سُرقت في عام 2024 أن هناك تصعيداً غير مسبوق في الحرب الاقتصادية التي يشنها المستوطنون ضد التجمعات الرعوية الفلسطينية.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 3:24 صباحًا - بتوقيت القدس
الأمن الفلسطيني يتسلم قاتل طفله في رام الله ويفند رواية الاحتلال حول اعتقاله
فندت مصادر أمنية فلسطينية الادعاءات التي روج لها جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن العثور على المتهم بقتل نجله وإحراق جثته مختبئاً داخل إحدى المستوطنات في محافظة رام الله والبيرة. وأوضحت المصادر أن التحقيقات والمتابعة الميدانية أكدت أن الجاني لم يدخل أي مستوطنة، بل اضطر للتوجه نحو حاجز عسكري إسرائيلي هرباً من الملاحقة الأمنية الفلسطينية المكثفة التي حاصرته في محيط وقوع الجريمة.
وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن المتهم سلم نفسه لقوات الاحتلال المتمركزة عند حاجز 'هشمونائيم' العسكري، وذلك بعد شعوره باقتراب لحظة اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية التي كانت تطارده. وأشارت المصادر إلى أن عناصر الأمن الفلسطيني تمكنت من توثيق لحظة لجوء القاتل للجانب الإسرائيلي، مما دفع جهاز الاستخبارات الفلسطينية للتحرك الفوري والمطالبة بتسليمه لضمان مثوله أمام القضاء الفلسطيني، وهو ما استُجيب له بعد مرور ساعات قليلة.
القاتل لم يفر إلى داخل أي مستوطنة، بل لجأ إلى أحد الحواجز العسكرية الإسرائيلية بعد أن ضيقت الأجهزة الأمنية الخناق عليه.
وتعود جذور هذه الفاجعة التي هزت الرأي العام في الشارع الفلسطيني إلى قرية 'بيت عور'، حيث أقدم الأب على ارتكاب جريمة بشعة بحق طفله 'نعيم أحمد الشامي' البالغ من العمر 12 عاماً فقط. وقام الجاني باصطحاب ابنه إلى منطقة زراعية نائية، حيث نفذ جريمة طعنه قبل أن يقوم بإضرام النيران في جثته في محاولة لإخفاء معالم الفعلة النكراء التي أثارت حالة من الصدمة والغضب الواسع.
وتواصل الجهات المختصة في النيابة العامة والأجهزة الأمنية استكمال التحقيقات مع المتهم للوقوف على دوافع ارتكاب هذه الجريمة المروعة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه. وتشدد المصادر الأمنية على ملاحقتها لكافة الخارجين عن القانون، مؤكدة أن محاولات الفرار نحو مناطق التماس أو الحواجز العسكرية لن تحول دون وصول يد العدالة إلى مرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق المواطنين.
فلسطين
الثّلاثاء 05 مايو 2026 1:24 صباحًا - بتوقيت القدس
تصعيد ميداني واسع: حزب الله ينفذ 11 عملية جنوب لبنان والاحتلال يواصل خروقاته في غزة
أعلن حزب الله اللبناني عن تنفيذ 11 عملية عسكرية نوعية استهدفت تجمعات لآليات وجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في عدة بلدات حدودية بجنوب لبنان. وأكد الحزب في بياناته أن هذه التحركات تأتي في سياق الرد المشروع على الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا بين المدنيين وتدمير واسع للممتلكات.
وشملت الاستهدافات صليات صاروخية مكثفة وقذائف مدفعية طالت نقاط تمركز الاحتلال في بلدات البياضة والقنطرة وعيناتا، بالإضافة إلى استهداف مباشر لجنود في دير ميماس وعدشيت القصير. وأوضحت مصادر ميدانية أن الهجمات اتسمت بالدقة، حيث تم استخدام أسلحة متنوعة لضمان تحقيق إصابات مباشرة في صفوف القوات المتوغلة.
وفي تطور ميداني بارز، نفذت وحدة الطائرات المسيرة التابعة للحزب هجوماً بسرب من المسيرات الانقضاضية على مربض مدفعية مستحدث في بلدة رب ثلاثين. كما تم استهداف موقع قيادي تابع لجيش الاحتلال في بلدة البياضة بطائرة مسيرة أخرى، مما يعكس قدرة المقاومة على رصد واستهداف النقاط الحساسة للجيش الإسرائيلي خلف الخطوط الأمامية.
وشهدت منطقة خلة الراج شمال بلدة دير سريان اشتباكاً مباشراً من مسافة صفر بين مقاتلي الحزب وقوة إسرائيلية حاولت التقدم باتجاه بلدة زوطر الشرقية. واستخدم المقاتلون الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في المواجهة التي أسفرت عن وقوع إصابات مؤكدة، حيث شوهدت عمليات إجلاء للمصابين براً نحو مستوطنة مسغاف عام قبل نقلهم بالمروحيات إلى المستشفيات داخل الأراضي المحتلة.
هذه العمليات تأتي دفاعًا عن لبنان وشعبه، وردًّا على خرق العدوّ الإسرائيليّ لوقف إطلاق النار والاعتداءات التي طالت القرى الجنوبية.
من جانبه، أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بإصابة اثنين من عسكرييه بجروح متوسطة خلال الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في المنطقة الحدودية. وأفادت مصادر طبية إسرائيلية بأنه جرى نقل الجرحى إلى مستشفى رمبام في مدينة حيفا لتلقي العلاج، في وقت يواصل فيه الاحتلال ممارسة سياسة التعتيم على الحجم الحقيقي لخسائره الميدانية.
وعلى صعيد الضحايا المدنيين، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن استشهاد 17 شخصاً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية جراء الغارات والقصف الإسرائيلي المستمر. وبهذا ترتفع الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ مطلع مارس الماضي إلى 2696 شهيداً وأكثر من ثمانية آلاف جريح، وسط استمرار عمليات تفجير المنازل والمنشآت في القرى الجنوبية.
وفي قطاع غزة، تواصلت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر الماضي، حيث استشهد المواطن موسى الأبيض برصاص الاحتلال في منطقة بيت لاهيا. وأفادت مصادر محلية بأن الاستهداف وقع في منطقة العطاطرة التي تقع خارج نطاق سيطرة جيش الاحتلال، مما يمثل انتهاكاً صارخاً للتفاهمات الميدانية المبرمة.
ولم تتوقف الاعتداءات عند هذا الحد، إذ استهدفت المدفعية الإسرائيلية الأحياء الشرقية لمدينة غزة فجر الاثنين، تزامناً مع إطلاق نار وقذائف من الزوارق الحربية تجاه سواحل رفح وخان يونس. وتأتي هذه التطورات في ظل ترقب لاجتماع الكابينت الإسرائيلي لمناقشة الأوضاع الميدانية، وسط تلويح من قادة الاحتلال بالعودة إلى خيار الحرب الشاملة.




