جنين –"القدس" دوت كوم- علي سمودي - دخل الأسير القائد في حركة "الجهاد الاسلامي"، عبد الله ناجي وحش "برغيش"، عامه الــ21 خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يتوقف عن استهداف أسرته الصابرة في مخيم جنين على مدار سنوات انتفاضة الأقصى، فكان منها الشهيد والجريح والمطارد والأسير، ورغم ذلك ما زالت الوالدة الصابرة السبعينية رقية برغيش صابرة، تتحدى الاحتلال وسجونه، وتتمتع بمعنويات عالية، وتتسلح بالأمل، وتنتظر عودة ولديها عبد الله وعبد الرحمن، اللذان لم تجتمع معهما على مائدة واحدة، أو يدخلان منزلها منذ انطلاقة الانتفاضة.
ساعات طويلة، تقضيها الماجدة أم عبد الله جالسة على بوابة منزلها الواقع على مدخل المخيم، تحدق في الوجوه المارة، على أمل أن يستجيب رب العالمين لدعواتها، ويحقق أمنيتها فترى كما تقول: "عبد الله وعبد الرحمن أمامي، وقد كسرا القيد وجدران السجن، وعادا لأحضاني، فقد اشتقت لرائحتهما وعناقهما، وطعم الفرحة التي سرقها الاحتلال مني منذ سنوات طويلة، فبعد هذا العمر لا أريد سوى رؤيتهما أحرار، وعناقهما والفرح بزفافهما قبل حلول القدر".
ورغم حزنها تفرح الوالدة، كلما شاهدت أحد رفاق وأقران ولديها، وتستبشر كما تقول لــــــ"القدس" دوت كوم، "بأن الحرية قادمة، فالكثير من رفاقهما، طوردوا واعتقلوا وعانوا بالسجون، لكنهم تحرروا وعادوا لمخيم البطولة والرجا ، فأستمد منهم القوة والعزيمة، وأعيش لحظات من الأمل، بأن نهاية أحزاني قريبة، فذكرياتهم لا تفارقني، الاحتلال قادر على تفريق أجسادنا، لكن أرواحنا تجتمع كل لحظة، وهذا سر صبري وقوتي".
وتضيف: "أشعر بفخر واعتزاز ببطولات وتضحيات أبنائي الذين ناضلوا في سبيل وطنهم وشعبهم وحريتنا، ورغم جراحي النازفة، لكن أملي برب العالمين أن يمنحني عمراً وحياة ، حتى أزفهما بعرس وطني كبير، ونشطب من حياتنا السجن والسجون والفراق والدموع".
وسط صور أبطالها وفي مقدمتها كريمتها الشهيدة بشرى، تحرص أم عبد الله عن الحديث عن ذكرياتهم، وصور بطولاتهم التي تتجدد مع دخول بكرها عاماً جديداً في سجن "النقب" الصحراوي، وتقول: "في مخيم جنين ولد ونشأ وتربى عبد الله، أول فرحتي وسعادتي في هذه الدنيا، فهو بكري وروحي وحياتي، لم يكمل تعليمه في مدارس الوكالة، وبعد وفاة والده أصبح المعيل لأسرتنا رغم صغره سنه، أصبح رجل البيت".
وتضيف: "عندما اندلعت انتفاضة الأقصى اختار طريق النضال، وحمل راية المقاومة، وانضم لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة "الجهاد" الإسلامي، تغيرت حياته وأصبح لا يفكر سوى بمقاومة الاحتلال".
وتكمل: "طارده الاحتلال، وأصبح مستهدفًا، وأمام تهديدات الاحتلال بتصفيته، ولحبي له وخوفي عليه، عرضت عليه عدة مرات الزواج، ولكنه رفض، وكان دوماً يقول لي "الزواج مؤجل، فلا يمكنني الفرح وهذا الاحتلال يقتل شعبي ويعذب أهلي ويحتل بلدي، الوطن وفلسطين والحرية أولاً، لكن العروس يمكن أن تنتظر حتى يفرجها رب العالمين علينا".
بفخر واعتزاز، تقول الوالدة: "تميز عبد الله بالشجاعة والبطولة والإقدام، تقدم الصفوف في التصدي ومقاومة الاحتلال الذي اقتحم منزلنا مرات عديدة، لكنه أكمل مشواره مع سرايا القدس والمقاومة، رافضا التراجع وتسليم نفسه".
وتضيف: "بعد فترة من استهدافه، أدرج الاحتلال ابني الثاني عبد الرحمن ضمن قائمة المطلوبين، وأصبحت أعيش الخوف والقلق على حياتهما، خاصةً في ظل الكمائن ومحاولات الاحتلال اغتيالهما، لكنهما واصلا مسيرة الجهاد والمقاومة".
وتكمل: "طوال الفترة العصيبة، لم أطلب منهما تسليم أنفسهما للاحتلال الذي أصبح يداهم منزلنا بشكل مستمر، وحول حياتنا لمعاناة رهيبة، وسأبقى دوماً فخورة بمواقفهما البطولية، خاصةً مشاركتهما في معركة مخيم جنين الشهيرة في نيسان 2002".
في ظل استهداف الاحتلال لعبد الله وعبد الرحمن، عاشت والدتهما الكثير من محطات الوجع والألم التي لم تنساها رغم مرور السنوات، وتقول: "كرمني رب العالمين بالصبر والمعنويات العالية، لكن الحزن ملأ قلبي وحياتي لغيابهما عني، فكمائن الاحتلال وعيونه التي ترصدهم جعلتني أتمنى ككل والدة اجتماع شملي مع أبنائي، الذين افتقدتهم في كافة المناسبات خاصة الأعياد ورمضان وغيرها".
وتضيف: "في كل يوم، أصبح قلقي يتزايد على حياتهما في ظل ضغوط وتهديدات الاحتلال، وكلما سمعت صوت الرصاص وشاهدت الدبابات تجتاح المخيم، أعيش على أعصابي حتى تنتهي العملية، فاطمأن من الأخبار على أوضاعهم".
وتكمل: "هددني الاحتلال بهدم منزلنا الذي هدم خلال مجزرة المخيم وأُعدنا بناءه مرة ثانية، واعتقلوا ابني الثالث عبد العزيز، للضغط علينا لتسليم عبد الله وعبد الرحمن، لكن كل هذه الأساليب فشلت ولم تنال من عزيمتهما".
تاريخ 22-11-2002، يوم محفور في ذاكرة الوالدة، فقد اعتقل الاحتلال حبيب قلبها في عملية خاصة نجا فيها من الموت بأعجوبة، بعدما تمكن الاحتلال من اكتشاف مخبأ عبد الله الذي حوصر مع مجموعة من رفاقه المطاردين، وتقول: "من وسائل الإعلام الإسرائيلية، وصلني خبر اعتقال عبد الله الذي حاصره ورفاقه المقاومين المئات من الجنود، ورغم ذلك، رفضوا الاستسلام، وبعد معركة بطولية ونفاذ ذخيرتهم".
وتضيف: " فور اعتقاله، اقتادوا عبد الله لأقبية التحقيق، ورغم حزني وبكائي لاعتقاله، فرحت لفشلهم في اغتياله، فمهما طالت فترة السجن سيعود لأحضاني، وقد تعرض للعزل والتعذيب، ثم حوكم بالسجن الفعلي لمدة 23 عاماً".
لم يتوقف الاحتلال عن ملاحقة الابن الثاني عبد الرحمن، وتكررت محاولات اغتياله، وتعرض في احداها للإصابة برصاص الاحتلال، لكنه عولج وعاد لساحات المواجهة في مخيم جنين، الذي عاش لحظات حزينة كعائلة الوحش، عندما قتلت قوات الاحتلال كريمتها الطالبة بشرى، والتي طالها الرصاص داخل منزلها مساء يوم السبت 21/4/2007.
وتقول أم عبد الله: "بشرى عاشت معي كل تفاصيل حياتنا القاسية وأوجاعنا وكوابيس رعبنا خلال استهداف إخوانها، لكنها صبرت وتحملت وتابعت دراستها، وأصبحت تخطط لدراسة القانون لتصبح محامية تدافع عن شعبها".
وتضيف: "شعرنا بأمل بعدما أصبحت في مرحلة الثانوية العامة، وشجعناها على الدراسة، لكن رصاص الاحتلال حكم عليها بالإعدام، قتلت داخل منزلنا بدم بارد".
وتكمل: "عندما كانت بشرى في الطابق الثاني من منزلنا تدرس وتستعد لامتحانات التوجيهي التجريبية، اقتحمت الدبابات والدوريات المخيم ورابطت قبالة منزلنا مباشرة، و لم تهتم بشرى، فقد اعتادت على هذه الصور".
تنهمر دموع أم عبد الله وهي تستعيد الذكريات، وتقول: "فجأة سمعنا صراخ بشرى، وعندما وصلنا إليها، كانت ممددة على الأرض بعدما أصابتها رصاصة إسرائيلية، تخضبت ملابسها وكتبها بالدماء ولفظت أنفاسها قبل الوصول للمشفى الذي لا يبعد عن منزلنا سوى مسافة قصيرة".
وتكمل: "قتلوها وحرمونا منها، لأنهم أرادوا عقابنا والانتقام منا، فقد كان عبد الرحمن ما زال مطلوباً، وأرادوا كسره حتى يسلم نفسه، لكنه رغم الخطر والحصار والكمائن وطائرات الاحتلال التي لم تعد تغادر سماء المخيم، تمرد وتحدى، وصمم على المشاركة في وداع وتشييع جثمان شقيقته التي لفها بعلم فلسطين، وحمل نعشها بيد والآخر امتشق سلاحه، معاهداً شقيقته على إكمال المشوار".
بعد 8 شهور، من استشهاد بشرى، تمكنت وحدات المستعربين الخاصة من اعتقال عبد الرحمن في كمين وسط المخيم بتاريخ 14-12-2007، وبعد التحقيق والتعذيب حوكم بالسجن 18 عاماً، وبعدها، تعرض كافة أبناء أم عبد الله، عبد العزيز ومحمد للأسر مرات عديدة، وتقول مرت علينا سنوات، حرمني الاحتلال جميع أبنائي، ولم يبقى بمنزلي سوى صورهم وذكرياتهم وأصبحت أقضي أيامي بين السجون والقبور".
وتضيف: "في ذكرى اعتقال، عبد الله رسالتي له ولإخوانه، سأبقى أعتز ببطولاتكم التي لن أندم عليها ونعتز بصمودكم وتحديكم للاحتلال، فعبد الله أكمل تعليمه وحصل على شهادة البكالوريوس، ورغم ما تعرض له مع عبد الله من عقوبات وعزل، ما زالا يخوض مع إخوانه الأسرى المعركة نحو فجر الحرية وإشراقة الأمل الجديدة".





شارك برأيك
والدة الأسير عبد الله ناجي: بعد 21 عاماً من اعتقاله.. سأبقى أنتظر انتصاره وقهره للسجن