ولم يصدر إعلان ليبي مماثل فورًا، لكن القوات الليبية التزمت وقف النار، فتوقفت المواجهات الرئيسية مع حلول اليوم التالي. انتهت بذلك الحرب التي عُرفت لاحقًا باسم "حرب الأيام الأربعة"، من دون معاهدة سلام، ومن دون تغيير في الحدود أو سقوط أي من النظامين اللذين خاضاها.
وبدت المفارقة أكبر من مدة الحرب نفسها. فقد كانت مصر وليبيا، إلى جانب سوريا، ما تزالان مرتبطتين نظريًا بـ"اتحاد الجمهوريات العربية"، وظل علم الاتحاد مرفوعًا أمام البعثة الليبية في القاهرة حتى أثناء القتال. كان الاتحاد قائمًا على الورق، بينما كانت الطائرات والدبابات تكشف أن مشروع الوحدة انتهى سياسيًا قبل أن يُلغى رسميًا.
ولم تبدأ الحرب بسبب حادث حدودي منفرد، وإن كانت سلسلة الاشتباكات قد أشعلتها. جاءت المواجهة في نهاية سبع سنوات انتقلت خلالها العلاقة بين السادات ومعمر القذافي من خطط الاندماج الكامل إلى الاتهامات بالتآمر ومحاولة إسقاط الأنظمة.
وصل القذافي إلى الحكم في ليبيا عام 1969 وهو يقدم نفسه امتدادًا للمشروع القومي العربي الذي قاده جمال عبد الناصر. وبعد وفاة عبد الناصر في سبتمبر/ أيلول 1970، حاول الزعيم الليبي الشاب دفع مصر وسوريا نحو وحدة سياسية تعيد بناء مركز عربي قادر على مواجهة إسرائيل.
وأعلن القذافي والسادات والرئيس السوري حافظ الأسد في أبريل/ نيسان 1971 تشكيل "اتحاد الجمهوريات العربية". أُقر مشروعه الدستوري في استفتاءات داخل الدول الثلاث، ودخل حيز الوجود نظريًا في مطلع عام 1972، مع خطط لتوحيد السياسات الخارجية والقوانين والجيوش والمؤسسات.
وتعثر الاتحاد عند الانتقال من الشعارات إلى التنفيذ. فلم تتفق القيادات الثلاث على صلاحيات مؤسساته أو خطوات الاندماج، واقتصر حضوره العملي على مظاهر رمزية، أبرزها اعتماد علم مشترك.
ودفع القذافي نحو مشروع أكثر طموحًا: دمج مصر وليبيا في دولة واحدة تجمع المال النفطي الليبي بالسكان والخبرة المؤسسية والقوة العسكرية المصرية. وافق السادات مبدئيًا خلال اجتماعات عام 1972، لكن الخلاف سرعان ما ظهر حول طريقة تحقيق الوحدة.
أراد القذافي إعلان الاندماج سريعًا ثم بناء مؤسساته، بينما طالب السادات بإعداد طويل وتكامل تدريجي. وفي عام 1973، نظم القذافي "مسيرة وحدة" شارك فيها نحو 30 ألف ليبي باتجاه القاهرة للضغط على القيادة المصرية. لم تغير المسيرة موقف السادات، ومر الموعد المحدد للاندماج في الأول من سبتمبر/ أيلول 1973 من دون تنفيذ المشروع.
وجاءت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 لتدفع الخلاف إلى نقطة يصعب الرجوع عنها. كانت ليبيا قد نقلت طائرات إلى سلاح الجو المصري، لكن القذافي استُبعد من التخطيط المصري السوري للحرب وفوجئ ببدء العمليات.
واعترض القذافي على الأهداف المحدودة للحرب، ثم هاجم قبول السادات وقف إطلاق النار وانتقاله إلى مفاوضات فك الاشتباك. رأى أن القاهرة تحوّل المواجهة مع إسرائيل إلى عملية لاستعادة سيناء عبر الحرب والتفاوض، بينما كان يريد استمرار الصراع ضمن مشروع عربي أشمل.
واتجه السادات في المقابل نحو الولايات المتحدة، وبدأ تقليص علاقته بالاتحاد السوفيتي، معتبرًا أن التفاوض هو الطريق الواقعي لاستعادة الأراضي المصرية. صار الخلاف بين الرجلين خلافًا على اتجاه المنطقة: القذافي يتهم السادات بالتفريط بالمشروع القومي، والسادات يرى في جاره قائدًا متهورًا يتدخل في شؤون الدول العربية ويهدد استقرار مصر.
وانتقلت الخصومة إلى اتهامات متبادلة بالتخريب. اتهمت القاهرة طرابلس بدعم معارضين وعمليات عنف داخل مصر، فيما اتهم القذافي السادات بالخضوع للولايات المتحدة والتخلي عن مواجهة إسرائيل. وتشير تقارير أميركية تعود إلى تلك المرحلة إلى وجود نشاط ليبي هدفه زعزعة النظام المصري، مع الإقرار بأن بعض الاتهامات التي تبادلها الطرفان كانت مبالغًا فيها.
وبقيت المصالح المشتركة عائقًا أمام القطيعة الكاملة. فقد كان نحو 200 ألف مصري يعملون في ليبيا في قطاعات التعليم والإدارة والخدمات، وكانت ليبيا تعتمد على هذه العمالة بقدر اعتماد الاقتصاد المصري على الوظائف والتحويلات التي توفرها. لم يمنع ذلك تزايد عمليات الطرد والمضايقات والتعبئة العسكرية قرب الحدود.
وتكشف وثائق أميركية رُفعت عنها السرية لاحقًا أن القاهرة درست التحرك ضد القذافي قبل اندلاع حرب يوليو بأشهر. ففي يناير/ كانون الثاني 1977، أصدر السادات، وفق تقرير استخباري أميركي، توجيهات بالعمل على إزاحة القذافي من خلال تحرك سياسي أو انقلاب داخلي، مع إبقاء التدخل العسكري خيارًا في حال فشل المسار السري.
وبحلول أبريل/ نيسان، طُلب إعداد خطة تتقدم بموجبها قوة مدرعة مصرية عبر شرق ليبيا باتجاه بنغازي، اعتمادًا على تقدير بأن دخول القوات المصرية قد يشجع الليبيين على الانتفاض ضد القذافي.
عارض مسؤولون في الاستخبارات العسكرية المصرية هذه القراءة. فقد توقعوا أن يلتف الليبيون حول قيادتهم في مواجهة تدخل خارجي، وحذروا من أن القوة المهاجمة قد تعجز عن الوصول إلى بنغازي أو تضطر إلى احتلال أراضٍ لا تستطيع السيطرة عليها طويلًا.
وكان الخوف أن تنتهي العملية إلى نتيجة معاكسة تمامًا: توحيد الليبيين خلف القذافي، وإنهاء عزلته العربية، وإدخال مصر في مواجهة طويلة داخل الصحراء. ومع ذلك، تشير الوثائق إلى أن السادات كان، بحلول أواخر يونيو/ حزيران، يميل بقوة إلى الخيار العسكري، فيما بدأت ليبيا تعزيز دفاعاتها الشرقية بمساعدة مستشارين سوفيت وكوبيين.
هذه المعطيات لا تثبت أن السادات قرر تنفيذ غزو شامل في يوليو، لكنها تؤكد أن الحرب لم تكن ردًا مرتجلًا على واقعة حدودية. فقد كانت خطط ضرب ليبيا وإضعاف نظامها موجودة قبل اندلاع الاشتباكات الكبرى.
وتصاعد التوتر خلال يوليو/ تموز 1977 عبر سلسلة من الحوادث المتبادلة. اتهمت مصر ليبيا بإرسال مخربين ومهاجمة مواقع حدودية، فيما اتهمت طرابلس القوات المصرية بخطف جنود ليبيين وتنفيذ عمليات داخل أراضيها.
وفي 19 يوليو، شنت القوات الليبية هجمات محدودة على عدد من المواقع المصرية. ووفق مذكرة رفعها وزير الخارجية الأميركي سايروس فانس إلى الرئيس جيمي كارتر، فاجأت الهجمات بعض الوحدات المصرية، قبل أن ترد القاهرة بغارات جوية تكتيكية.
قدّرت واشنطن أن القذافي أراد استعراض قوة ليبيا وإرباك المصريين، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن السادات كان يفكر منذ مدة في توغل بري أو عملية إنزال قرب طبرق. وفي اليوم التالي، أفادت مذكرة أميركية أخرى بأن السادات يريد توجيه "ضربة نفسية" كبيرة للقذافي، بينما فضلت القيادة العسكرية المصرية ردًا جويًا ومدرعًا أكثر انضباطًا.
وبدأ القتال الواسع في 21 يوليو. هاجمت قوات ليبية منطقة السلوم والمواقع المصرية القريبة منها، فردت مصر بهجوم بري وجوي وصل إلى منطقة امساعد الليبية القريبة من الحدود.
وأعلنت القاهرة تدمير عشرات الدبابات الليبية وإسقاط طائرات وأسر جنود، بينما قالت ليبيا إن الغارات المصرية أصابت منازل ومدارس ومستشفيات. لم يكن ممكنًا التحقق بصورة مستقلة من معظم هذه البيانات، لأن منطقة القتال الصحراوية أُغلقت أمام الصحافيين والمراقبين.
وتجاوز الرد المصري منذ اليوم الأول مجرد طرد القوات الليبية من المنطقة الحدودية. تقدمت وحدات مصرية مسافة محدودة داخل ليبيا، وبدأ سلاح الجو مهاجمة منشآت عسكرية خلف خطوط الاشتباك.
وفي 22 يوليو، قصفت الطائرات المصرية قاعدة العدم الجوية قرب طبرق، واستهدفت طائرات على الأرض ومدارج ومنشآت مرتبطة بالقاعدة. قالت تقارير معاصرة إن الغارات أحدثت أضرارًا واسعة، فيما ادعت طرابلس إسقاط طائرات مصرية وإنزال قوات مظلية داخل ليبيا، من دون وجود تحقق مستقل كافٍ لجميع هذه الادعاءات.
وخرج السادات في اليوم نفسه ليحمل القذافي مسؤولية التصعيد، معلنًا أن القوات المصرية أعطته "درسًا لن ينساه"، ومهددًا بتكرار الضربات إن استمرت الهجمات الليبية. واتسعت العمليات خلال يومي 23 و24 يوليو. تحدثت ليبيا عن غارات مصرية امتدت من طبرق إلى منطقة الكفرة في الجنوب الشرقي، بينما أعلنت استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط.
واعترفت مصر في اليوم الأخير بخسارة طائرتين خلال غارة جديدة على قاعدة العدم. كما أعلنت قصف مطار الكفرة بدعوى منع استخدامه لشن هجمات على الأراضي المصرية، واستهداف منشآت رادار داخل ليبيا. وقدمت طرابلس أرقامًا أعلى بكثير لخسائر الطيران المصري، لكن دبلوماسيين ومراسلين أجانب أشاروا في حينه إلى أن بيانات الطرفين حملت قدرًا واضحًا من المبالغة.
وأظهرت العمليات تفوقًا مصريًا في الخبرة والتنظيم والقدرة على تنفيذ غارات بعيدة نسبيًا عن الحدود. إلا أن القوات المصرية لم تبدأ المسيرة المدرعة الواسعة نحو بنغازي التي ظهرت في الخطط السابقة، وظل التوغل البري محدودًا.
وتحرك رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات منذ الأيام الأولى بين القاهرة وطرابلس محاولًا وقف القتال. وانضم إليه الرئيس الجزائري هواري بومدين، الذي التقى القذافي في طرابلس ثم انتقل إلى القاهرة في 24 يوليو.
وبعد اجتماعه ببومدين وعرفات، أصدر السادات أمرًا فوريًا بوقف العمليات. لم تعلن ليبيا رسميًا قبول الهدنة في اللحظة نفسها، لكنها أوقفت بدورها القصف والهجمات البرية.
ولا تقدم الوثائق سببًا منفردًا يفسر قرار السادات، لكن توقيت وقف النار وخطط القاهرة السابقة يسمحان بفهم حساباته. فقد تمكنت مصر من ضرب أبرز القواعد والمنشآت العسكرية في شرق ليبيا وإظهار تفوقها، من دون تحمل كلفة محاولة الوصول إلى بنغازي أو إسقاط النظام الليبي بالقوة.
وكان استمرار الحرب قد يحقق النتيجة التي حذرت منها الاستخبارات العسكرية المصرية: التفاف الليبيين حول القذافي، وتحول عملية عقابية قصيرة إلى احتلال طويل، واتساع التدخل السوفيتي الداعم لطرابلس، إلى جانب تنامي الضغوط العربية على القاهرة. هذا استنتاج تدعمه التحذيرات الواردة في وثائق التخطيط، وليس تفسيرًا رسميًا وحيدًا أعلنه السادات.
وأتاح وقف القتال للسادات تقديم العملية باعتبارها ردًا محدودًا حقق غايته. واستطاع القذافي، رغم الخسائر، البقاء في الحكم وتصوير نفسه مدافعًا عن ليبيا في مواجهة هجوم خارجي.
انسحبت القوات المصرية من المواقع التي دخلتها، وعادت الحدود إلى وضعها السابق، لكن العلاقة السياسية لم تعد إلى ما كانت عليه. دفعت الأزمة آلاف العاملين المصريين إلى مغادرة ليبيا، وأصبحت الاتهامات المتبادلة جزءًا ثابتًا من خطاب البلدين.
وبعد أقل من أربعة أشهر، زار السادات القدس في نوفمبر/ تشرين الثاني 1977، فانتقل خلافه مع القذافي من نزاع بين نظامين إلى انقسام عربي واسع حول التسوية مع إسرائيل. ساهمت ليبيا لاحقًا في تشكيل جبهة عربية رافضة لمسار السادات، وانهارت العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وطرابلس بصورة كاملة.
ولم تغيّر حرب الأيام الأربعة حدود مصر أو ليبيا، ولم تُسقط القذافي أو تدفع السادات إلى التراجع عن مساره السياسي. لكنها اختصرت التحول الذي شهدته علاقة الرجلين: من توقيع مشروعات الاندماج وبناء دولة عربية واحدة، إلى إرسال الدبابات والطائرات عبر الحدود نفسها.
واحتاج مشروع الوحدة إلى سنوات من الاجتماعات والاتفاقات والشعارات، بينما كانت أربعة أيام من الحرب كافية لإعلان نهايته.





شارك برأيك
حرب الأيام الأربعة: عندما تحول حلم الوحدة بين السادات والقذافي إلى مواجهة بالدبابات