ليست القدس مجرد حجارة صماء أو مزارات للتبرك؛ القدس هي "الجار"، هي "الخبز"، وهي "طرقة الباب" التي لم تنقطع يوماً. اليوم، وفي ظل الصمت الذي يلف أسواقنا والجمود الذي أصاب شرايين اقتصادنا، نعود لنرفع الشعار الأسمى الذي قامت عليه هذه المدينة: "اقرعوا يُفتح لكم". إنها دعوة ليس لولوج الأبواب الخشبية الموصدة فحسب، بل لاقتحام جدران العزلة التي فرضتها الظروف، وترميم جسور المحبة بين كل من يتقاسم هواء هذه المدينة المقدسة.
من وطأة الجائحة إلى ضيق الظروف
منذ عام 2019، والقدس تعيش مفارقة موجعة؛ فهذه المدينة التي اعتادت أن تفتح ذراعيها للعالم أجمع، وجدت نفسها في عزلة قسرية بدأت بجائحة كورونا التي شلت الحركة عالمياً. ومع انجلاء غمة الجائحة، استبشرنا خيراً بعودة النبض، لكن الرياح لم تأتِ بما اشتهت سفننا، إذ فرضت الظروف الإقليمية والتوترات المتلاحقة واقعاً جديداً حال دون تدفق السياح، لتبقى الفنادق والأسواق في انتظار زوارٍ طال غيابهم.
هذا الانقطاع الممتد ليس مجرد أرقام في جداول اقتصادية، بل هو زلزال أصاب أرزاق آلاف العائلات؛ من أدلاء سياحيين، وأصحاب فنادق، وباعة تحف، وحرفيين صمدوا لعقود ليجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة ركود استنزف المدخرات وطال أمدُه.
ناقوس الخطر: نداء قبل فوات الأوان
وهنا، اسمحوا لي أن أدق ناقوس الخطر؛ فصمت الأسواق هو إنذار بتآكل القدرة على الصمود اليومي للإنسان المقدسي. إنني أدعو الجميع، بكل مكونات هذه المدينة العظيمة، إلى التكاثف والتعاضد الآن وقبل فوات الأوان.
هذه دعوة مجردة، أُكررها بملء الفم: دعوةٌ بعيدة كل البعد عن السياسة ودهاليزها. نحن هنا نتحدث عن "البقاء"، عن كرامة البيوت، وعن استمرار الوجود الإنساني في أزقتنا. السياسة قد تضع الحدود وتفرق المصالح، أما الوجع المشترك فلا يداويه إلا التلاحم الأخوي؛ فإن لم نسند بعضنا البعض في هذه الظروف الاستثنائية، فمتى سنفعل؟
التضامن.. فريضة الساعة
في القدس، "التضامن" هو النبض الذي يحمينا من الانكسار، وعندما تغيب قوافل الزوار من الخارج، يجب أن تتدفق قوافل المحبة والتراحم بين السكك والحارات عبر:
•دعم "ابن البلد": لتكن أولويتنا القصوى هي الحفاظ على استمرارية المحلات والحرف المقدسية؛ فكل معاملة تجارية داخل أسواقنا هي فعل صمود حقيقي.
• تلمس الاحتياج بكرامة: أن يتفقد المقتدر منا جاره الذي تعطلت أعماله، فالمقدسي عزيز النفس، وواجبنا الأخوي أن نصل إليه قبل أن يضطر لقرع أبواب الحاجة.
• وحدة النسيج: مسيحيين ومسلمين، نحن جسد واحد في هذه المدينة، وقوتنا تكمن في هذا العيش المشترك الذي كان وسيبقى صمام الأمان لهويتنا وإرثنا.
الخاتمة: الباب لا يُردُّ طارقه
"اقرعوا يُفتح لكم".. صرخة أمل ممزوجة بالتحذير. اقرع باب الأمل بالعمل، واقرع باب أخيك بالسؤال الصادق، واقرع باب الضيق بالتراحم. إن أبواب القدس السبعة قد تُوصدها الظروف العالمية، لكن "الباب الثامن" -باب قلوب أهلها- يجب أن يظل مُشرعاً على مصراعيه.
أقلام وأراء
الأحد 19 يوليو 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
اقرعوا يُفتح لكم! (إنجيل متى 7: 7)