كلما سافرت إلى مكان خارج الوطن ونزلت في أرقى فنادق ذلك البلد، شعرت كم نحن محظوظون في الوطن، وكم ننعم بالراحة والسكينة وهداة البال رغم بساطة العيش وقلة ما في اليد. وهذا ما شعرت به وأنا كنت في أمريكا ذات مرة أحضر مؤتمراً تربوياً عالمياً، حيث كنت نازلة في أحد الفنادق الفاخرة التي يقدم أفخر الوجبات، وأزكى المشروبات، وأرقى الخدمات ولا ينقص النازل فيه أي شيء يخطر على بال. وبينما كنت أتناول وجبة الصباح في قاعة الطعام التي تشرف على مناظر خلابة بأشجارها الباسقة الخضراء، وممراتها المكسوة بالعشب الأخضر مفروشا كالسجاد، والماء ينطلق من نوافيرها وشلالاتها بأشكال هندسية متباينة في الطول والعرض والارتفاع، وبحيرتها الاصطناعية التي تسبح فيها الأسماك الحمراء والسوداء والبط، تذكرت أهلي وخلاني وأحبائي في الوطن، وكيف أننا هناك نعيش بأبسط الأشياء ولكننا أسعد الناس وأهدأ بال! استرجعت وجبة الإفطار التي نتناولها في الوطن قوامها الزيت والزعتر والزيتون وخبز الطابون برائحته العابقة وطعمه الزاكي وهو يخرج ساخنا من الفرن، فنشمه ملء الأنف والروح، ونقسم منه أول لقمة ونسمي (بسم الله الرحمن الرحيم)، ثم نغمسها بالزيت والزعتر، أو الفول والحمص أو اللبنة، أو البيض والجبنة مع رشفة من الشاي المغلي بالنعنع أو الميرمية والسعادة تغمرنا، والابتسامة تملأ عيوننا وتضيء جوانحنا، والارتياح بادٍ على وجوهنا ومنتشر على كل ذرة في أجسامنا وكل موجة في أرواحنا، والاسترخاء يغمر أعصابنا ونحن نتناول أطراف الحديث وأخبار الأهل والأقارب والمعارف والأصدقاء مع الضحكات والفرفشات... إلخ من صور الحياة التي نعيشها في حضن الوطن. وصحوت فجأة لأجد نفسي في قاعة الطعام أهم بتناول فطوري وليس في أرض الوطن، وطفقت أقول لنفسي، على الرغم من أنني أتناول الآن أفخم الفطور في أرقى الفنادق وأرقى بلاد العالم وأغناها، في "واشنطن، دي. سي" عاصمة أمريكا، وعلى الرغم من أنني قادرة على دفع تكاليف هذا الفندق الباهظ الأسعار، وعلى الرغم من أنه لا ينقصني شيء ولا أفتقر إلى شيء في هذا المكان الجميل، إلا أنني أفضل عليه أرض الوكن الوطن، وخبز الوطن، وفطور الوطن، وحريتي التي أعيشها في أكناف الوطن بين أهلنا وأصدقائنا وأحبابنا، إذ يكفي أننا نفطر هناك متى نشاء، ونطبخ متى نشاء، ونتناول الغداء والعشاء متى نشاء، ولا نأكل إلا عندما نشعر بالجوع، ولا ننام إلا عندما نشعر بالنعاس. هذه الحرية التي نرفل بها بشكل عفوي في البلاد، نظراً لبساطة الحياة، التي تغمر نفوسنا بالراحة والسكينة، لا يشعر بها الإنسان الغربي، ولا أي إنسان يعيش في البلاد المتطورة التي تدعي الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، مع أن العكس هو الصحيح، فهي بلاد تقيّد الإنسان من حيث لا يدري بحيث تجبره أن يسير ضمن قانون معين، وجدول أعمال يبدأ من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الخامسة مساء، حتى يستطيع أن يؤمّن لقمة العيش وتكاليف الحياة الباهظة ودفع الضرائب العالية. كما أن الفرد هناك مجبر أن يسير وفق أجندة الشركة أو المؤسسة التي يعمل فيها دون مراعاة لحريته الشخصية، وراحته النفسية، وقدرته الجسمية ودون أن يسمح له بالانطلاق على سجيته من غير مواعيد مضبوطة بالساعة واليوم والشهر وحتى السنة!
عندها، كم، شعرت بالحنين للوطن، وفطور الوطن، وخبز الوطن وزيته وزعتره وبصله ونعنعه وميرميته وشايه وقهوته وكل شيء فيه، على الرغم من تذمري، في بعض الأحيان، من المنغصات التي تحدث في وطني. لقد شعرت وأنا في قاعة الطعام أنني بحاجة إلى حريتي دون التزام بجدول أعمال صارم، حيث إنني في الوطن أتحرك كما أشاء، وأتناول الطعام متى أشاء، وأرشف قهوتي على مزاجي الخاص، لا مقيدة بالساعة المقرونة بجلسات المؤتمر، ولا ملتزمة بمواعيد وجباته، وجلساته، واستراحته، واجتماعاته، وحتى سهراته المبرمجة سلفا على مدار الأسبوع طيلة مدة المؤتمر.
ومع هذا، أرجو ألا يفهم مني أننا شعب لا نحب النظام أو التخطيط أو استغلال الوقت بما يفيد، فهذا من المستحيل إن لم يكن من سابع المستحيلات، ولكن الذي أود أن أقوله، أن العفوية التي نعيش بها وبساطة الحياة، والحرية التي ننعم بها بين أهلنا وذوينا، والسعادة التي نشعر بها فهي سعادة لا تقدر بثمن ولا يعادلها كنوز الأرض مالاً وذهباً.
وخرجت من قاعة الطعام إلى جلسات المؤتمر، وأنا أردد بيني وبين نفسي، حقاً إنه لا يوجد أغلى من الوطن، ولا أزكى من خبز الوطن، ولا أشهى من مأكولات الوطن، ولا أجمل من ربوع الوطن، وسأظل متمسكة بوطني متجذرة في أرضه كشجر الزيتون مهما صادفت من مشاكل وعانيت من أزمات وعوائق، وطرأ على ذهني وقتها بيت الشعر:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ… وأهلي وإن ضنوا عليّ كرامُ.
فطوبى لمن تمسك بأرضه ووطنه، وطوبى لما حافظ على ثقافته وعاداته وتقاليده، وطوبى لمن ظل راسخاً في أرضه رسوخ الجبال الشاهقات.
أقلام وأراء
الأحد 19 يوليو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
لا أزكى من خــبز الوطــن..!