أقلام وأراء

الأحد 19 يوليو 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

كذبوا عليكم.. فالحرب لم تضع أوزارها

في الصميم
 
لم يكن العدوان على غزة يوماً مجرد جولة عسكرية عابرة، بل تجسيدٌ حيّ لمشروع استيطاني يسعى لكسر إرادة البقاء لدى الفلسطيني عبر سياسة الأرض المحروقة، التي لا تستثني حجراً ولا بشراً، وحتى مراسم الوداع الأخير للشهداء.
إن استهداف خيام النازحين ومراكز الإيواء والجنائز ينسف أي ذريعة امنية يحاول الاحتلال تسويقها، كاشفاً عن هدفه الحقيقي الذي يتجاوز تدمير القدرات العسكرية، إلى تقويض الوجود المادي والاجتماعي، وتلك معالم سياسة ممنهجة تجعل ثمن البقاء "مستحيلاً"، مدمرة مقومات الحياة، ومحولة القطاع إلى بقعة جغرافية طاردة للحياة بالقصف المستمر والحصار الخانق الذي لم يتوقف أو يُرفع يوماً.
هذه الوحشية تستند اليوم إلى قراءةٍ لحالة الترهل الدولي وازدواجية المعايير، فقد "نجح" الاحتلال في توظيف انشغال القوى الدولية بملفات الطاقة وأزمات الاقتصاد كغطاء يوفر له مساحة زمنية وميدانية للاستمرار في الإبادة بعيداً عن ضغوط المحاسبة، هذا الصمت الدولي ليس مجرد عجز، بل شراكة ضمنية في تقويض أُسس القانون الدولي الذي بات أشبه بوثيقةٍ لا قيمة لها حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين.
فالدول التي تتشدق بحقوق الإنسان تجد نفسها اليوم في مواجهة أزمة أخلاقية خانقة، فتلتقي مصالحها السياسية والاقتصادية مع استمرار حمام الدم الفلسطيني الذي لم يتوقف منذ ألفٍ وستة عشر يوماً. وخلال مئتين وثمانين يوماً منذ الإعلان المزعوم عن وقف العدوان، ارتقى ألف ومئة وأربعة وأربعون شهيداً، ما يعني أن المعدل اليومي يتجاوز أربعة شهداء، وهو واقع يكرس تطبيع الإبادة، مُحوّلاً الجريمة المستمرة إلى خبر روتيني يفقد أثره بالتكرار.
ما يزيد الأمور قسوة هو تراجع الاهتمام الشعبي والإعلامي العالمي تحت وطأة التضليل الذي صوّر الحرب كأنها وضعت أوزارها، بينما كل يوم جديد يحمل معه المزيد من الشهداء والجرحى، أولئك الذين تبتلعهم الخيام وأنقاض المنازل، في ظل عجز طواقم الإسعاف عن الوصول إليهم.
لقد ساهمت ماكينة الدعاية الإسرائيلية، التي ينقلها ويرددها الإعلام العربي والغربي، بخلق انطباع زائف بانقضاء "مرحلة الذروة"، ما أدى إلى تراجع ضغط الشوارع العربية والغربية، تاركة الغزيين بمواجهة آلة قتل لا تشبع، فانحسار التضامن هو في حد ذاته "تفوق" لسردية الاحتلال الذي يعتمد على استنزاف الذاكرة الجماعية، وتحويل الجريمة المستمرة إلى حدث "اعتيادي" لا يحرك ساكناً.
وأمام هذا الواقع لا بد من إدراك أن الحل لا يكمن في انتظار صحوة الضمير الدولي، بل في استعادة الوعي الجمعي بأننا أمام مشروع تآكل وجودي يهدف إلى إنهاك الفلسطيني، تمهيداً لفرض واقع التهجير. واستعادة هذا الزخم تتطلب اختراقاً لجدار الصمت الدولي عبر استراتيجية إعلامية وسياسية تعيد ربط مأساة غزة بالسياق العالمي، وتفضح التناقضات بين شعارات القوى العظمى وممارساتها، ويوجب على النخب الفكرية والسياسية الانتقال من دور المراقب إلى الفاعل، عبر خلق ضغط شعبي مستدام لا يقبل إنصاف الحلول، ولا ينساق وراء خدعة "الهدوء" المزعوم.
فغزة اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية منكوبة، بل خط الدفاع الأول عن كرامة الأُمة، واختبار يومي لقيم الحق والعدالة والإنسانية، وما يرتكب فيها من جرائم حرب لن يبقى حدثاً عابراً في ذاكرة التاريخ، بل شاهد على زمن اختار فيه كثيرون الصمت، فيما كانت أرواح الأطفال والنساء تُزهَق، ويواصل عداد الشهداء والجرحى ارتفاعه، في مشهدٍ لن يغفره التاريخ، ولن يغفر للأحياء صمتهم.

دلالات

شارك برأيك

كذبوا عليكم.. فالحرب لم تضع أوزارها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.