اقتصاد

الإثنين 06 يوليو 2026 4:56 مساءً - بتوقيت القدس

شركات التمويل الاستهلاكي في مصر.. حلول مالية تتحول إلى 'مصيدة' للمديونين

يشهد قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر طفرة هائلة في أعداد المستخدمين، حيث قفز عدد العملاء إلى نحو 10.8 مليون شخص بنهاية العام الماضي. وعلى الرغم من كونه وسيلة لتسهيل القوة الشرائية، إلا أنه تحول بالنسبة للكثيرين إلى فخ من الديون المتراكمة والفوائد المرتفعة التي قد تصل إلى 40%.

أفادت مصادر بأن العديد من المقترضين يواجهون ضغوطاً نفسية واجتماعية قاسية نتيجة أساليب التحصيل التي تتبعها مكاتب خارجية. وتتنوع هذه الأساليب بين التهديد بالفضيحة أمام الجيران أو الملاحقة في مقار العمل، مما يدفع المتعثرين للاقتراض مجدداً لسداد الديون الأصلية في حلقة مفرغة.

تعتمد شركات التمويل على سهولة الإجراءات لجذب العملاء، حيث لا تتطلب سوى صورة الهوية الشخصية لتفعيل الحسابات. هذا التساهل أدى إلى منح أرصدة ائتمانية ضخمة لأفراد لا يتناسب دخلهم الشهري مع حجم الأقساط المطلوبة، مما يرفع احتمالات التعثر المالي لاحقاً.

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية إلى أن قيمة التمويلات تجاوزت 96.3 مليار جنيه خلال عام 2025. ويعكس هذا النمو المتسارع حاجة المواطنين للسيولة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، لكنه يفتح الباب أمام ممارسات غير منضبطة من بعض الشركات.

برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة 'تسييل الرصيد'، حيث يلجأ عملاء لتحويل أرصدتهم الافتراضية على التطبيقات إلى نقد سائل عبر تجار وسماسرة. وتتم هذه العملية من خلال صفقات شراء وهمية، يخسر فيها العميل نسبة كبيرة من قيمة التمويل لصالح التاجر، بالإضافة إلى تحمل الفوائد البنكية.

يحذر خبراء التشريعات الاقتصادية من أن ممارسات مكاتب التحصيل التي تشمل التجاوز اللفظي والترهيب تعد جرائم قانونية. ويؤكد الخبراء أن القانون المصري لا ينص على الحبس في قضايا التعثر الائتماني الاستهلاكي، بل يقتصر الأمر على الحجز الإداري أو تدهور التقييم الائتماني.

كشفت شهادات لموظفين سابقين في هذا القطاع أن الشركات تلجأ لمكاتب تحصيل خارجية للتنصل من المسؤولية القانونية عن التجاوزات. ويتم تدريب المحصلين على استخدام لهجة حادة مع العملاء لضمان تحقيق مستهدفات التحصيل الشهرية والحصول على الحوافز المالية المرتبطة بها.

في المقابل، يدافع مسؤولو شركات التمويل عن سياساتهم مؤكدين الالتزام بضوابط ائتمانية تمنع تجاوز الأقساط لنصف دخل العميل. ويرى هؤلاء أن حالات التجاوز في التحصيل هي تصرفات فردية لا تمثل سياسة الشركات الرسمية التي تخضع لرقابة حكومية صارمة.

تعد السيارات والأجهزة الكهربائية المحرك الرئيسي لنمو هذا القطاع، حيث تستحوذ كل منهما على 18% من إجمالي التمويلات الممنوحة. ومع ذلك، فإن غياب سقف محدد لأسعار الفائدة في بعض العقود يترك المستهلك عرضة لاستغلال الشركات التي تفرض رسوماً إضافية تحت مسميات مختلفة.

أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية قرارات لتنظيم عمل جهات التحصيل، تشمل ضرورة قيدها في سجلات رسمية لضمان الحوكمة. ويهدف هذا التحرك إلى حماية بيانات العملاء ومنع تسريبها لأطراف ثالثة تستخدمها في عمليات الابتزاز أو الملاحقة غير القانونية.

يعاني سوق التمويل الاستهلاكي من 'فوضى مخيفة' في آليات منح الائتمان، حيث يتم تجاهل دراسة الجدارة الائتمانية الحقيقية في سبيل تحقيق مبيعات أعلى. هذا الخلل أدى إلى ظهور مجموعات على منصات التواصل الاجتماعي تضم آلاف المتضررين من تطبيقات القروض والنصب الإلكتروني.

لجأ بعض العملاء لتقديم شكاوى رسمية ضد الغرامات الإضافية التي تفرضها الشركات عند التأخر في السداد ليوم واحد. وتؤكد مصادر قانونية أن هذه الغرامات يجب أن تكون متوافقة مع الضوابط التي تضعها هيئة الرقابة المالية، وأي تجاوز فيها يمنح العميل حق المقاضاة.

يعمل اتحاد التمويل الاستهلاكي حالياً على بناء قاعدة بيانات موحدة لمكافحة عمليات الاحتيال وتسييل الأموال. وتهدف هذه الخطوة إلى حظر التجار والسماسرة الذين يثبت تورطهم في تحويل التمويل السلعي إلى نقد، حفاظاً على استقرار النظام المالي.

يبقى التحدي الأكبر أمام المشرع المصري هو تحقيق التوازن بين دعم قطاع التمويل كأداة تنموية وبين حماية المواطنين من التغول المالي. ويتطلب ذلك تدخلاً رقابياً لتهذيب ممارسات السوق وتحديد سقف للفوائد يمنع تحول الحلول التمويلية إلى أزمات معيشية تهدد استقرار الأسر.

دلالات

شارك برأيك

شركات التمويل الاستهلاكي في مصر.. حلول مالية تتحول إلى 'مصيدة' للمديونين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.