تمر المملكة المتحدة اليوم بمرحلة اقتصادية حرجة بعد مرور عقد من الزمان على الاستفتاء التاريخي الذي أفضى إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي. فمنذ ذلك المساء من يونيو 2016، دخلت البلاد في دوامة من المفاوضات المعقدة والتحولات السياسية التي أدت إلى تعاقب سبعة رؤساء وزراء في غضون عشر سنوات فقط، مما عكس حالة من عدم الاستقرار العميق.
تشير البيانات الاقتصادية الحالية إلى أن الوعود التي أطلقتها حملة الخروج بـ 'استعادة السيطرة' واجهت واقعاً مغايراً تماماً على الأرض. فقد سجلت بريطانيا عجزاً قياسياً في الموازنة، وتراكم الدين العام ليتجاوز حاجز 2.9 تريليون جنيه إسترليني، وهو ما يمثل أكثر من 101% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا المستوى من الدين لم تشهده بريطانيا إلا في فترات الحروب الكبرى، مما يضع ضغوطاً هائلة على المالية العامة. وتعود أسباب هذه الأزمة إلى ارتفاع كلفة خدمة الدين نتيجة تشديد السياسات النقدية، بالإضافة إلى الضغوط التضخمية التي خلفتها أزمات الطاقة العالمية والتوترات الجيوسياسية المستمرة.
على صعيد العملة الوطنية، لا يزال الجنيه الإسترليني يئن تحت وطأة قرار الانفصال، حيث فشل في استعادة مستوياته السابقة أمام الدولار واليورو. وتفيد تقارير مالية بأن العملة البريطانية تتداول حالياً بمتوسط يقل بنسبة 10% عما كانت عليه قبل الاستفتاء، مما أدى لارتفاع كلفة الواردات الأساسية من غذاء وطاقة.
ولم تكن الأسواق المالية بمنأى عن هذه التداعيات، حيث فقدت لندن بريقها كأكبر مركز مالي في القارة الأوروبية. وغادرت مئات شركات الخدمات المالية العاصمة البريطانية باتجاه مراكز أوروبية أخرى، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في حجم التبادل التجاري وتراجع مكانة سوق الأوراق المالية اللندنية.
وتشير تقديرات أكاديمية من جامعة ستانفورد إلى أن 'بريكست' تسبب في انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 8% بحلول عام 2025. ويعزى هذا التراجع إلى مزيج من عدم اليقين الاستثماري، وسوء تخصيص الموارد، وتشتت جهود الإدارات التنفيذية في معالجة تبعات الخروج الطويلة والمعقدة.
وفيما يتعلق بملف الهجرة، الذي كان محركاً رئيساً لحملة الخروج، فقد أظهرت النتائج تحولاً غير متوقع في التركيبة السكانية للوافدين. فبينما تراجعت الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي لتصبح سلبية، ارتفعت معدلات الهجرة من الدول غير الأوروبية لتغطية العجز الحاد في العمالة بقطاعات حيوية.
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خفّض الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة تراوح ما بين 6 و8 في المئة بحلول عام 2025.
وتواجه الحكومة البريطانية حالياً تحديات في تحفيز النمو الاقتصادي الذي لا يزال يراوح مكانه عند مستويات متدنية لا تتجاوز 0.9%. وتضع هذه الأرقام المملكة المتحدة ضمن قائمة الاقتصادات المتقدمة الأبطأ في وتيرة التعافي بعد الأزمات العالمية المتلاحقة، مما يثير تساؤلات حول جدوى المسار الاقتصادي المستقل.
وعلى الرغم من الانفصال الرسمي، لا يزال الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا، حيث يستحوذ على نصف وارداتها تقريباً. وتجاوزت قيمة التجارة المتبادلة حاجز 800 مليار يورو، مما يثبت أن الارتباط الجغرافي والاقتصادي مع القارة العجوز يظل قدراً لا يمكن الفكاك منه بسهولة.
وتعاني الشركات المحلية من بيئة تشغيلية صعبة ناتجة عن ارتفاع كلفة التمويل وضعف القوة الشرائية للمستهلكين. كما أن مؤشرات الأسهم البريطانية لم تستطع مواكبة القفزات التي حققتها الأسواق الأمريكية، خاصة في ظل غياب الاستثمارات الضخمة في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفرضت الضغوط المالية على الحكومة اللجوء إلى زيادات ضريبية قياسية شملت اشتراكات التأمين الوطني، وهو ما واجه انتقادات واسعة من قطاع الأعمال. ويرى مراقبون أن هذه الأعباء الضريبية قد تعيق أي محاولة للنشاط التجاري للنهوض مجدداً في ظل ركود الأجور الحقيقي المستمر.
وتسببت أزمة غلاء المعيشة في تآكل مدخرات المواطنين البريطانيين، حيث تظل معدلات التضخم فوق المستهدفات الرسمية للبنك المركزي. هذا الواقع حد من قدرة صانعي السياسة النقدية على خفض أسعار الفائدة، مما أبقى كلفة الاقتراض مرتفعة على الأسر والشركات على حد سواء.
إن المشهد الاقتصادي البريطاني بعد عقد من 'بريكست' يرسم صورة لبلد يحاول إعادة تعريف هويته الاقتصادية في عالم مضطرب. وبينما كانت الوعود تتحدث عن 'بريطانيا العالمية'، يجد الواقع نفسه محاصراً بإنتاجية منخفضة واستثمارات أجنبية مترددة في الدخول إلى سوق فقدت ميزتها التنافسية السابقة.
ختاماً، يبقى السؤال حول قدرة الحكومات المتعاقبة على اجتراح حلول جذرية للأزمات الهيكلية التي فاقمها الخروج. فبين الديون التاريخية وتباطؤ النمو، تبدو الطريق نحو استعادة الازدهار الاقتصادي الذي سبقت عام 2016 طويلة وشاقة، وتتطلب رؤية تتجاوز الشعارات السياسية إلى الإصلاحات الاقتصادية العميقة.





شارك برأيك
عقد على «بريكست»: الاقتصاد البريطاني يواجه ديوناً تاريخية وفقدان المركز المالي الأول