اقتصاد

الإثنين 06 يوليو 2026 4:38 مساءً - بتوقيت القدس

حرب المعادن النادرة: بكين تشدد قبضتها والسباق العالمي يشتعل لكسر التبعية

أكدت السلطات في بكين وطوكيو اعتقال اثنين من الموظفين اليابانيين العاملين في شركة كبرى بالصين خلال الشهر الماضي، وذلك للاشتباه في تورطهما بمحاولة تهريب عناصر استراتيجية خارج البلاد. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس تشهد فيه العلاقات الثنائية توتراً متصاعداً، خاصة مع تشديد الصين لقيودها على تصدير معادن الأرض النادرة التي تعد عصب الصناعات التكنولوجية المتقدمة.

وتتهم الصين الموقوفين بمحاولة الالتفاف على القوانين الصارمة التي تفرضها لحماية مواردها من المعادن النادرة، وهي العناصر التي تعتمد عليها اليابان بشكل كلي في قطاعاتها التقنية. وقد وسعت بكين نطاق عقوباتها لتشمل الجهات التي تقدم تسهيلات لوجستية أو مالية لعمليات التصدير غير القانونية، في إطار صراعها التجاري الأوسع مع الولايات المتحدة وحلفائها.

في المقابل، بدأت دول كبرى مثل اليابان وكندا في التحرك نحو إبرام اتفاقيات لمشاريع تعدين مشتركة تهدف إلى تأمين مخزونات استراتيجية بعيداً عن السيطرة الصينية. وصرحت مصادر رسمية كندية بأن هذا التعاون يمثل حلقة ضمن سلسلة مبادرات دولية تهدف إلى تنويع سلاسل الإمداد العالمية وتقليل المخاطر الناجمة عن الاحتكار الصيني لهذا القطاع الحيوي.

وعلى الرغم من هذه التحركات، تشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن الجهود الغربية لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن في إزاحة الصين عن عرشها. فبكين لا تزال تتحكم في مفاصل التعدين والتكرير، وقد فرضت مؤخراً قيوداً استهدفت شركات أمريكية رائدة مثل 'أم بي ماتريالز' و'يو أس أي رير إيرث' لعرقلة مساعي واشنطن في بناء مصدر محلي مستقل.

وتعتبر معادن الأرض النادرة، المكونة من 17 عنصراً كيميائياً، حجر الزاوية في صناعة المغناطيسات عالية الأداء المستخدمة في محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح. كما تدخل هذه العناصر بشكل أساسي في تصنيع الأسلحة المتطورة والأجهزة الإلكترونية الدقيقة، وصولاً إلى البنية التحتية اللازمة لتطوير تقنيات الذاء الاصطناعي الحديثة.

وتسعى الشركات الأمريكية لزيادة استثماراتها بشكل مكثف لرفع معدلات الإنتاج المحلي، حيث تدير شركة 'أم بي ماتريالز' أكبر منجم في كاليفورنيا. وقد نجحت الشركة في رفع إنتاجها إلى نحو 51 ألف طن من أكاسيد المعادن النادرة خلال عام 2025، مقارنة بنحو 42 ألف طن في سنوات سابقة، في محاولة لتقليص الفجوة مع الإنتاج الصيني الضخم.

وفي المقابل، تواصل العملاقة الصينية 'تشاينا نورذرن رير إيرث' تعزيز مكانتها كأكبر منتج في العالم، حيث سجلت إنتاجاً بلغ 95 ألف طن في العام الماضي. ويتوقع خبراء أن يتجاوز إنتاج الشركة 103 آلاف طن خلال العام الجاري 2026، مما يعكس قدرة بكين على التوسع السريع والاستجابة للطلب العالمي المتزايد رغم القيود المفروضة.

أستراليا دخلت هي الأخرى مضمار السباق بقوة عبر شركات مثل 'ليناس رير إيرث'، التي رفعت إنتاجها إلى 12 ألف طن وتطمح للوصول إلى 16 ألف طن قريباً. كما تستعد شركات أسترالية جديدة لدخول السوق بحلول عام 2027، مما قد يساهم في توفير بدائل إضافية للسوق العالمية التي تعاني من تركز الإمدادات في منطقة جغرافية واحدة.

ويرى محللون أن الصراع على سلاسل التوريد لا يزال في بداياته، نظراً لأن الاستثمار في قطاع التعدين يتطلب رؤوس أموال ضخمة وفترات زمنية طويلة للوصول إلى مرحلة الإنتاج الفعلي. وتظل عمليات التنقية والتكرير هي العائق الأكبر أمام الدول الغربية، حيث تستحوذ الصين على أكثر من 90% من هذه العمليات المعقدة تقنياً.

وتشير بيانات حديثة إلى أن الصين تسيطر حالياً على نحو 68% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة، مع توقعات بتراجع طفيف لهذه النسبة لتصل إلى 63% بحلول عام 2030. ورغم هذا التراجع المتوقع، إلا أن بكين ستظل القوة المهيمنة بفعل تفوقها في تكاليف الإنتاج والخبرات الفنية المتراكمة على مدار عقود في هذا المجال.

وتطمح دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى زيادة الاستثمارات ليس فقط في المناجم، بل في الصناعات التحويلية المرتبطة بالمغناطيسات الدائمة. ويهدف هذا التوجه إلى خفض التبعية الاستراتيجية للصين، وضمان استمرارية الصناعات الدفاعية والتكنولوجية في حال نشوب نزاعات تجارية أو سياسية أوسع نطاقاً في المستقبل.

من الناحية المالية، تتوقع تقارير اقتصادية أن تتضاعف مداخيل الشركات العاملة خارج الصين بنحو عشرة أضعاف خلال السنوات الخمس المقبلة نتيجة الطلب المرتفع. ومع ذلك، فإن الشركات الصينية ستحقق قفزات كبرى أيضاً، حيث يتوقع أن يرتفع دخلها من 5.7 مليار دولار إلى أكثر من 17 مليار دولار بحلول نهاية العقد الحالي.

إن الهيمنة الصينية لا تقتصر على استخراج الخام من الأرض، بل تمتد لتشمل السيطرة على التكنولوجيا اللازمة لفصل العناصر ومعالجتها كيميائياً. وهذا التفوق التقني يجعل من الصعب على المنافسين الدوليين بناء سلاسل توريد متكاملة ومنافسة من حيث التكلفة والجودة في المدى المنظور، مما يبقي مفاتيح الصناعة العالمية بيد بكين.

ختاماً، يمثل تشديد القبضة الصينية على المعادن النادرة رسالة سياسية واقتصادية واضحة للمجتمع الدولي حول قدرة بكين على استخدام مواردها كأداة ضغط. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السباق العالمي نحو 'الاستقلال المعدني' أحد أهم الملفات التي ستشكل ملامح الاقتصاد العالمي والصراعات الجيوسياسية في السنوات القادمة.

دلالات

شارك برأيك

حرب المعادن النادرة: بكين تشدد قبضتها والسباق العالمي يشتعل لكسر التبعية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.