فلسطين

الأحد 05 يوليو 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد ألف يوم … وما زالت الإبادة مستمرة

د. عقل صلاح: الفلسطينيون أثبتوا قدرة استثنائية على الصمود والتمسك بأرضهم رغم ما جرى عبر ابتكار وسائل للتكيف مع الظروف القاسية
ماجد هديب: غياب وضوح حركة حماس بالأهداف والاستراتيجيات حال دون قدرة القانون الدولي على حماية الفلسطينيين وخاصة بعد عملية"طوفان الأقصى"
د. تمارا حداد: إسرائيل رغم ما أحدثته من دمار واسع وسيطرتها على نحو 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة لم تتمكن من إنهاء جذور الصراع أو فرض حل نهائي بالقوة
محمد أبو علان دراغمة: قطاع غزة يتجه نحو واقع يقوم على التقسيم لثلاث مناطق وإعادة الإعمار لن تكون قريبة والحصار سيستمر بأشكال مختلفة بمشاركة أمريكية
د. حسين الديك: الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية لم يترجم إلى مسار سياسي فعلي وبقيت المبادرات محدودة التأثير في ظل انشغال الإقليم بأزمات أخرى
هاني أبو السباع: أي مخرج حقيقي للأزمة في غزة لن يتحقق عبر المساعدات الإنسانية وإنما من خلال حل سياسي عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه


رام الله - خاص ب"القدس"-


يمثل مرور نحو ألف يوم على حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة محطة مفصلية في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حملت تحولات عميقة على المستويات الإنسانية والسياسية والقانونية والإقليمية والدولية، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القضية الفلسطينية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن التطورات المتصلة بالحرب في قطاع غزة تعكس استمرار حالة الانسداد السياسي وتفاقم الكلفة الإنسانية، في ظل غياب مبادرات حاسمة قادرة على وقف التصعيد، رغم تزايد الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية واتساع نطاق الدعوات المطالبة بإيجاد حل سياسي يضمن إنهاء الصراع، مشيرين إلى أن الحرب خلّفت كارثة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، تمثلت في دمار واسع للبنية التحتية، ونزوح جماعي، وأزمة معيشية وصحية وتعليمية خانقة، مع استمرار استهداف المدنيين، والسيطرة على مساحة واسعة من قطاع غزة، كما امتدت تداعياتها إلى الضفة الغربية، والتي شهدت تصعيداً غير مسبوق منذ عام 1967، شمل القتل والمصادرة والاستيطان والاعتداءات، في ظل غياب فعالية دولية قادرة على ردع الانتهاكات.



من أكثر المحطات قسوة في التاريخ الفلسطيني

يؤكد الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د.عقل صلاح أن مرور أكثر من ألف يوم على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة يمثل واحدة من أكثر المحطات قسوة في التاريخ الفلسطيني، موضحاً أن الحرب لم تستهدف البشر فقط، بل طالت مختلف مقومات الحياة، إلى جانب التجويع والتهجير، بما يعكس حقيقة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وبحسب صلاح، فإن هذه الحرب أظهرت تمسك الفلسطينيين بهدف إنهاء الاحتلال وإقامة دولتهم، وتأكيد أن المقاومة ستبقى قائمة ما دام الاحتلال مستمراً، مشيراً إلى أن إسرائيل سعت من خلال حجم الدمار والخسائر البشرية إلى منع تكرار أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومحاولة "كيّ الوعي" الفلسطيني وخلق واقع يحد من أي مقاومة مستقبلية، إلا أنها لم تتمكن من تجاوز آثار تلك الأحداث.
ويرى أن الحرب كشفت بصورة غير مسبوقة عجز النظام الدولي وازدواجية معاييره، بعدما أخفقت المؤسسات الدولية والقانون الدولي في وقف الحرب أو حماية المدنيين، الأمر الذي أدى إلى تآكل الثقة بشرعية المنظومة الأممية.
ويعتبر صلاح أن الفلسطينيين أثبتوا قدرة استثنائية على الصمود والتمسك بأرضهم، رغم الدمار الواسع واستمرار الحصار، من خلال ابتكار وسائل للتكيف مع الظروف القاسية، سواء في العلاج أو التعليم أو تأمين مقومات البقاء.

إسقاط مفهوم الردع الإسرائيلي المطلق

ويؤكد صلاح أن من أبرز نتائج الحرب أيضاً إسقاط مفهوم الردع الإسرائيلي المطلق، بعدما أظهرت التطورات هشاشة المنظومات الأمنية والعسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية، كما كشفت محدودية العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على الحروب السريعة، في مقابل استمرار حرب استنزاف طويلة، أبرزت أهمية الاعتماد على الإمكانات الذاتية الفلسطينية في مواجهة تداعيات الحرب.
ويشير صلاح إلى أن الحرب عززت الوعي الوطني الفلسطيني والتمسك بالحقوق، كما أبرزت الدور المتنامي للشعوب والحركات الطلابية حول العالم في إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي، معتبراً أن هذا الحراك أسهم في إضعاف الرواية الإسرائيلية وكشف آثار الحرب على صورة إسرائيل دولياً.
وحول السيناريوهات المحتملة، يطرح صلاح ثلاثة مسارات رئيسة، أولها نجاح الوسطاء في التوصل إلى ترتيبات إدارية تقودها لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة، معتبراً أن هذا الخيار يواجه ضغوطاً إسرائيلية وأمريكية تربط إعادة الإعمار بقضية نزع سلاح المقاومة.
ويتمثل السيناريو الثاني وفق صلاح، في استمرار حرب الاستنزاف إذا تعثرت المفاوضات واستمرت العمليات العسكرية وسياسات التجويع، بما يفاقم الأزمة الإنسانية.
أما السيناريو الثالث فيقوم، بحسب صلاح، على تدويل الملف الأمني لقطاع غزة عبر ترتيبات تشمل هدناً مؤقتة وإشراف قوات دولية أو عربية، وهو خيار قد يحد من القرار الوطني الفلسطيني ويمنح إسرائيل نفوذاً أمنياً أوسع، خصوصاً على المعابر.

عدم الاستفادة من التجارب السابقة

يؤكد الكاتب والباحث السياسي ماجد هديب أن مرور ألف يوم على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يفرض استخلاص دروس وعبر على المستويات الإنسانية والقانونية والسياسية والإعلامية، موضحاً أن أبرز الدروس الإنسانية تتمثل في ضرورة جعل حماية المدنيين أولوية تسبق أي مواجهة عسكرية أو سياسية، معتبراً أنه كان ينبغي تأمين مقومات صمود السكان قبل الإقدام على أي خيار عسكري.
ويشدد هديب على أن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم من نزوح واسع، وانهيار للخدمات الصحية والتعليمية، وفقدان أبسط مقومات الحياة، أدى إلى تراجع غير مسبوق في مستوى المعيشة، وأدخل المجتمع في ظروف إنسانية قاسية انعكست على البنية الاجتماعية والسلوكية لأهالي القطاع.

غياب حماية المدنيين

وعلى الصعيد القانوني، يرى هديب أن الحرب أظهرت غياب أي تأثير فعلي للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني في حماية المدنيين، رغم ما تعرض له قطاع غزة من عمليات قتل ودمار وتهجير، معتبراً أن ذلك يرتبط أيضاً بغياب استراتيجيات فلسطينية واضحة.
 ويتساءل عن الأهداف التي دفعت حركة حماس إلى تنفيذ عملية السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023، وما إذا كانت تستهدف إقامة دولة فلسطينية، أو تحقيق مشروع سياسي آخر، معتبراً أن غياب وضوح حركة حماس بالأهداف والاستراتيجيات حال دون قدرة القانون الدولي على حماية الفلسطينيين، خاصة بعد عملية"طوفان الأقصى"، في ظل وجود السلطة الفلسطينية باعتبارها صاحبة الشرعيتين السياسية والقانونية.

الضعف الفلسطيني والانقسام

وفي الشق السياسي، يعتبر هديب أن استمرار الانقسام الفلسطيني وغياب استراتيجية وطنية موحدة يستندان إلى تعارض بين أهداف السلطة الفلسطينية وأهداف حركة حماس، الأمر الذي حال دون توظيف العلاقات العربية والإقليمية والدولية لخدمة القضية الفلسطينية أو البناء على التداعيات السياسية للحرب.
ويؤكد هديب أن تحقيق أي مكاسب سياسية يستوجب توحيد الموقف الفلسطيني، والاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية، مع مراجعة البرامج والاستراتيجيات بصورة دورية لضمان توافقها مع تطلعات الشعب الفلسطيني نحو الاستقلال.
ويعتبر هديب أداء الإعلام الفلسطيني انشغل بنقل الوقائع الميدانية دون تطوير خطاب إعلامي موحد قادر على التأثير في الرأي العام العالمي أو في سياسات الدول الداعمة لإسرائيل، مشيراً إلى أن الاكتفاء بعرض حجم المعاناة لم يكن كافياً لإحداث تحول سياسي في مواقف تلك الدول.

تثبيت وقف لإطلاق النار

وحول السيناريوهات المحتملة لقطاع غزة، يرجح هديب أن تتحدد مآلات المرحلة المقبلة وفق مسار المفاوضات والموقف الأمريكي، إضافة إلى مواقف الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية ومصر وقطر.
ويعتقد هديب أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تثبيت وقف لإطلاق النار يتبعه إنشاء ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع وإعادة إعماره، وليس التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، في ظل استمرار غياب السلطة الفلسطينية والشرعية الدولية، واستمرار سيطرة حركة حماس على القطاع.

استمرار استنزاف المقاومة

ويشير هديب إلى وجود سيناريو آخر يتمثل في استمرار استنزاف المقاومة، سواء على مستوى بنيتها التنظيمية أو قدراتها البشرية، من خلال مواصلة العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة تتناسب مع الحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية حتى موعد الانتخابات، معتبراً أن هذا المسار يتقاطع مع مصالح كل من الحكومة الإسرائيلية وحركة حماس في الإبقاء على الوضع القائم خلال المرحلة المقبلة.
ويرى هديب أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى مزيد من التدهور الإنساني واستنزاف قدرات الفلسطينيين، ويهدد ما تبقى من مقومات حياتهم في قطاع غزة.

محطة مفصلية لتقييم مسار الصراع

تعتبر الكاتبة والباحثة السياسية د.تمارا حداد أن مرور ألف يوم على الحرب على قطاع غزة يمثل محطة مفصلية لإعادة تقييم مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس من زاوية الكلفة الإنسانية فحسب، وإنما من حيث التحولات السياسية والاستراتيجية التي أفرزتها الحرب على المستويات الفلسطينية والإسرائيلية والإقليمية والدولية، مؤكدة أن أبرز الدروس يتمثل في إثبات محدودية الحسم العسكري وعجز القوة المسلحة عن فرض تسوية سياسية دائمة.
وتوضح حداد أن إسرائيل، رغم ما أحدثته من دمار واسع وسيطرتها على نحو 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة، لم تتمكن من إنهاء جذور الصراع أو فرض حل نهائي بالقوة، وهو ما يعيد التأكيد على أن القضية الفلسطينية تبقى قضية سياسية لا يمكن حسمها بالوسائل العسكرية أو الأمنية.

إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا

وتشير حداد إلى أن الحرب كشفت انتقال السياسة الإسرائيلية من إدارة الصراع إلى إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا في قطاع غزة، من خلال تدمير البنية العمرانية، وإنشاء مناطق عازلة، والدفع باتجاه التهجير وفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها.
وتشدد حداد على أن الحرب شكلت اختباراً حقيقياً لمنظومة القانون الدولي، في ظل عجز المؤسسات الأممية عن وقف العمليات العسكرية أو توفير الحماية للمدنيين، الأمر الذي أدى إلى تراجع الثقة بقدرة هذه المؤسسات على تطبيق القانون الدولي وتحقيق العدالة.

الحرب لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية

وتشير حداد إلى أن طبيعة الصراع لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى مجالات الإعلام والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية، بالتزامن مع تغير ملموس في اتجاهات الرأي العام الدولي واعتراف عدد من الدول بالدولة الفلسطينية.
وترى حداد أن مستقبل قطاع غزة بات مرتبطاً بالتوازنات الإقليمية والدولية، وبأدوار الوسطاء والتفاهمات الأمريكية والإقليمية، معتبرة أن استمرار الانقسام الفلسطيني يضعف القدرة على إدارة المرحلة المقبلة، التي تتطلب قيادة موحدة وبرنامجاً وطنياً لإدارة إعادة الإعمار وتمثيل الفلسطينيين في أي ترتيبات سياسية.
وتحذر حداد من أن الطروحات المتعلقة بإنشاء مجلس لإدارة غزة، وإقامة مناطق إنسانية، وإنهاء دور وكالة الأونروا، قد تفضي إلى "خصخصة القضية الفلسطينية"، عبر فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وتقويض الدور السياسي للسلطة الفلسطينية.

مسارات محتملة

وفي قراءتها للسيناريوهات المحتملة، ترجح حداد استمرار خمسة مسارات رئيسية، أبرزها: تثبيت وقف إطلاق النار والدخول في مرحلة انتقالية تتضمن إدارة مؤقتة وإعادة إعمار وترتيبات أمنية إذا توافرت الإرادة الدولية والإقليمية، إلى جانب احتمال استمرار الحرب بوتيرة منخفضة، وفرض وقائع ميدانية جديدة عبر توسيع المناطق العازلة، مع بقاء فرص التوصل إلى صفقة سياسية شاملة محدودة، فضلاً عن احتمال اندلاع تصعيد إقليمي جديد إذا تعثرت التفاهمات الأمريكية الإيرانية.
وتشير حداد إلى أن أخطر نتائج الحرب تتمثل في سعي إسرائيل إلى إعادة صياغة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بالتوازي مع تسريع الاستيطان في الضفة الغربية، ما يجعل المرحلة المقبلة، صراعاً على شكل الحل السياسي ذاته ومستقبل القضية الفلسطينية بأكملها.

عجز المنظومة الدولية والإقليمية عن وقف الحرب

يؤكد الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن مرور ألف يوم على حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة كشف بصورة غير مسبوقة عجز المنظومة الدولية والإقليمية عن وقف الحرب.
ويرى أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية طوال هذه الفترة يعكس أن المجتمع الدولي لم يكن عاجزاً فحسب، بل تحول إلى شريك فيها من خلال إخفاقه في اتخاذ إجراءات عملية لوقفها أو محاسبة المسؤولين عنها.
ويوضح أن الحرب أظهرت فشل المؤسسات الدولية التي أُنشئت لحماية الشعوب وصون القانون الدولي، وفي مقدمتها مجلس الأمن، والأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، ومحكمة الجنايات الدولية، معتبراً أنها عجزت عن أداء الدور المنوط بها في وقف الحرب أو توفير الحماية للمدنيين.
ويشير دراغمة إلى أن عدداً من الدول الكبرى ساهم في تكريس هذا الفشل عندما أعلن رفضه تنفيذ قرارات محكمة الجنايات الدولية المتعلقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، وأكد عدم اعتقالهما في حال دخولهما أراضيها، الأمر الذي اعتبره مؤشراً على الشراكة في تقويض منظومة العدالة الدولية.

إسرائيل لا تعير اهتماماً لأحد

ويوضح دراغمة أن الحرب أكدت أيضاً أن إسرائيل لا تعير اهتماماً للقانون الدولي أو للمؤسسات الدولية أو حتى للدول الإقليمية والعربية المرتبطة معها باتفاقيات، مستندة إلى غياب أي إجراءات ردع حقيقية أو عقوبات سياسية واقتصادية من المجتمع الدولي أو الاتحاد الأوروبي أو القوى الإقليمية، وهو ما سمح باستمرار الحرب طوال هذه المدة.
ويرجح أن يتجه قطاع غزة نحو واقع يقوم على التقسيم، بحيث تبقى أجزاء منه خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وأخرى تحت سيطرة حركة حماس، مع احتمال ظهور منطقة ثالثة بإشراف مجلس الأمن أو لجنة تكنوقراط مدعومة أمريكياً، معتبراً أن إعادة إعمار القطاع لن تكون قريبة، وأن الحصار سيستمر بأشكال مختلفة، بمشاركة أمريكية.

السعي لتنفيذ مشروع تهجير سكان القطاع

ويعتقد دراغمة أن إسرائيل ستواصل العمل على تنفيذ مشروع تهجير سكان قطاع غزة، مشيراً إلى تقارير تحدثت عن تكليف جهاز الموساد بمتابعة هذا الملف، إلى جانب طرحه خلال لقاءات مع مسؤولين من "صوماليلاند".
ويشير إلى أن فرص قيام قيادة فلسطينية موحدة تجمع الضفة الغربية وقطاع غزة تبقى ضعيفة في المدى المنظور، لأن إسرائيل تعمل على منع قيام كيان فلسطيني موحد، ما يعني استمرار الانقسام والحصار ومحاولات التهجير، وبقاء قطاع غزة أمام أزمة طويلة الأمد دون حلول قريبة.

إعادة تشكيل المفاهيم

يعتبر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن مرور ألف يوم على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يمثل مرحلة تاريخية فارقة أعادت تشكيل العديد من المفاهيم المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبالمكانة الإقليمية لإسرائيل وحدود قوتها العسكرية، إضافة إلى انعكاساتها الإنسانية والسياسية والقانونية العميقة على مستوى الإقليم والعالم.
ويرى الديك أن هذه الفترة حملت آثاراً كارثية غير مسبوقة على الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة، حيث كان المدنيون الضحايا الأساسيين وسط دمار واسع طال البنية التحتية، واستهداف مباشر للسكان، وارتكاب إسرائيل مجازر إبادة جماعية، إلى جانب موجات نزوح وأزمة إنسانية شاملة امتدت إلى مختلف مناحي الحياة.
ويشير الديك إلى أن الضفة الغربية بدورها شهدت خلال الفترة ذاتها تصعيداً غير مسبوق منذ عام 1967، تمثل في القتل والمضايقات ومصادرة الأراضي وتوسع الاستيطان والاعتداءات وحرق الممتلكات، في ظل عجز دولي عن وقف هذه الانتهاكات.

التفوق الإسرائيلي فشل بتحقيق الأهداف السياسية

ويوضح الديك أن التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي لم ينجح في تحقيق أهدافه السياسية، إذ لم تتمكن الحكومة الإسرائيلية من تحويل الإنجازات الميدانية إلى نتائج سياسية واضحة، ما يعكس مأزقاً استراتيجياً مستمراً في إدارة الحرب.
ويبين الديك أن هذه المرحلة كشفت فجوة واسعة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي، سواء في إطار القانون الدولي الإنساني أو منظومة الأمم المتحدة، التي تعرضت لانتقادات حادة بسبب عجزها عن حماية المدنيين أو فرض احترام قواعد الحرب، مع اتهامات بتأثر قرارات مجلس الأمن بالسياسات الأمريكية.
ويشير الديك إلى تصاعد دور القضاء الدولي، لافتاً إلى إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه لأول مرة، إلى جانب قرارات وتدابير احترازية صادرة عن محكمة العدل الدولية تضمنت عشرة إجراءات، لم يتم الالتزام بها، ما يعكس ضعف الإرادة الدولية لتطبيق القانون الدولي.

تحولات ملحوظة بالرأي العام الدولي

ويؤكد الديك أن الرأي العام الدولي شهد تحولات ملحوظة، خصوصاً في أوروبا حيث دفع الحراك الشعبي المتضامن مع الفلسطينيين حكومات أوروبية إلى الاعتراف بدولة فلسطين، بينما يشهد الشارع الأمريكي بدوره تغيرات متصاعدة انعكست في الساحة الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي ومع اقتراب الاستحقاقات النصفية للكونغرس.
ورغم إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، يوضح الديك أن هذا الاهتمام لم يترجم إلى مسار سياسي فعلي، إذ بقيت المبادرات، ومنها المبادرة الفرنسية السعودية واجتماع باريس، محدودة التأثير في ظل انشغال الإقليم بأزمات أخرى في لبنان والسودان وإيران.
وعلى المستوى الفلسطيني الداخلي، يشير الديك إلى عوامل دفعت باتجاه عدم فاعلية التضامن بينها استمرار الانقسام وتعطل المؤسسات وغياب الانتخابات، مع استبعاد عودة قريبة للحياة الديمقراطية، مؤكداً أن الأولوية كانت للانتخابات التشريعية والرئاسية لا المحلية التي جرت في ظروف غير طبيعية.

خمسة سيناريوهات محتملة

ويعرض الديك خمسة سيناريوهات للمرحلة المقبلة، تشمل: التوصل إلى وقف إطلاق نار وتسوية سياسية رغم تعقيدات جوهرها ملف السلاح وإدارة القطاع، أو استمرار الصراع منخفض الحدة مع سيطرة إسرائيل على أجزاء واسعة من غزة، أو العودة إلى تصعيد عسكري واسع، أو فرض احتلال عسكري مباشر، وهو خيار مستبعد بسبب كلفته العالية، مقابل سيناريو خامس يتمثل بعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، وهو ما ترفضه إسرائيل خشية إنهاء الانقسام الجغرافي بين غزة والضفة الغربية.

تحولات سياسية واستراتيجية عميقة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن مرور ألف يوم على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أفرز تحولات سياسية واستراتيجية عميقة، أبرزها انتقال القضية الفلسطينية، في نظر قطاعات واسعة من العالم، من كونها قضية إنسانية إلى قضية سياسية تتعلق بحق شعب واقع تحت الاحتلال في الحرية وتقرير المصير.
ويعتبر أبو السباع أن مجمل السياسات الأمنية والعسكرية التي اتبعتها إسرائيل تجاه القطاع، بما في ذلك الحصار الممتد منذ 19 عاماً والحروب المتكررة، أخفقت في تحقيق الأمن الذي سعت إليه.

فشل المقاربة الأمنية الإسرائيلية

ويوضح أبو السباع أن الحرب أثبتت فشل المقاربة الأمنية الإسرائيلية، سواء من خلال الحصار أو المنظومات التكنولوجية والعسكرية التي أُقيمت حول قطاع غزة، مشيراً إلى أن أحداث السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023، أسقطت نظرية الردع الإسرائيلي، وأظهرت أن مفهوم "الأمن المطلق" الذي روّجت له إسرائيل لم يعد قائماً، رغم الإمكانات العسكرية والتقنية التي سخرتها لحماية حدودها.
ويشير أبو السباع إلى أن الحرب أسهمت في إحداث تحول ملموس في الرأي العام العالمي، ولا سيما بين فئة الشباب، حيث اتسع التأييد للقضية الفلسطينية، وانتشرت شعارات التضامن معها في مختلف أنحاء العالم، بالتزامن مع تراجع احتكار الرواية الإسرائيلية، بعدما أسهمت منصات الإعلام والتواصل في نقل مشاهد الدمار والضحايا، ما عزز الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب جرائم واسعة في قطاع غزة.
ويعتبر أبو السباع أن الحرب كشفت أيضاً، رغم تنامي التعاطف الشعبي العالمي مع الفلسطينيين، ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي، وعجز المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها مجلس الأمن والأمم المتحدة، عن وقف الحرب، مؤكداً أن ذلك يفرض إعادة النظر في آليات عمل هذه المؤسسات وإصلاحها بما يضمن تطبيق القانون الدولي بصورة متساوية.

صمود أهالي غزة

ويرى أبو السباع أن صمود سكان قطاع غزة أفشل محاولات تهجيرهم، رغم الضغوط العسكرية والإنسانية، مؤكداً أن الحرب أثبتت أن إرادة الشعوب وحركات التحرر لا يمكن كسرها بالقوة.
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، يتوقع أبو السباع استمرار الأوضاع الميدانية على حالها في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، واستمرار معاناة أهالي القطاع، مع بقاء السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة منه، واستبعاد إقامة مستوطنات جديدة في المرحلة الراهنة، مقابل احتمال محدود لتفعيل مبادرات دولية لإدارة القطاع.
ويرى أبو السباع أن أي مخرج حقيقي للأزمة في قطاع غزة لن يتحقق عبر المساعدات الإنسانية، وإنما من خلال حل سياسي عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه، لافتاً إلى أن الحرب ألحقت أيضاً خسائر بشرية وعسكرية ومجتمعية بإسرائيل، ما يعكس إخفاقها في تحقيق أهدافها بعد ألف يوم من القتال.

دلالات

شارك برأيك

بعد ألف يوم … وما زالت الإبادة مستمرة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.