انطلقت في العاصمة الإيرانية طهران، اليوم السبت، مراسم تشييع مهيبة للمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، وسط إجراءات أمنية مشددة وترقب دولي لمستقبل نظام الحكم. وتأتي هذه المراسم بعد أشهر من عملية الاغتيال التي استهدفت مقره في فبراير الماضي، والتي نفذتها قوى أمريكية وإسرائيلية مشتركة.
وفي ظل هذه الأجواء الجنائزية، يبرز اسم نجله مجتبى خامنئي كخليفة له في منصب المرشد الأعلى، رغم الغموض الكثيف الذي يحيط بحالته الصحية ومكان تواجده. وتؤكد مصادر مطلعة أن مجتبى يدير شؤون الدولة من موقع سري نتيجة الإصابات التي لحقت به خلال الهجوم الذي أودى بحياة والده وعدة أفراد من عائلته.
وتشير تقارير صحفية دولية إلى أن مجتبى خامنئي، الذي وُصف بـ 'آية الله المخفي'، يعاني من إصابات في الوجه والصدر والأطراف، مما منعه من الظهور العلني المتكرر. ومع ذلك، تؤكد مصادر استخباراتية غربية أنه استعاد فاعليته في إدارة الملفات الحساسة، لا سيما الاستراتيجية العسكرية والمفاوضات مع القوى الدولية.
ويرى مراقبون أن صعود مجتبى للسلطة يمثل تحولاً جوهرياً في بنية النظام الإيراني، حيث بات الحرس الثوري اللاعب الأكثر نفوذاً في عملية اتخاذ القرار. وقد وُصف تنصيبه بـ 'الانقلاب الصامت' الذي فرضه العسكر على مجلس الخبراء لضمان استمرارية النهج المتشدد في مواجهة التحديات الخارجية.
وعلى الصعيد الديني، يواجه المرشد الجديد تحديات تتعلق بشرعيته، كونه لم يبلغ رتبة 'آية الله' بالمسار التقليدي في الحوزات العلمية. وقد تم منحه هذا اللقب بقرار إداري من مكتب المرشد في عام 2024، في خطوة استباقية لتمهيد الطريق نحو توريث المنصب لأول مرة منذ سقوط الشاه.
وتشهد طهران تدفقاً لملايين المشيعين الذين رفعوا رايات حمراء ترمز للمطالبة بالثأر من منفذي عملية الاغتيال، وعلى رأسهم دونالد ترامب. وتتوقع السلطات الإيرانية أن تصل أعداد المشاركين في الجنازة إلى نحو 20 مليون شخص، مما دفعها لإعلان حالة الاستنفار القصوى وإغلاق المجال الجوي.
وبحسب البرنامج المعلن، فإن جثمان المرشد الراحل سينقل من طهران إلى مدينة قم المقدسة، قبل أن يتوجه الموكب إلى النجف وكربلاء في العراق. ومن المقرر أن تنتهي المراسم بدفن الجثامين في مدينة مشهد يوم التاسع من يوليو الجاري، بجوار مرقد الإمام الرضا.
مجتبى خامنئي بات يمثل حلقة الوصل الرئيسية بين المؤسسة الدينية والعسكرية، رغم افتقاره للشرعية الدينية التقليدية.
وتضم الجثامين المسجاة، إلى جانب المرشد الراحل، أربعة من أفراد أسرته بينهم ابنته وصهره وحفيدته، بالإضافة إلى زوجة نجله مجتبى. وتعكس هذه الخسائر العائلية الفادحة حجم الضربة التي تعرضت لها القيادة الإيرانية في فبراير الماضي، والتي هزت أركان النظام السياسي.
ورغم غيابه عن الجنازة لأسباب أمنية، أصدر مجتبى خامنئي بيانات رسمية دعا فيها الشعب الإيراني إلى الوحدة والتماسك في وجه 'مؤامرات الأعداء'. وأكدت مصادر مقربة من مكتبه أن فريقه الأمني نصحه بعدم الحضور خشية تعرضه لمحاولة اغتيال جديدة أو تعقب مكانه السري.
وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، أبدى مجتبى تحفظات واضحة على بعض بنود الاتفاق المبدئي بين طهران وواشنطن الذي يدعمه الرئيس مسعود بزشكيان. ويشير هذا التباين إلى وجود مراكز قوى متعددة داخل النظام، حيث يميل المرشد الجديد وحلفاؤه في الحرس الثوري نحو مواقف أكثر راديكالية.
وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن مجتبى خامنئي كان المسؤول الفعلي عن قمع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في سنوات سابقة، بما في ذلك 'الحركة الخضراء'. هذا السجل الأمني جعل منه شخصية مثيرة للجدل داخلياً، لكنه في الوقت ذاته عزز من ثقة الجناح العسكري في قدرته على حماية النظام.
وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مجتبى منذ عام 2019، معتبرة إياه المحرك الفعلي للعديد من السياسات العدائية الإيرانية في المنطقة. ومع توليه المنصب رسمياً، تتوقع الدوائر السياسية أن تدخل إيران مرحلة هي الأخطر في تاريخها الحديث، تتسم بمواجهة مباشرة مع الغرب.
وتشارك وفود من نحو 50 دولة في مراسم التشييع، من بينها دول خليجية مثل السعودية وقطر وعمان، في إشارة إلى الرغبة في الحفاظ على قنوات اتصال دبلوماسية. وتأتي هذه المشاركة رغم حالة التوتر الإقليمي، وفي ظل هدنة هشة تم التوصل إليها في منتصف يونيو الماضي.
ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة مجتبى خامنئي على الحفاظ على توازن القوى الذي أرساه والده لعقود طويلة. فمع صعود جيل جديد من القادة العسكريين المتشددين، يبدو أن إيران تتجه نحو نظام أكثر تعددية في مراكز القوة، وأقل اعتماداً على الكاريزما الدينية الفردية للمرشد.





شارك برأيك
مجتبى خامنئي.. المرشد 'المخفي' يقود إيران من الظل وسط مراسم تشييع والده