أقلام وأراء

السّبت 18 يوليو 2026 8:27 صباحًا - بتوقيت القدس

سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود: (٨) البيت الذي حاصروا جدرانه فعانقته القرية

في محاضر الجنود تبدأ الحكاية عادةً من لحظة وصول القوة العسكرية، وتنتهي بانسحابها. بضعة أسطر باردة، وأفعال بصيغة الماضي، ومصطلحات تُخفي أكثر مما تُظهر: "تم التعامل"، "تم التوقيف"، "تم تفريق المتجمهرين". لكن ما بين "تم" الأولى و"تم" الأخيرة، تختفي حياة كاملة لا تجد طريقها إلى الورق.


لا أحد يكتب في تلك المحاضر أن قريةً بأكملها سهرت لأن بيتاً واحداً كان مهدداً. ولا أحد يدوّن أن الجدران حين شعرت بالحصار، خرج الناس من بيوتهم ليصبحوا جدراناً أخرى، وأن البيت الذي أرادوا عزله، احتضنته القرية حتى بدا وكأنه يتسع للجميع.


في المغير، لم يكن منزل الحاج محمد حامد عطا أبو عليا مجرد بناء من حجر، بل كان ذاكرة ممتدة على عمر أجيال، وآخر ما تبقى من يقين يقول إن الإنسان يستطيع أن يشيخ في المكان الذي وُلد فيه. لذلك، لم يكن استهدافه استهدافاً لجدران، بل محاولة لاقتلاع معنى أعمق؛ أن يتحول البقاء إلى مخاطرة، وأن يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد.


لن تكتب محاضر الجنود أن الأهالي لم يأتوا بحثاً عن مواجهة، بل هرباً من فكرة أن يبقى جارهم وحيداً. كانوا يعرفون أن البيوت لا تسقط حين تنهار جدرانها، بل حين يتخلى عنها أصحابها وجيرانها. لذلك افترشوا ساحة المنزل، وجعلوا من أجسادهم سياجاً أخلاقياً حوله، وكأنهم يعلنون أن القرية ليست تجمعاً من البيوت، بل شبكة من الأرواح التي ترفض أن ينكسر أحدها وحده.


ولن تذكر المحاضر اسم مؤمن أبو عليا إلا بوصفه "موقوفاً". أما الحقيقة، فهي أنه كان شاباً رأى منزله وعائلته في مواجهة اعتداء المستوطنين، فوقف حيث يقف الإنسان حين لا يملك إلا كرامته. اقتاده الجنود من أمام البيت، ثم أعادوه بعد ساعات إلى الإسعاف الفلسطيني، محمولاً بآثار الضرب والتنكيل، ملفوفاً بطبقة من القصدير، كأنهم كانوا يحاولون تغليف الألم نفسه قبل تسليمه. لكن الألم لا يُخفى بورق معدني، والكرامة لا تُطوى كما تُطوى البطانيات، والذاكرة لا تصل إلى أهلها إلا أكثر وضوحاً كلما حاولوا طمسها.


ولن تكتب المحاضر أن الرصاص الذي أُطلق بكثافة لم يكن يستهدف أجساداً فقط، بل كان يستهدف الفكرة التي جمعت الناس في تلك الساحة؛ فكرة أن البيت لا يخص عائلة واحدة، بل يخص القرية كلها. فحين يصبح الدفاع عن منزل مسؤولية جماعية، تفقد القوة العسكرية أهم أسلحتها: عزل الضحية عن محيطها.


في فلسفة الاحتلال، يُقاس النجاح بعدد البيوت التي تُفرغ من أهلها. أما في فلسفة الأرض، فيُقاس النجاح بعدد الذين يرفضون أن يغادروا، وعدد الذين يبيتون مع عائلة واحدة حتى لا تشعر أنها وحدها. ولهذا لم يكن الاعتصام مجرد فعل احتجاجي، بل كان إعلاناً وجودياً بأن الانتماء ليس شعاراً يُقال، بل مسؤولية تُحمل، وأن الوطن لا يبدأ عند حدوده، إنما عند أول بيت يرفض أهله أن يتركوه، وأول جار يرفض أن يتركهم وحدهم.


سيكتب الجندي أنه نفذ مهمة، لكنه لن يكتب أن شيخاً في عقده العاشر ظل ينظر إلى بيته كما ينظر الإنسان إلى عمره كله. وسيكتب أنه فرّق حشداً، لكنه لن يكتب أن الحشد لم يكن سوى قرية تحاول أن تمنع اقتلاع ذاكرتها. وسيكتب أنه أوقف شاباً، لكنه لن يكتب أن القرية كلها خرجت أكثر يقيناً بأن الكرامة لا تُعتقل.


سيبقى في الأرشيف محضرٌ بارد، مكتمل الأختام، ناقص الحقيقة. أما ما سيبقى في المغير، فلن يكون ورقةً ولا توقيعاً، بل ذاكرة قرية عانقت بيتاً حين حاصروه، وشاباً خرج من الاعتقال مثقلاً بالجروح، وأهلاً أدركوا أن بعض البيوت لا يحرسها الحجر، بل الناس. ولعل هذه هي الحقيقة التي يعجز كل محضر عن تدوينها: أن القوة تستطيع أن تُحاصر الجدران، لكنها لا تستطيع أن تمنع قريةً كاملة من أن تعانقها، ولا أن تنتزع من الناس إيمانهم بأن البيت، حين يصبح قضية الجميع، يغدو أكبر من أن يُقتلع، وأبقى من أن تمحوه محاضر الجنود.

دلالات

شارك برأيك

سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود: (٨) البيت الذي حاصروا جدرانه فعانقته القرية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.