عاجل: رسالة واشنطن
واشنطن–سعيد عريقات – 23/6/2026
أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن مستقبل المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران يتوقف على مدى التزام إيران بالتعهدات التي قطعتها خلال المباحثات الأخيرة، ولا سيما ما يتعلق بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشدداً على أن الإدارة الأميركية "تعرف تماماً ما وافقت عليه إيران"، وأن القرار بات في يد القيادة الإيرانية للمضي قدماً أو مواجهة خيارات جديدة قد يقررها الرئيس دونالد ترمب.
وجاءت تصريحات روبيو خلال لقاء مع الصحافيين في الإمارات العربية المتحدة، ضمن جولة خليجية تهدف إلى التشاور مع الحلفاء الإقليميين بشأن تطورات المفاوضات مع إيران والانعكاسات الأمنية والسياسية الناتجة عنها.
وقال روبيو إن الخلافات العلنية الصادرة عن مسؤولين إيرانيين بشأن قبول عمليات التفتيش الدولية لا تغير من فهم واشنطن لما تم الاتفاق عليه، مضيفاً أن تنفيذ الالتزامات الإيرانية سيفتح الباب أمام استمرار العملية السياسية، بينما سيؤدي التراجع عنها إلى مراجعة أميركية شاملة للمسار الحالي.
وأكد الوزير الأميركي أن واشنطن تنظر إلى شركائها الخليجيين باعتبارهم طرفاً أساسياً في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية، مشيراً إلى أن هدف الزيارة هو الاستماع إلى تقييماتهم ومخاوفهم بعد الاجتماعات الأخيرة التي عقدت في سويسرا بشأن الملف الإيراني.
وفي ما يتعلق بموقف دول الخليج من الإطار المطروح للتفاهم مع طهران، أوضح روبيو أن جميع الحلفاء يدعمون مبدأ السلام وخفض التوتر، إلا أن النجاح النهائي يعتمد على التفاصيل وآليات التنفيذ. وأضاف أن الأزمة الممتدة منذ نحو خمسة عقود لا يمكن حلها خلال أيام، رغم ما وصفه بالتقدم الذي تحقق خلال الساعات الأخيرة.
وأشار روبيو إلى أن الإدارة الأميركية تدرك المخاوف الأمنية والاقتصادية لدول المنطقة، مؤكداً أن هذه الهواجس ستكون جزءاً أساسياً من أي اتفاق مستقبلي، نظراً لأن دول الخليج ستكون الأكثر تأثراً بنتائج التفاهمات أو فشلها.
وفي معرض رده على أسئلة حول مقترحات إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران في حال التوصل إلى اتفاق شامل، نفى روبيو وجود أي خطط أميركية لتمويل مثل هذا الصندوق، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تقدم أموالاً حكومية لهذا الغرض.
لكنه أشار إلى أن إيران قد تحصل على فرص استثمارية واسعة إذا اختارت التحول إلى "دولة طبيعية" بدلاً من الاستمرار في ما وصفه بدعم الحركات المسلحة وتصدير الإرهاب. وأضاف أن أي تدفقات استثمارية مستقبلية ستبقى رهناً بإحراز تقدم ملموس في ملفات أمنية وسياسية أخرى.
وفي ملف لبنان، شدد روبيو على أن المباحثات الجارية بين المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين في واشنطن منفصلة عن المفاوضات مع إيران، مؤكداً أن لبنان دولة ذات سيادة وأن مستقبله يجب أن يقرره اللبنانيون عبر مؤسساتهم المنتخبة.
وأوضح أنه أجرى اتصالات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، وأن الولايات المتحدة تعمل بشكل مباشر مع الحكومة اللبنانية لمعالجة الملفات الثنائية، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن الدعم الإيراني لحزب الله سيبقى جزءاً من الحوار الأميركي الإيراني.
وفي ما يتعلق بالانتقادات التي تشير إلى أن مسودة التفاهم الحالية لا تتضمن بشكل واضح ملف الصواريخ الإيرانية أو نشاط الجماعات الحليفة لطهران في المنطقة، أكد روبيو أن هذه القضايا ستكون جزءاً أساسياً من المفاوضات المقبلة.
وقال إن الحديث عن إنهاء الصراعات في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق ما دامت جماعات مرتبطة بإيران تطلق الصواريخ والطائرات المسيرة أو تنخرط في أنشطة مسلحة، معتبراً أن معالجة هذه الملفات تشكل شرطاً ضرورياً لإنجاح أي اتفاق دائم.
كما تناول الوزير الأميركي قضية الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن حرية الملاحة مبدأ يحكمه القانون الدولي، وأن الممر المائي يعد ممراً دولياً لا يحق لأي دولة فرض رسوم أو قيود على عبوره، معرباً عن اعتقاده بأن دول المنطقة تتفق مع هذا المبدأ.
وتكشف تصريحات روبيو أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تسويق المفاوضات مع إيران بوصفها عملية تدريجية تتجاوز الملف النووي نحو إعادة صياغة التوازنات الإقليمية بأكملها. فالحديث المتكرر عن الوكلاء المسلحين والصواريخ والنفوذ الإقليمي يوحي بأن واشنطن لا ترى الاتفاق المرتقب مجرد تفاهم تقني حول التخصيب والتفتيش، بل إطاراً أوسع لإعادة ضبط السلوك الإيراني في الشرق الأوسط. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن ربط جميع هذه الملفات المعقدة باتفاق واحد قد يجعل فرص النجاح أكثر صعوبة، نظراً لتعارض المصالح الإقليمية وتشابك الأزمات القائمة.
كما يعكس تركيز روبيو على التشاور مع الحلفاء الخليجيين إدراكاً أميركياً متزايداً بأن أي اتفاق مع إيران لن يكون قابلاً للاستمرار إذا شعر الشركاء الإقليميون بأن مصالحهم الأمنية قد جرى تجاهلها. فدول الخليج تنظر بقلق إلى برامج الصواريخ الإيرانية وشبكة الحلفاء المسلحين المنتشرين في عدد من الدول العربية، وترى أن معالجة هذه الملفات لا تقل أهمية عن معالجة البرنامج النووي نفسه. ولذلك يبدو أن واشنطن تحاول تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التفاهم مع طهران وطمأنة الحلفاء الذين يخشون تكرار تجارب سابقة أثارت شكوكهم.
أما في الشق اللبناني، فتكشف تصريحات روبيو عن محاولة أميركية للفصل بين مسار بناء الدولة اللبنانية ومسار التفاوض مع إيران، رغم اعترافه الصريح باستمرار تأثير طهران عبر حزب الله. ويعكس هذا التوجه رغبة واشنطن في تعزيز شرعية المؤسسات اللبنانية ومنح الحكومة الجديدة هامشاً أوسع للتحرك بعيداً عن التجاذبات الإقليمية. لكن نجاح هذا النهج سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الكاملة، وهو هدف ما زال يواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة في ظل استمرار الانقسامات الداخلية والتوترات الحدودية مع إسرائيل.





شارك برأيك
روبيو من الخليج: التقدم مع إيران مرهون بالتفتيش الدولي وكبح الوكلاء المسلحين