أقلام وأراء

الثّلاثاء 23 يونيو 2026 12:17 صباحًا - بتوقيت القدس

معضلة الإصلاح الشامل: لماذا لا يمكن جمع البشر على قلب رجل واحد؟

تظل قضية فهم أعماق النفس البشرية وسبر أغوارها واحدة من أعقد المسلمات التي استعصت على الإدراك البشري عبر العصور. إن محاولة البعض فرض قوالب محددة للفهم أو السلوك الإنساني تصطدم دوماً بحقيقة أن هناك مساحات في الوعي والقدر الإلهي ليس لنا أن ندركها أو نغير مساراتها الحتمية.

في سياق الغرائب السياسية، برز تصريح للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ادعى فيه أن بلاده وصلت لمرحلة من القدرة تمكنها من إحياء الموتى. ورغم أن هذا القول يتجاوز حدود المنطق والعقل، إلا أنه يعكس نزعة إنسانية متجذرة في الرغبة بالسيطرة على ما هو خارج عن الإرادة البشرية والسنن الكونية الثابتة.

لقد سعى الإنسان منذ هبوط آدم عليه السلام إلى الأرض نحو تحقيق ما لا ينال، محاولاً تحويل الأمنيات الكبرى إلى حقائق ملموسة. هذه الرغبة، وإن كانت تنبع أحياناً من إرادة مطلقة في فعل الخير ونشر الصلاح، إلا أنها كثيراً ما تصطدم بالواقع المعقد للطبيعة البشرية التي جبلت على التباين.

شهدت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهور مصلحين كبار كرسوا حياتهم لمحاولة النهوض بالأمة العربية والإسلامية. هؤلاء الرواد وضعوا نظريات لتحديد المسار، وجاء من بعدهم من حاول تقنين هذه الأفكار وتحويلها إلى خطوات عملية تهدف لخلق نواة إصلاحية تنطلق من مصر لتشمل العالم.

استندت هذه المشاريع الإصلاحية في جوهرها إلى المبدأ العمري الخالد الذي يربط عزة العرب بالإسلام، وهو حق لا يختلف عليه اثنان. لكن الإشكالية الكبرى ظهرت في محاولة صياغة نموذج يفرض اتفاق الجميع، من الفرد إلى الدولة، على وتيرة واحدة وتطبيق حرفي موحد لا يراعي التعددية الفطرية.

إن الغاية المتمثلة في استعادة شمس الحضارة العربية الإسلامية هي غاية نبيلة ومشروعة، لكن آليات تحقيقها بجمع العالم كله على فكرة واحدة تظل أمنية صعبة المنال. فالتاريخ والواقع يثبتان أن الوحدة المطلقة في الرأي والمنهج لم تكن يوماً سمة من سمات المجتمعات البشرية المستقرة.

تؤكد النصوص القرآنية أن الاختلاف هو الأصل في خلق البشرية، حيث يقول الله تعالى: 'ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم'. هذا الاختلاف ليس عيباً، بل هو وسيلة لتكامل الحياة وتوضيح الحقائق، وبضدها تتميز الأشياء وتعرف قيمتها الحقيقية في الوجود.

لو أراد الخالق عز وجل لجعل الناس أمة واحدة منذ اللحظة الأولى، ولما سمح بوجود التناقضات والصراعات بين الخير والشر. لكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الإنسان مخيراً، مزوداً بملكات العقل والقدرة على الاختيار بين الهداية والضلال، مما يجعل فكرة 'تعبيد الأنفس' قسراً أمراً مستحيلاً.

يروى عن أحد كبار المنظرين الحركيين في نهاية حياته مراجعة هامة تعكس نضج التجربة، حيث تمنى لو أنه ركز جهده على تربية عدد محدود من الشباب تربية عميقة بدلاً من محاولة استيعاب الجماهير العريضة. هذه الرؤية المتأخرة تعترف بصعوبة التعامل مع النفس البشرية وتقلباتها الكثيرة.

النفس البشرية هي مزيج معقد من الملكات والعقول، والقدرات والآمال، والشهوات وكبح الجماح. إنها كيان يحمل في طياته أضداداً ونقائض لا يحيط بها إلا خالقها، الذي ألهمها فجورها وتقواها، مما يجعل محاولة توجيهها في اتجاه واحد عملاً يتجاوز القدرات البشرية المحدودة.

عاشت أجيال متعاقبة تحلم بنظرية 'أستاذية العالم' وإمكانية جمع الناس قاطبة على طريق الهداية، متجاهلة اختلاف المشارب والأهواء ووجود الأقليات. هذه التساؤلات حول كيفية التعامل مع التنوع البشري ظلت تحتاج إلى إجابات وتطوير لم يواكب الطموحات الكبرى لتلك الحركات.

بالنظر إلى التاريخ الإسلامي المبكر، نجد أن الارتداد عن الدين حدث في أجزاء من شبه الجزيرة العربية فور وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وصفت السيدة عائشة حال المسلمين حينها بالضعف والتشتت، مما يدل على أن الإيمان والالتزام ليس حالة ثابتة ومستقرة لدى الجميع بالضرورة.

حتى في عهد النبوة، وهو أزهى عصور الهداية، وجد النفاق والمنافقون داخل المجتمع المسلم، مما يؤكد أن الطبيعة البشرية تحتمل وجود النقائض حتى في ظل وجود الوحي. هذا الواقع التاريخي يستوجب من المصلحين المعاصرين بناء رؤاهم على الممكن لا على المستحيل المتخيل.

إن بناء حضارة عادلة تشمل بعدلها الإنسان والحيوان والطبيعة يتطلب رؤية واقعية تنطلق من الممكن والمتاح. الإصلاح الحقيقي يبدأ من فهم أننا لا نستطيع إصلاح البشرية جمعاء، بل يمكننا العمل على تحسين الواقع وتطوير المجتمعات بما يتوافق مع سنن الله في خلقه.

دلالات

شارك برأيك

معضلة الإصلاح الشامل: لماذا لا يمكن جمع البشر على قلب رجل واحد؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.