فلسطين

الإثنين 22 يونيو 2026 11:10 صباحًا - بتوقيت القدس

أملاك الكنيسة في عين العاصفة: كيف تدافع البطريركية الأرثوذكسية عن حقوقها التاريخية؟



القدس- مراسل "القدس" الخاص-
في مدينة القدس، تتداخل العقيدة بالتاريخ والسياسة بالعقار، لا تُعد أملاك الكنيسة مجرد أصول مالية أو عقارات تقليدية، بل تشكل جزءاً من معركة أوسع تتعلق بالهوية والوجود المسيحي الفلسطيني في المدينة المقدسة.
وجاء في تقرير حول الأملاك المسيحية في المدينة المقدسة والداخل الفلسطيني ودور البطريركية الأرثوذكسية في الحفاظ عليها، أعده مدير الدائرة الإعلامية في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس الصحفي واصل الخطيب أنه منذ انتخاب البطريرك ثيوفيلوس الثالث بطريركاً للقدس عام 2005، وضعت البطريركية الأرثوذكسية ملف حماية واستعادة الأملاك الكنسية في صدارة أولوياتها، في مواجهة محاولات استيطانية وقانونية متواصلة تستهدف واحدة من أكبر المؤسسات المالكة للأراضي في فلسطين التاريخية. وتشير البطريركية إلى أن استراتيجيتها خلال العقدين الماضيين لم تقتصر على الدفاع القانوني عن العقارات المتنازع عليها، بل شملت أيضاً استعادة أراضٍ كانت قد خرجت من سيطرتها نتيجة عقود إيجار قديمة أو ترتيبات قانونية معقدة تعود إلى عقود سابقة.
وأضاف الخطيب في تقريره أن من أبرز النجاحات التي تعلنها البطريركية في هذا السياق استعادة أرض استراتيجية في حي أبو طور جنوبي القدس. فبعد أكثر من عقد من المتابعة القانونية والمالية، تمكنت البطريركية عام 2023 من استعادة حقوقها الكاملة في الأرض مقابل نحو 80 مليون شيكل، محررةً إياها من قيود قانونية وحجوزات ترتبت على اتفاقيات وتأجيرات سابقة. وتكتسب هذه الأرض أهمية خاصة لوقوعها بجوار كنيسة أرثوذكسية تاريخية واحتوائها على آثار بيزنطية، الأمر الذي دفع البطريركية إلى اعتبار استعادتها نموذجاً لسياسة "استرجاع وحماية العقارات الأرثوذكسية" التي تتبناها منذ سنوات.

نجاحات ملموسة
وقال الخطيب في تقريره: كما نجحت البطريركية في استعادة مساحات واسعة من الأراضي التابعة لدير قصر اليهود في منطقة الأغوار على ضفاف نهر الأردن، وهي أراضٍ كانت خاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967. وقد اعتبر البطريرك ثيوفيلوس الثالث آنذاك أن هذه الخطوة تؤكد إمكانية استعادة الحقوق التاريخية للكنيسة عبر العمل القانوني والدبلوماسي طويل النفس، مشدداً على أن معركة الحفاظ على الأملاك المسيحية لم تنتهِ بعد.

ملفات معقدة
واستدرك التقرير: غير أن ملف الاستعادة لا يلغي وجود ملفات أكثر تعقيداً ما تزال محل نزاع مفتوح مع سلطات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية. ويبرز في مقدمة هذه الملفات ما يعرف بقضية عقارات باب الخليل عند مدخل البلدة القديمة للقدس، والتي تشمل فنادق وعقارات تاريخية استحوذت عليها جمعية استيطانية عبر صفقات تعود إلى عهد البطريرك السابق ايرنيوس. وقد خاضت البطريركية بقيادة البطريرك ثيوفيلوس الثالث معارك قضائية طويلة لإبطال تلك الصفقات، معتبرة أنها قامت على التزوير والفساد والابتزاز، وأنها تستهدف تغيير الطابع الديمغرافي والمسيحي للمدينة القديمة. ورغم الانتكاسات القضائية التي تعرضت لها البطريركية أمام المحاكم الإسرائيلية، فإنها لا تزال تعتبر القضية مفتوحة سياسياً وقانونياً ودولياً.

قضية سلوان
وقال التقرير: أما في حي سلوان، الذي يشهد واحدة من أكثر المواجهات العقارية حساسية في القدس المحتلة، فقد تحولت بعض الأراضي والعقارات التابعة للكنائس إلى محور صراع متصاعد بين المؤسسات الكنسية والجمعيات الاستيطانية التي تسعى إلى توسيع وجودها حول البلدة القديمة والمسجد الأقصى. وتؤكد البطريركية أن أي محاولة للمساس بالأملاك الكنسية في سلوان لا يمكن فصلها عن مشروع أوسع يهدف إلى إحاطة البلدة القديمة بطوق استيطاني يحد من الوجودين الاسلامي والمسيحي معاً.
وأضاف التقرير: تكتسب هذه الأراضي أهمية استثنائية بسبب موقعها الجغرافي الملاصق للأسوار الجنوبية للقدس القديمة، ما يجعلها هدفاً دائماً للمشاريع الاستيطانية الساعية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.
وتستند البطريركية في دفاعها عن هذه الممتلكات إلى حقيقة أنها تعد من أكبر ملاك الأراضي في القدس وفلسطين. فالمؤسسة الأرثوذكسية راكمت عبر قرون طويلة مساحات واسعة من الأراضي والأوقاف التي تمتد من القدس إلى بيت لحم والأغوار وأجزاء من الجليل، وقد تحولت هذه الأملاك مع الوقت إلى أحد أهم عناصر الصمود المسيحي الفلسطيني. ولذلك تنظر الكنيسة إلى حماية العقارات باعتبارها حماية للوجود المسيحي نفسه، لا مجرد حماية لثروة عقارية.

مسارات متوازية
وفي هذا السياق، أشار تقرير الخطيب إلى أن البطريركية تؤكد أن جهودها تتوزع بين عدة مسارات متوازية: التقاضي أمام المحاكم، والاستعانة بالخبرات القانونية الدولية، والحفاظ على المستأجرين الفلسطينيين في العقارات المهددة، إضافة إلى العمل الدبلوماسي مع الحكومات والكنائس العالمية لإبقاء قضية الأملاك المسيحية حاضرة على الأجندة الدولية. ويكرر البطريرك ثيوفيلوس الثالث في مناسبات عديدة أن المعركة الحقيقية ليست على الحجر فحسب، بل على هوية القدس وتعددها الديني والثقافي.

الدور الأردني التاريخي
وفي قلب هذه الجهود يبرز الدور الأردني بوصفه أحد أهم مظلات الحماية السياسية للمقدسات المسيحية والإسلامية في القدس. فبموجب الوصاية الهاشمية التي يتولاها الملك عبد الله الثاني، تحظى الكنائس التاريخية في القدس بدعم سياسي ودبلوماسي مستمر، وتعتبر البطريركية الأرثوذكسية أن هذا الدعم يشكل ركيزة أساسية في مواجهة الضغوط التي تتعرض لها أملاكها.
وقد وجّه البطريرك ثيوفيلوس الثالث في أكثر من مناسبة الشكر للعاهل الأردني على دعمه المتواصل في معارك تثبيت الحقوق العقارية والدفاع عن الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، مؤكداً أن الوصاية الهاشمية لا تقتصر على حماية الأماكن المقدسة، بل تشمل الدفاع عن الطابع التاريخي والديني للقدس بكل مكوناتها.

مواجهة مستمرة على الرواية
وهكذا تبدو معركة الأملاك الأرثوذكسية في القدس أكبر من مجرد نزاع على قطع أرض أو مبانٍ تاريخية. إنها مواجهة مستمرة على الرواية والهوية والوجود، تتداخل فيها قرارات المحاكم مع الحسابات السياسية والدبلوماسية. وبينما نجحت البطريركية خلال السنوات الأخيرة في استعادة بعض الأراضي الاستراتيجية وإحباط محاولات للسيطرة على أخرى، فإن ملفات مثل سلوان وباب الخليل وغيرها تؤكد أن الصراع على الأملاك المسيحية في فلسطين ما يزال مفتوحاً، وأن الحفاظ على هذه الأوقاف بات جزءاً من معركة أوسع للدفاع عن الحضور المسيحي العربي في القدس والأراضي المقدسة.

دلالات

شارك برأيك

أملاك الكنيسة في عين العاصفة: كيف تدافع البطريركية الأرثوذكسية عن حقوقها التاريخية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.