أقلام وأراء

الأحد 21 يونيو 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

من يعيد بناء الإنسان؟

كلما اشتدت المأساة في غزة، عاد الحديث عن إعادة الإعمار، وعن الأموال المطلوبة، والخطط الهندسية، والمشاريع المنتظرة لإزالة الركام وإعادة بناء ما دمرته الحرب. وكأن المشكلة تكمن فقط في البيوت التي هُدمت، أو الطرق التي دُمرت، أو المصانع التي توقفت عن العمل. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

فالقضية ليست قضية حجارة وإسمنت وحديد، بل قضية إنسان. وليست قضية أبنية انهارت، بل قضية مجتمع تعرض لواحدة من أقسى عمليات التدمير والاستنزاف والاقتلاع في العصر الحديث. إن السؤال الذي ينبغي أن تسبق كل المؤتمرات والوعود والخطط هو: من يعيد بناء الإنسان؟ من يعيد الثقة التي حطمتها سنوات القتل والحصار والخوف؟

من يعيد الطمأنينة إلى طفل استيقظ على أصوات القصف ورأى الموت والجوع والنزوح قبل أن يعرف معنى الحياة؟ من يعيد إلى الأمهات أبناءهن، وإلى الأبناء آباءهم، وإلى البيوت دفئها، وإلى الشوارع وجوه جيرانها وأصدقائها؟

إن إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فحسب، بل عملية سياسية وأخلاقية وقانونية بامتياز. فالمباني التي تهدمت يمكن إعادة بنائها خلال سنوات، أما الخسائر البشرية والإنسانية والنفسية والاجتماعية فقد تحتاج إلى عقود طويلة، وبعضها لا يمكن تعويضه أبدا.

ولذلك فإن الخطأ الأكبر يكمن في التعامل مع إعادة الإعمار باعتبارها بديلا عن وقف أسباب الدمار، أو باعتبارها تعويضا عن الخسائر الإنسانية الهائلة التي لحقت بالشعب الفلسطيني. فالإعمار لا يسبق وقف الحرب، بل يأتي بعده. ولا يسبق الإغاثة، بل يأتي بعدها. ولا يسبق حماية الإنسان، بل يقوم عليها.

أما الحديث عن إعادة بناء المدن بينما يستمر الخوف والجوع والحصار والتهجير، فهو أشبه بمحاولة ترميم السقف فيما لا تزال النيران مشتعلة في أساسات المنزل.

لقد علمتنا تجارب الشعوب أن التنمية لا تزدهر تحت القصف، وأن الاستثمار لا ينجح في ظل انعدام الاستقرار، وأن العمران لا يصمد إذا غابت العدالة. فالسلام الحقيقي لا يبنى فوق أنقاض الحقوق، ولا فوق ركام المظالم، ولا فوق جراح مفتوحة بلا مساءلة أو إنصاف.

ومن هنا فإن أي مشروع جاد لإعادة إعمار غزة يجب أن ينطلق من ثلاثة أسس مترابطة: أولها، وقف العدوان بصورة كاملة ودائمة، وضمان حماية المدنيين ومنع تكرار المأساة. وثانيها، توفير الإغاثة العاجلة ورفع كل أشكال الحصار والتجويع التي تستهدف مقومات الحياة الإنسانية. وثالثها، معالجة الجذور السياسية للصراع من خلال تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرضه.

فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية إعادة إعمار، بل قضية شعب يسعى إلى الحياة والحرية والكرامة والعدالة. أما الإعمار فهو نتيجة للسلام العادل، وليس بديلاً عنه.

ويبقى السؤال الذي لا تستطيع الأموال الإجابة عنه، ولا تستطيع المؤتمرات الدولية تجاوزه: من يعيد إلينا من فقدناهم؟ من يعيد الأطفال الذين غابوا، والأمهات اللواتي رحلن، والآباء الذين سقطوا، والأصدقاء الذين تركوا مقاعدهم فارغة، والجيران الذين تحولت بيوتهم إلى ذكريات؟ لا أحد.

ولهذا تبقى حماية الإنسان هي المهمة الأولى، ويبقى وقف المأساة هو الإعمار الحقيقي الأول، لأن الحجر يمكن تعويضه، أما الإنسان فلا يُعوَّض، ولأن الأوطان تُبنى بأبنائها قبل أن تُبنى بجدرانها.

دلالات

شارك برأيك

من يعيد بناء الإنسان؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.