أعتقد أن ما جرى من اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران سيُغيّر قواعد اللعبة في المنطقة، بعد اختلال جيوسياسي واضح رافق تصاعد العربدة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة في ظل حرب الإبادة في قطاع غزة والهجوم على لبنان وإيران بحرب شرسة استهدفت رؤوس القيادة السياسية والدينية في طهران.
إلا أن الصمود الإيراني، واستخدام عامل الجغرافيا بصورة حاسمة، أظهرا هشاشة القوة المفرطة في التعامل مع الأزمات الدولية، وأثبتا أن الإرادة السياسية قادرة على تعديل موازين القوى، حتى في ظل اختلالات كبيرة في موازين القوة التقليدية.
إيران بعد الحرب
إن خسارة إيران لسوريا، ومحاولة تصفية حليفها الاستراتيجي في لبنان "حزب الله"، قد منحت منطق القوة العسكرية مساحة أوسع في حسابات واشنطن وتل أبيب. إلا أن الصمود الإيراني، وإعادة بناء قوة حزب الله بوصفه حركة مسلحة تعتمد استراتيجية حرب العصابات، مع بروز عنصر الجغرافيا والتضاريس الوعرة التي ساعدت الحزب على الصمود، قد خلط أوراق واشنطن وتل أبيب في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، خرجت إيران من عزلتها الدولية، وأظهرت أن الصمود يمكن أن يحقق نتائج عبر المراوغة السياسية، من خلال تقديم تنازلات معينة مقابل وقف سياسة الإملاءات والعربدة التي ينتهجها الصقور في واشنطن وتل أبيب. ويمكن لطهران أن تعيد رسم أذرعها في المنطقة، في لبنان والعراق واليمن، بصورة مدروسة، مع تقديم تنازلات محددة لصالح مؤسسات الدولة في هذه البلدان، مع الحفاظ في الوقت ذاته على النفوذ الإيراني فيها.
القوى الإقليمية في المنطقة
لا يخفى على أحد الدور الباكستاني والتركي والعربي الفاعل في حلحلة النزاع، وجهود الوساطة الباكستانية التي أثبتت أن الدبلوماسية يمكن أن تكون عاملًا مؤثرًا في تسوية النزاعات الدولية. وقد تلاقت هذه الجهود مع الصمود والرد العسكري الإيراني، الذي كان، بحسب أنصاره، عظيمًا ومشحونًا بقدر كبير من الحنكة الاستراتيجية التي تُدرَّس في الغرف المغلقة التي تُصاغ فيها القرارات السياسية الكبرى.
الخريطة الجيوسياسية التي يتم تشكيلها
إن إعادة مصر وتركيا والسعودية وباكستان بناء قدراتها العسكرية بفعالية، وعدم الاعتماد الكلي على الغرب، والتوجه نحو الصين تحديدًا، التي كان لجهودها الدبلوماسية أثر واضح في مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، بوساطة الحليف الأبرز لبكين، وأقصد باكستان، كل ذلك يبيّن أن القوى الإقليمية الصاعدة، من خلال تكاملها السياسي والعسكري واستخدامها أدوات القوة الناعمة، أصبحت ركيزة أساسية في إعادة بناء النظام الإقليمي في مواجهة الطموحات الإسرائيلية التوسعية.
ويجب على إيران أن تعيد تعريف نفسها في المنطقة بوصفها دولة صديقة وجارة، وأن تسعى إلى التكامل مع المحور العربي التركي الباكستاني، مع الإصرار على التعاون مع الصين وروسيا، في إطار مشروع يهدف إلى إخراج المنطقة تدريجيًا من الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، خصوصًا مع تزايد التململ الأوروبي من النبرة الاستعلائية الصادرة عن قيادة البيت الأبيض، والتي تسعى إلى إعادة إحياء نظام القطب الواحد، بل وفرضه بالقوة إن أمكن.
الخلاصة:
يبدو أن الانتصارات الإسرائيلية قد وصلت إلى حائط مسدود مع الاتفاق الأمريكي الإيراني، الذي أخرج جانبًا من الخلاف غير المعلن بين قيادتي البلدين إلى العلن، بما يوحي بأن إدارة ترامب باتت أكثر واقعية في مقاربتها للملفات الدولية. ومن الممكن أن ينعكس ذلك على مجمل القضايا الدولية، سواء فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، أو النزاع التجاري مع الصين والحلفاء الغربيين.
وربما نشهد أيضًا حلحلة في ملف غزة، الذي بات شبه منسي نتيجة غياب قوة فاعلة قادرة على تحريك هذا الملف، مع استمرار الجهود الدبلوماسية المصرية التي نأمل أن تُكلَّل بالنجاح. كما أعتقد أن أوروبا باتت أكثر رغبة في إيجاد تسوية للنزاع الروسي الأوكراني، في محاولة لاسترضاء ترامب بعد ما اعتبره البعض خذلانًا أوروبيًا له خلال التوترات التي شهدها مضيق هرمز.
وفي المقابل، تبدو روسيا أكثر مرونة في تعاطيها مع الملفات الدولية، بما يوحي بوجود إدراك سياسي متزايد بأن الحروب لا تفضي إلا إلى الخراب وخسارة الجميع. وقد ينعكس هذا الإدراك على شكل النظام الدولي مستقبلًا، ليصبح أكثر عقلانية، وأكثر خضوعًا لمنطق المصالح المتوازنة والحلول السياسية السليمة.





شارك برأيك
الاتفاق الأمريكي الإيراني بجهود إقليمية معتبرة