بينما اتفقت إيران والولايات المتحدة الأمريكية على وقف الحرب بينهما، بما يشمل لبنان، خرجت غزة من دوائر الاتفاق، وبقيت يد الاحتلال مشرعةً تفرض الحصار والقصف والإبادة بكل أشكالها، من التجويع إلى التهجير. وليس هذا فحسب، بل إن الأخطر هو غيابها عن الإعلام وأفواه المحللين السياسيين، وكأنها تُركت وحدها تواجه مصيرها في ظل ما نراه من حرمان متعمد من كل أوجه الحياة، في بيئة مستحيلة لا تصلح للعيش الآدمي، داخل خيامٍ معبأة بالفقد والنقصان، وممتلئة بالأوبئة والقوارض والفيروسات.
لم يسارع مجلس السلام المزعوم إلى ممارسة خطواته الفعلية الموعودة على الأرض، ولم تباشر اللجنة الإدارية، التي يبدو أنها لا تصلح لإدارة شؤون الناس، مهامها، ولا أحد يدري كيف سيكون مستقبل غزة، بيد أن الواقع بكل صوره المخيفة نذير شؤم وبؤس، ومع كل يوم يمر تزداد المعاناة وتمتد غمامة العدم.
الناس في غزة ضحايا هذا العراء اللئيم، ولا أحد يدثرهم، أو يؤمّنهم من خوف، أو يطعمهم من جوع.
يعيش الناس في غزة ظروفًا شديدة القسوة، ولم تعد لهم طاقة على التحمل بعد أن عاشوا فصول الإبادة بكل دمويتها وبشاعتها، وهي مستمرة في ظل الحصار وفقدان الطعام وفقدان الأمل، وبين الخيام ومراكز الإيواء التي لا تصلح للعيش ولا تصلح أن تكون مأوى للبشر. وأمام تقاعس الجميع من مجتمع دولي وأنظمة عالمية ودول إقليمية وعربية، وفي ظل حالة من التراخي المتعمد من قبل ما يسمى بلجنة إدارة غزة، وتجاهل واضح من قبل الإدارة الأمريكية، فإن بقاء الوضع على حاله يعني استمرار حرب الإبادة والتهجير، واستمرار المعاناة وسط انعدام تام لكل مقومات العيش والحياة.
توقفت الحرب على الجبهات الأخرى، بينما غابت غزة عن أي اتفاق، وبقيت الوعود تراوح مكانها، وتُركت غزة وحدها تواجه ما تتعرض له من حصار وخراب ودمار، وهي تراقب بعين الانتظار تنفيذ الاتفاق، وألا تبقى الوعود مجرد كلمات زائفة تراوح مكانها.
إن عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة ضمانة لعودة الحياة في غزة بعد أن فشلت محاولات زرع كيانات هزيلة بديلًا عن التمثيل الوطني الفلسطيني المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة كذراعٍ تنفيذية فاعلة وقادرة على إنقاذ الواقع من عثرات الضياع، إلا أن حكومة الاحتلال لا تزال ترفض ذلك، وهي تضع العراقيل وتزيد من خنق الواقع الفلسطيني، الأمر الذي يستدعي تدخلًا ضاغطًا من قبل الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب، لكي لا تبقى حكومة الاحتلال تفرض شروطها الرامية إلى إبقاء الوضع على حاله ودفع الناس إلى الهجرة في إطار خطط وضعتها منذ بدأت الحرب.
لا بديل عن عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، ليس من باب القدرة على إعادة البناء والاعمار فقط، بل لأنها بذلك تعيد لحمة الوطن بين شطريه في الضفة وغزة بعد عقود من الانقسام الذي أودى بغزة إلى واقع الخراب، وهذا هو الضمان الوحيد لبث الروح من جديد في القضية الفلسطينية على قاعدة وطن واحد وكيان واحد وتعددية سياسية وحزبية وفكرية.
في النهاية لا يمكن أن تبقى غزة رهينة الانتظار، ولا ضحية التجاهل السياسي والإنساني تحت ضغط حكومة اليمين المتطرف، فكل يوم يمر من دون خطوات عملية لإنهاء الحصار وتمكين السلطة الفلسطينية من القيام بدورها الوطني، يعني مزيدًا من الألم والمعاناة لملايين الفلسطينيين الذين يعيشون الفقد والخراب وويلات الإبادة. إن إنقاذ غزة ضرورة ملحة فلم يعد الأمر مجرد استحقاق سياسي، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية ووطنية، تتطلب إرادة حقيقية تضع حدًا لهذه المأساة المستمرة، وتفتح الطريق أمام استعادة الوحدة الفلسطينية وبناء مستقبل يليق بشعبنا الفلسطيني.





شارك برأيك
غزة خارج الاتفاق