في اليوم الأول لامتحانات الثانوية العامة، لم يأتِ دولة رئيس الوزراء د.محمد مصطفى والوفد الرسمي المرافق، من الوزراء وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومحافظ رام الله والبيرة د.ليلى غنام، وقادة الأجهزة الأمنية والشرطية، إلى المغير بصفة الزائر، بل بصفة الوطن حين يعود إلى أطراف جروحه. وبين طلبة يكتبون مستقبلهم، وقرية تكتب كل يوم ملحمة بقائها في مواجهة اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، بدا هذا الحضور وكأنه رسالة تقول إن الأرض التي تُستهدف بالاقتلاع والتهجير ما زالت في قلب الحكاية الوطنية، وإن الصمود حين يلقى من يشاركه أعباءه يتحول من احتمال للبقاء إلى يقين.
لم يكن هذا حضوراً رسمياً عابراً، ولا زيارة تُقاس ببروتوكولات الاستقبال والوداع، بل كان وصولاً من القلب إلى القلب، ومن وجع الوطن إلى نبضه الحي.
في المغير، حيث تتعاقب جروح الأرض وأهلها تحت وطأة اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، وحيث يقف الناس يومياً على تخوم الصبر دفاعاً عن حقهم في البقاء، جاء هذا اللقاء كفعل وفاء وطني، ويد تمتد من قلب الوطن إلى خاصرته الجريحة لتضميد ما أثقلته الأيام من ألم، وتؤكد أن القرى التي تُستهدف بالاقتلاع والتهجير ليست وحدها في مواجهة العاصفة.
ولعل ما منح هذه الزيارة عمقاً إضافياً أنها لم تكن حدثاً منفصلاً عن سياق من المتابعة المستمرة لاحتياجات بلدة المغير وأهلها، والوقوف على التحديات التي تواجهها جراء الاعتداءات المتواصلة من قبل الاحتلال والمستوطنين. فقد عكست هذه الزيارة اهتماماً متواصلاً من دولة رئيس الوزراء والحكومة بأوضاع البلدة وتعزيز مقومات صمودها، بما يؤكد أن المغير حاضرة في الاهتمام الوطني وليست على هامشه.
كما نثمّن الجهود التي بُذلت من قبل الحكومة لاستقطاب السلك الدبلوماسي إلى البلدة، وتمكين ممثلي البعثات الدولية من الاطلاع عن كثب على حقيقة ما يجري على الأرض، ورؤية معاناة المواطنين والانتهاكات التي تستهدف حياتهم وأراضيهم بشكل مباشر. وهي خطوة مهمة في نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، وتعزيز الحضور الدولي الشاهد على واقع الاعتداءات التي تتعرض لها البلدة، بما يسهم في إيصال صوت أهلها إلى المحافل الدولية ودعم حقهم في الحياة والكرامة على أرضهم.
لقد حمل حضوركم معنى يتجاوز الكلمات؛ معنى الشراكة في الوجع والأمل، والإيمان بأن الصمود ليس قدراً يُترك لأصحابه، بل مسؤولية وطنية يتقاسمها الجميع. وبين قاعات الثانوية العامة وأحلام الطلبة، بدا المشهد وكأن الوطن يطمئن أبناءه بأن العلم سيبقى أقوى من الخوف، وأن الحياة ستنتصر على كل محاولات المحو والإلغاء.
إن المغير، وهي تواجه مشاريع الاقتلاع، لا تحتاج إلى من يذكرها بقيمة الثبات؛ فهي تكتب هذه القيمة كل يوم بدموع أمهاتها وصبر أهلها وإصرار أبنائها. لكن هذه اللفتة الكريمة جاءت لتؤكد حقيقة عميقة: أن الوطن حين يحضر إلى أطراف جروحه، تتحول المعاناة إلى قوة، ويتحول الألم إلى معنى، ويتجدد اليقين بأن ما يُدافع عنه الناس هنا ليس مجرد أرض، بل حق في الوجود وكرامة لا تقبل المساومة.
فلكم منا الشكر على هذا اللقاء الذي لم يكن زيارة، بل رسالة انتماء، ولم يكن مروراً، بل موقفاً؛ موقفاً أعاد ترميم شيء من الروح في قرية ما زالت تقف شامخة في وجه الريح، مؤمنة بأن جذور الحق أعمق من كل محاولات الاقتلاع، وأن الأرض التي تُروى بالصبر لا يمكن أن تُنتزع من أصحابها.





شارك برأيك
حين حضر الوطن في المغير.. بين طلبة يكتبون مستقبلهم وقرية تكتب ملحمة بقائها