تتصاعد التساؤلات في الأوساط السياسية حول جدوى المقترح القاضي بتشكيل صندوق دولي لإعادة إعمار إيران، وهو البند الذي يبدو في ظاهره وسيلة لإغراء طهران بالتخلي عن طموحاتها النووية. يرى مراقبون أن هذا التوجه يهدف إلى استبدال لغة القوة العسكرية بالدبلوماسية الاقتصادية، عبر دمج النظام الإيراني في المنظومة العالمية تحت إغواء التنمية والازدهار.
إن فكرة جلب إيران إلى الشق الاقتصادي قد تكون مقدمة لإحداث تغييرات هيكلية في سياساتها الخارجية، حيث يُفترض أن الانفتاح الاقتصادي يضع أي نظام على سكة التغيير الحتمي. ومع ذلك، يبرز هذا الطرح كأحد تجليات العقيدة البراغماتية التي تسعى للخروج من مأزق الاستنزاف العسكري الذي تورطت فيه القوى الكبرى، لا سيما بعد اكتشاف صعوبة الوصول بإيران إلى نقطة الاستسلام الكامل.
تشير تسريبات من دوائر صنع القرار في واشنطن إلى أن دول الخليج مرشحة لتكون الممول الرئيس لهذا الصندوق، وهو ما يثير جملة من الاعتراضات المنطقية والاستراتيجية. فالمساهمة الخليجية في إعمار إيران قد تُفهم في السياق السياسي على أنها اعتراف بانتصار طهران وتحولها إلى قوة مهيمنة ووكيلة إقليمية، وهو سيناريو ترفضه عواصم المنطقة جملة وتفصيلاً.
من الناحية الاقتصادية، تكبدت الدول الخليجية خسائر بمليارات الدولارات نتيجة التوترات العسكرية المباشرة التي طالت منشآتها الحيوية، فضلاً عن تضرر قطاعات السياحة وسلاسل الإمداد العالمية. وبدلاً من دفع فاتورة الإعمار، ترى هذه الدول أن المنطق السليم يقتضي حصولها على تعويضات عادلة من إيران عن الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية واقتصادها الوطني خلال سنوات الصراع.
لا تقتصر الأضرار الإيرانية على الجوانب المباشرة، بل تمتد لتشمل الخراب الذي طال دولاً مثل سوريا واليمن والعراق، وهو ما انعكس سلباً على الاستقرار الإقليمي ككل. وتجد دول الخليج نفسها غير ملزمة بجبر الأضرار التي أحدثتها العمليات العسكرية الإسرائيلية أو الأمريكية في الداخل الإيراني، خاصة وأنها لم تكن طرفاً مشاوراً في قرار إشعال تلك الحروب.
تطرح الأوساط الخليجية تساؤلات مشروعة حول الضمانات التي تكفل عدم استخدام أموال الإعمار في تمويل الأنشطة الأمنية والعسكرية أو دعم الأذرع المسلحة في المنطقة. ففي غياب قوانين استثمار عصرية وشفافة في إيران، يظل الاستثمار في اقتصادها مخاطرة غير محسوبة العواقب، وتفتقر لأدنى درجات الجاذبية الاستثمارية التي تبحث عنها الصناديق السيادية.
إن محاولة فرض فاتورة الإعمار على الجيران تمثل نوعاً من 'العمى الاستراتيجي' الذي يتجاهل أن دول الخليج كانت قادرة على التعامل مع إيران تجارياً قبل اندلاع المواجهات. فقد كانت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تسير بشكل طبيعي، ولم تكن المنطقة بحاجة إلى صفقات كبرى تفرض عليها أعباءً مالية مقابل استعادة وضع كان قائماً بالفعل.
تمويل صندوق إعمار إيران سيؤكد سردية انتصارها في الحرب وتحولها إلى قوة مهيمنة في المنطقة، وهو ما يمثل خطراً استراتيجياً على دول الجوار.
يبقى الغموض سيد الموقف بشأن البنود السرية التي قد يتضمنها أي اتفاق لإنهاء الحرب، وما إذا كانت هناك تفاهمات لم تُعلن للرأي العام حول حجم المساهمات المالية المطلوبة. فالتفاصيل المتعلقة بالصندوق لا تزال في طي الكتمان، خاصة فيما يتعلق بالمقابل السياسي أو الأمني الذي ستحصل عليه الدول العربية لقاء انخراطها في هذا المشروع.
يرى محللون أن القبول الخليجي بالمساهمة في الصندوق إن حدث، سيكون نتيجة المفاضلة بين خيارات أحلاها مر، مثل التهديد برفع الغطاء الأمني الأمريكي عن المنطقة. كما أن هناك مخاوف من فرض رسوم عبور باهظة في الممرات المائية الدولية في حال عجزت القوى الكبرى عن تأمين الملاحة بالقوة العسكرية، مما يضع دول المنطقة تحت ضغط الابتزاز الاقتصادي.
في المقابل، قد يكون الانخراط في الصندوق مشروطاً بضمانات دولية صارمة تشمل تفكيك الأذرع العسكرية الإيرانية في العواصم العربية والالتزام الكامل بسياسة حسن الجوار. ويجب أن تُصاغ هذه الضمانات ضمن معاهدات ملزمة تحت رعاية مجلس الأمن الدولي لضمان عدم عودة طهران إلى ممارساتها السابقة بمجرد تعافي اقتصادها.
إن الرهان على أن الاقتصاد سيغير أيديولوجيا النظام الإيراني هو رهان محفوف بالمخاطر، خاصة وأن التجارب التاريخية أثبتت قدرة الأنظمة العقائدية على توظيف الانفتاح لتعزيز قبضتها. لذا، فإن أي مساهمة مالية خليجية يجب أن تقابلها تنازلات إيرانية ملموسة على أرض الواقع، وليس مجرد وعود شفهية في أروقة المؤتمرات الدولية.
علاوة على ذلك، فإن دول الخليج التي تقود مشاريع تنموية ضخمة داخل حدودها، ترى أن أولويات الإنفاق يجب أن تظل موجهة لخدمة رؤاها الوطنية الطموحة. فليس من المنطقي استنزاف الفوائض المالية في بناء اقتصاد دولة كانت، ولا تزال، تمثل التحدي الأمني الأكبر لاستقرار المنطقة وازدهارها المستقبلي.
ختاماً، يظل ملف إعمار إيران اختباراً حقيقياً لمدى قدرة دول المنطقة على فرض شروطها في الترتيبات الإقليمية لمرحلة ما بعد الحرب. فالمسألة ليست مجرد أرقام في صندوق استثماري، بل هي إعادة صياغة لموازين القوى، وتحديد لهوية الجهة التي ستتحمل كلفة الفوضى التي ضربت الشرق الأوسط لسنوات طويلة.
إن الموقف الخليجي الموحد تجاه هذه القضية سيكون حاسماً في منع تحويل المنطقة إلى صراف آلي لتسوية صراعات القوى العظمى. فالتنمية الحقيقية تبدأ من كف الأذى واحترام السيادة، وليس عبر صفقات مالية قد تمنح المعتدي مكافأة على مغامراته العسكرية التي دفع الجميع ثمنها باهظاً.





شارك برأيك
صندوق إعمار إيران: هل تتحمل دول الخليج كلفة مغامرات واشنطن؟